اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [5] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف العلماء في حكم من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد إلى ثمانية أقوال، أرجحها أنهم يمتحنون يوم القيامة، وهذا القول هو الذي صححه أئمة أهل السنة والجماعة، وبه يجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك، وقد أورد على هذا القول إشكالات، حاصلها أن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف، فلا يمتحنون، وأن هذا الامتحان تكليف بما لا يطاق فلا يصح القول به، وهذان الإشكالان قد أجاب عنهما أهل السنة بما يبين أنهما باطلان.
تصحيح أئمة السنة للقول الراجح في مصير أطفال المشركين وأهل الفترة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحليم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:نواصل الحديث عن القول الراجح في مصير من انحرفت فيه شروط التكليف بالتوحيد، وسيكون الكلام على رد الإشكالات المطروحة حول هذا القول.يقول الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين عند كلامه عن الأحاديث الواردة في امتحان من لم تبلغهم الدعوة في العرصات: هذه أحاديث متعددة يشد بعضها بعضاً، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو الذي قال به السلف الكرام وأهل السنة والجماعة.ثم قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله مقرراً هذا بدفع إشكالات عن هذا القول، سأذكر الإشكالين وأتبعهما في نهاية الكلام إن شاء الله، وهكذا الإمام ابن حجر بعد الإمام ابن القيم حكم بأن هذه الأحاديث ثابتة صحيحة يؤخذ بها ويعول عليها، يقول الحافظ في الفتح (3/246): قد صحَّت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد أنه هو المذهب الصحيح، أي أنهم يمتحنون، وهذا قول أهل السنة الكرام. وقال الحافظ في الإصابة (4/118): ورد الحديث من عدة طرق في حق الشيخ الهرم، ومن مات في الفترة، ومن وُلد أكمه أعمى أصم، ومن وُلد مجنوناً أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ، ونحو ذلك، وأن كلاً منهم يدلي بحجة يوم القيامة، ويقول: لو عقلت أو ذُكِّرت لآمنت، فترفع لهم نار ويقال لهم: ادخلوها، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن امتنع أُدخلها كَرها، قال الحافظ ابن حجر : هذا معنى ما ورد في ذلك، وقد جمعتُ طرق الأحاديث في جزء مفرد. وكنت أشرت إلى هذا الجزء في المحاضرات السابقة وقلت: لم أقف عليه ولا عندي خبر عنه، إنما يقول: امتحان هؤلاء جمعتها في جزء مفرد، وتتبعت طرق الأحاديث في ذلك. إذاً: صحت مسألة امتحان هؤلاء، وهكذا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله يقول في كتابه درء تعارض العقل والنقل (8/437) بعد أن ذكر أن الحكم في هؤلاء الامتحان في عرصات الموقف، يقول: هذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقد رُوي به آثار متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسان يصدق بعضها بعضاً. وهو الذي حكاه الإمام الأشعري عليه رحمة الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين عن أهل السنة والجماعة والحديث، وذكر أنه يذهب إلى هذا القول، وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة، هذا كلام الإمام ابن تيمية.
