اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , غاية الدعوة للشيخ : سفر الحوالي


غاية الدعوة - (للشيخ : سفر الحوالي)
تحدث الشيخ حفظه الله عن الغاية من مشروعية الدعوة وأمر الله بها، لتوحيد الله عز وجل، وهو الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ثم تحدث عن الشرك، وكيف حذر الله عز وجل خير خلقه محمداً صلى الله عليه وسلم منه وكيف حذر منه إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام.وقد بين أن الشرك هو أعظم خطر على أعمال القلوب التي هي مناط صلاح الأعمال، ثم ختم حديثه بالكلام عن التوحيد وكيفية تحقيقه تحقيقاً كاملاً في واقع حياتنا.
أهمية موضوع غاية الدعوة
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:فإن أمر الدعوة إلى الله، ومنهجها أمر مهم, والحاجة إليه ملحة، لأن المسلمين اليوم بعد أن انتبهوا وأفاقوا ووجدوا حالهم بعيداً عما شرع الله, وعما كان عليه الجيل الأول المبارك, ووجدوا أن الكفار سيطروا عليهم وغزوهم ودخلوا عليهم من كل منفذ, فعندما أفاقت هذه الأمة وجدت أنه لا حياة لها ولا قيام ولا خير فيها إلا بإحياء الدعوة إلى الله. ولكن كيف تكون الدعوة إليه تبارك وتعالى؟ وما السبيل القويم الذي تتحقق به الدعوة التي يرضاها الله, ويرضى عنها, ويقبلها ويبارك فيها, وتعيد لهذه الأمة مكانتها في العالمين, واستخلافها في الأرض؟إن المسلمين قد دب بينهم داء الأمم التي من قبلنا, بل هي أدواء وعلل, منها: أنهم ابتعدوا عن المنهج الصحيح في عبادة الله تعالى, ومِنْ ثم انحرفوا في منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى, إلا من وفقه الله في الدعوة إليه عز وجل, كما أمر تبارك وتعالى نبيه محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال له: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]. فهذه الآية العظيمة الجامعة, فيها منهج الدعوة إلى الله تبارك وتعالى كاملاً لمن تدبره وفطن إليه .
 

دعوة التوحيد
نحب أن نوضح أول قضية من قضايا الدعوة, بل من قضايا الإيمان جميعاً التي لا يمكن ولا يصح أن نتجاوزها أبداً, وهي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في هذه الآية في قوله: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108]. فهذه الكلمة ليست كلمة عابرة، وليست جملة عادية، كما نتحدث ونقول في بعض العبارات والجمل التي لا مكان لها، بل إنها هي الأساس, وهي: نقطة البداية في هذا الأمر العظيم, وهي أن تكون الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهاهنا مفترق الطرق بين من يدعو إلى الله, وبين من يدعو إلى غير الله, وإن ظن أو زعم أنه يدعو إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .والدعوة إلى الله معناها: الدعوة إلى توحيد الله تبارك وتعالى الذي أرسل الله عز وجل به جميع الرسل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، وإذا قرأنا في كتاب الله نجد أن كل نبي بعث إلى قومه، قال لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، فهذه هي القضية التي تتكرر دائماً, وبعدها تأتي كل قضية أخرى، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] هذه هي القضية الأساس . فإذاً أول ما ندعو إليه, وأول ما نعبد الله تعالى به: هو توحيد الله عز وجل .والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما بعث معاذاً إلى اليمن, ماذا قال له؟ قال: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله)، وفي رواية (عبادة الله) وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله) وكلها روايات صحيحة, ومعناها حق وصحيح, فعبادة الله هي: شهادة أن لا إله إلا الله, وهي توحيد الله.
