اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - حديث 767-777 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - حديث 767-777 - (للشيخ : سلمان العودة)
الطواف بالبيت له أحكام وآداب منها الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى لطواف القدوم للحاج أو المعتمر، كما يشرع تقبيل الحجر الأسود واستلام الركن اليماني، فإن لم يستطع الطائف استلامه فلا يشير إليه كما يفعل بالحجر الأسود، كما يستحب عند الجمهور الاضطباع حال طواف القدوم ويلبي الحاج، فإذا وصل إلى البيت قطع التلبية، كما اختلف العلماء في المبيت بعرفة ومتى ينفر منها في أقوال مفصلة في هذه المادة.
شرح حديث: (أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً)
عن ابن عمر رضي الله عنه: [أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثاً ومشى أربعاً]. متفق عليه.
 فوائد الحديث
النقطة الخامسة: بعض فوائد الحديث:من فوائد الحديث: المعاريض بالفعل، المعاريض في القول معروفة، و( في المعاريض مندوحة عن الكذب )، يعني: أن الإنسان يمكن أن يعرض أحياناً فيما لا يريد. ولكن هنا التعريض بالفعل، فإن إظهار المسلمين القوة من خلال الرمل ومن خلال الاضطباع، ومن خلال السعي في موضع السعي - والله أعلم- إظهار هذه القوة فيه نوع من المعاريض، يعني: ما نسميه بالاستعراض، الآن يسمونه الاستعراض, الاستعراض العسكري أو غيره، فأحياناً الحرب تستدعي نوعاً من إضفاء صبغة من القوة والانضباط.ومن المعاريض أحياناً: عدم إظهار الضعف، ومن الضعف على سبيل المثال: الاختلاف، فإذا كان الناس مختلفين فيكون من المعاريض الجميلة أن لا يظهروا ضعفهم لخصمهم وعدوهم، فيظهروا أنفسهم وهم يد واحدة ومتضامنون، يحترم صغيرهم كبيرهم، ويرحم كبيرهم صغيرهم، ولو لم يكن هذا هو الواقع في حقيقة الأمر، فهذا من المعاريض بالفعل، فالحديث يدل على أن المعاريض تكون بالقول وتكون بالفعل.ومن فوائد الحديث: أن الرمل أو الخبب لا يتدارك، بمعنى: أن محله الأشواط الثلاثة الأولى، فلو أن الإنسان نسيه هل نقول: يقضيه في الأشواط الباقية؟ لا، نقول: فات محله, فلا يمكن تداركه.وفيه أيضاً من الفوائد: أن الرمل خاص بالقادم، لكن بأي جنس؟ خاص بالرجال، ولا مدخل للنساء في الرمل، وهذا يكاد أن يكون اتفاقاً.وفيه: أن الرمل في الأشواط الثلاثة كلها حتى ما بين الركنين, وأنه خاص بطواف القدوم.
شرح حديث: (لم أر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين)
الحديث الذي بعده رقم (750)، وهو أيضاً حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: ( لم أر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين ) رواه مسلم .الحديث أيضاً رواه البخاري، ولهذا لا وجه لاقتصار المصنف رحمه الله على مسلم، إلا أن يكون على سبيل عدم المراجعة لتخريج الحديث، فالحديث متفق عليه، فقد أخرجه البخاري في الحج، باب: من لم يسلم غير الركنين، وأخرجه مسلم أيضاً كما أشار المصنف رحمه الله في الحج، باب: استحباب استلام الركنين، وقد أخرجه أبو عوانة وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وأحمد في مسنده .
 فوائد الحديث
النقطة الرابعة في الحديث، وهي فوائد الحديث:من فوائد الحديث: فضيلة الحجر الأسود وما يختص به.ومن فضائله أيضاً: فضيلة الركن اليماني وما يختص به.ومن فوائد الحديث: التفريق بين الركنين اليمانيين والركنين الشاميين, وسر هذا التفريق.
