اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع أحكام القبور وأحكام أهل الميت للشيخ : محمد مختار الشنقيطي


شرح زاد المستقنع أحكام القبور وأحكام أهل الميت - (للشيخ : محمد مختار الشنقيطي)
إن كثرة البدع التي تشاهد في المقابر، ومخالفة السنن والآثار في تلك المواطن تحتم معرفة أحكام القبور على الخاصة والعامة، ومن تلك الأحكام: حكم رفع القبر من الأرض، وحكم تجصيصه والبناء والكتابة والجلوس والاتكاء والوطء عليه، وحكم دفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد، وحكم قراءة القرآن عند الدفن، وحكم إهداء الثواب للميت، وحكم صنع الطعام من أهل الميت أو لأهل الميت.
الأمور المنهي عن فعلها بالقبر

 حكم وطء القبر والاتكاء عليه
قال المصنف رحمه الله: [والوطء عليه والاتكاء إليه].أي: على القبر، وهذه من الأمور السمعية الغيبية، التي لا يستطيع الإنسان أن يعرف حكمتها وعلتها، فما على الله إلا الأمر، وما على رسولنا صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وما علينا إلا الرضا والتسليم، والله أعلم بحقيقة الأمر. فقد يقول قائل: هذا ميتٌ مقبور، كيف يتضرر ويتأذى بالوطء على قبره؟ فهذا أمرٌ لا يبحث فيه بالعقل، فالعقل يقف عند حدٍ معين، والله سبحانه وتعالى لم يكشف لنا حقيقة هذه الأذية ولا كيفيتها ولا صفتها، فيتوقف المؤمن عند الحكم، ونقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] لا يزيد المؤمن على الامتثال؛ أما كيف يتأذى ويتضرر إذا وُطئ على قبره أو اتُكئَ عليه ونحو ذلك، فهذا أمرٌ لا يبحث فيه ولا يسأل عنه، وإنما يفوض علمه إلى الله علاّم الغيوب.
حكم دفن اثنين فأكثر في قبر واحد
قال المصنف رحمه الله: [ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة].أي: ويحرم في القبر دفن اثنين فأكثر إلا لضرورة؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، وهدي السلف الصالح؛ مضت على قبر المقبور في قبره دون أن يدخل عليه أحد أو يُجمع معه أحد، وهذا هو الأصل؛ فيكون القبر للمقبور وحده دون أن يُجعل معه آخر، ولو كان قريباً له. أما الضرورة فتقع في حالة الحروب والقتال، كما وقع في غزوة أحد، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قبر شهداء أحد الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، والسبب أنه كانت تفنى الأنفس في الحروب في القديم، ولربما وصل القتل في بعض الوقائع إلى مائة ألف، وفي هذه الحالة يصعب أن يحفر لكل شخصٍ قبر، ولربما جلسوا أياماً وهم لا يستطيعون أن يواروا هذه الأجساد، فيضطروا إلى جمع الاثنين والثلاثة في القبر، وحينئذٍ يشرع أن يوسع القبر من داخل؛ حتى يصلح لجمع هؤلاء ولا يضيق؛ بمعنى أن يُجعل القبر الذي للواحد للاثنين والذي للثلاثة للأربعة أو الخمسة، فإن للأموات حرمة، فيختص التوسيع بقدر الحاجة رفقاً بالأموات، فيجعل القبر للاثنين إذا وسعهما وللثلاثة إذا وسعهما، على حسب ما ذكرنا. وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه جمع شهداء أحد رضي الله عنهم وأرضاهم الرجلين والثلاثة، وإذا جُعل الاثنان