اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - تابع تفسير الآية رقم [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


تفسير سورة لقمان - تابع تفسير الآية رقم [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مما قاله العلماء في بيان عمل اسم الإشارة (تلك): أنه يشير إلى البعيد الغائب، وأن المراد به ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم من نزول كتاب عليه، وعلى هذا فلا يقصد به الإشارة إلى القريب الحاضر، ونقضوا بذلك كل ما أورده أصحاب القول الأول الذين حملوا الإشارة إلى القريب على التناوب في أسماء الإشارة مرة، والإشارة إلى البعيد دلالة على علو المنزلة مرة، وأن (تلك) تكون بمعنى (هذه) التي تشير إلى القريب والبعيد على حد سواء.
القول الثاني في تفسير اسم الإشارة (تلك) أنه للبعيد الغائب
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد:القول الثاني في بيان المراد باسم الإشارة: أن اسم الإشارة هنا (تلك) للبعيد، والمشار إليه بعيد، واختلف في تعيين ذلك البعيد كما قال القرطبي على عشرة أقوال، وتلك الأقوال ذكرها الإمام الرازي وزاد عليها، أنا سأجملها في تسعة، بحيث تصل على التفصيل أحد عشر قولاً إن شاء الله، في بيان المراد باسم الإشارة (تلك) على أن المشار إليه بعيد غائب، ليس بحاضر قريب. يعني البحث عندما يكون في المفردات اللغوية قد يكون فيه شيء من الجفاف، ولذلك ندخل من حديث إلى حديث ونربط هذا ببحثنا، لأجل أن يصبح في البحث شيء من الطراوة.على القول بأن المراد هنا إذاً مشار إليه غائب بعيد، فما المراد بذلك المشار؟ هو أن اسم الإشارة الآن على ظاهره، صيغة بعيدة مشار بها إلى بعيد، فلا تناوب، ولا تعاوض، ولا وضع، ولا نكتة، عندما عبر بالبعيد عن البعيد، ما هي هذه الأقوال؟
 انطباق وصف الضعيف الذي لا زبر له على بعض شيوخ الصوفية
هذا الوصف -إخوتي الكرام- (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً)، لا أحد يظن أنه ضعيف مسكين، لا قدرة له على العمل، أو أنه مثلاً مسكين ضعيف في المال، بل ضعيف في عقله، سخيف في رأيه، وينطبق هذا انطباقاً أولياً على القسس، وبعد ذلك على المسلمين البطالين حدث ولا حرج، مشايخ الصوفية المخرفون كلهم يشملهم هذا الوصف: الضعيف الذي لا زبر له.مخرف صوفي يخلو بالنساء، ويأكل الأموال، وليس أي عمل، بطال، إنما هذا تنكة سمن، وهذا علبة لبن، وهذا فلوس، وهذا شاة، وهذا وهذا، (ضعيف لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً، لا يتبعون أهلاً ولا مالاً)، لا يقوم برعاية أهل وأسرة، ويكدح ويتعب ويعمل من أجلهم، وليس عنده مال ينميه، كما قلنا: لا دين، ولا دنيا، عالة على غيره. (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه)، كلمة يخفى، بمعنى يظهر، وأخفى بمعنى: كتم وأسر، وقيل كل من الصيغتين يستعمل في الإظهار وفي الإخفاء، فهذا من الألفاظ المتضادة.يقال: أخفى وخفى، أخفى بمعنى: أسر، أخفى بمعنى: أظهر، خفى الشيء بمعنى: أظهره، خفى الشيء بمعنى: كتمه، من الألفاظ المتضادة، فهذا مثل أسر: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:10]، أسروا قولكم: هنا بمعنى أخفوه، وأسروا النجوى: أخفوها، والله جل وعلا يقول: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ [يونس:54] يوم القيامة بمعنى: أظهروها وأعلنوها، فالإسرار بمعنى الإظهار وبمعنى الكتمان، ومثل الخوف، يأتي بمعنى الوجل وبمعنى الأمل، وهذا الذي ألف فيه كتب الأضداد في اللغة، وهنا الخائن الذي لا يخفى له طمع: معنى لا يخفى: أي: لا يظهر له طمع وإن دق إلا خانه، هذان صنفان من أهل النار. والثالث: (رجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)، يريد أن يعتدي على عرضك، أو أن يأخذ منك المال، فهو خداع. والصنف الرابع: (البخيل أو الكذاب)، شك الراوي. والخامس: (هو الشنظير، قيل: وما الشنظير؟ قال: الفحاش) أي: سيئ الخلق.