 

الرد على من ضعف أدلة القول الراجح في مصير أهل الفترة وأطفال المشركين
إخوتي الكرام! وهذا القول الذي اعتمده أهل السنة الكرام خالف فيه بعض أئمتنا وخلافهم مردود، فكونوا على علم بذلك وبصيرة به، الإمام الحليمي الذي توفي سنة (403هـ) في غالب ظني، وهو صاحب كتاب المنهاج في شعب الإيمان، وكنت ذكرت الكتاب سابقاً، وقلت: وذكر فيه شعب الإيمان التي أشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أنها بضع وسبعون شعبة، أو بضع وستون شعبة، وهو قبل الإمام البيهقي، وكتابه قبل كتاب الإمام شعب الإيمان للإمام البيهقي ، وهو شيخ الإمام البيهقي، والإمام البيهقي متأخر عنه توفي سنة (458هـ) أيضاً في غالب ظني.الإمام الحليمي في كتابه المنهاج (1/159) يقول: حديث امتحان هؤلاء في عرصات الموقف ليس بثابت.سبحان الله! وقد بينا أنه مروي في المسند والمستدرك وفي كتب أخرى ذكرتها.يقول: وهو مخالف لأصول المسلمين! أي أصول خالف؟ يعني: إذا كان الإمام ابن القيم وابن تيمية وابن حجر وإمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري عليهم جميعاً رحمة الله يقولون: الأصول المعلومة من الكتاب والسنة تدل على هذا القول، وهذا الذي قال به السلف، وهو قول أهل السنة، تأتي أنت تقول: الحديث ليس بثابت! فكلامك ليس بثابت، والحديث ثابت قطعاً وجزماً، كيف ليس بثابت! أمر ثان: الحديث تقول: مخالف لأصول المسلمين! أي أصل خالفه هذا الحديث، أما قال الله في كتابه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، ماذا ستقول في هؤلاء: تدخلهم الجنة وما وحدوا الله، تدخلهم النار وما كفروا بالله بعد إرسال رسول وإقامة حجة! ما بقي إلا أن تقول: العدل الإلهي أن يمتحنوا كما امتحنا، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، فلمَ يخالف أصول المسلمين؟ وهذا القول نقله عنه الإمام القرطبي في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص:611) وأقره عليه، وآفة العلم التقليد، نقل عن الحليمي أن الحديث ليس بثابت، وأن القول بامتحان هؤلاء يخالف أصول المسلمين، والقرطبي يقر الحليمي ، وكما قلت آفة العلم التقليد، ولابد من بصيرة وبحث في الأدلة.وهكذا فعل الإمام الأزدي في شرحه لصحيح مسلم (1/370)، فقال: الحديث من جميع طرقه ضعيف لا يعول عليه. قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين: وقد ضعف الحديث حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر ، ثم عقَّب الإمام ابن القيم على كلام ابن عبد البر ومن ضعف الحديث فقال: إسناد حديث الأسود بن سريع صحيح، وهو أجود من كثير من الأحاديث التي يُحتج بها في الأحكام والحلال والحرام، فكيف نقول: الحديث ليس بثابت!هذا الكلام مردود، والأحاديث بذلك ثابتة مستفيضة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والقول بمضمونها هو قول أهل السنة الكرام، وقد حكى القول عنهم وعن أهل الحديث وعن السلف الصالح أبو الحسن الأشعري والبيهقي في كتاب الاعتقاد، وأقر ذلك الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، ولذلك هذا القول هو المعتمد في هذه المسألة، وهذا هو الذي يتناسب مع عدل ربنا جل وعلا. إخوتي الكرام! الأحاديث كما قلت صحيحة متعددة يصدق بعضها بعضاً، وهي مستفيضة، وإذا صح الحديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام فيُؤخذ بهدعوا كل قول عند قول محمدفما آمنٌ في دينه كمخاطر
 

بيان أن القول الراجح في مصير أهل الفترة ونحوهم جامع لشمل الأحاديث الواردة في حكمهم
هذا القول يؤخذ به لثبوته في السنة الصحيحة الصريحة، ويؤخذ به لأمر آخر: لأجل أن نجمع شمل السنة ونؤلف بين الأحاديث الواردة في هذا، وسيأتينا عند سرد الأقوال السبعة الأخرى، كيف أئمتنا خلَصوا إلى هذا القول الراجح، وجمعوا به بين أقوال متعددة.ورد عن نبينا عليه الصلاة والسلام والحديث صحيح كما سيأتينا: (سئل عن أولاد المشركين؟ قال: هم مع آبائهم)، و(سئل عن أولاد المسلمين؟ قال: هم في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة) كما تقدم معنا، (قالوا: وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين)، يعني: أولاد المسلمين يكفلهم إبراهيم وسارة وأولاد المشركين، إذاً: هم في الجنة وهم في النار، و(سئل عنهم؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين)، طيب في الجنة، وفي النار الله أعلم بما كانوا عاملين! قال أئمتنا: القول الذي قلنا نجمع به بين تلك الأحاديث الثلاثة إلى هذا الحديث الرابع، الله أعلم بما كانوا عاملين، فنرد حكمهم إلى علم الله فيهم، ومعلوم الله فيهم سيظهر عندما يمتحنون في عرصات الموقف، فإذا امتحنوا كان بعضهم في الجنة وبعضهم في النار.