والثلاثة والأربعة في القبر فالسنة أن يبدأ بأحفظهم لكتاب الله عز وجل وأعلمهم، فيُجعل من جهة القبلة لشرف البداية وشرف الجهة، فيقدم على غيره، ويكون ظهره إلى غيره لا ظهر غيره إليه، فيشرّف لأن الله شرفه بالعلم، وهذا يدل على فضل العلم والعلماء، وأن الله سبحانه وتعالى يكرم أهل العلم حتى بعد موتهم؛ فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه كان إذا أراد أن يقبر الشهداء يوم أحد سأل عن أكثرهم قرآناً فقدمه في اللحد). وهذا كما يدل على فضيلة أهل العلم، فهو يدل على أنه ينبغي للناس أن يأتسوا بهذا، فإذا اجتمع القوم وفيهم من هو أحفظ لكتاب الله قدم وشرف بشرف العلم؛ حتى يكون ذلك أدعى لتعظيم شعائر الله عز وجل. وكذلك الحافظ للسنة، فلو كان أحفظ لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره فإنه يقدم، وكذا إذا كان أعلم بالأحكام الشرعية، أو كان أكثر بلاءً وجهاداً ودعوةً وتضحيةً، أو كان رجلاً معروفاً بالكرم والجود والإحسان إلى الناس وستر عورات المسلمين ونحو ذلك من الفضل؛ لأن تقديمه يدعو غيره إلى التأسي والاقتداء به؛ ولأنه تعظيمٌ لشعيرة الله عز وجل من جهة كون ما تخلق به واتصف عملاً صالحاً فإذا قُدّم قدم من أجله، فكأننا نعظم العمل الصالح وما كان منه من خير، وهذا أدعى لدعوة الناس إلى الائتساء والاقتداء به، مع ما فيه من الائتساء بالنبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به.وإذا كان يحرم أن يُجمع الاثنان في قبرٍ واحد، فذلك يأتي على صورتين: الأولى: إما أن يدخلهما معاً، أي: ندخل أحدهما ثم ندخل الآخر في نفس الوقت، فالحكم التحريم إلا من ضرورة وحاجة.الثانية: أن تدخل الأول فتقبره اليوم، ثم بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاث، أو يوم أو يومين أو ثلاثة، أو أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة، يؤتى ميت آخر فيفتح القبر الأول لدفنه.. فلا يجوز. فالحكم يستوي فيه أن يدخلهما معاً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد، فلا يجوز أن يجمع بين الاثنين على هذه الصورة، وكذلك فتحه ونبشه للقبر لكي يقبر ميتاً فيه. وعلى هذا: لا يجوز إدخال ميتٍ على ميت، فلا يجوز إدخال الثاني على الأول، ولا الثالث على الثاني إلا بعد أن تبلى عظام المتقدم، وللعظام حُرمة، فما دام عظم الميت في القبر فإن الأرض موقوفة عليه مسدلة عليه محبوسة له، لا يجوز أن يقدم أحد على نقل عظامه ولا على إخراجها، إلا قبور المشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبورهم فنبشت، ثم بنى مسجده صلوات الله وسلامه عليه، كما في الصحيحين.أما المسلم فلعظامه حرمة تدل على بقاء حرمة قبره، وحينئذٍ لا يجوز أن ينبش، ولا يجوز أن يدخل عليه غيره، ولا يجوز أن يبنى عليه وعظامه باقية، ولا يجوز أيضاً أن تتخذ الأرض مزرعة أو نحو ذلك ما دامت العظام ورمم الأموات باقية، فإنها دليل على تسبيل ذلك الموضع لهؤلاء الأموات، والميت أحق بقبره ما دام فيه، أي: ما دام ما يدل عليه باقٍ. لكن لو استحال الميت تراباً وفنيت عظامه وبلي، فحينئذٍ قال بعض