ما ورد في القرآن من الإشارة إلى الوعد الإلهي للرسول بكتاب ينزل عليه
الشاهد إخوتي الكرام من هذا الحديث هو: (إني منزل عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان)، فإذاً: قول الله: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] أي ذلك الكتاب الذي وعدت بإنزاله عليك هو المشار إليه، فالمشار إذاً إلى شيء غائب بعيد سبق ذكره في أول بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام وإرساله. وورد في القرآن ما يشير إلى هذا، ففي سورة المزمل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، هذا القول الثقيل هو القرآن، أشير إليه في هذه الآيات، وسورة المزمل هي من جملة ما قيل إنها أول ما نزل على الإطلاق من أقوال ستة، أرجحها خمس آيات من سورة العلق، ويليه بعد ذلك في القوة ويمكن أن يجمع به وبين القول الأول أنها سورة المدثر، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، والحديث الأول عن أمنا عائشة في الصحيحين، والأقوال الأربعة بعد ذلك كلها لا تخلو من ضعف، ويمكن أن يتكلف للتأليف بينها وبين ما تقدم. قيل الفاتحة، وقيل البسملة، وقيل ن والقلم، ونقل هذا عن مجاهد، وقيل المزمل، ثبت ونقل هذا عن عطاء الخراساني، وهو مع ضعفه لم يثبت له رواية عن الصحابة، فروايته معضلة، هو ضعيف في نفسه، والرواية لم تنقل عن صحابي يؤخذ منه هذا الحكم، فاجتمع فيه آفتان: ضعف في نفسه، والإعضال في روايته، إنما المزمل هي من أوائل ما نزل قطعاً، لكن ليست أول ما نزل على الإطلاق، ولعلها بعد المدثر؛ لأن الله يقول: يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4]، ويعده في هذه السورة: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5].
 التتعتع في قراءة القرآن وبيان ما يترتب عليه الأجر منه
فإذاً: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، الشاهد إخوتي الكرام (يتتعتع).هذا الحديث من باب التنبيه والفائدة إخوتي الكرام: سئل بعض المشايخ عنه في حادثة معينة، وهي أن إنساناً يقرأ في المسجد، ويقرأ قراءة ملحونة، وهذه قدرته وهذا الذي في وسعه، فنهاه بعض الناس وقال: لا يجوز أن تقرأ بهذه الصورة، فقال: كيف ستمنعني من كتاب ربي؟ قال: تعلم ثم اقرأ، أما أن تقرأ القرآن بهذه الصورة، فهذا حرام وأنت آثم، فرفع هذا السؤال لبعض المشايخ، فأجاب جواباً غلطاً خطأً، استدلالاً بهذا الحديث من غير فهم له، فقال: ليس من حق هذا المعترض أن يمنعك من القراءة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). نعوذ بالله من هذا الفهم المعكوس المنكوس! بل المراد يتتعتع فيه بين يدي شيخه وأستاذه ومعلمه عند تعلمه، لا أنه يريد أن يعلم نفسه ويقول: هو الذي أنزل السِّكينة في قلوب المؤمنين، ثم يقول: هذا الذي في وسعي، يا عبد الله لمَ لا تتعلم؟ عندما تريد أن تبني بيت دجاج تتعلم، وعندما تريد أن تبني كوخاً لتسكنه تسأل المهندسين الذين في هذه البلدة وفي غيرها، وتبحث عن أنواع الأسمنت والحديد وأي المواصفات أحسن للبيت الذي ستسكنه، كوخ في هذه الحياة سيزول هو وأنت، طيب! تريد قصوراً في عليين بجوار رب العالمين من غير كلفة ولا تعب، فالاستدلال بهذا الحديث على هذه القضية باطل.