اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن المنادين بفصل الدين عن الدولة هم أحد رجلين: إما ملحد مبغض لهذا الدين وأهله، وإما جاهل مقلد، حمله جهله على المطالبة بما فيه خسرانه في الدنيا والآخرة، وسواء كان من هؤلاء أو أولئك فقد تدرج من ينادي بذلك ابتداء بالدعوة إلى تجرد الحكومات والحكام عن الدين، وانتهاء بالمناداة بتغيير دين المحكومين، ثم تكون ردة تشمل الجميع.
طرق المجرمين في إقصاء كتاب الله وشرعه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد:إخوتي الكرام! في بداية مدارستنا لتفسير كلام ربنا جل وعلا في هذه السنة المباركة إن شاء الله قلت بأني سأقدم بين يدي الدروس مقدمةً تنفعنا وتبصرنا بأحوالنا وعواقب أمورنا، وقد كنت في العام الماضي ذكرت مقدمةً طويلةً حول فضائل القرآن، وفي هذه السنة -كما قلت- سأستعرض مخططات أهل الإجرام في القضاء على نور القرآن.إخوتي الكرام! إن المجرمين العتاة لهم طرق كثيرة في القضاء على كلام الله وكتابه جل وعلا، وهذه الطرق على كثرتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو ثلاث طرق: الطريقة الأولى منها تدعو إلى إهمال القرآن ونبذه وراء ظهورنا. وهذه سنهمل الكلام عليها، فكفرها وإلحادها واضحٌ مشهور، فحكم من لم يحكم بكتاب الله جل وعلا واضح. وأما الطريقتان الأخريان فخبيثتان ملعونتان ينبغي أن نقف عندهما؛ لأن كل واحدةٍ منهما قد تخفى على كثير من الناس، وواقع الأمر أنها قد خفيت ولبِّس الأمر على كثير من المسلمين.إذاً: الطريقة الأولى قالت: إن الدين شيءٌ عظيمٌ كريم، لكن محله قلوب المكلفين، فلا داعي أن يظهر في الحياة، ولا في الأنظمة، ولا في القوانين، ودعوا إلى فصل الدين عن السياسة، وإلى فصل الدين عن الحكم.وأما الطريقة الثانية فدعت إلى الفصل مع المكر، فقالت: إن هذا الفصل الذي يشهده العالم في هذه الأيام هو شريعةٌ ربانية. إذاً: هناك فصلٌ مع مكر، وهناك فصل مع تلبيس الأمر على الناس بأننا لا نقصد بهذا امتهان دين الله، فهذا شيءٌ عظيمٌ عظيم لكن الدين محله القلب كما جاء في أقوال الضالين، وأما هذه الحالات فمشتركةٌ بيننا كما قال الضال المضل سعد زغلول: الدين لله، والوطن للجميع. سنناقش هاتين الطريقين إن شاء الله، ونبدأ بالطريقة الأولى.
 فصل الدين عن الدولة يتيح للحكومة المرتدة التدخل في جميع شئون أفراد الأمة من المسلمين
الأمر الثالث: إن فصل الدين عن السياسة كما قلت لم يخطر ببال حكومةٍ من الحكومات السابقة؛ لأن هذا يعتبر ردة، وإذا فصلت الحكومة الدين عن السياسة، ولم يشترط في الحاكمين الدين يعتبر هذا ردة، وهم مرتدون. فلبيان خطورة هذا أقول: هل الحكومة المرتدة أشنع أم الحكومة الأجنبية الغاصبة المعتدية؟ أيهما أفظع؟ إن الحكومة المرتدة أفظع من الحكومة الأجنبية المغتصبة المحتلة من وجهين: الوجه الأول: الحكومة الأجنبية لا تتدخل في شئون الرعية الدينية، بل تحكمهم حكماً عاماً، وتمتص خيرات البلاد، لكن أمورهم الدينية فيما بينهم تتركهم يحتكمون إلى شيوخهم، وإلى محاكمهم الشرعية دون تدخلٍ في تشريع نظامٍ أجنبيٍ عن هذه الرعية. أما في الحكومة المرتدة فليس الأمر كذلك، فهي تتدخل في كل جزئيةٍ من جزئيات الحياة، هي عندما فصلت الدين عن السياسة، طرحت كلام الله وحديث نبينا عليه الصلاة والسلام وراء الظهور وتحت الأرجل، وما بقي بعد ذلك إلا قانون نابليون أو غيره من قوانين الكفار تحكم في رقاب المسلمين، فالحكومة المرتدة إذاً أشنع من الحكومة الأجنبية، وهذا مما يبين لنا خطر فصل الدين عن السياسة.الوجه الثاني: أن الحكومة إذا كانت حكومةً وطنيةً لا تتقيد بالشريعة الإسلامية سترتد الأمة تدريجياً ولا بد، لم؟ لأن الحكومة -كما قلنا- تعتبر وكيلةً للرعية، ونائبةً عنها، لا سيما إذا كانت تحكمها عن طريق البرلمان ومجلس الشعب. إذاً: هذه الحكومة هي من الشعب ومن الرعية، فهي تمثل الأمة، والأمة ستقتدي بعد ذلك بهذه الحكومة المسئولة عنها، فستكفر كما كفرت -ونسأل الله جل وعلا أن يلطف بأحوال المسلمين- بخلاف الحكومة الأجنبية، فالرعية لا تزال ترى أن هذه الحكومة الأجنبية معتديةً غاصبةً جثمت على صدور المسلمين، فلا بد من إزالتها وقطع رقبتها، وستزيلها عما قريب، والأمر هذا الذي حصل في الحكومات عندما اغتصبت، لكن إذا جاء بعد ذلك عدوٌ من جلدتنا، ويتكلم بألسنتنا، هذه هي الخطورة التي تفطر القلوب والأكباد، ولذلك ثبت في صحيح البخاري ، والحديث في صحيح مسلم أيضاً في سنن ابن ماجه ، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: ( قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن كنا في جاهليةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، وهو الإسلام، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم)، والشر