اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الإنسان إذا علم أن القرآن كلام الله، وركز في نفسه تعظيم شرع الله، فإنه عندئذ حتى وإن وقع في الزلة وغلبته نفسه من الغفلة، إلا أنه لن يرضى لنفسه أن ينتقل من حظيرة الإسلام وجوار الرحمن إلى دائرة الكفران إلى جانب عدو الله الشيطان، ومن كان هذا حاله فسرعان ما يعود إلى ربه ويتدارك ما أسرف على نفسه ليجد الله فرحاً برجوعه إليه سبحانه وتعالى.
المؤمن يقع في الزلات لكنه لا يخرج عن منهج الإسلام وشريعة الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين.يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:إخوتي الكرام! وحقيقة إذا علم الإنسان أن القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله عليه صلوات الله وسلامه، وأنه هو عبد الله، فعليه إذاً أن يعبد الله حسبما جاء عن رسوله عليه صلوات الله وسلامه، لا يتصور من هذا الإنسان إذاً خروج عن منهج الله وعن شريعة الله، فلا يؤله عقله، ولا يقلد ويتبع غيره ليفلسف الضلال، ويجعله من شريعة ذي العزة والجلال، لا، ولا أقول: إنه معصوم لن يقع في معصية، لكن شتان شتان بين معصية تنقله إلى حظيرة الكفر عندما يؤله عقله ويجادل ربه، أو يستحسن النظم الوضعية، ويبررها بالحيل الشيطانية، وبين أن تغلبه نفسه فيقع في نظرة محرمة، أو في شهوة محرمة في بعض الأوقات.ليس المؤمن بمعصوم، لكن لا يمكن للمؤمن أن ينحرف عن منهج الله، بحيث يفضل غير شريعة الإسلام على الإسلام، أو يرى أن الإسلام لا يصلح لكل زمان ومكان، كيف يتأتى من المؤمن هذا إذا علم أن الله خالقه وخالق كل شيء؟ وهذا كلامه، وهو عبد الله، وهذا المخلوق لا يصلحه إلا شريعة خالقه، لكن إذا وقع في هفوات وزلات، على حسب ما تقتضيه الجبلة الإنسانية، والطبيعة البشرية، فلا يخرج من دائرة الإيمان، إيمانه يجذبه عندما يخرج عنه بمعصية غلبته فيها نفسه.ثبت في مسند الإمام أحمد (3/38، 55) بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري، والحديث رواه أبو يعلى أيضاً في مسنده، وقد نص الإمام الهيثمي على أن إسناد الحديث صحيح ورجاله ثقات، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع)، وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع، (فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين).قوله: (مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته)، الآخية هي: الحلقة التي تدق في الجدار ويربط بها الفرس لئلا يشرد ولئلا يفلت ويهرب، فالفرس ما دام مربوطاً في الآخية لا يستطيع الشرود ولا الهرب، لكنه يجول هنا وهناك، ثم بعد ذلك تجره الآخية، إذا أراد أن يخرج عن الإطار المحدد له لا يستطيع، الآخية تمسكه، وهكذا المؤمن لا يخرج عن شريعة ربه بحيث يتعالى على الله، ويستحسن غير شرع الله، لا يتصور هذا من المؤمن قطعاً، وليس معنى هذا أنه معصوم، بل يجول أحياناً هنا وهناك، لكن الإيمان يجره بعد ذلك، كمثل الفرس في آخيته يجول ثم يرجع، وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].طائف: يطيف عليهم ولا يسكن في قلوبهم، يتذكرون فإذا هم مبصرون، وهكذا المؤمن يسهو ثم يرجع، (فأطعموا طعامكم الأتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين)، هذا المعنى رسخ في القلوب في قلوب المؤمنين في العصر المكي، فما كان يتصور من مؤمن شهد العصر المكي أن يستقبح شيئاً من شريعة الله، ولا أن يستحسن شيئاً من أعراف الناس وأوضاعهم وعاداتهم إذا لم ينزل بها إلى شرع ووحي ويقرها، وما كان أحد يعرض دين الله على رأيه، ولا على عرفه، ولا على أوضاع الناس، ليرى هل هذا يتفق أم لا؟ فإن اتفق أخذنا به وإلا طرحناه، هذا ما كان يخطر ببال: (فلا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