واستلال آخر أشد نكارة: من يعيب على بعض الناس أنه يجهر في المساجد، ولا يجوز للإنسان أن يجهر بالقراءة في المساجد إذا كان هناك مصلى، أو قارئ، أو ذاكر، أو نائم، إذا كان بمفرده فليجهر، وما عدا هذا لا يجوز؛ لأنه يشوش على هؤلاء، أما ما يفعلونه في الاجتماعات كصلوات الجمعة وغيرها، كل واحد يفتح المصحف ويريد أن يصيح أكثر من الآخر، كأنهم في سوق (حراج)، يا عباد الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وهذا يؤذي هذا، وهذا يشوش على هذا، وفي الغالب أحياناً تجلس بجوار من يقرأ قراءة ملحونة، وأنا أقول عن نفسي مراراً: أضع يدي في أذني، عندما أنتظر صلاة الجمعة من أجل من يؤذيني عن يميني وعن شمالي بهذه القراءة الملحونة، وعندما تنصحه يشير إليك أن اسكت! يا عبد الله هذه القراءة غلط، سمعت من يقرأ: الذين يلمزمون المُطَوعين، أعوذ بالله، ومثل هذا كثير، فكيف هذا سيقرأ؟ فهذا لو قرأ في نفسه لأثم، فعندما يؤذي غيره ازداد الإثم.ولقد ثبت في صحيح ابن خزيمة وسنن أبي داود بسند صحيح كالشمس، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه اعتكف في المسجد، واعتكف معه بعض الصحابة فجهروا بالقراءة، فرفع الستر فقال عليه الصلاة والسلام: (كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يجهر بعضكم على بعض في القراءة)، وقد بوب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: (باب الزجر عن الجهر في القراءة إذا تأذى بعض الحاضرين)، فهي لو كانت قراءة صحيحة لأثم عندما يشوش على الناس، فكيف وهي ملحونة؟ اقرأ في نفسك ولا داعي أن تشوش على غيرك لو كانت القراءة سديدة. الشاهد: أنه عيب على بعض الناس هذا، فقيل لبعض المشايخ: يقولون: لا يجوز القراءة عندما يجتمع الناس في المسجد، والبلاء أن أعظم طاغوت في هذا الوقت وفي الزمن الماضي طاغوت العرف والعادة، والبلية تزداد عندما يصير العلماء وراء هذا الطاغوت، وعندما تغيره كأنك غيرت السنة، هذا نعتاد عليه وورثناه كابراً عن كابر، كيف ستعترض علينا به؟ إذاً: سنتمحل لتأويله، قال: هذا الذي يقول هذا على باطل، ما الدليل؟ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، هذا دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلاوة، يعني: يجلس الواحد يصيح بالقرآن، هذه هي القوة؟ هذا هو الفهم المعكوس المنكوس، وهذا من التفسير بالرأي كما تقدم معنا، أنه يكون له في الشيء هوى، وله إليه ميل، فينزل الآية عليه وهي لا تدل عليه، فيكون قد فسر القرآن برأيه، كما هو الحال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، لا مانع أن تجهر بالقراءة وأن تؤذي الناس، وتشوش عليهم صلاتهم وقراءتهم، عندما يكون يقرأ من حفظه بجوارك، وتقرأ أنت من مصحف ترفع صوتك، متى ما ضيعت عنه محل الآية انتهى، وأحياناً يعيد الإنسان السورة من أولها عدة مرات، كسورة الكهف مثلاً، ويقطعها عليه من هو بجواره، وهذا أذى ولا يجوز، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام، وانصحوا المسلمين، وحذروهم من هذا. الشاهد: (قولاً ثقيلاً) على العموم، أي على النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى المؤمنين، وعلى غيرهم، ثقيل في تعلمه، في العمل به، يحتاج إلى جهد وإلى حزم وعزم إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] ثقيل أيضاً.