شرح حديث عمر في تقبيل الحجر الأسود
الحديث رقم (751): عن عمر رضي الله عنه: ( أنه قبل الحجر الأسود، وقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع, ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبلك ما قبلتك ). متفق عليه.
 فوائد الحديث
في الحديث مشروعية تقبيل الحجر الأسود، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في فضيلة الحجر حتى ورد هذا مرفوعاً: ( أنه نزل من الجنة أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم، وأن تقبيله واستلامه يحط الخطايا حطاً ). فهذا مما ورد في الفضيلة. ورواه الترمذي والنسائي وأحمد في مسنده.ومن فوائد الحديث: حماية جناب التوحيد من قبل عمر رضي الله عنه وأرضاه، في نفي اللبس في تقبيل الحجر أو استلامه، ولذلك يصرح بأنه حجر لا يضر ولا ينفع، وإنما النافع الضار هو الله عز وجل.وفيه أيضاً: أن الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يخترع عبادة من قبل نفسه، إلا أن يكون الشارع أذن فيها، وهذا من السعة في الدين ومن رحمة الله تعالى بالعباد, أن الله تعالى جعل العبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يحل لأحد أن يبتكر أو يخترع عبادة جديدة، أو يجعل هناك عبادة بمناسبة جديدة، مثلاً إحياء الليلة بمناسبة الإسراء والمعراج، أو بمناسبة الهجرة, أو بمناسبة بدر، أو ما أشبه ذلك؛ لأن من شأن هذا أن تتضخم العبادات حتى تملأ حياة الناس، بينما الشارع أراد أن تكون هذه العبادات محصورة، القرب يعني، يعني: العبادات المحضة, أن تكون محصورة في أوقات معينة.ويقابل هذا: أن الله سبحانه وتعالى جعل الأصل في العادات والمعاملات الإذن, وليس التوقيف، بمعنى أن الناس يتسلطون بعقولهم وإبداعهم على الابتكار في مجال الحياة الدنيا, وفي مجال التجارة, وفي مجال الاقتصاد, وفي مجال العلوم المادية الدنيوية , هذا مطلب, فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]. وفكروا وتأملوا وتدبروا، لكن فيما يتعلق بالعبادات تكون محصورة، فيكون هناك فصل ما بين هذا وذاك، وهذا يؤخذ من قول عمر رضي الله عنه: ( ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبلك ما قبلتك ). فهذا دليل على أن الأصل في العبادات هو التوقيف كما ذكرنا.ومن فوائد الحديث وغيره: أنه لا حرج ولا بأس أن يسمى الحجر الأسود بالحجر الأسود، وبعضهم يحرف هذا الاسم, فيقول: الحجر الأسعد، وفي الواقع أقول: ليس في السواد ما يعاب, هذا أولاً. فليس هناك عنصرية من اللون الأسود, فالشعر الأسود والليل الأسود والعيون السود, وهناك ميزات كثيرة جداً يكون السواد مطلوباً فيها، والكعبة ذاتها لونها: لا يجادل أحد في أن لونها هو الأسود، ولا ينبغي أن يؤخذ اللون الأسود على أنه لون التشاؤم، أو الإحداد كما يظن البعض، أو حتى لو لبست المرأة اللون الأسود قيل: إن هذا اللون سيء أو ما أشبه ذلك. فهذا أولاً.ثانياً: الصحابة رضي الله عنهم سموه بذلك، وجاء في السنة النبوية تسميته، فينبغي أن يوصف بما يوصف به. هذه هي السنة.وفي الحقيقة من الفوائد التي لم أر من أشار إليها ولا أدري كيف أسوقها، هي: مخاطبة عمر رضي الله عنه للحجر الأسود، وهذا شيء عجيب! عمر رضي الله عنه يكلم الحجر، فيقول: إني أقبلك وأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، فهذه المخاطبة من عمر رضي الله عنه يحتمل أن تكون مخاطبة افتراضية، بمعنى أن عمر وإن كان يخاطب الحجر إلا أن قصده أن يسمع البشر، وكأنه يريد أن يوصل إليهم هذه الرسالة، وهذا المعنى هو الأقرب والله أعلم. لكن لا مانع أن يكون أيضاً من معاني مخاطبة عمر رضي الله عنه أن المؤمن الحق الذي تشبع بالإيمان يكون عنده إحساس خاص حتى تجاه الجمادات؛ لأنه يشعر أنها تسبح الله سبحانه وتعالى, وأنها تعبد الله، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقف على جبل أحد، فاهتز الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اثبت أحد ؛ فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد ). وقد أخذت من هذا الحديث, حديث: (اثبت أحد ) أنها حصلت الزلزلة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلافاً لمن نفى ذلك، ولكنها كانت زلزلة خفيفة، وإلا فالحديث ثابت في صحيح مسلم .