 محمد الغزالي والمدرسة العقلية
من هذه المدرسة ومن مستنقعها الآسن يستقي محمد الغزالي، الذي له شأن، ويطنطن بأمره في هذه الأيام، هو من أتباع المدرسة العقلية، ويستقون منها، انظروا لهذا الإنسان وشيء من هوسه الكثير الوفير فيما يتعلق بموضوع المرأة، لو بحث هذا الإنسان في المرأة على حسب نصوص الإسلام، والله إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، إذا لم يقصد الهوى والضلال، لكن البحث ما كان على هذه الشاكلة.أما في كتابه من هنا نعلم (ص:161) عندما بحث في طبيعة المرأة، وأن الإسلام ما أباح أن تكون المرأة قاضية ولا وزيرة، قال: هذا هو مطابق الحكمة، يقول: ولذلك إذا أردنا أن نكلف الإسلام بأن يعين النساء قاضيات ووزيرات، فهذا ظلم للطبيعة، وافتيات على المصلحة، ثم قرر هذين الأمرين:الأمر الأول: يقول: المرأة لا تقبل شهادتها في الحدود، وهي على مثل شهادة الرجل في غير ذلك، فكيف يصلح قضاؤها فيما لا تقبل فيه شهادتها، إذاً: لا يصلح أن تكون قاضية.الأمر الثاني: الرجل قوام وله صفة القوامة على المرأة في المجتمع الصغير، وهو البيت، فكيف تكون المرأة قوامة على الرجل في القضاء وفي المحكمة.هذا بحث طيب، وهذا حكم الله، لا يجوز للمرأة أن تلي القضاء ولا أن تكون وزيرة، ثم قرر هذا بكلام كثير لبعض المتطورات، من جملتهن عزيزة عباس عصفور التي اشتغلت في النيابة فترة، وعلق على كلام وزير الداخلية عندما جعل عدداً من النساء مسئولات في محاكم الاستئناف نائبات، علق على هذا بكلام العصريين، وأن ما جاء به الإسلام حسن؛ لأن العصريين والعصريات يقولون هذا ينافي طبيعة المرأة.إذاً: حسن لأن العصريين والعصريات يقرونه، طيب: عرفه سيتغير، ضغط الواقع بعد ذلك يقول: المرأة ينبغي أن تزاول القضاء، إذاً: نحك بعد ذلك هذه النصوص وننحتها ونضربها لتخضع لطوعنا ولتلاعبنا، يقول في كتابه: سر تأخر العرب والمسلمين، أنا أجيبك عن السر يا أخي الكريم؟ سر تأخر العرب والمسلمين أمران، وهما إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء، هذا هو تأخر العرب والمسلمين، علماء مهوسون يريدون أن يخضعوا شرع الحي القيوم لعقلهم المجنون، هذا سر تأخر العرب والمسلمين، حكام يبيعون دين الله بأقل من ثمن العنزة، ويستنجدون بمن غضب الله عليه ولا يلجأون إلى الله القوي العزيز الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، نحوا شريعة الله من الحياة وأتوا بقوانين مستوردة من هنا وهناك، سبب تأخرنا هذان الأمران، وسبب فساد الحكام فساد العلماء، فلو صلحنا لصلحت الحياة، لكن لما وجد في الأمة أمثال هؤلاء من أصحاب المدرسة العقلية وغيرهم، حصل في هذه الحياة ما حصل، هذا هو تأخرنا.يقول في هذا الكتاب: يجوز للمرأة أن تلي أي منصب من قضاء وغيره، ما عدا الخلافة، تصبح قاضية، ووزيرة، ونائبة وكل شيء، لكن لا تكون خليفة فقط، أي: رئيسة دولة، طيب: أين ما ذكرته في الكتاب السابق من هنا نعلم؟ بأنه لا يجوز أن تكون قاضية، وقررت هذا بأمرين، وبكلام عصرية عزيزة عباس عصفور.جاء بعد ذلك إلى مرحلة أخرى في كتابه: السنة النبوية بين المحدثين والفقهاء (ص:57) فقال: يجوز أن يتولى السلطة أكفأ واحد في الأمة رئاسة الدولة، ذكراً أو أنثى، وليس في الشريعة ما يمنع أن يكون خليفة المسلمين امرأة، لا حرج في ذلك على الإطلاق، فما جاء لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وهو في صحيح البخاري.ضربه بالرجل، الآن ما أيسره وما أسهله ما دام الإله هو العقل! وتطويع الدين للحضارة الغربية، فماذا ستقول في هذا الحديث؟ قال: هذا له معنى عندي، ما سبقه إلى هذا المعنى إنس ولا جان، ما هو معنى الحديث عندك؟ قال: هذا سيق في مناسبة خاصة، وهي: أن عروش كسرى عندما كانت تتهاوى وتسقط وبلاد كسرى تفتح، والفتح الإسلامي يدخلها، ونور الله يشع فيها، ولت أسرة كسرى ابنة كسرى عليهم حاكماً، فبلغ هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، أي: هذا في مناسبة خاصة، وأن هذا لا يغني عنهم، والفتح الإسلامي سيزيل هذه الحواجز، وهذه المرأة لا يستطيع أن تقف أمام قوة الإسلام، أما لو كان بدل ابنة كسرى جولد مائير أو تاتشر -كما يقول هو- أو أنديرا غاندي عليهن لعنة الله، أو فكتوريا، أو ما شاكل هذا، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا، لو كانت جولد مائير بدل ابنة كسرى خليفة لما قال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).لم كل هذا الانهزام؟ يقول: لنصون ديننا أمام الحضارة الغربية، ولا نقول: إن الإسلام امتهن المرأة، وأي امتهان للمرأة عندما جعل ربنا جل وعلا لكل من الذكر والأنثى وظيفة: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، لا تسعد المرأة إلا بوظيفتها، ولا يسعد الرجل إلا بوظيفته، هذا صنف.إخوتي الكرام! هؤلاء صنف أتوا إلى الجاهلية فألبسوها لباس الإسلام، حالهم كحال إنسان أتى بعدو للمسلمين فألبسه لباس المسلمين، جعل له عمة ولحية، هو عدو، لكنه جعله في الظاهر مسلماً.هذه الأمور ينبغي أن نحذرها لأن خطر هذه في هذه الأيام أكثر من تلك وأخطر، تلك قد ينبذها من عنده ذرة إيمان، يقول: نحن نتبع الغرب ونتخلى عن ديننا، هذه ردة سافرة مكشوفة لا نقبل بها، أما هنا قال: دين عصري، على حسب تعبير الضال خالد محمد خالد صاحب كتاب: رجال حول الرسول عليه الصلاة والسلام، نريد ديناً عصرياً يوافق روح العصر، أي: روح الحضارة الغربية، نلغي أحكام الشريعة ونقول نحن على الإسلام، كيف نقول؟ لأننا نحقق المصلحة، والدين الغرض منه تحقيق المصلحة، فإذا ألغينا الشريعة الإسلامية لنحقق المصلحة فنحن مسلمون، هذا يسهل على النفوس أن تقبله إذا لم تكن طاهرة، أما الدعوة الأولى فلا يمكن أن تقبل بحال من الأحوال، لأنها ردة مكشوفة. لا بد إخوتي الكرام من أن نعي الأمر تمام الوعي، أنت عبد والله خالق، اعرف قدرك، وقف عند حدك، وإياك أن تؤله عقلك، أو أن تتعالى على ربك، هذا هو الكفر المبين.ولذلك من استحسن شيئاً غير شريعة الإسلام فهو كافر مرتد، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فهذا الأمر لا بد من أن نعيه.القلوب عندما طهرت في العصر المكي لا يوجد قلب يؤله عقله، أو يستحسن غير شرع ربه.