العلماء: تذهب الحرمة، فيجوز أن ينبش وأن يدفن غيره في مكانه، وعلى ذلك درج عمل السلف الصالح رحمة الله عليهم، كما في قبور البقيع، فإنها نبشت، ومضى على ذلك هدي الصحابة رضوان الله عليهم، ودفن فيها الجديد من الموتى بعد أن بلي القديم. والنبش يشرع إذا بلي الميت أو غلب على الظن أن العظام بليت، ويستثنى من هذا أن يكون المكان ضيقاً كما في قبور مكة فإذا بقي شيءٌ قليل من العظام، فإنهم اغتفروها لمكان الضرورة؛ فقد نص بعض العلماء على استثنائها لصعوبة الحفر فيها وتعذر ذلك في الغالب. وإذا كان الموضع يشق كالمواضع السهلة التي بها الطمي والطين أكثر، ويصعب فيها وجود القبور، ويتعذر وجودها إلا بندرة، قالوا: إذا فنيت وبقي شيءٌ من العظام تغتفر، ويجوز قبر الثاني مع وجود بقيةٍ من عظام الأول إذا كانت يسيرة. أما والعظام باقية فالدليل يقتضي تحريم قبر الثاني على الأول وإدخاله عليه، وكذلك يحرم التصرف في هذا القبر بالبناء عليه أو الزارعة فيه أو نحو ذلك من التصرفات، وما فيه من التصرف فإنه لاغٍ، فلو أنه زرع على قبورٍ لا زالت باقية، أو غلب على ظننا بقاء الجثث فيها، فإن إحياءه باطل؛ لأنه إحياءٌ لمسبلٍ وموقوف وملك للغير، وإحياء المملوك للغير ليس بإحياء شرعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الحديث الصحيح : (من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) فنص على كونها ميتة، فإذا كان فيها الميت فإنها ليست بميتة؛ لأنها قبر، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم داراً، فقال: (السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) فهي حية بوجود الأجساد فيها، وإن كانت ميتة في الظاهر، لكنها في حكم الدور وكأنها معمورة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف القبور بكونها دوراً. قال: [ويجعل بين كل اثنين حاجزاً من تراب].أي: فإذا وجدت الضرورة لقبر الاثنين، فيجعل بين كل اثنين حاجزاً؛ حتى يكون أشبه بالفصل، قالوا: درج على ذلك عمل السلف رحمة الله عليهم، فكأنه فصل الموضع الأول عن الموضع الثاني، وحينئذٍ كأنه تعدد القبر كما لو قبروا بجوار بعضهم مع وجود الحائل من التراب.
 حكم وطء القبر والاتكاء عليه
قال المصنف رحمه الله: [والوطء عليه والاتكاء إليه].أي: على القبر، وهذه من الأمور السمعية الغيبية، التي لا يستطيع الإنسان أن يعرف حكمتها وعلتها، فما على الله إلا الأمر، وما على رسولنا صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وما علينا إلا الرضا والتسليم، والله أعلم بحقيقة الأمر. فقد يقول قائل: هذا ميتٌ مقبور، كيف يتضرر ويتأذى بالوطء على قبره؟ فهذا أمرٌ لا يبحث فيه بالعقل، فالعقل يقف عند حدٍ معين، والله سبحانه وتعالى لم يكشف لنا حقيقة هذه الأذية ولا كيفيتها ولا صفتها، فيتوقف المؤمن عند الحكم، ونقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] لا يزيد المؤمن على الامتثال؛ أما كيف يتأذى ويتضرر إذا وُطئ على قبره أو اتُكئَ عليه ونحو ذلك، فهذا أمرٌ لا يبحث فيه ولا يسأل عنه، وإنما يفوض علمه إلى الله علاّم الغيوب.