 غرض الدعوة إلى الله
وغرض الدعوة وهدفها هو تنزيه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكثير من الناس لا يفقه غرض الدعوة إلى الله، ألا ترون المشركين والمنحرفين عن الدعوة الصحيحة؟ لو تدبرت أحوالهم لوجدت أنهم لا يسبحون الله, ولا نقصد أنهم لا يقولون: سبحان الله؟ لا, بل هذه يقولها أكثر الناس وأكثر المصلين من أهل البدع والضلالة والشرك, بل نقصد أنهم لا ينزهون الله عما لا يليق به, وهي لا تعني كلمة أو لفظاً باللسان, بل تنزيه الله عما لا يليق به. والنصارى عندما قالوا: إن لله تعالى ولداً, هل هم مسبحون لله؟ لا أبداً: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)[ المؤمنون:91] عباد الله المخلصين فقط، أما غيرهم فإنهم لا يسبحون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بل ينسبون له الولد والصاحبة، ويزعمون أن معه شريكاً . والذين يقولون: إن الشريعة أو الدين لا يصلح للتطبيق في القرن العشرين, قرن الحضارة والعلم والتكنولوجيا, هؤلاء لا يسبحون الله ولا ينزهون الله عما لا يليق به, بل هم ينسبون إليه ما لا يليق به, وهو أنه -تعالى عن ذلك- جاهل لا يدري أن الحضارة ستأتي, أو هو يعلم أن القرن العشرين سيأتي بحضارته, لكنه لا يستطيع أن يجعل له من الشرع ما يلائمه وما يناسبه, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .إذاً لا يسبحون الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, وكل من دعا إلى اشتراكية أو ديمقراطية أو بعثية أو أي اسم مهما كان: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً* لَعَنَهُ اللَّه)[ النساء:117]. فكل من دعى إلى غير الله فنهايته أن يصل إلى الشيطان، لأن هؤلاء لم يسبحوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:مثل الذي يقول: الإسلام كله يعجبني بل وأدعو إليه, وأرجو وأحب أن تدعوني إليه -أيها الدعاة- إلا مسألة المرأة, فلا بد أن تعمل ولا بد أن تخرج وأن تتبرج وأن تشارك في وسائل الإعلام وفي كل مجال, فهل نزّه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هذا؟! لا، لم ينزه الله أبداً، لأنه اعترض على حكم من أحكام الله, ورأى أن رأيه أفضل منه. إذاً ندعوه إلى أن يؤمن بالله, وأن يسبح الله, ويوحد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.فغرض الدعوة هو تسبيح الله وأن ينزّه الله, فتنزيه الله ركن أساس في الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وقد ضربنا الأمثلة على ذلك .
التحذير من الشرك
وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79] بعد أن ذكرنا جانب الإيمان, نأتي الآن إلى الاحتراز, فنحترز من أعظم ذنب عُصِيَ الله به، الذنب الذي لا يغفره الله أبداً إلا لمن تاب, الذنب الذي حرم الله تبارك وتعالى على فاعله أو صاحبه الجنة أبداً إلا أن يتوب, ومن لقي الله وهو مذنب بهذا الذنب فإن مصيره الخلود في النار, فما هو هذا الذنب العظيم؟ إنه الشرك: وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:79] .
 الشرك في أعمال القلوب
توحيد الله يقوم بتحقيق أعمال القلوب, أن تكون خالصة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن أهم أعمال القلوب: الإخلاص وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] وبعد ذلك: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5] الإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الصدق مع الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقد قالها بعد أن ذكر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أصناف الناس السابقين من الأولين، ثم ذكر الذين مردوا على النفاق , ثم ذكر الذين هم مريدون لأمر الله, ثم ذكر الثلاثة الذين خلفوا, ثم ذكر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] أي: مع الأولين والسابقين، مع الأولين لا مع المنافقين الذين ذكر الله شأنهم في هذه السورة -التوبة- وفي غيرها, فلا بد أن تصدق مع الله، ويجب على كل إنسان أن يكون صادقاً مع ربه بإيمانه به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وليس نطقاً بقوله.