إذاً: الله أعلم بما كانوا عاملين حق، بعضهم في الجنة حق، وبعضهم في النار حق، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأحاديث أشار إلى أننا لا نجزم للكل بالنار ولا للكل بالجنة، إنما نفوض أمرهم إلى علم الله، فبعد امتحانهم يظهر معلوم الله فيهم، فنرد الخبر عنهم إلى علم الله، ونرد الحكم فيهم إلى معلوم الله، فإذا امتُحنوا في عرصات الموقف صار بعضهم في الجنة، بعضهم في النار، وظهر معلوم الله فيهم، وهذا هو الذي تحققه أحاديث الامتحان، فنحن أمام أربعة أحاديث.إذا قلنا في الجنة ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.وإذا قلنا في النار ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.وإذا وقفنا ألغينا ثلاث دلالات في أحاديث متعددة.وإذا قلنا: يمتحنون ولا نجزم لواحد بجنة أو نار، وعلم الله سيظهر فيهم بعد امتحانهم فيظهر معلوم الله، ثم ينقسمون إلى جنة أو نار، فنقول: هذا القول جمع بين الأحاديث الثلاثة وحقق دلالتها، بل أعملنا الأحاديث الأربعة وما أهملنا واحداً منها، وإعمال الأدلة خير من إهمال بعضها، ولا خلاف بين أئمتنا أنه إذا تعارضت النصوص من حيث الظاهر فأول ما نلجأ إليه الجمع بينها، وإذا أمكن الجمع لا نعدوه إلى نسخ ولا إلى ترجيح، والطرق التي نسلكها عند تعارض الأدلة: جمع ثم نسخ ثم ترجيح ثم توقف، لو لم يمكن الجمع ولا النسخ ولا الترجيح بمرجح من المرجحات التي ذكرها الإمام الحازمي في كتابه الاعتبار، وقد زادت على الخمسين، ثم أوصلها الإمام السخاوي في الفتح المبين إلى مائة وعشرين طريقاً من طرق الترجيح.
 

شبهتان واردتان على القول الراجح في حكم أهل الفترة والرد عليهما
قد يقول قائل: إذا قررت هذا، وهو حق كما ذكرت، يرد على هذا شبهتان لابد من الكلام عليهما، لعلني إن شاء الله فيما بقي من الوقت أنهي الكلام عليهما ولابد من الكلام عليهما، من أجل أن نحيط بهذا القول من جميع أطرافه: ‏
 قصة لإبليس توضح أن الأمر إذا دخله العناد فلا حجة لمن امتنع منه
في أخبار من الكتب السابقة، والله أعلم بصحة القصة لكن لا مانع من ذكرها في مثل هذا الموطن، لنبين حقيقة الكفار الذين لا يمتثلون أمر العزيز الغفار، ويجعلون عقولهم حكماً فيما يريدون، هذا شاق لا نريده وهذا سهل نريده:يذكرون أن إبليس جاء إلى كليم الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وقال: يا موسى أنت كليم الله ولك منزلة عند الله، فسل ربك أن يتوب عليَّ، أريد أن أتوب، وقد لعنني وطردني، والآن أريد أن أتوب وهو تواب رحيم، فقال: أشفع لك إلى الله في ذلك وأكلمه بقبول توبتك، ولا يعترض على هذا بأن الله لعنه؛ لأن هذا وعيد، وجميع الوعيدات مقيدة بمشيئة رب الأرض والسموات، يعني: إذا أراد الله أن يبطل وعيده، وأن يعفو ويقبل فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. فطلب موسى من ربه أن يقبل توبة إبليس، يريد أن يتوب وأن يصلح حاله، والقصة -كما قلت- الله أعلم بصحتها، لكن هذه الدلالة التي فيها ينبغي أن نعتبرها.فقال الله لموسى وهو أعلم بعباده: أقبل توبته بشرط واحد، إبليس خسيس خبيث، معدن لا يقبل التوبة، يمكن قبول توبته إن تطهر من خبثه والكبر الذي عنده أقبله، أمرته أن يسجد لآدم فامتنع، فليذهب إلى قبر آدم وليسجد له، وإذا سجد لقبره أغفر له وأرحمه وأتوب عليه، وعفا الله عما سلف.فجاء نبي الله موسى إلى إبليس وقال: توبتك مقبولة بشرط يسير، أن تسجد لقبر آدم، قال: أنا ما سجدت لآدم وهو حي، أأسجد له ميتاً، والله لا أسجد له!إذاً: ليس مسألة قبول توبة، مسألة تريد أن تعبد الله كما تريد أنت!ويقول الله عن الكفار الذين يُعذبون في النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، يقول وهو رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو بكل شيء عليم: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].وهنا تكليف شديد صعب، لكن هو ضمن الوسع، والله كلفنا بما يدخل في وسعنا وإن شق علينا، وعليه لا إشكال في تكليف هؤلاء بما فيه شدة وفيه صعوبة، لكنه تكليف يمكن أن يدخل في وسع الإنسان، فيجب على الإنسان أن يأخذ به وأن يعمله وأن ينفذه.