الشيخ مصطفى صبري ومقاومة التغريب
إخوتي الكرام! تمييع الإسلام الذي حصل في هذا الزمان ينبغي أن نحذره، ومن كان لاعباً فلا يلعب بدينه، يقول: هذا حرام وفعلته، نفسي خبيثة أرجو رحمة الله، أما أنه حرام ويفعله ويقول: لي عليه أجر، وهذا ليس بحرام، والنصوص الشرعية تحتمله.وأشربها وأعلمها حراماًوأرجو عفو ربي ذي امتنانويشربها ويزعمها حلالاًوتلك على المسيء خطيئتانالنكاح المدني الذي حصل في تركيا، كما يشير إلى هذا شيخ الإسلام (4/326)، الشيخ مصطفى صبري تسمعون به إخوتي الكرام؟من العجيب أنني ذكرت هذا لطلاب في الكلية، الشيخ مصطفى صبري عندكم خبر عنه؟ قالوا: لا، ما سمعنا به، الضال محمد عبده عندكم خبر عنه؟ قالوا: يا شيخ هذا آذاننا صكت في جميع المناهج: مصلح، مصلح، مصلح! مصطفى صبري ما عندكم خبر عنه؟ آخر شيخ للإسلام لآخر خلافة إسلامية، كتابه: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، ما عندكم خبر عنه؟ قالوا: لا أخبرنا عن هذا الإنسانهذا الرجل عليه رحمة الله قضى حياته حتى توفي بعد ذلك شهيداً في سبيل خدمة الإسلام، في محاربة هذه الضلالات، ومحاربة تمييع الإسلام، والاحتكام إلى قوانين الشيطان باسم الإسلام، الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله. عندما قضي على الخلافة الإسلامية على يد اللعين الملعون مصطفى كمال أتاتورك، وهاجر هذا إلى بلاد بيروت، ثم إلى بلاد مصر، مات هناك غريباً، بحيث عندما توفي عليه رحمة الله ما عنده طعام يأكله، جاءه بعض أصحابه في بيروت في آخر يوم من رمضان في ليلة عيد الفطر، عندما جاء للبنان ويريد أن يذهب منها إلى مصر، عندما حصل الإلحاد والكفر البواح وقضي على شعائر الإسلام في تركيا، على يد ربيب الغرب مصطفى كمال أتاتورك، جاءه وقال: أريد منك أن تعطيني خمس ليرات ذهبية، فأنا لي شأن باشا، يقول له بعض الأتراك الذين هم في لبنان، وغداً عيد الفطر وما عندي شيء أضيف الناس، وهذا لا يريد أن يطلب قرضاً من شيخ الإسلام حقيقة، لكن جاء لينظر هل هذا الشيخ عنده شيء يأكله صباح العيد أم لا.يقول: فاحمرت عيناه وبدأت الدموع تذرف من عينيه كالمطر، وانتفخ وجهه، فقال: ما لك؟ قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال: عرفت ماذا تقصد؟ ما أريد منك قرضاً، أنا عندي عشر ليرات ذهبية هذه هي، لكن جئت فقط لأسأل عن حالك هل عندك أم لا؟ هذه خمسة لي وخمسة لك، قال: لا آخذها! قال: أنت شيخ الإسلام، سيدخل عليك عيد الفطر ما عندك طعام تأكله، ولا تأخذ هذه الليرات، والله إن لم تأخذها هذا المسدس أطلق على نفسي الرصاصة في رأسي لأموت أمامك، وتتحمل وزري، أنت شيخ الإسلام ولا تأخذ هذه الليرات، لأجل أن تنفق على نفسك في يوم العيد! فلما رأى الأمر هكذا، قال: أقبلها.قال: مع ذلك إذا يسر الله عليك تردها، خذ لك من هذه لأجل أن توسع على نفسك في هذا اليوم، عيد الفطر سيدخل عليك وما عندك شيء تأكله.يقول هذا العبد الصالح: عندما كان هناك وألغيت أحكام الشريعة، وألغي النكاح الشرعي إلى نكاح مدني، بدلاً من أن كان يعقد بالإيجاب والقبول بين الطرفين شيخ مأذون شرعي، صار يعقد في البلدية من قبل المحاكم المدنية، وهذا يوجد في الأمة الإسلامية، كلية الشريعة والقانون، محكمة شرعية ومحكمة مدنية، ينبغي أن تهدم الشرعية قبل المدنية، كيف يوجد هذا في بلاد الإسلام؟ شرع الرحمن وشرع الشيطان: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136]، نعوذ بالله من هذا الضلال، ما لله لله وما لقيصر لقيصر! عندنا شيء يحكم به جورج وشيء يحكم به رب العالمين وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف:26].