شرح حديث: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن ...)
ننتقل بعد ذلك للحديث رقم (752): عن أبي الطفيل رضي الله عنه قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن ). رواه مسلم .
 فوائد الحديث
النقطة الرابعة فوائد الحديث:فيه جواز الركوب في الطواف، ومثله والله أعلم السعي من باب أولى؛ أنه يجوز للإنسان أن يركب وهو في الطواف أو في السعي.ثانياً: نقول: جوازه من غير كراهية للعذر، إن كان من غير عذر فالسنة المشي، لكن إن كان لعذر كما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم ومثله الكبير أو الصغير أو من لا يطيق، فإن الجواز هنا يكون من غير كراهة. وقد جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنها تريد أن تطوف وهي مريضة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( طوفي وراء الناس وأنت راكبة ). والحديث رواه البخاري ومسلم، فركبت وطافت رضي الله عنها وأرضاها، وقال مالك وأبو حنيفة : لا يطوف راكباً إلا لعذر؛ رأوا أنه لا يجوز أن يطوف راكباً إلا لعذر، لكن ما ذهب إليه الجمهور من الجواز هو الأصح.واستدل القائلون بأنه لا يجوز بـ حديث: ( الطواف بالبيت صلاة, إلا أن الله أباح فيه الكلام, فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ). والحديث رواه أحمد وأهل السنن عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والصواب والراجح أن الحديث موقوف على ابن عباس من قوله, وليس مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد رواه الترمذي والنسائي كما ذكرت وصححه ابن خزيمة وغيره .من فوائد الحديث: طهارة بول ما يؤكل لحمه، وطهارة روثه أيضاً، ونأخذ هذا من دخول البعير إلى الحرم، ولا يؤمن أن يحدث منه البول أو الروث داخل المسجد، فأخذ من هذا من أهل العلم من أخذوا طهارة بول ما يؤكل لحمه، وطهارة روثه أيضاً.والأدلة على ذلك كثيرة ومبسوطة في موضعها, وسبق أن ذكرناها في باب الطهارة.منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يلتحقوا بإبل الصدقة, وأن يشربوا من أبوالها وألبانها.ومنها: جواز الصلاة في معاطن الإبل. إلى غير ذلك من الأدلة.
شرح حديث: (طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطبعاً ببرد أخضر)
الحديث رقم (753) عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: ( طاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطبعاً ببرد أخضر ) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.
 فوائد الحديث
من فوائد الحديث: استحباب الاضطباع، وقد بينا صفته، وأنه يكون في الطواف الأول طواف القدوم.ومن فوائد الحديث: جواز الإحرام بالملون، يعني: لا يلزم أن يكون الإحرام هو خرقة أو إزار أبيض، بل يجوز الإحرام بغيره, كما أحرم النبي صلى الله عليه وسلم هنا بالبرد الأخضر, مما جرت العادة أن يلبسه الرجال، أما المرأة فتحرم فيما شاءت من الثياب, مما لا يكون زينة أو فتنة في نفسه.
شرح حديث: (كان يهل المهل فلا ينكر عليه, ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)
الحديث الذي بعده (754): عن أنس رضي الله عنه قال: ( كان يهل المهل فلا ينكر عليه, ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ). متفق عليه.والحديث أيضاً هنا ذكره المؤلف رحمه الله الإمام الحافظ، ولم يذكر تفصيلاً له، وفي الواقع أن هذا يحتاج إلى أن يعرف متى يهل المهل فلا ينكر عليه، ومتى يكبر المكبر فلا ينكر عليه، فكان في لفظ الحديث شيء من الاختصار المخل.
