اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إبلاغ الأمة بكيفية محبة الرسول للشيخ : سفر الحوالي


إبلاغ الأمة بكيفية محبة الرسول - (للشيخ : سفر الحوالي)
إن من مقتضيات الإيمان المحبة لله ولرسوله، ولا يكون الحب صادقاً حتى يكون المحب مطيعاً في كل شيء، ومن ادعى المحبة وخالف من يحب فهو كاذب في دعواه.ولقد تجسدت المحبة الشرعية التي يجب أن تكون لله ولرسوله في واقع الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا يمثلون في ذلك منهجاً وسطاً لا إفراط ولا تفريط، ولعل أرقى منزلة يبلغها المحب هي التي وصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي منزلة العبودية.
شرك المحبة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعــد:فنحن في زمان قست فيه القلوب، وانقطعت فيه أواصر المحبة، وقلبت فيه المفاهيم، ولبس الأعداء ثياب الأصدقاء، وتبارى المبغضون والمعادون ليتزيوا بزي المحبين والمخلصين، في هذا الزمان نحن أحوج ما نكون إلى الحديث عن المحبة، ولا نعني المحبة التي فقدها الناس فيما بينهم، وإنما: المحبة العظمى، التي لا سعادة ولا راحة ولا طمأنينة للقلوب البشرية إلا بها، وهي محبة الله تبارك وتعالى ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.و المحبة شأنها عظيم وأمرها جليل، فإنها من أعظم أعمال الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل كما هو عليه إجماع أهل السنة والجماعة، والمحبة هي أساس كل عمل من الأعمال، كما أن الصدق هو أساس كل قول من الأقوال، فأعظم أعمال القلوب هما: المحبة والصدق، ولهذا قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدين النصيحة) والنصيحة تتضمن الصدق والمحبة معاً، فإنك إذا نصحت لأحد أو نصحت أحداً فإنك تحبه وتصدق له، وهذان هما أعظم أعمال القلوب،والمحبة هي أساس جميع الأعمال سواء أعمال القلوب أم أعمال الجوارح.فلا دين ولا إيمان لمن لا محبة له، ونعني بذلك المحبة الشرعية أو المحبة الإرادية الاختيارية، لا المحبة الطبعية الفطرية، فهذه المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية هي التي وقع فيها الضلال والانحراف، وبسببها عبد غير الله تبارك وتعالى، ووقعت الإنسانية في أعظم ذنب عُصي الله به وهو الشرك به سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.فلو تأملنا حقيقة العبادة التي خلقنا من أجلها، وخلق الله تبارك وتعالى الجن والإنس لها، لوجدنا أن العبادة إنما هي درجة من درجات المحبة، فمن عبد شيئاً فإنما عبده لأنه أحبه حباً عظيماً في قلبه اقتضى واستوجب ذلك الحب أن يعبده ويطيعه ويرجوه ويخافه ويصرف له جميع أنواع العبادات.
 لوازم المحبة
محبة والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تبع لمحبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومحبة الله من لوازم الإيمان ولا يُحب الله ولا يدعي محبته أحد لا يتابع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قالت اليهود والنصارى كما حكى الله عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، فالدعوى المجردة كلٌ يدعيها، حيث يدعي اليهود أنهم أحباب الله، ويدعي النصارى أنهم أحباب الله، ويدعي أصحاب الضلال أو أصحاب البدع أنهم أحباب الله وأحباب رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن ما الذي يميز ذلك ويصدقه أو يكذبه؟أقول: هنا آية عظيمة قال عنها السلف: إنها آية الامتحان، التي يقضي الله بها على الدعاوى ويبين الحقيقة من الزيف: يقول الله تبارك وتعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] فسماها السلف آية الامتحان: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] فهل الأمر متروك لكل من ادعى دعوى محبة الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعباده الصالحين، وهل هذه دعاوى تقال أم أنها حقائق تصدقها الأقوال والأعمال- أعمال القلوب وأعمال الجوارح-؟ لا، فالأمر أعظم من ذلك: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31] وهذه الآية من تدبرها وجد فيها دلالة عظيمة على ما بلغه القرآن مما لا يبلغه كلام أي أحد، لأنه كلام الله عز وجل، الذي قال فيه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء:88] فيها بيان وبلاغة عظيمة؛ لأن هذه الآية تضمنت شرطين في آية واحدة، شرطين اتصل بعضهما ببعض، الشرط الأول وهو: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران:31] فـ(إن) أداة الشرط، و(تحبون الله) الشرط، وجوابه فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31]، ثم جعل جواب الشرط شرطاً وجعل له جواباً آخر قال: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].