المعنى الثاني: في العموم ثقيل في الميزان لمن قرأه وعمل به، فله بكل حرف عشر حسنات، فقوله: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، أي أجره ثقيل عند الله الجليل، فلك بكل حرف عشر حسنات، إذا كانت كلمة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، هذه الجملة كلمتان حبيبتان للرحمن، ثقيلتان في الميزان، فالقرآن أفضل وأعظم أجراً من هاتين الكلمتين. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] في حق العموم مهيباً كريماً، يقال للرجل العاقل الرزين، الراجح الرأي، الثاقب النظر: إنه ثقيل، يقول: فلان خفيف وفلان ثقيل، ما يقصد ثقل الوزن وأن هذا وزنه مائة كيلو وذاك سبعون، إنما يقصد أن هذا الثقيل رزين مهيب وقور، ليس بخفيف ولا طائش.ولذلك في صحيح مسلم، عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان، قال: (يكونون في خفة الطير، وأحلام السباع) خفيف طائش مثل الطائر، من كثرة حركاته، كما ترى الناس في هذا الوقت، تنظر إليه كأنه رقاص من كثرة حركاته، وعندما تبحث عن عقله، تجده عقل سخلة أو فأرة! إذاً: ثقيل: ثقيل مهيب كريم، راجح الرأي، ثاقب النظر، متزن سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] كريماً مهيباً، لا يعادله شيء ولا يزنه شيء، هو أثقل من كل كلام، فهذا كلام الرحمن، فالثقيل هو: الثابت الحق، وفي ذلك إشارة إلى إعجاز القرآن، أي: هذا هو الحق الذي لا باطل فيه ولا يمكن أن يعارض، وكل ما عداه كلام من الكلام. إذاً: ثقيل في تعلمه والعمل به، ثقيل في الأجر، ثقيل بمعنى المهيب الكريم الراجح، الثقيل بمعنى: الحق الثابت، هذا في حق العموم، ثقيل بالنسبة لكل أحد.وقيل: ثقيل بالنسبة للكافرين والمنافقين، فهو ثقيل عليهم كما قال الله في الصلاة: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، وقال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].قاموا كسالى: ثقيل عليهم هذا، فأما المؤمنون فهم وإن ثقل عليهم العمل به من حيث الظاهر، فله في قلوبهم حلاوة، وله في نفوسهم نحوه ابتهاج ولذة وسرور.والقول الأول أولى: أن الثقل هنا في حق العموم.الشاهد إذاً: عندنا دليلان من القرآن والسنة، إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام وعد بأن ينزل الله عليه شيئاً ثقيلاً، بأن ينزل عليه كتاباً جليلاً، ما هو هذا الكتاب؟ أشار إليه ربنا في هذه السورة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] هذا الكتاب الحق الثابت، الثقيل الراجح، الذي له أجر كبير عند الله، الذي يحتاج إلى كلفة وجهد وعناية في تلقيه والعمل به، هو الذي وعدت به سابقاً، فالإشارة إلى غائب وعد به نبينا صلى الله عليه وسلم، فالكلام على ظاهره، (تلك): إشارة إلى غائب بعيد ليس إلى حاضر قريب، هذا القول الأول.