ومن أعمال القلوب التي تحقق لنا التوحيد: الخوف من الله وحده لا شريك له, ولو فطن الدعاة إلى هذا لرأيت العجب العجاب في الدعوة إلى الله, ولو أن كل مؤمن لم يخف إلا الله, ولم يخف أحداً من البشر كائناً من كان في أمر يغضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لرأيت العجب العجاب من التمكين والعز والنصر. لكن الإنسان يقول: لو اتقيت الله, ولو اتبعت ما أمر الله، لفعل بي فلان الذي هو أعلى مني في الوظيفة كذا! فهو يخاف من فلان لأنه أقوى منه, ويخاف من كذا..، فأخافنا الشيطان: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]. فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل ذلك الخوف منه وحده, ولو خفنا من أعداء الله ولم نخف من الله فلن ينصرنا الله تبارك وتعالى عليهم أبداً, بل جعل الله تعالى طريق النصر كما بين: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] فالأعداء يكيدون لنا، ولا توجد وسيلة مما في علمنا أو عقولنا أو خيالنا إلا وقد حاربونا بها, وهذا حق كما ترون الآن في هذا الزمن, وفي كل لحظة، وفي كل دقيقة, فنحن مستهدفون ومحاربون, بالذات في هذا البلد الآمن المطمئن, القائم على دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, ففي كل لحظة تجد الحرب الشرسة علينا، لكن إذا خفنا منهم إذاً أشركنا, فما الطريق؟ وما الحل لمواجهتهم؟ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:120]. إذا صبرنا واتقينا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] لا يضرك كيدهم أبداً . أقول: الأعداء يُخططون لنا ولكل المسلمين، وكثير من المسلمين لا يعرفون ذلك، انظروا إلى ما في التلفاز، وإلى ما فيه من المسلسلات، وإلى الفيديو...، فإن هذا من تخطيط الأعداء لإفساد الأخلاق, وكثير من الناس يقولون: لا أستطيع أن أصبر على مشاهدة هذه الأشياء, ثم يسأل: لماذا الأعداء ينتصرون علينا؟ أنا أقول: إذا كنت لا تستطيع أن تصبر على هذا، فكيف ينصرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ونحن بغير تقوى؟! نحن المسلمين لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، فكيف ينصرنا الله على الكافرين؟! نحن المسلمين إذا تمكن بعضنا من بعض, تجد أن تقوى الله لا تمنعه ولا تردعه من أن ينتقم منه أو أن يظلمه إلا من رحمه الله, لكن هذا هو العموم، فكيف يولي الله الظالمين؟ كيف يورث الله الأرض للظالمين؟ وانظروا كم في المحاكم، والشرط، والإمارات، والإدارات من شكاوى لا بد فيها من ظالم ومظلوم, فنحن نظلم بعضناً بعضاً بهذه الكمية الهائلة, ونريد أن يورثنا الله الأرض, ونقول: لماذا لا يُمكِّن الله لنا نحن المسلمين في الأرض؟ وكل جمعة ندعو: اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ومجد ووحد واجمع! دعاء لا عمل معه, فكيف يولي الله الظالمين؟ لو جمع كلمتنا ونحن بغير تقوى ولا صبر لدمرنا الدين -والعياذ بالله- لكن تفرقنا في هذه الحالة أفضل وأحسن, فهذه حكمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. إذاً لا ينفع إلا أن نصبر وأن نتقي الله, والشاهد أن الخوف من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, هو أحد أهم أعمال القلب التي يجب أن يوحد الله بها.والصبر من أعمال القلب أيضاً, التي يجب أن تُفرد وأن تتحقق، فإذا كنا ندعو إلى توحيد الله وإلى العقيدة الصحيحة, فمعنى هذا أن ندعو أيضاً إلى الصبر؟ حيث نصبر على طاعة الله, ونصبر عن معصية الله, ونصبر على أحكام الله الشرعية, ونصبر على أحكام الله القدرية, وعلى المصائب التي تقع ويكون موقفنا منها الصبر, لأن الله تعالى هو الذي قدَّر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وأيضاً: الرغبة, والإنابة, وكثير مما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم من أعمال القلوب يجب أن نحققها وأن نوحد الله فيها.