ولهذا إذا أردتم أن تعرفوا فقه السلف الصالح وفهمهم لكتاب الله، وكيف أحبوا الله ورسوله حق المحبة، وذلك عندما فهموا كلام الله وفهموا حقيقة الإيمان، فانظروا إلى قول القائل منهم: "ليس الشأن أن تُحِب ولكن الشأن أن تُحَب '' كيف هذا؟ اليهود قالوا: نحن نحب عزيراً، ونحب موسى، ونحب الله، والنصارى ألّهوا المسيح عليه السلام من دون الله، وقالوا هو ابن الله، فهم يحبونه ويدعون ذلك ويزعمونه، ويرون أنه من محبتهم لعيسى أن يقولوا: إنه ابن الله، وأنه إله، فليس الشأن بأن تُحبوا، لكن الشأن بأن تُحَبُّوا أنتم، أي: أن يحبكم الله عز وجل، ويحمد لكم هذه الأعمال التي تزعمونها والمحبة التي تدعونها، والله يقول: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ [آل عمران:31] فيا من تدعون محبة الله، وما من مؤمن ولا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا وهو يقول أنا أحب الله، ولو كان في قلبه مثقال ذرة مما يضاد ذلك لما كان مؤمناً، فيقولون: نحن نحب الله، إذاً: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] فإذا اتبعناه ماذا يحصل، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فهذا هو الأساس والغرض وهو أن يحبنا الله عز وجل، فلا يحبنا الله إلا إذا كنا متبعين لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهراً وباطناً. أما ادعاؤنا بأننا نحب الله، أو نحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يلزم منه ذلك، فقد ندعي ذلك ونكون غير محبوبين عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولكن إذا أحبنا الله فلن يحب الله عز وجل إلا من كان حقيقة محباً لله ومحباً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يكون ذلك إلا لمن كان متبعاً لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان يطابق قوله فعله، ولا يأتمر إلا بأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما كان يفعل الصحابة الكرام.
المحبة الشرعية
الصديق الأعظم أبو بكر رضي الله عنه، بلغ الدرجة العليا في الصديقية؛ لأن هواه وميوله طابقت ما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول، فكان لا يبلغه عن النبي شيء إلا ويقول: [[إن كان قاله فقد صدق]]، قبل أن يسمعه منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمر إلا وهو ممتثل.
 محبة أصحاب الرسول له
ثم الصحابة في ذلك درجات في نفس ذلك الأمر، ولهذا لما قال عمر الفاروق رضي الله عنه وهو ثاني رجل في هذه الأمة في الإيمان وفي الدرجة العليا بعد الصديق الأكبر: '' يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي '' وانظروا إلى صدق الصحابة رضي الله عنهم، حيث كان يقول ذلك وهو صادق، ومن الذي يزعم أنه يحب رسول الله أكثر من أصحابه، فمن قال ذلك فهو كاذب كائناً من كان.فهذا الفاروق الذي يلي الصديق في الدرجة يقول: '' لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي -فهل أقره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآن يا عمر '' الآن أصبح عمر عمراً، وأصبح فاروقاً، وأصبح على الدرجة المطلوبة التي ينبغي أن يكون عليها عمر ومن يقتدي بـعمر، وهو أن يكون رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليه من نفسه {لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين} هذا ما قاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاتباعه وطاعته وتحكيمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل أمر، هي التي تستوجب ذلك وتقتضيه وهي التي تدل وتترجم هذه المحبة، لأنها -كما قلنا- ليست محبة عاطفية، وليست مجرد ميل قلبي، وإنما هي محبة شرعية إرادية اختيارية، وبلا شك أنها مع ميل القلب ومع إرادته، لكن لا نترك ميول القلب وإرادته تذهب ذات اليمين وذات الشمال وإلا لوقعنا في أمور إما أنها انتقاص لمنزلة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإما أنها غلو فيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلو لم تكن محبة شرعية منضبطة بأمر الله ورسوله، فلا بد إذا خرجت عن ذلك أن تذهب تشطح إما يميناً وإما شمالاً، حتى محبة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
الانحراف في المحبة