تبرم الطلاب من دروس العلم الشرعي
نحن عندنا أربع كلمات، وكان في نيتي أن أنهي الكلام عليها، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] وما انتهينا من الأولى، ماذا نعمل؟ لا إله إلا الله، فلا أريد أن أطيل أكثر من هذا، يعني أخشى أن يحصل ملل وسآمة، إذا بحدود الساعتين، يعني: وكان بين ذلك قواماً، مع أن عادتي عندي ثرثرة في الكلام، ونسأل الله حسن الختام. لكن أرى طلاب المعهد حقيقة أمرهم يندى له الجبين، ولذلك أخشى البقية الباقية أن تشرد، فيكفي شرود من شرد، في سير أعلام النبلاء، هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، توفي سنة (485ه) عليه رحمه الله، ينطبق على حال المعهد، كان هذا الرجل من شيوخ الحديث، ويسكن في رباط من أربطة الصوفية، فكان إذا جاءه طالب علم ليتلقى عنه علم الحديث، يأخذه إلى الصحراء ويعلمه الحديث، يقول: علامَ؟ في الرباط نجلس في المسجد، يقول له: إن الصوفية يتبرمون من العلم، ولا يتحملون الحديث، ويرون أن ذلك يشوش عليهم وقتهم، إذا جلسنا نتعلم يقولون: شغلتمونا عن الله، دعهم، هم على تعبيرهم قلبي عن ربي، والعبارة الدقيقة: قلبي عن شيطاني، ليس عن ربي، إنما هو زين له سوء عمله فصده عن السبيل فهو غير مهتد. وأنا أقول حقيقة: هذا الوصف ينطبق تمام الانطباق (100%) وزيادة فوقه حبة مسك -كما يقولون- على طلبة هذا المعهد، إنهم يتبرمون من العلم، وتضيق صدورهم من حلق الذكر، ويقولون: هذا يضيع وقتنا، فوقتنا إما في دروس نظامية -على تعبيرهم- سيأخذون بها شهادة، ويأكلون بعد ذلك بها عيشاً، ويملئون الكريشا، وإما في لعب الكرة وغير ذلك. أليس من العار إخوتي الكرام: طالب علم محاضرات نظامية لا تفوته من أجل وريقة تسمى شهادة.سألت مرة بعض إخواننا الذين يصلون معنا في المسجد قلت: أين فلان لا يحضر الجماعة؟ قال: يا شيخ! إنه مريض يشتكي، أنا ظننت أنه حقيقة مريض، يعني: مطروح في الفراش، قلت: إذاً ينبغي أن نزوره يا عبد الله، قال: هو في الوظيفة، وهذا الذي كنت أكلمه ليس له وظيفة، وكان يصلي معنا في القرية، في صلاة الظهر، قلت: كيف في الوظيفة ومريض؟ كيف يذهب إلى العمل ويتحمل ولا يحضر صلاة الجماعة؟ وكان الصحابي إذا كان مريضاً يهادى بين الرجلين حتى يوضع في الصف، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، فكان لا يشهد العمل لكن يشهد الجماعة، نحن نعكس: يشهد العمل ولا يشهد الجماعة، كيف هذا؟ فانظروا ماذا أجابني! قال: يا شيخ هناك في فلوس، قلت: والصلاة فيها فلوس، يعني: أنت ستصلي، ستأخذ أجراً، والله لو ملئت الدنيا ذهباً لكان أقل من ذلك الأجر الذي ستحصله على تلك الطاعة، لكن قل إيمان الناس بربهم، هناك فلوس حاضرة في الوظيفة، وأما في الصلاة فلوس غائبة، فلذلك يزهد في الغائب: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17].وأنا أقول حقيقة: طلبة المعهد يتبرمون بالعلم، وتضيق صدورهم ولا تتسع نفوسهم لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فأخشى أن يشرد من بقي، فلذلك نقتصر على هذا المقدار، ونسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شح نفوسنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أيامنا يوم لقائه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين.