 فوئد الحديث
من فوائد حديث أنس: استحباب التكبير، والتكبير يبدأ متى فيما يتعلق بموسم الحج؟ يبدأ من أول الشهر، ويسمى التكبير المطلق، فالتكبير المطلق يبدأ منذ دخول ذي الحجة إلى نهاية أيام التشريق، هذه كلها محل للتكبير، وهذا مشهور عن السلف والصحابة رضي الله عنهم, والنقل فيه كثير، فهذا لون من التكبير، ولعله هو الذي أراده أنس رضي الله عنه؛ لأنهم كانوا قد دفعوا ما بين منى إلى عرفة وهم يكبرون, فهذا تكبير مطلق.النوع الثاني: هو ما يسمى بالتكبير المقيد، والتكبير المقيد هو: التكبير في أدبار الصلوات المكتوبات، أنه بعدما يستغفر -كما ورد- ويهلل يخلط ذلك بالتكبير في أدبار الصلوات المكتوبات, ويرفع صوته بذلك أيضاً.والتكبير المقيد ليس فيه نص صريح صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه ثبت أيضاً عن جمع من الصحابة, واشتهر عن السلف والأئمة رضي الله عنهم وأرضاهم .وأفضل ما يكون في صفته أن يقول: الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر, لا إله إلا الله, والله أكبر .. الله أكبر, ولله الحمد، فيرفع صوته بهذا التكبير في أدبار الصلوات المكتوبات.وأيضاً في تحديد وقت التكبير المقيد اختلاف، والمشهور أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.ومن فوائد الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينكرون ما خالف السنة، ولذلك احتج أنس رضي الله عنه بعدم إنكارهم على المشروعية، أو نقول: إن ما فعله الصحابة من غير إنكار فهو سنة، ولهذا أنس رضي الله عنه قال: (كان يكبر المكبر فلا ينكر عليه, ويهل المهل فلا ينكر عليه). دليل على أن الإهلال -يعني: التلبية- سنة، وأن التكبير سنة، وخلط ذلك سنة أيضاً.ومن فوائد الحديث: التنوع في أعمال الخير، وأن كثيراً من الخلاف الذي يحدث بين الناس هو بسبب ضيق العقل، وأن الإنسان يضيق فهمه أو عقله أو علمه عما عند الآخرين، فيظن أنه لا خير إلا ما يوجد عنده، فينكر عليهم، ويقع بسبب ذلك كثير من الشر والغلط والعدوان, عدوان الناس بعضهم على بعض، بينما الناس ربما هذا مشغول بخير, هذا مشغول بعلم، وهذا مشغول بدعوة، وهذا مشغول بالإنفاق في سبل الخير، وهذا مشغول باحتساب, هذه كلها أبواب من الخير، ولا يلزم أن أجبرك لتكون مثلي, أو تجبرني لأكون مثلك، فالناس كلهم على أبواب من الخير، هذه الأشياء مادام لها أصول من الشريعة، ولا يمكن لأحد أن يستوعب ذلك كله، فيكون عالماً، وتاجراً، وداعياً، ومربياً، ومعلماً، ومحتسباً, نعم هو قد يحتسب على نفسه وعلى ولده وعلى من حوله، لكن لو أنه تجرد لهذا المعنى ربما قصر في العلم الذي توجه له، وكذلك المحتسب، ربما لو أنه انشغل بالعلم ربما ترك الاحتساب، فهكذا ينبغي أن يكون عند الناس سعة في مثل هذه المعاني، كما قال أنس رضي الله عنه أقول: لنجعل شعارنا قول أنس رضي الله عنه: ( كان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه ). كل منا على خير، عليه أن لا ينكر على الغير.
شرح حديث ابن عباس: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضعفة من جمع بليل)
الحديث رقم (755) عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثقل أو قال: في الضعفة من جمع بليل ). والحديث متفق عليه.