إذا نظرنا إلى واقع الناس، فإن أي إنسان يحب إنساناً مهما كان صادقاً في ذلك الحب وحتى لو كانت أماً تحب أبناءها، لكنها لا تعرف حقيقة هذا الابن، فإنها قد تمدحه بما يسخر منه الناس وتظن أنها تمدحه، والناس يعلمون أن هذا ذم في الواقع، وكذلك محبة أي شخص. وقد ورد في أثر إسرائيلي -وكما هو معلوم أننا لا نصدق ولا نكذب هذه الآثار، ولكن المقصود منا هو أخذ العبرة- ورد أن عابداً من عباد بني إسرائيل وكان عمله رعي الحمير، وله حمار يرعاه ولا يعرف هذا الراعي من أحوال الدنيا شيئاً، ولكنه كان مجتهداً في العبادة ومجتهداً في طاعة الله فيما يرى وبقدر ما يعلم، فبلغ في نظره من محبة الله عز وجل عنده أنه قال: يا ربي لو أن لك حماراً لرعيته مع حماري، وهذا من المحبة، وهل هو كاذب في هذا الكلام؟ لا، فهذه هي درجة تعظيم الله في قلبه، هذا هو ظنه وهذا غاية ما يعتقد، ولذلك نهينا عن طريق المغضوب عليهم وعن طريق الضالين، وأمرنا باتباع الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فطريقنا طريق الاتباع لا طريق الضلال.وقد ورد أن الشاعر علي بن الجهم لما قيل له أنت شاعر من شعراء البوادي والصحاري، فلو ذهبت إلى الخليفة ومدحته لأعطاك الجوائز وأصبحت من المعظمين في الدنيا، فقال: أذهب، فذهب إلى الخليفة وأعد قصيدة في نظره أنها لا أمدح للخليفة منها، ولا أشد منها في نظره وفي حدود تعبيره ولغته، ففيها الثناء والتعظيم وفيها التقدير للخليفة، الذي يطمع الشاعر من ورائه بالعطاء الجزل والحياة المترفة في بغداد، فقال له: أنت كالكلب في الحفاظ على العهد وكالتيس في قراع الخطوب فضحك منه الناس، كيف تخاطب أمير المؤمنين وتقول أنت كالتيس وكالكلب؟! ففعل هذا الرجل هل كان يقصد به الضحك على نفسه؟ هل كان يقصد أن يسيء إلى الخليفة ويسيء إلى نفسه؟ لا، أبداً، لم يقصد ذلك، ولكن هذه غاية محبته وغاية ما يستطيع أن يعبر عنه، لذا قال هذه العبارات.
 مظاهر الانحراف في المحبة
والأمة الإسلامية قد وقعت في كلا طرفي الانحراف، فوجد منها من غلا في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أخرجه عن العبودية فجعله إلهاً معبوداً من دون الله تبارك وتعالى، وهذا ماحصل من كثير من الطوائف وحصل حتى مع غيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عباد الله من الصحابة، كما فعل مع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أو الحسين أو من التابعين أو من بعدهم من عباد الله الصالحين، أو من يدعي صلاحهم، فحصل الغلو وفتح هذا الباب الذي هو باب هلاك، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنما هلك الذين من قبلكم بالغلو} لما غلو في الدين وغلو في أنبيائهم فغلت هذه الأمة تبعاً لهم، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذه بالقذه حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه} فرفع هؤلاء أنبياءهم فوق حقيقتهم، ورفعت طوائف من هذه الأمة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فوق حقيقته التي هي معلومة بصريح القرآن وصريح السنة، وهذا ما وقع وعَمَّ به البلاء، وواجب على كل من يؤمن به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويحبه -جعلنا الله وإياكم منهم- أن يدافع عن التوحيد ويسد الذرائع المفضية إلى الشرك، بأن يبين للناس منزلة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحقيقية، ويحذرهم من الوقوع في الشرك ومن الغلو فيه.والجانب الآخر: وقع فيه أكثر المسلمين من العامة، بل حتى من العلماء وغيرهم، وهو أنهم قصروا في متابعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقدموا أحوال غيره على أحواله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكانت مصيبة المسلمين في العشرة القرون الماضية أنهم يقدمون أقوال بعض العلماء على قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويتعصبون لهم، وهذا بخلاف ما أمر به أولئك العلماء الأجلاء أنفسهم، وكان ذلك يُعدُّ -وهو كذلك- تقديماً بين يدي الله ورسوله، وإساءة للأدب مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولما ناظر ابن القيم رحمه الله أحد هؤلاء ممن يأتيه الحديث الصحيح فيرده لأن فلاناً قال كذا، فقال له: أرأيت لو أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيٌّ الآن يخاطبنا بأمرٍ وقال: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، أكنت تأتمر بأمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو تقول: أعرض هذا الأمر على قول فلان، أو هذا الأمر يخالف ما قاله فلان من الناس؟ قال: بل أمتثل وأبادر تواً وفوراً، قال: فما الفرق؟ فإذا كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد لحق بالرفيق الأعلى فسنته وأمره بعد وفاته كأمره في حياته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا بد من التأدب مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالتأدب مع سنته كما كان التأدب مع شخصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته، بألا يقدم أحد بين يدي الله ورسوله، ولا يرفع صوته فوق صوت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكذلك يجب أن يتأدب معه بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألا يرفع رأياً فوق سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فهذه كانت مصيبة الأمة الإسلامية التي حلت بها إلى أن جاءنا الغزو الفكري الحديث، وجاءنا الضلال الكبير الذي وقعت فيه الأمة في الأزمنة الأخيرة، وهي أنها قدمت القوانين الوضعية والأحكام البشرية على كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأعرضت عما جاء به من الكتاب والسنة والهدي، فحصل بذلك الضلال العظيم، وحصل الكفر المبين لكثير من الناس الذين شَرَّعوا هذه القوانين وسنوها وألزموا الناس بها -نسأل الله العفو والعافية-. فلم يعد للمسلمين في كثير من البلاد شيء يتمسكون به إلا أنهم يؤدون بعضاً من الشعائر التي تشابه ما يؤديه النصارى من الشعائر، أما حقيقة الإيمان والاتباع الكامل وحقيقة الإذعان الذي هو حقيقة الشهادة بأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد أشرك به غيره، وأصبح الاتباع لغيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمناهج التعليم، ومناهج الحياة، ومناهج الاقتصاد كل هذه تؤخذ من غير شرعه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم مع ذلك يقولون: نحن نحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! ويوجد فيهم من يقول: إنه يحب الله ورسوله، فيأكل الربا أو يستحله ويزعم أنه يحب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! ويوالي أعداء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اليهود والنصارى والمجوس والبوذيين ويزعم أنه يحب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! إذا ما نظرنا إلى واقعنا اليوم -مثلاً- التاجر الذي يستقدم العمال الكفرة، هل هذا في الحقيقة محققاً لمحبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! لِمَ لا يأتي بالمسلمين؟ يأتي بمن لو سأله عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقال: دجال كذاب مفتري -والعياذ بالله- فيأتي به ويكرمه ويعطيه المبالغ العظيمة التي ربما كانت أكثر مما يعطي المسلم، ثم يقول: أنا أحب الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهل هذا حق؟! وكيف تقرأ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبغض الزنا، والربا، والنفاق، ثم تأتي ويقع منك الزنا والربا والنفاق والغيبة والنميمة والإساءة إلى الجار والخيانة، كل ذلك مما يتنافى مع دعوى محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا لا يرضاه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولو رأى ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لغضب أشد الغضب، وتألم أشد الألم، ثم يفعله من يفعله ويقول: أنا أحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!!فهذا هو المعيار، وبهذا نعرف أين نحن من محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذا حكمنا غير شرعه وأطعنا غير أمره، وصدقنا غير خبره، وعبدنا الله بغير سنته، فماذا بقي لنا من محبة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!!والواقع كثير، وظلامه كثيف، والانحرافات كثيرة، ولكن هذا كله لا يعفينا من أن نقول الحقيقة، وأن ندعو إليها، وأن نبدأ بأنفسنا، وأن نعرف أين نحن من الشهادة لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعبودية والرسالة التي أمرنا الله بها، وهل محبتنا وهوانا وقلوبنا وخيرتنا تبعاً لما يقضيه الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أم أنها تتبع الهوى وإن ضربنا بما جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفحاً؟ فهذا هو المحك، وهذا هو المعيار.نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونكتفي بهذا المقدار، وفي أسئلتكم ما يذكرنا بما أنقصنا ولا بد أننا أنقصنا، فالحديث عن محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طويل وعظيم، ونحن دون أن نوفيه حقه، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من المحبين له حق المحبة، المطيعين له حق الطاعة، إنه سميع مجيب.