لكي نحقق التوحيد
وإذا أردتم أن نوجز ذلك كله، فنقول: كلٌ منا يقرأ كتاب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن هذا هو مصدرنا الأول في عقيدتنا وشريعتنا، وكل ما ينبغي علينا هو أن نقرأ هذا القرآن، وانظروا ماذا يريد منكم منزله وقائله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى -مثلاً-: أنا أقرأ وأنظر ماذا يريد مني ربي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إذا ذكر لي العبر عن الأمم الماضية, ماذا يريد؟ وإذا ذكر لي طريق الجنة وطريق النار, ماذا يريد؟ فإذاً أكون كما يريد الله, وأدعو إلى هذا الذي يريده الله مني, وأمتثله بنفسي وأدعو إليه, وإذا قرأنا ذلك فإن علينا بعد ذلك أن ننظر كيف يدعو الناس؟ كيف تدعو المناهج البدعية إلى الله؟ فنعرف أنها تبتعد عن منهج الدعوة الصحيح بمقدار بعدها عن هذه الحقيقة التي نقرؤها في سورة الفاتحة, وفي الإخلاص، وفي الكافرون، وفي العصر، وفي التكاثر، وفي الفجر، وفي عمّ, ففي أي سورة هناك قضايا محددة مهمة, يتنوع الحديث عنها, ولكنها قضية واحدة, هي توحيد الله, وطاعة الله, وامتثال أمر الله, والعمل من أجل الجنة والفوز برضى الله, وترك كل ما يُؤدي إلى غضب الله وإلى عقوبته, وإلى الدخول في النار التي أعدها الله للكافرين, عافانا الله وإياكم منها.فأعظم شيء في منهج الدعوة إلى الله, هو أن تكون الدعوة إلى الله على توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فإن قيل: هذا يحتاج إلى عمل طويل, وجهد كثير؟ نقول: نعم, هذا حق, لكن لا طريق غيره, فإن كنت تريد طريقاً آخر فلن يوصلك إلى ما تريد, واذهب إلى ما شئت من الطرق التي تراها معبدة أو سهلة, لكن لن تصل إلى الهدف, فالطريق إلى تحقيق توحيد الله والدعوة إلى الله حقاً هي هكذا, وهذا هو حالها وشأنها, ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استمر عشر سنوات في مكة وهو يربي الناس على معنى (لا إله إلا الله) ثم نزلت الصلاة فزادت معنى (لا إله إلا الله) رسوخاً وثباتاً، ثم ذهب إلى المدينة وشرع الجهاد من أجل (لا إله إلا الله) ثم جاءت الزكاة من أجل إقامة دين الله, ومن أجل الإنفاق على المجاهدين في سبيل الله, ولإعلاء كلمة الله, ثم جاء الصوم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لماذا؟ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فهذه الشريعة من أجل تحقيق التقوى التي جاءت بها (لا إله إلا الله) ثم شرع الحج وهو إلى البيت الذي بناه إبراهيم: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [الحج:26] فتحج وأنت تقول: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, كل مرة وأنت تكرر معنى شهادة أن لا إله إلا الله.إذاً: أعظم شيءٍ يجب أن نحققه هو توحيد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن تكون كل عباداتنا خالصة لوجه الله, موافقة لشرع الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.وأعظم مادة يجب أن نهتم بها في المدارس هي مادة التوحيد, وهي القرآن؛ لأن القرآن هو مصدر العقيدة الأول، والحديث -وهو المصدر الثاني للدين وللعقيدة، فلا نعطي هذه المواد إلا للمدرس الكفء، الذي يستطيع أن يُبين للطلبة هذا الدين، ويحبب إليهم هذا الدينز ويجب أن نعلم أن علوم الطبيعة والأحياء وكل ما يتعلق بالعلوم المسماة اليوم: المواد العلمية, كلها تخدم التوحيد -والحمد لله- لأنها من النظر في ملكوت السماوات والأرض, ومن التفكر في آيات الله, ومن السير في الأرض: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [العنكبوت:20].وعلم التاريخ -أيضاً- مما يخدم العقيدة ويجليها ويوضحها, إذا كان المنهج والمدرس صالحين، لأن الله قص علينا في القرآن الكثير منه, وانظروا إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:6-13] فكيف ندرس هذا الكلام في حصة القرآن, ثم إذا جئنا بمادة التاريخ، يقول: الفراعنة كانوا وبنوا وعملوا وشيدوا, ومع الزمن ومع الغزوات وكذا.. ذهبت حضارتهم, هذا غير ما قرأنا في الآيات قبل قليل، يجب أن تربط الآيات مع التاريخ. والحمد لله أننا ما زلنا على مستوى جيد -والحق يقال- ولو وجد المدرس الذي يحسن ويزيد شرحها وعرضها لكان الخير بإذن الله. والمقصود: أن كل المواد تخدم العقيدة الصحيحة, وكل ما يمكن للإنسان أن يستغله للخير يجب أن يُسخره من أجل هذه العقيدة، ومن أجل التوحيد، ومن أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، جعلنا الله وإياكم من الموحدين المؤمنين, إنه سميع مجيب.