لما حصل النكاح المدني يقول هذا العبد الصالح، (4/326): أفتيت بأن هذا النكاح لا يحل، ولا يستحل الزوج به الزوجة، ومن فعله طائعاً مختاراً فهو كافر، وهذا يعتبر سفاحاً، يقول: فناقشني بعض المشايخ، وهو مفتي كوم الجناه في بلاد تركيا، اسمه الشيخ: لوزاد أفندي يقول: فلمَ قلت هذا يا شيخ الإسلام، وفقهاؤنا ما اشترطوا في النكاح إلا الإيجاب والقبول وحضور شاهدين؟ ولي الأمر حضر، وإيجاب وقبول، وحضر شاهدان، هذا الذي يحصل في المحاكم المدنية، فلمَ أنت تقول: هذا كفر ولا يعتبر نكاحاً إنما هو سفاح؟ قال: ذهبت منه المراسم الشرعية، لمَ غُير من الصبغة الشرعية إلى الصفة المدنية، أنتم لا ينبغي أن تقولوا ما المانع من هذا؟ لا، هذا كفر، إنما قولوا: ما السبب لهذا التحويل؟ إذا كان النكاح في المحكمة المدنية في البلدية بحضور المحاكم القانونية يتم بإيجاب وقبول وشاهدين وولي، وفي الشرعية كذلك، فلمَ حول من الشرعية إلى المدنية؟ لا تقل إذاً ما المانع من هذا النكاح، أخبروني ما السبب؟ ثم قال له: قلت له: هذا النكاح عندما يقع في المحكمة الشرعية يفعله المسلمون على أنه شعيرة من شعائر الله التي أباحها الله لعباده، لمصلحة الإنجاب والنسل، وحفظاً لعفة الصنفين، لئلا يصبح هناك فساد بين الذكور والإناث، والإنسان يفعل هذا طائعاً مختاراً؛ لأن هذا هو شرع الحكيم الخبير عندما يفعل بالصفة الشرعية، يهون على الإنسان امتثال هذا؛ لأن من عنده أنفة وحرية ومعاني الإنسانية يأنف من يعطي ابنته أو أخته لرجل ليفترشها ولتكون له فراشاً، لكن عندما يفعل هذا لأن هذا هو شرع الله، والله أمر به، ونحن عباده، يفعل هذا بلا غضاضة، لله الحكم ونحن عباده نفعله بلا غضاضة.فإذاً: هناك مراسم شرعية موجودة يقال: باسم الله، وتقال خطبة النكاح، بعد ذلك يذكر هذا العقد، حصلت صفة شرعية، أما هنا فجرد من جميع هذه الاعتبارات، ولذلك أول نكاح مدني عقد في المحاكم المدنية في تركيا قال العاقد: لا دخل للسماء في شئون الأرض.هو وإن كان إذاً على صفة النكاح الشرعي من حيث الشروط، لكن الصبغة الشرعية زالت.قال له: ما الفارق بين السفاح وبين النكاح المدني؟ هنا رجل يختلي بامرأة، وهناك رجل يختلي بامرأة، لكن بالنكاح المدني حصل بواسطة شاهدين، وعقد إيجاب وقبول، وفي السفاح ما حصل لكن الغاية واحدة، فكما أنكم تقولون هذا سفاح وهذا نكاح مدني، نحن نقول: هذا النكاح المدني سفاحاً، وهذا نكاح شرعي؛ لأنه ما حصل على الصفة الشرعية، قال عليه الصلاة والسلام: (من تشبه بقوم فهو منهم)، والحديث في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمر بسند جيد كما قال الإمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ورواه الإمام أحمد في المسند عن حذيفة بسند حسن مطولة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم).انتبهوا إخوتي الكرام! تشبه وشابه، (تشبه) تكلف التشبه في خصالهم، استحساناً لذلك، فهذا كافر مرتد، شابههم في خصلة من خصالهم وأمور حياتهم دون تكلف ودون قصد، فركب كما يركبون، وأكل كما يأكلون، ولبس كما يلبسون مما ليس هو خاصاً بهم، لكن صار بهم مشابهاً، لكن فعل هذا إما التصاقاً، أي: أن هذا أيسر عليه، إما له فيه مصلحة أسهل عليه بدون قصد التشبه والاقتداء بهؤلاء فلا حرج.أما إذا فعل هذا قاصداً التبعية لأولئك فهو منهم، وأما إذا شابههم دون أن يكون في ذلك قصد، أكل مثلاً بالشوكة، لا أقول إن هذا محمود وسنة، لكن إذا أكل فهو مباح، أكل بهذه الشوكة قلنا: لمَ؟ قال: لأن الغرب يأكلون وهذا أيسر عليّ، أنت تفعل هذا تشبهاً؟ لا، قال: هذا موجود عندهم، هذا أيسر علي، فعلته لطلب اليسر والسهولة، حتى لا يحصل في ذلك شيء من التوسيخ لليدين، وغير ذلك من الأمور، أراه أيسر علي.فعلت هذا لأنه أيسر فلا حرج، لكنه إذا تكلف هذا وقصده بقلبه فهو منهم، كما قال نبينا عليه صلوات الله وسلامه.إذاً: تمييع الدين بحيث يوافق ما عليه الغربيون ما كان يخطر ببال أحد ممن شهد العصر المكي، لا يؤله عقله، ولا يستحسن شيئاً غير دين ربه. أما بعد ذلك صنف ثالث: بدءوا يلتمسون الأعذار لأحكام العزيز الغفار، فهم لا يخضعونها للواقع الغربي، لكن يظهرون الإسلام كأنه متهم، وأن أحكامه مهزهزة، وتحتاج إلى دفاع عنها، وكأن أنظمة الغرب قوية صامدة هاجمتنا، فينبغي إذاً أن ندفع عن ديننا العار.أتكلم على هذا الصنف بشيء من التفصيل، ثم ندخل بعد ذلك في مدارسة السورة إن شاء الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 محمد الغزالي والمدرسة العقلية
من هذه المدرسة ومن مستنقعها الآسن يستقي محمد الغزالي، الذي له شأن، ويطنطن بأمره في هذه الأيام، هو من أتباع المدرسة العقلية، ويستقون منها، انظروا لهذا الإنسان وشيء من هوسه الكثير الوفير فيما يتعلق بموضوع المرأة، لو بحث هذا الإنسان في المرأة على حسب نصوص الإسلام، والله إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، إذا لم يقصد الهوى والضلال، لكن البحث ما كان على هذه الشاكلة.أما في كتابه من هنا نعلم (ص:161) عندما بحث في طبيعة المرأة، وأن الإسلام ما أباح أن تكون المرأة قاضية ولا وزيرة، قال: هذا هو مطابق الحكمة، يقول: ولذلك إذا أردنا أن نكلف الإسلام بأن يعين النساء قاضيات ووزيرات، فهذا ظلم للطبيعة، وافتيات على المصلحة، ثم قرر هذين الأمرين:الأمر الأول: يقول: المرأة لا تقبل شهادتها في الحدود، وهي على مثل شهادة الرجل في غير ذلك، فكيف يصلح قضاؤها فيما لا تقبل فيه شهادتها، إذاً: لا يصلح أن تكون قاضية.الأمر الثاني: الرجل قوام وله صفة القوامة على المرأة في المجتمع الصغير، وهو البيت، فكيف تكون المرأة قوامة على الرجل في القضاء وفي المحكمة.هذا بحث طيب، وهذا حكم الله، لا يجوز للمرأة أن تلي القضاء ولا أن تكون وزيرة، ثم قرر هذا بكلام كثير لبعض المتطورات، من جملتهن عزيزة عباس عصفور التي اشتغلت في النيابة فترة، وعلق على كلام وزير الداخلية عندما جعل عدداً من النساء مسئولات في محاكم الاستئناف نائبات، علق على هذا بكلام العصريين، وأن ما جاء به الإسلام حسن؛ لأن العصريين والعصريات يقولون هذا ينافي طبيعة المرأة.إذاً: حسن لأن العصريين والعصريات يقرونه، طيب: عرفه سيتغير، ضغط الواقع بعد ذلك يقول: المرأة ينبغي أن تزاول القضاء، إذاً: نحك بعد ذلك هذه النصوص وننحتها ونضربها لتخضع لطوعنا ولتلاعبنا، يقول في كتابه: سر تأخر العرب والمسلمين، أنا أجيبك عن السر يا أخي الكريم؟ سر تأخر العرب والمسلمين أمران، وهما إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء، هذا هو تأخر العرب والمسلمين، علماء مهوسون يريدون أن يخضعوا شرع الحي القيوم لعقلهم المجنون، هذا سر تأخر العرب والمسلمين، حكام يبيعون دين الله بأقل من ثمن العنزة، ويستنجدون بمن غضب الله عليه ولا يلجأون إلى الله القوي العزيز الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، نحوا شريعة الله من الحياة وأتوا بقوانين مستوردة من هنا وهناك، سبب تأخرنا هذان الأمران، وسبب فساد الحكام فساد العلماء، فلو صلحنا لصلحت الحياة، لكن لما وجد في الأمة أمثال هؤلاء من أصحاب المدرسة العقلية وغيرهم، حصل في هذه الحياة ما حصل، هذا هو تأخرنا.