خلاصة الكلام في مصير من لم توجد فيه شروط التكليف بالتوحيد
خلاصة الكلام إخوتي الكرام: من لم توجد فيه شروط التكليف بتوحيد ربنا اللطيف من غير أولاد المسلمين يمتحنون يوم الدين، دل على هذا الأحاديث المستفيضة الصحيحة، وبهذا القول تجتمع الأدلة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو قول السلف الكرام وأهل السنة والجماعة، وما اعتُرض به على هذا القول بأن الآخرة ليست بدار تكليف قول مردود، وأثبت التكليف في البرزخ وفي الآخرة بأحاديث وآيات، وأما أن المبطلين يثيرون الشغب على الآيات والأحاديث فهذا موضوع آخر، لكن ثبوت التكليف في البرزخ وفي الآيات ثابت: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42] . وعند هذه القصة وعند هذا الأمر وهذه الشبهة، أحب أن أنبه إلى أمر كنت أريد أن أنبه عليه إخوتي الكرام: أهل البدع عادتهم إذا كان الأمر في القرآن أولوه، وإذا كان في الأحاديث ردوه، أما الأحاديث فيقولون: أخبار آحاد ترد ولا يؤخذ بها، وأما الآيات فيؤولونها: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42] تأويل، كما قال: لا كشف ثمة ولا ساق، وأما أحاديث الصحيحين فيقول: هذا حديث آحاد فلا يؤخذ به في الاعتقاد، هذا منهج أهل البدع! ولذلك يقول الزمخشري عند رواية الأحاديث الثابتة في الصحيحين، التي تدل على خروج العصاة من النار بعد أن يعذبوا فيها بعد أن رواها، يقول: هذه أحاديث مردودة مما لفقه المجبرة! يعني: أهل السنة والجماعة. ذكر هذا في تفسيره عند قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:36-37] ، بعد أن روى أحاديث في ذلك، منها ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة، فقال يزيد الفقير لـجابر : ألم يقل الله: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] ، فقال جابر : اتل أول الآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6]، هذه في الكفار)، أي: ليست في المؤمن، فالكافر إذا دخل لا يخرج، وأما المؤمنون يخرجون. وثبت في تفسير الطبري وغيره عن عكرمة قال: جاء نافع بن الأزرق لـابن عباس رضي الله عن الصحابة أجمعين، فقال له: أنت تزعم أن عصاة الموحدين يخرجون من نار الجحيم، والله يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ويحك! اقرأ ما قبلها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:6] .يقول الزمخشري: هذه الأحاديث مما لفقته المجبرة، يعني: يسمي أهل السنة جبرية؛ لأننا نقول بمشيئة الله الكونية القدرية ومشيئته الشرعية الدينية، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، يقول: أنتم جبرية، ويقول: لفقته المجبرة وهي أحاديث موضوعة.وكما قال عن أحاديث الرقية: إنها أحاديث مردودة، وكما تبعه على ذلك الإباضية الذين هم فروع للخوارج فقالوا: هذه الأحاديث مردودة، ومفتي الإباضية في هذا الوقت يقول: هذه الأحاديث كلها مردودة، فالآحاد لا يؤخذ بها في الاعتقاد، وهي أحاديث كثر فيها الخبط وإن كانت في الصحيحين. يقول الشوكاني معلقاً على كلام الزمخشري : ويالله من عجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح وبين أكذب الكذب، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدريه، وقد تواترت الأحاديث بخروج العصاة من النار بعد أن يعذبوا فيها فترة، ومن أنكر هذا فليس بأهل لأن يناظر.والأحاديث لو قُدِّر ولم يمكن أن نرجح بعض النصين على آخر، لو قدر ذلك فإننا نتوقف ونلغي النصين ونعمل بعموم الأدلة، وهذه صورة نظرية فرضية لا وجود لها، إنما من باب ما تحتمله القسمة نحو النصوص إذا تعارضت، إنما إذا أمكن الجمع لا نعدوه إلى غيره.