 فوائد الحديث
في الحديث فائدة وهي: تقديم الضعفة, (من جمع بليل)، سواء كان تقديمهم إلى البيت, ليطوفوا بالبيت، أو كان تقديمهم إلى رمي جمرة العقبة.الفائدة الثانية: أنه يبدأ وقت الطواف طواف الحج، طواف الركن يبدأ بعد منتصف الليل، وهذا مذهب الشافعية والرواية المشهورة عند الحنابلة, وهو الراجح، وكذلك أن وقت رمي جمرة العقبة يبدأ بعد منتصف الليل؛ بسبب الإذن لهم بالدفع؛ لأنه إنما أذن لهم أن يدفعوا حتى يطوفوا قبل الناس أو يرموا قبل الناس.ومن فوائد الحديث أيضاً: أن المرافقين لهؤلاء الضعفة يأخذون حكمهم, فمن يقود السيارة مثلاً أو الباص، وكذلك الذين يقومون عليهم بالخدمة أو المحارم الذين يكونون معهم يأخذون حكمهم في الترخص بالدفع من جمع بليل.
شرح حديث: (استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله ...)
الحديث الذي بعده، وهو في معناه، ورقمه (756) حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( استأذنت سودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة -أي: ثقيلة- فأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها ) والحديث متفق عليه. ‏
 تعامل طالب العلم عند تعدد الأقوال والاختلافات
عندي تعليق بسيط وسريع حول مسألة الأقوال في المناسك، أنا ذكرت الآن أقوال العلماء في المبيت بمزدلفة، ومعروف أن هناك أقوالاً في كثير من المسائل، مثل أقوال العلماء في الدفع من عرفة قبل غروب الشمس، أقوال العلماء في المبيت بمنى، الخلاف أيضاً، ولعله يأتي الإشارة إليه: هل هو واجب أو سنة؟ كذلك الخلاف في الجمرات هل هي واجبة أو سنة أو يكفي عنها التكبير؟والخلاف في السعي، هل هو واجب أو سنة أو ركن؟ هذه كلها أقوال.والذي ينبغي أن يحرص طالب العلم عليه هو تحري الدليل باعتدال, بعيداً عن أن يكون عليه تأثير، والتأثير أحياناً قد يكون تأثيراً نحو التسهيل، وأحياناً يكون تأثيراً نحو التشديد، بحسب البيئة العلمية، فأحياناً كون الإنسان يريد أن يختار الأسهل، هذا ليس منهجاً علمياً ولا شرعياً، فيقول: مادام فيه خلاف مثلاً في المبيت بـمزدلفة، إذاً: أنا أختار أنه منزل, وليس سنة, أو على أحسن الأحوال يقول: أنا أتوسط فأقول: هو سنة، ثم يأتي إلى المبيت بـمنى، ويقول: هو سنة, ولا دليل على وجوبه، إذاً: أختار السنية.يأتي لرمي الجمرات يقول: أختار السنية أو يكفي عنه التكبير.يأتي للسعي فيقول: أختار السنية فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].ثم هنا تلاحظ فعلاً أن يكون الإنسان تخلى وتجرد عن كثير من العبادات والأعمال، ولمثل هذا نقول: فعلاً من يقول: بأن السعي سنة يقول: بأن المبيت بـمزدلفة واجب، ومن يقول: بأن المبيت بـمزدلفة سنة يقول: إن رمي الجمرات واجب، والمبيت بـمنى واجب، فلم يوجد عالم أو مذهب جمع كل هذه الرخص في سياق واحد وأخذ بها.هذا منهج في نظري أنه معتدل. لكن أيضاً ينبغي أن نراعي الوجهة الأخرى، وهو أن بعض البيئات العلمية قد تحفز الطالب على الأخذ بالأحوط، فكلما اختلف العلماء في مسألة رجح هو وبقناعة طبعاً، لكن هو لا يحس بتأثير الجو المحيط عليه على نفسه، فإذا اختلفوا في مسألة الدفع من عرفة يجوز الدفع قبل المغرب أو لا يجوز الدفع؟ قال: لا يجوز الدفع إلا بعد الغروب، وأيضاً أخذ زيادة على ذلك أنه من دفع قبل الغروب فعليه دم، وهذه رواية عن بعض الفقهاء، الإمام مالك يرى أنه لا يجزئه إلا أن يؤخر الدفع إلى الغروب، فإذا اختلفوا في مزدلفة مثل ذلك، إذا اختلفوا في الرمي مثل ذلك، إذا اختلفوا في السعي مثل ذلك, أخذ بالأقوال التي فيها شدة، وأن يأخذ بهذا لنفسه فهذا حسن، أن يحتاط الإنسان لنفسه، لكن بالنسبة للفتوى على الإنسان أن يراعي أن لا يأخذ بالأسهل لمجرد أنه أسهل، هذا ليس مرجحاً على الصحيح من أقوال الأصوليين، ولا يأخذ أيضاً بالأشد لأنه أشد، وإنما عليه أن يراعي في ذلك عموم الأدلة الواردة، ويراعي التوسط والاعتدال في ذلك، فأحياناً تجد الفقيه ربما قال: بأن هذا الفعل واجب، ولكن لم يقل بوجوب الدم على من تركه، خاصة أنها لا توجد أدلة صريحة على مفردات هذه المسائل، مثل: إيجاب الدماء على الحجاج في أشياء كثيرة جداً، فأنت تقول بالوجوب في كل هذه الأشياء، ثم تقول بالدماء في كل هذه الأشياء، بعضهم مثلاً يقول: من ترك المبيت بـمنى هذا واجب، وعليه دم، وبعضهم يوجب عليه دم في كل ليلة ترك فيها المبيت، بينما لا تجد أحداً من الفقهاء والمذاهب يقول بوجوب كل هذه الأشياء من التأخر إلى الغروب بـعرفة، والرمي في الأيام الثلاثة كلها، والمبيت بـمنى كله، وأن من ترك شيئاً من ذلك فعليه دم، بل الإمام أحمد مثلاً يوجب المبيت، ولكنه لا يوجب الدم بتركه، وأحياناً يقول بعضهم: يتصدق بشيء، فأحياناً بعض المفتين يجتهدون بدون شك، ولكن يراعى في ذلك التوسط والاعتدال، لا تأخذ بالأقوال الميسرة لمجرد أنها ميسرة، وأيضاً لا تأخذ بالأقوال الشديدة لمجرد أنها شديدة، وإنما يحرص الإنسان على متابعة الدليل, كما أشرنا إليه أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ).فإن تأثير العادة والمألوف على الإنسان كبير، وأنا رأيت كثيراً من طلبة العلم قد يحاكمون أقوال الأئمة الكبار، كأقوال الإمام طاوس وعطاء، بل حتى الصحابة، إلى بعض ما تلقوه في الجلسات العلمية، فيقول مثلاً: نقل عن ابن عباس كذا، والصحيح كذا, دون أن يواجه قول ابن عباس بأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابة آخرين، وهذه من الأشياء التي هي تعليم.ينبغي على طالب العلم أن يراعي في اختيار القول الراجح احترام المخالف له في ذلك، وأيضاً أن يراقب نفسه، لا ينتقد الآخرين فقط أنهم متشددون أو أنهم متساهلون، وإنما عليه أن يراقب نفسه, بمعنى أنه ليس هو معياراً للناس, يحاكم الناس إليه, أو يكون هو الميزان في حجم الشدة أو حجم التراخي، فكل طلبة العلم إن شاء الله مجتهدون: وكلهم من رسول الله ملتمسرشفاً من البحر أو غرفاً من الديم
شرح حديث: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)
الحديث رقم (757) وهو حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس). الحديث رواه الخمسة إلا النسائي، وفيه انقطاع.