حكم القراءة على القبر
قال المصنف رحمه الله: [ولا تكره القراءة على القبر].المراد بالقراءة: قراءة القرآن، وجمهور العلماء من السلف رحمة الله عليهم كالحنفية والمالكية والشافعية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد -وهي الرواية الثانية عنه- على أنه لا تشرع القراءة على القبور؛ وأنها من الحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ على قبور أصحابه، ولا قرأ أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا من بعدهم من السلف الصالح من الأئمة ومن أُمرنا بالائتساء بهم، فحينئذٍ فإن هذا الفعل يعتبر من البدعة والحدث. وجاءت رواية عند الإمام أحمد أنه رخص في ذلك، وفي ذلك ما يحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما. والصحيح مذهب الجمهور: أنه لا تشرع القراءة على القبر؛ فإن وقعت إجارةً كأن يستأجر مقرئاً يقرأ على القبر، فالإجماع قائم على المنع والتحريم، وإنما الخلاف في المحتسب، وهو الذي يقرأ على القبر تبرعاً، أما من استؤجر للقراءة فإن الإجماع منعقد على أنها إجارة باطلة، وفي ذلك حديث (يس)، أنه إذا قرئ على القبور (يس) أنه يخفف عنه ذلك اليوم، ويكون له من الحسنات والأجور على عدد الموتى، وهو حديثٌ ضعيف.والصحيح الذي هو من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن السنة إذا قُبِر الميت أن يقام على قبره، وأن يدعى له؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما انتهى من دفن الميت : (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) فدل على أن المشروع هو الدعاء، وهذا هو ظاهر التنزيل في قول الحق تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] فدل على أن المشروع هو الدعاء، والدعاء أنفع وأصلح للميت والحي: أما للميت فلأنه رحمة جعلها الله للأموات عند الأحياء؛ ولما يكون بسبب هذا الدعاء من الخير له؛ فيفسح له في القبر وينور له فيه، خاصةًَ إذا كان الداعي مخلصاً لله عز وجل. وفيه مصلحةٌ للحي؛ لأن الحي يكتب الله أجره بإحسانه لأخيه المسلم ودعائه وترحمه واستغفاره له؛ ولذلك وصف الله الأخيار بأنهم يترحمون على إخوانهم الأموات الذين سبقوهم بالإيمان، ومن حق المسلم على المسلم بعد موته أن يترحم عليه وأن يدعو له وأن يستغفر له. أما بالنسبة للقراءة فقلنا: إن الصحيح أنها لا تشرع، لا تخصيصاً بسورةٍ معينة ولا تشرع عموماً، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتأمل لفعله صلوات الله وسلامه عليه وهديه يعلم علماً واضحاً بيناً أنه لا يشرع أن يقرأ على القبر؛ لأنه لو كان مشروعاً لفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفعله من بعده من الخلفاء الذين أمرنا بالاستنان بسنتهم، فحيث لم يفعل ذلك لا من رسول صلى الله عليه وسلم ولا من الخلفاء الراشدين، فإنه يبقى على الحظر؛ لأن أمور العبادة توقيفية، ولا يجوز لأحدٍ أن يجتهد فيها ولو كان الأمر مستحسناً.
 حكم وطء القبر والاتكاء عليه
قال المصنف رحمه الله: [والوطء عليه والاتكاء إليه].أي: على القبر، وهذه من الأمور السمعية الغيبية، التي لا يستطيع الإنسان أن يعرف حكمتها وعلتها، فما على الله إلا الأمر، وما على رسولنا صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وما علينا إلا الرضا والتسليم، والله أعلم بحقيقة الأمر. فقد يقول قائل: هذا ميتٌ مقبور، كيف يتضرر ويتأذى بالوطء على قبره؟ فهذا أمرٌ لا يبحث فيه بالعقل، فالعقل يقف عند حدٍ معين، والله سبحانه وتعالى لم يكشف لنا حقيقة هذه الأذية ولا كيفيتها ولا صفتها، فيتوقف المؤمن عند الحكم، ونقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285] لا يزيد المؤمن على الامتثال؛ أما كيف يتأذى ويتضرر إذا وُطئ على قبره أو اتُكئَ عليه ونحو ذلك، فهذا أمرٌ لا يبحث فيه ولا يسأل عنه، وإنما يفوض علمه إلى الله علاّم الغيوب.