الذي حصل بعد الخير الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام ما حصل في خلافة علي رضي الله عنه، وما حصل قبله عند مقتل عثمان رضي الله عنه، وجاء علي وشغلت الأمة بالخلافات الداخلية مدة خمس سنين، وهذا حقيقةً شر أخر الأمة عن الفتوحات، وجعل بأسها بينها في تلك المرحلة الزمنية، ونسأل الله أن يغفر لهم، وأن يلطف بالمسلمين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. قال: ( فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم ). سيأتي خيرٌ بعده ( وفيه دخن )، والدخن هو تغيرٌ في اللون الأصفر، كدرةٌ أو صفرةٌ وغبش في اللون الأصفر، أي لونٌ يخالف اللون الأصلي، فلا يوجد صفاء ونقاء في الخير الذي يأتي بعد الخير الذي أتى به نبينا عليه صلوات الله وسلامه ( نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قومٌ يهدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي )، وهذا الذي حصل بعد أن زالت الخلافات الداخلية، وثبتت الخلافة الشرعية لـمعاوية رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام، وسمي العام بعام الجماعة أربعين للهجرة، لكن حصل في الأمة في ذلك الوقت إلى أن قضي على الخلافة الإسلامية العثمانية ما حصل من انتشار بدع وفسادٍ ومعاص، لكن الخير هو العام، ويبقى شوائب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وفيه دخن )، ليس كالخير الصافي في حياته وحياة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ( قلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ )، خيرٌ فيه دخن سيأتي بعده شر؟ ( قال: نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها. قلت: صفهم لنا يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا )، حقيقةً إن الحكومة الأجنبية أيسر من الحكومة المرتدة الوطنية فهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ( قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم إمامٌ ولا جماعة؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ). ومما يوضح لنا أن الحكومة الكافرة الوطنية أشنع وأخبث من الحكومة الأجنبية: ما ثبت في حديث الدجال ، والحديث في صحيح مسلم وغيره وهو حديثٌ متواتر، عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر الدجال خفض فيه ورفع ) بالتثقيل والتشديد والتخفيف، خفض خفضه، رفع رفعه، خفض فيه ورفع، خفض فيه ورفع، واللفظان يحتملان معنيين، إما خفّض في صوته عليه الصلاة والسلام، وخفض في صوته بعد أن أكثر من الكلام في شأنه؛ لأنه تعب عليه صلوات الله وسلامه من الكلام، فخفض صوته ليتدارك قوته، وليجمع قواه، ثم رفع وبدأ ينادي بأعلى صوته بعد ذلك محذراً من فتنة الدجال، خفّض وخفض، أي: حقّر من شأن الدجال، فهو أعور مكتوبٌ على جبينه كافر، لا يسخر له إلا الحمار، رجسٌ على رجس، هو حقير، وشأنه وضيع، ورفع، هو مع حقارته فتنة عظيمة، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتطوى له الأرض كطي الأديم، ويمر على الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كأعاسيب النحل. إذاً مع حقارته ووضاعته فتنته عظيمة، خفّضّ ورّفّع، خفَضَ ورفَعَ عليه صلوات الله وسلامه ( فارتاع الصحابة رضوان الله عليهم من الدجال حتى ظنوه في طائفةٍ من النخل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال )، هذا الذي خشيه علينا نبينا صلى الله عليه وسلم أكثر من خشيته من الدجال هو الحكومة الوطنية الكافرة، كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسندٍ جيد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ، قالوا: من يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟! قال: الأئمة المضلون ). ولفظ الإمام يطلق على صنفين: يطلق أصالةً على الإمام الحاكم، ويطلق على الإمام العالم، وإذا فسد هذان الصنفان فسد الناس، وإذا صلحا صلح الناس، فإذا كان راعيها حراميها، وهاديها معاديها، كيف سيكون حال الأمة؟! صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء، ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال. قالوا: من يا رسول الله عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: الأئمة المضلون).إخوتي الكرام! بهذه الأمور الثلاثة، وكل واحدٍ منها تفرع إلى أمرين، يتبين لنا خطورة فصل الدين عن السياسة، ولا يدعو إلى هذا إلا ملحدٌ خبيث، أو جاهلٌ أعمى القلب خسيس، وإلا إذا كان يدرك محتوى هذه الدعوى يعلم أنها مناقضةٌ لدين المولى، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مكر الماكرين وتخطيطات المجرمين [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net