والمتن إن نافاه متن آخروأمكن الجمع فلا تنافر فنقول: يمتحنون، ولا نجزم لواحد منهم بجنة ولا بنار، نقول: الله أعلم من يدخل الجنة ومن يدخل النار، بعد امتحانهم فريق في الجنة وفريق في النار كما تقدم، فالدلالات الأربع الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أعملناها وما أهملنا واحداً منها، ومن قال: إنهم في النار كما سيأتينا، وبنى هذا على أحاديث ثابتة، نقول: كيف تفعل بالنصوص الأخرى التي عارضت هذا، ومن قال: إنهم في الجنة نقول: كيف تفعل بالنصوص التي عارضت هذا. والطريق السوي أن نجمع بين كلام رسولنا النبي عليه الصلاة والسلام، وألا نهمل شيئاً منه، وهذا ما فعله أئمتنا الحذاق المحققون الراسخون، وهو الذي أشار إليه الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وغيره. إذاً: نحن بهذا القول نجمع شمل الأدلة، والجمع بينها خير من إهمال بعضها.والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
 قصة لإبليس توضح أن الأمر إذا دخله العناد فلا حجة لمن امتنع منه
في أخبار من الكتب السابقة، والله أعلم بصحة القصة لكن لا مانع من ذكرها في مثل هذا الموطن، لنبين حقيقة الكفار الذين لا يمتثلون أمر العزيز الغفار، ويجعلون عقولهم حكماً فيما يريدون، هذا شاق لا نريده وهذا سهل نريده:يذكرون أن إبليس جاء إلى كليم الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وقال: يا موسى أنت كليم الله ولك منزلة عند الله، فسل ربك أن يتوب عليَّ، أريد أن أتوب، وقد لعنني وطردني، والآن أريد أن أتوب وهو تواب رحيم، فقال: أشفع لك إلى الله في ذلك وأكلمه بقبول توبتك، ولا يعترض على هذا بأن الله لعنه؛ لأن هذا وعيد، وجميع الوعيدات مقيدة بمشيئة رب الأرض والسموات، يعني: إذا أراد الله أن يبطل وعيده، وأن يعفو ويقبل فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. فطلب موسى من ربه أن يقبل توبة إبليس، يريد أن يتوب وأن يصلح حاله، والقصة -كما قلت- الله أعلم بصحتها، لكن هذه الدلالة التي فيها ينبغي أن نعتبرها.فقال الله لموسى وهو أعلم بعباده: أقبل توبته بشرط واحد، إبليس خسيس خبيث، معدن لا يقبل التوبة، يمكن قبول توبته إن تطهر من خبثه والكبر الذي عنده أقبله، أمرته أن يسجد لآدم فامتنع، فليذهب إلى قبر آدم وليسجد له، وإذا سجد لقبره أغفر له وأرحمه وأتوب عليه، وعفا الله عما سلف.فجاء نبي الله موسى إلى إبليس وقال: توبتك مقبولة بشرط يسير، أن تسجد لقبر آدم، قال: أنا ما سجدت لآدم وهو حي، أأسجد له ميتاً، والله لا أسجد له!إذاً: ليس مسألة قبول توبة، مسألة تريد أن تعبد الله كما تريد أنت!ويقول الله عن الكفار الذين يُعذبون في النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، يقول وهو رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو بكل شيء عليم: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].وهنا تكليف شديد صعب، لكن هو ضمن الوسع، والله كلفنا بما يدخل في وسعنا وإن شق علينا، وعليه لا إشكال في تكليف هؤلاء بما فيه شدة وفيه صعوبة، لكنه تكليف يمكن أن يدخل في وسع الإنسان، فيجب على الإنسان أن يأخذ به وأن يعمله وأن ينفذه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في علم التوحيد - من لم تجتمع فيه شروط التكليف بالتوحيد [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net