حكم إهداء ثواب القربات لميت أو لحي
قال المصنف رحمه الله: [وأيّ قربة فعلها وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك].القربة: ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، ويشمل ذلك الطاعات، سواء كانت قولية أو فعلية، ظاهرة أو باطنة، لأن العبد إذا فعلها فإنه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا تقرب إلى الله سبحانه وتعالى أحبه ووفقه وسدده، وأحسن له العاقبة في الأمور. فكلما كان العبد أقرب لله كلما كان أقرب لرحمة الله وعفوه وتيسيره ولطفه له في الدنيا والآخرة؛ ولذلك فالوصف بالقربة وصفٌ شرعي، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي عن الله تعالى: (ما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) فهذا يدل على أن العبد يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ويزداد قرباً من الله عز وجل على حسب ما يكون منه من الخير والطاعة والبر.
 إهداء الثواب للحي
قوله: [أو حيّ نفعه ذلك].الأصل: أن الإنسان يتصدق عن نفسه، ويكون ذلك من باب الإيثار للنفس بالقرب والطاعات، أما بالنسبة للميت فقد يكون ذلك لعظيم حقه كالوالدين والقرابة، وقد يكون صديقاً بينك وبينه الود والمحبة، فتحب أن تحسن إليه بعد موته بالصدقة عنه، لعل الله أن يجعل في هذه الصدقة رحمةً تغشاه في قبره، أو تجعلها صدقةً عامةً للمسلمين، فكل ذلك مما لا حرج فيه. وأما أن يكون من حي لحيٍ فهذا لا يحفظ فيه أصل، لكن بعض العلماء أجازه بالقياس، بإلحاق النظير بنظيره، وحكى بعضهم أنه لا خلاف فيه، ولكن لا أحفظ لهذا الإجماع مستنداً، فيتوقف في صدقة الحي عن الحي، بمعنى أن ينوي بأعماله الصالحة أن يكون ثوابها للحي. وأما بالنسبة لنية الأعمال الصالحة عن الأموات إذا قلنا بمشروعيتها، فإنه يستثنى من ذلك هبة ثواب الصدقة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسألة منع منها العلماء رحمةُ الله عليهم، وبعض الناس يفعلها جهلاً، فيقول: إن هذه الصدقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا باطل ولا أصل له، والسبب في ذلك أن حسنات الأمة كلها للنبي صلى الله عليه وسلم، سواء نويت أو لم تنو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدىً كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً) سواء كانت عبادات بدنية أو مالية أو جامعةً بينها، فأجور الأمة كلها في ميزان حسناته بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، وهو ليس بحاجة إلى أن يتصدق أحدٌ أو ينوي صدقته عنه صلوات الله وسلامه عليه، فهو في مقام عظيم وفي منزلٍ كريم بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه.