يقول في هذا الكتاب: يجوز للمرأة أن تلي أي منصب من قضاء وغيره، ما عدا الخلافة، تصبح قاضية، ووزيرة، ونائبة وكل شيء، لكن لا تكون خليفة فقط، أي: رئيسة دولة، طيب: أين ما ذكرته في الكتاب السابق من هنا نعلم؟ بأنه لا يجوز أن تكون قاضية، وقررت هذا بأمرين، وبكلام عصرية عزيزة عباس عصفور.جاء بعد ذلك إلى مرحلة أخرى في كتابه: السنة النبوية بين المحدثين والفقهاء (ص:57) فقال: يجوز أن يتولى السلطة أكفأ واحد في الأمة رئاسة الدولة، ذكراً أو أنثى، وليس في الشريعة ما يمنع أن يكون خليفة المسلمين امرأة، لا حرج في ذلك على الإطلاق، فما جاء لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وهو في صحيح البخاري.ضربه بالرجل، الآن ما أيسره وما أسهله ما دام الإله هو العقل! وتطويع الدين للحضارة الغربية، فماذا ستقول في هذا الحديث؟ قال: هذا له معنى عندي، ما سبقه إلى هذا المعنى إنس ولا جان، ما هو معنى الحديث عندك؟ قال: هذا سيق في مناسبة خاصة، وهي: أن عروش كسرى عندما كانت تتهاوى وتسقط وبلاد كسرى تفتح، والفتح الإسلامي يدخلها، ونور الله يشع فيها، ولت أسرة كسرى ابنة كسرى عليهم حاكماً، فبلغ هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، أي: هذا في مناسبة خاصة، وأن هذا لا يغني عنهم، والفتح الإسلامي سيزيل هذه الحواجز، وهذه المرأة لا يستطيع أن تقف أمام قوة الإسلام، أما لو كان بدل ابنة كسرى جولد مائير أو تاتشر -كما يقول هو- أو أنديرا غاندي عليهن لعنة الله، أو فكتوريا، أو ما شاكل هذا، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا، لو كانت جولد مائير بدل ابنة كسرى خليفة لما قال: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).لم كل هذا الانهزام؟ يقول: لنصون ديننا أمام الحضارة الغربية، ولا نقول: إن الإسلام امتهن المرأة، وأي امتهان للمرأة عندما جعل ربنا جل وعلا لكل من الذكر والأنثى وظيفة: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، لا تسعد المرأة إلا بوظيفتها، ولا يسعد الرجل إلا بوظيفته، هذا صنف.إخوتي الكرام! هؤلاء صنف أتوا إلى الجاهلية فألبسوها لباس الإسلام، حالهم كحال إنسان أتى بعدو للمسلمين فألبسه لباس المسلمين، جعل له عمة ولحية، هو عدو، لكنه جعله في الظاهر مسلماً.هذه الأمور ينبغي أن نحذرها لأن خطر هذه في هذه الأيام أكثر من تلك وأخطر، تلك قد ينبذها من عنده ذرة إيمان، يقول: نحن نتبع الغرب ونتخلى عن ديننا، هذه ردة سافرة مكشوفة لا نقبل بها، أما هنا قال: دين عصري، على حسب تعبير الضال خالد محمد خالد صاحب كتاب: رجال حول الرسول عليه الصلاة والسلام، نريد ديناً عصرياً يوافق روح العصر، أي: روح الحضارة الغربية، نلغي أحكام الشريعة ونقول نحن على الإسلام، كيف نقول؟ لأننا نحقق المصلحة، والدين الغرض منه تحقيق المصلحة، فإذا ألغينا الشريعة الإسلامية لنحقق المصلحة فنحن مسلمون، هذا يسهل على النفوس أن تقبله إذا لم تكن طاهرة، أما الدعوة الأولى فلا يمكن أن تقبل بحال من الأحوال، لأنها ردة مكشوفة. لا بد إخوتي الكرام من أن نعي الأمر تمام الوعي، أنت عبد والله خالق، اعرف قدرك، وقف عند حدك، وإياك أن تؤله عقلك، أو أن تتعالى على ربك، هذا هو الكفر المبين.ولذلك من استحسن شيئاً غير شريعة الإسلام فهو كافر مرتد، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فهذا الأمر لا بد من أن نعيه.القلوب عندما طهرت في العصر المكي لا يوجد قلب يؤله عقله، أو يستحسن غير شرع ربه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net