الأسئلة

  حكم تخصيص ليلة إسبوعية لدراسة السيرة
السؤال: هل هناك فرق بين تخصيص ليلة أسبوعية لقراءة ودراسة سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين عمل مولد كل أسبوع أو شهر، دون تقيد بزمان يعتقد فيه فضل معين له؟الجواب: عمل مولد، سواء جعلناه مرة في السنة أو مرة في الشهر أو مرة كل يوم، فهذه الكلمة في ذاتها تشعركم وتدلكم على أن الأمر بدعة، لأنه لم يأت هذا عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن الصحابة، لكن لو أردنا -مثلاً- درساً في الحديث أو درساً في السيرة، فهل الدروس وطلب العلم بدعة، أو تحديدها بيوم معين بدعة؟ هذا ليس فيه شيء، بل كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كما في صحيح البخاري يحدث كل خميس، وكان يقول: [[أكره أن أملكم فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتخولنا بالموعظة]] فهذا لا يدخل في البدع، فإذا أردنا أن نعلم الناس في المسجد ونقرأ عليهم سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعرفهم بسننه وآدابه وشمائله الكريمة، فلا بأس سواء أكان يوماً أم يومين أو في أي وقت، بل كل ما استطعنا إلى ذلك، بل نقول: إن مما يجب على الأمة الإسلامية أن تجعل سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مادة إجبارية في جميع مراحل التعليم ولا نقيد ذلك ونقول: حسب الإمكانيات! ويجب على كل المسلمين أن يتعلموا ما استطاعوا من سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنته وآدابه. وبهذه المناسبة يوجد أناس يقولون: لا بد أن نعلم أولادنا محبة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واقترحوا يوماً في السنة في المدارس الابتدائية لذكرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولتعلم سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وظنوا أنهم جاءوا بجديد وأنهم عظموا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -نعوذ بالله من الانتكاس- إذا انتكس عقل الإنسان وانتكس إيمانه، فأصبحت محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنده وغاية طلبه أن يجعل يوماً في السنة لذلك، مع ما في ذلك من مضاهاة لأهل البدع في المولد، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقول: {البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي} فبالله عليكم! أي بخل تصفون به من يقول نخصص للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوماً من السنة في المدارس؟ فهذا هو أبخل البخل، نحن نقول لو طالبت أو طالب أي إنسان أن تكون مادة السيرة يومياً لقلنا هذا موضوع قابل للدراسة، ونرجو من المدارس أن تحققه، ثم يجب أن نذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاتنا ونصلي عليه، ونذكره إذا سمعنا الأذان، ونذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخلنا المسجد، نذكره في أوقات كثيرة غير ما ورد من ذكره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المطلق، بل يكون ذكره صلى الله عليه وسلم بالامتثال بسنته -فمثلاً- إذا رأيت شاباً مؤمناً يتمثل في مظهره سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنك تذكر في ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رأيت القرآن تذكرت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه هو الذي جاءنا بهذا القرآن، فمتى يغفل المؤمن عن ذكرى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى نقول: يكون له يوم في السنة. فيجب علينا أن تكون محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تملك شغاف قلوبنا، وكل أمر من أمورنا نزنها بميزانه، ونطبقه على سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون تذكرنا له في الحقيقة في كل وقت، وفي كل عمل، فإذا نظرت في الشارع إلى امرأة فأتذكر أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرني أن أغض بصري فأغضه، وإذا سمعت صوتها فأتذكر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن أن أسمع صوت النساء، وهكذا في كل أمر من الأمور أجد أنني ملزم باتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومقتدياً به فيه. وحسبنا الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون، وأسأل الله أن يكتب لنا الأجر، ولعل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتيح لنا فرصة أخرى فنجيب على بعض الأسئلة أو نتحدث عن هذا الموضوع، فإننا لم نوف محبة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقها، مهما قلنا ومهما تحدثنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إبلاغ الأمة بكيفية محبة الرسول للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net