صنع الطعام لأهل الميت
قال المصنف رحمه الله: [ويسن أن يصنع لأهل الميت طعامٌ يبعث به إليهم].أي: لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصنع لأهل الميت طعامٌ يبعث به إليهم، وهو محفوظٌ عنه في يوم موت جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، ففي السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم ما يشغلهم) والسبب في ذلك: أن أهل الميت يفجعون بميتهم، فيشتغلون بالفاجعة والمصيبة عن تهيئة الطعام ونحو ذلك، فحينئذٍ كان من الرفق أن يصنع لهم الطعام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فقد أتاهم ما يشغلهم)، والمحزون والذي فجع بفاجعةٍ في ولده أو قريبه يذهل عن طعامه وشرابه، ولربما وضع الطعام بين يديه فلم يستسغه، وكذلك ربما وضع الشراب بين يديه فلا يستسيغه؛ مما يكون في كبده من ألم الفراق ولوعة الحزن وشدته عليه في نفسه، ولذلك يرفق به بصنع الطعام. وينبغي أن يكون صنع هذا الطعام من باب التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا من باب الرياء ولا المباهاة؛ وإنما يقصد به وجه الله تبارك وتعالى، حتى يثاب صاحبه ويؤجر.قوله: (يصنع لهم) للعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يصنع لهم يوماً واحداً، وهو يوم المصيبة والفاجعة، وأما اليوم الثاني والثالث فلا يصنع. ومنهم من يقول: الثلاثة الأيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحداد ثلاثة أيام؛ فلما سوغ لأهل الميت أن يحدوا على ميتهم ثلاثة أيام، فمعناه أنهم مشغولون في الثلاثة الأيام أكثر من غيرها، فيشرع أن يصنع لهم الطعام في الثلاثة الأيام، والأمر محتمل، لكن الوارد عنه عليه الصلاة والسلام أنه أطلق، فقال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد آتاهم ما يشغلهم) فإن قيل باليوم فهو الأصل وهو الأقوى، وإن قيل بالثلاثة الأيام فله وجه؛ لأنه قال: (فقد أتاهم ما يشغلهم) فقد يكون شغلهم في الثاني والثالث كشغلهم في الأول، بل قد يشتد حزنهم أكثر في الثاني والثالث. وعلى العموم: الأقوى أن يقتصر على اليوم الأول.
 صنع أهل الميت طعاماً للضيف
قال المصنف رحمه الله: [ويكره لهم فعله للناس].أي: فعل الطعام للناس، وهذا يستثنى منه ما ذكرناه من ضيافة الضيف، فإنه لا حرج أن يدفعوا للضيف طعاماً، وينبغي على الضيوف أن يترفقوا بآل الميت، وألا يحملوا ما لا يطيقون، خاصةً وأنهم مشغولون بما هم فيه من العزاء وتحمل المصيبة وعنائها، لكنهم لو صنعوه للضيف فلا حرج، ويستثنى إذا كان بالمعروف.وأما بالنسبة لصنع الطعام من أهل الميت صدقةً عن موتاهم أو نحو ذلك مما ابتلي به بعض الناس في هذا الزمان فهذا هو الذي قال عنه العلماء: إنه لا يشرع، وإذا كان من أموال اليتامى فإنه أشد حرمة، ويجب على الولي أن يضمن المال الذي أنفقه، فإذا أنفق من مال اليتيم في مثل هذه الأمور فإنه يجب عليه الضمان؛ لأن اليتيم غير مسئول عن هذا الطعام، ولا يجوز أن يحمّل ماله هذه النفقة التي لا وجه لها في الشرع، فيجب على المنفق ضمان المال وعزمه.
الأسئلة

 حكم دفن الوالدة مع ولدها إذا ماتا معاً
السؤال: إذا ماتت الوالدة في ولادتها هي وولدها، فهل يشرع دفنهما سوياً أثابكم الله؟الجواب: الجمع بين الاثنين في قبر لا يشرع إلا من حاجة، والأصل أن الأطفال الصغار يقبرون على حدة، فإن وجدت حاجة من كثرة عددهم وصعوبة دفنهم منفردين فلا حرج أن يجمعوا، سواء جُمِعوا مع كبيرٍ بالغ أو مع صغارٍ مثلهم، ففي هذه الحالة لا حرج أن يقبر مع أمه. وأما ما يعتقده العامة من أن هذا الصغير يخفف العذاب عن الكبير فباطل ولا أصل له، والله تعالى لا يظلم عباده شيئاً، وهو سيتولى العبد بإحسانه إن كان محسناً، وبعدله إن كان مسيئاً، أو بفضله ورحمته وعفوه وكرمه إذا أحب أن يعفو عن إساءته. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحمنا برحمته، وأن يشملنا بواسع لطفه وحلمه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح زاد المستقنع أحكام القبور وأحكام أهل الميت للشيخ : محمد مختار الشنقيطي

http://audio.islamweb.net