 الشرك في أعمال القلوب
توحيد الله يقوم بتحقيق أعمال القلوب, أن تكون خالصة لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن أهم أعمال القلوب: الإخلاص وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5] وبعد ذلك: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [البينة:5] الإخلاص لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، الصدق مع الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، وقد قالها بعد أن ذكر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أصناف الناس السابقين من الأولين، ثم ذكر الذين مردوا على النفاق , ثم ذكر الذين هم مريدون لأمر الله, ثم ذكر الثلاثة الذين خلفوا, ثم ذكر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] أي: مع الأولين والسابقين، مع الأولين لا مع المنافقين الذين ذكر الله شأنهم في هذه السورة -التوبة- وفي غيرها, فلا بد أن تصدق مع الله، ويجب على كل إنسان أن يكون صادقاً مع ربه بإيمانه به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وليس نطقاً بقوله.ومن أعمال القلوب التي تحقق لنا التوحيد: الخوف من الله وحده لا شريك له, ولو فطن الدعاة إلى هذا لرأيت العجب العجاب في الدعوة إلى الله, ولو أن كل مؤمن لم يخف إلا الله, ولم يخف أحداً من البشر كائناً من كان في أمر يغضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لرأيت العجب العجاب من التمكين والعز والنصر. لكن الإنسان يقول: لو اتقيت الله, ولو اتبعت ما أمر الله، لفعل بي فلان الذي هو أعلى مني في الوظيفة كذا! فهو يخاف من فلان لأنه أقوى منه, ويخاف من كذا..، فأخافنا الشيطان: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175]. فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعل ذلك الخوف منه وحده, ولو خفنا من أعداء الله ولم نخف من الله فلن ينصرنا الله تبارك وتعالى عليهم أبداً, بل جعل الله تعالى طريق النصر كما بين: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] فالأعداء يكيدون لنا، ولا توجد وسيلة مما في علمنا أو عقولنا أو خيالنا إلا وقد حاربونا بها, وهذا حق كما ترون الآن في هذا الزمن, وفي كل لحظة، وفي كل دقيقة, فنحن مستهدفون ومحاربون, بالذات في هذا البلد الآمن المطمئن, القائم على دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, ففي كل لحظة تجد الحرب الشرسة علينا، لكن إذا خفنا منهم إذاً أشركنا, فما الطريق؟ وما الحل لمواجهتهم؟ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران:120]. إذا صبرنا واتقينا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] لا يضرك كيدهم أبداً . أقول: الأعداء يُخططون لنا ولكل المسلمين، وكثير من المسلمين لا يعرفون ذلك، انظروا إلى ما في التلفاز، وإلى ما فيه من المسلسلات، وإلى الفيديو...، فإن هذا من تخطيط الأعداء لإفساد الأخلاق, وكثير من الناس يقولون: لا أستطيع أن أصبر على مشاهدة هذه الأشياء, ثم يسأل: لماذا الأعداء ينتصرون علينا؟ أنا أقول: إذا كنت لا تستطيع أن تصبر على هذا، فكيف ينصرنا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ونحن بغير تقوى؟! نحن المسلمين لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، فكيف ينصرنا الله على الكافرين؟! نحن المسلمين إذا تمكن بعضنا من بعض, تجد أن تقوى الله لا تمنعه ولا تردعه من أن ينتقم منه أو أن يظلمه إلا من رحمه الله, لكن هذا هو العموم، فكيف يولي الله الظالمين؟ كيف يورث الله الأرض للظالمين؟ وانظروا كم في المحاكم، والشرط، والإمارات، والإدارات من شكاوى لا بد فيها من ظالم ومظلوم, فنحن نظلم بعضناً بعضاً بهذه الكمية الهائلة, ونريد أن يورثنا الله الأرض, ونقول: لماذا لا يُمكِّن الله لنا نحن المسلمين في الأرض؟ وكل جمعة ندعو: اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ومجد ووحد واجمع! دعاء لا عمل معه, فكيف يولي الله الظالمين؟ لو جمع كلمتنا ونحن بغير تقوى ولا صبر لدمرنا الدين -والعياذ بالله- لكن تفرقنا في هذه الحالة أفضل وأحسن, فهذه حكمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. إذاً لا ينفع إلا أن نصبر وأن نتقي الله, والشاهد أن الخوف من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, هو أحد أهم أعمال القلب التي يجب أن يوحد الله بها.والصبر من أعمال القلب أيضاً, التي يجب أن تُفرد وأن تتحقق، فإذا كنا ندعو إلى توحيد الله وإلى العقيدة الصحيحة, فمعنى هذا أن ندعو أيضاً إلى الصبر؟ حيث نصبر على طاعة الله, ونصبر عن معصية الله, ونصبر على أحكام الله الشرعية, ونصبر على أحكام الله القدرية, وعلى المصائب التي تقع ويكون موقفنا منها الصبر, لأن الله تعالى هو الذي قدَّر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وأيضاً: الرغبة, والإنابة, وكثير مما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم من أعمال القلوب يجب أن نحققها وأن نوحد الله فيها.