 التتعتع في قراءة القرآن وبيان ما يترتب عليه الأجر منه
فإذاً: (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران)، الشاهد إخوتي الكرام (يتتعتع).هذا الحديث من باب التنبيه والفائدة إخوتي الكرام: سئل بعض المشايخ عنه في حادثة معينة، وهي أن إنساناً يقرأ في المسجد، ويقرأ قراءة ملحونة، وهذه قدرته وهذا الذي في وسعه، فنهاه بعض الناس وقال: لا يجوز أن تقرأ بهذه الصورة، فقال: كيف ستمنعني من كتاب ربي؟ قال: تعلم ثم اقرأ، أما أن تقرأ القرآن بهذه الصورة، فهذا حرام وأنت آثم، فرفع هذا السؤال لبعض المشايخ، فأجاب جواباً غلطاً خطأً، استدلالاً بهذا الحديث من غير فهم له، فقال: ليس من حق هذا المعترض أن يمنعك من القراءة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران). نعوذ بالله من هذا الفهم المعكوس المنكوس! بل المراد يتتعتع فيه بين يدي شيخه وأستاذه ومعلمه عند تعلمه، لا أنه يريد أن يعلم نفسه ويقول: هو الذي أنزل السِّكينة في قلوب المؤمنين، ثم يقول: هذا الذي في وسعي، يا عبد الله لمَ لا تتعلم؟ عندما تريد أن تبني بيت دجاج تتعلم، وعندما تريد أن تبني كوخاً لتسكنه تسأل المهندسين الذين في هذه البلدة وفي غيرها، وتبحث عن أنواع الأسمنت والحديد وأي المواصفات أحسن للبيت الذي ستسكنه، كوخ في هذه الحياة سيزول هو وأنت، طيب! تريد قصوراً في عليين بجوار رب العالمين من غير كلفة ولا تعب، فالاستدلال بهذا الحديث على هذه القضية باطل.واستلال آخر أشد نكارة: من يعيب على بعض الناس أنه يجهر في المساجد، ولا يجوز للإنسان أن يجهر بالقراءة في المساجد إذا كان هناك مصلى، أو قارئ، أو ذاكر، أو نائم، إذا كان بمفرده فليجهر، وما عدا هذا لا يجوز؛ لأنه يشوش على هؤلاء، أما ما يفعلونه في الاجتماعات كصلوات الجمعة وغيرها، كل واحد يفتح المصحف ويريد أن يصيح أكثر من الآخر، كأنهم في سوق (حراج)، يا عباد الله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، وهذا يؤذي هذا، وهذا يشوش على هذا، وفي الغالب أحياناً تجلس بجوار من يقرأ قراءة ملحونة، وأنا أقول عن نفسي مراراً: أضع يدي في أذني، عندما أنتظر صلاة الجمعة من أجل من يؤذيني عن يميني وعن شمالي بهذه القراءة الملحونة، وعندما تنصحه يشير إليك أن اسكت! يا عبد الله هذه القراءة غلط، سمعت من يقرأ: الذين يلمزمون المُطَوعين، أعوذ بالله، ومثل هذا كثير، فكيف هذا سيقرأ؟ فهذا لو قرأ في نفسه لأثم، فعندما يؤذي غيره ازداد الإثم.ولقد ثبت في صحيح ابن خزيمة وسنن أبي داود بسند صحيح كالشمس، عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه اعتكف في المسجد، واعتكف معه بعض الصحابة فجهروا بالقراءة، فرفع الستر فقال عليه الصلاة والسلام: (كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يجهر بعضكم على بعض في القراءة)، وقد بوب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث فقال: (باب الزجر عن الجهر في القراءة إذا تأذى بعض الحاضرين)، فهي لو كانت قراءة صحيحة لأثم عندما يشوش على الناس، فكيف وهي ملحونة؟ اقرأ في نفسك ولا داعي أن تشوش على غيرك لو كانت القراءة سديدة. الشاهد: أنه عيب على بعض الناس هذا، فقيل لبعض المشايخ: يقولون: لا يجوز القراءة عندما يجتمع الناس في المسجد، والبلاء أن أعظم طاغوت في هذا الوقت وفي الزمن الماضي طاغوت العرف والعادة، والبلية تزداد عندما يصير العلماء وراء هذا الطاغوت، وعندما تغيره كأنك غيرت السنة، هذا نعتاد عليه وورثناه كابراً عن كابر، كيف ستعترض علينا به؟ إذاً: سنتمحل لتأويله، قال: هذا الذي يقول هذا على باطل، ما الدليل؟ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، هذا دليل على مشروعية رفع الصوت بالتلاوة، يعني: يجلس الواحد يصيح بالقرآن، هذه هي القوة؟ هذا هو الفهم المعكوس المنكوس، وهذا من التفسير بالرأي كما تقدم معنا، أنه يكون له في الشيء هوى، وله إليه ميل، فينزل الآية عليه وهي لا تدل عليه، فيكون قد فسر القرآن برأيه، كما هو الحال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12]، لا مانع أن تجهر بالقراءة وأن تؤذي الناس، وتشوش عليهم صلاتهم وقراءتهم، عندما يكون يقرأ من حفظه بجوارك، وتقرأ أنت من مصحف ترفع صوتك، متى ما ضيعت عنه محل الآية انتهى، وأحياناً يعيد الإنسان السورة من أولها عدة مرات، كسورة الكهف مثلاً، ويقطعها عليه من هو بجواره، وهذا أذى ولا يجوز، فانتبهوا لهذا إخوتي الكرام، وانصحوا المسلمين، وحذروهم من هذا. الشاهد: (قولاً ثقيلاً) على العموم، أي على النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى المؤمنين، وعلى غيرهم، ثقيل في تعلمه، في العمل به، يحتاج إلى جهد وإلى حزم وعزم إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] ثقيل أيضاً.المعنى الثاني: في العموم ثقيل في الميزان لمن قرأه وعمل به، فله بكل حرف عشر حسنات، فقوله: سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، أي أجره ثقيل عند الله الجليل، فلك بكل حرف عشر حسنات، إذا كانت كلمة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، هذه الجملة كلمتان حبيبتان للرحمن، ثقيلتان في الميزان، فالقرآن أفضل وأعظم أجراً من هاتين الكلمتين. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] في حق العموم مهيباً كريماً، يقال للرجل العاقل الرزين، الراجح الرأي، الثاقب النظر: إنه ثقيل، يقول: فلان خفيف وفلان ثقيل، ما يقصد ثقل الوزن وأن هذا وزنه مائة كيلو وذاك سبعون، إنما يقصد أن هذا الثقيل رزين مهيب وقور، ليس بخفيف ولا طائش.ولذلك في صحيح مسلم، عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر الزمان، قال: (يكونون في خفة الطير، وأحلام السباع) خفيف طائش مثل الطائر، من كثرة حركاته، كما ترى الناس في هذا الوقت، تنظر إليه كأنه رقاص من كثرة حركاته، وعندما تبحث عن عقله، تجده عقل سخلة أو فأرة! إذاً: ثقيل: ثقيل مهيب كريم، راجح الرأي، ثاقب النظر، متزن سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] كريماً مهيباً، لا يعادله شيء ولا يزنه شيء، هو أثقل من كل كلام، فهذا كلام الرحمن، فالثقيل هو: الثابت الحق، وفي ذلك إشارة إلى إعجاز القرآن، أي: هذا هو الحق الذي لا باطل فيه ولا يمكن أن يعارض، وكل ما عداه كلام من الكلام. إذاً: ثقيل في تعلمه والعمل به، ثقيل في الأجر، ثقيل بمعنى المهيب الكريم الراجح، الثقيل بمعنى: الحق الثابت، هذا في حق العموم، ثقيل بالنسبة لكل أحد.وقيل: ثقيل بالنسبة للكافرين والمنافقين، فهو ثقيل عليهم كما قال الله في الصلاة: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]، وقال: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45].قاموا كسالى: ثقيل عليهم هذا، فأما المؤمنون فهم وإن ثقل عليهم العمل به من حيث الظاهر، فله في قلوبهم حلاوة، وله في نفوسهم نحوه ابتهاج ولذة وسرور.والقول الأول أولى: أن الثقل هنا في حق العموم.الشاهد إذاً: عندنا دليلان من القرآن والسنة، إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام وعد بأن ينزل الله عليه شيئاً ثقيلاً، بأن ينزل عليه كتاباً جليلاً، ما هو هذا الكتاب؟ أشار إليه ربنا في هذه السورة: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2] هذا الكتاب الحق الثابت، الثقيل الراجح، الذي له أجر كبير عند الله، الذي يحتاج إلى كلفة وجهد وعناية في تلقيه والعمل به، هو الذي وعدت به سابقاً، فالإشارة إلى غائب وعد به نبينا صلى الله عليه وسلم، فالكلام على ظاهره، (تلك): إشارة إلى غائب بعيد ليس إلى حاضر قريب، هذا القول الأول.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - تابع تفسير الآية رقم [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net