الأسئلة

  الاحتجاج بالقدر على المعصية
السؤال: البعض يحتج بالقدر حينما ينصح بالهداية إذا كان غير مهتدٍ، ويقول: هذا من قدر الله، فما هو تعليقكم على ذلك؟الجواب: نعم؛ كل شيء بقدر الله، فإن أصيب العبد بمصيبة، وقال: هذا بقدر الله، أي: يجب عليّ أن أصبر وأن أحتسب وألَّا أقنط فهذا حق، وهذا الذي أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به عباده الصالحين حتى يؤمنوا بالله، وهو أن يؤمنوا بالقدر خيره وشره من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23] لأن كل ذلك في كتاب عند الله. أما إذا كان الإنسان يفعل المعصية ويُصر عليها، ويقول: كل هذا بقدر الله، فهذا لا يقولها من باب الإيمان بالقدر، بل يقولها من باب الاحتجاج بالقدر، وهناك فرق بين الإيمان بالقدر وبين الاحتجاج بالقدر، فهذا لا يقول: آمنا بالله بل كما قال المشركون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] وهذا صحيح، فلو شاء الله ما أشركوا، والله قال في نفس الآيات بعد ذلك: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام:107] لكن: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149] لماذا؟ لأن كل شيء بمشيئة الله، لكن ما قالها الكفار بناءً على حزن وعلى ندم، فلو أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه عندما تأخر عن الإسلام، قال: لو شاء الله لآمنت أول ما يأتي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة، فإننا نقول: هذا صحيح، لماذا؟ لأنه يعزي نفسه على تأخر إسلامه رضي الله عنه. أما من يقول: لو شاء الله أسلمت، وهو مشرك ومصر على الشرك، ويحتج بالقدر ويعبد الصنم، ويقول: لو شاء الله ما أشركت، فهذا كإبليس: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39] الإنسان المسلم لا يقول: ما دام الله أغواني فسوف أستمر، وما دام الله لم يرد أن أصلي فسوف أستمر ولا أصلي! فإنه يكون بهذا من القدرية الإبليسية أو القدرية المشركية الذين يحتجون بالقدر، إما على الاستمرار في المعصية، كما فعل إبليس وكما قال قائلهم: ما دام أن الله لم يهدني فسوف أستمر في ترك الصلاة، وهذه هي القدرية الإبليسية . وأما القدرية المشركية فهم الذين يحتجون بقدر الله على أمر الله، ويعارضون قدر الله بأمره، ولهذا قال عز وجل بعد هذه الآيتين في سورة النحل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:36]. إذاً من هدى الله هداه توفيقاً منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن ضل وحقت عليه الضلالة فهذا جزاء كفره، ولو أنه تعالى يُقر الشرك ما بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى التوحيد، ولو أنه يقر ترك الصلاة ما أمرنا وشرع لنا أن نصلي وهكذا. فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب والذنوب، وإنما يحتج بالقدر على النكبات والمصائب: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]. فإذا قيل لشخص : لماذا مات ولدك؟ قال: الحمد لله، هذا قدر الله، وهذا أمر الله، فإن هذا حق، أما إذا قيل لشخص: لماذا لا تصلي؟ قال: هذا قدر الله، وهذا أمر الله، نقول: كذبت، إن الله تعالى أمرك أن تصلي، وصحيح أن هذا بقدر، لكن لو صليت لكان هذا -أيضاً- بقدر الله.فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بالله وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , غاية الدعوة للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net