 تخريج الحديث
أولاً: ما يتعلق بتخريج الحديث، فقد رواه أبو داود في المناسك, باب: التعجيل من جمع، والترمذي في الحج، باب: تقديم الضعفة، والنسائي في المناسك، باب: النهي عن رمي الجمرة حتى تطلع الشمس، وابن ماجه في المناسك أيضاً, باب: من تقدم من جمع لرمي الجمار، وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده .والحديث رواه النسائي وغيره من طريق الحسن العرني عن ابن عباس رضي الله عنه، وهو منقطع، الحسن العرني لم يأخذ عن ابن عباس، ولذلك الإمام أحمد قال عن هذا الحديث: إنه منقطع؛ لأن الحسن لم يأخذ عن ابن عباس، وكذلك ابن معين وأبو حاتم أعلوا هذا الإسناد بالانقطاع.وللحديث طرق أخرى، لكن كلها لا تخلو من مقال، فالحديث وإن صححه بعض أهل العلم كالشيخ الألباني رحمه الله وغيره إلا أن الراجح أن الحديث ضعيف معل، وسوف نأتي على ما يتضمنه.وفي بعض ألفاظ الحديث أن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثنا في الثقل جعل يلطخ أفخذنا - يعني: يضرب أفخاذنا- ويقول: أي بني! لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس ).
شرح حديث: (أرسل رسول الله بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر...)
الحديث الذي بعده (758) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر, ثم مضت فأفاضت ). رواه أبو داود، وإسناده على شرط مسلم . هكذا يقول المصنف رحمه الله.
 فوائد الحديث
من فوائد الحديث: جواز الرمي بعد الدفع قبل طلوع الفجر، وجواز الإفاضة كذلك، فإن وقت الإفاضة يبدأ على الراجح بعد طلوع الفجر من ليلة مزدلفة .
شرح حديث: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع...)
الحديث رقم (759) حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( من شهد صلاتنا هذه -يعني: بـالمزدلفة - ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بـعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه ).هذا حديث مشهور جداً يكثر الاستدلال به في المناسك.
 فوائد الحديث
الحديث فيه فوائد:منها الوقوف بعرفة، وأنه ركن.ومنها: أن الوقوف بـعرفة يكون أية ساعة شاء من ليل أو نهار, كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.وقد يؤخذ من الحديث حجة للإمام أحمد رحمه الله في أنه يرى أن الوقوف بـعرفة يكون من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الفجر يوم النحر، يعني: أربعة وعشرين ساعة، خلافاً للجمهور، فإن الجمهور يرون أن الوقوف بعرفة يبدأ بعد الزوال، هذا مذهب الثلاثة وغيرهم، واستدلوا له بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة، لكن الإمام أحمد له رأي في هذه المسألة، وهو أن الوقوف بـعرفة يبدأ من صلاة الفجر، يعني: من طلوع الفجر، فلو أنه صلى الفجر بـعرفة على مذهب الإمام أحمد يكون حجه صحيحاً، وعلى مذهب الجمهور لا يصح حجه. فالإمام أحمد رحمه الله احتج بهذا الحديث, أنه وقف بـعرفة يوم عرفة ولو للحظة من ليل أو نهار، ولأن الحديث صحيح، فإن قول الإمام أحمد له وجاهة في الواقع، ولكن لا ينبغي الأخذ به بالفعل، بمعنى: أنه لا يصلح للحاج أبداً أن يذهب إلى عرفة قبل الناس ثم يدفع منها قبل الزوال؛ لما في ذلك من المخاطرة وتعريض حجه للفساد، إنما نأخذ بهذا القول أو بهذه الفتوى للإمام أحمد في حق من حدث هذا منه ثم سأل عنه بعد فوات الأوان، يعني: إنسان ذهب إلى عرفة ووقف بها قبل الزوال، ثم ذهب منها، ولم يسأل إلا بعد فوات الوقت ومضي يوم عرفة وليلة مزدلفة، فهذا الأرجح أن لا نقول: إن حجك فاسد, ونمضي عليه أحكام الحج الفاسد والفوات، وإنما نأخذ له بهذه الرخصة؛ لوجود الدليل الصحيح لها. ولعل هذا من الفقه في التفريق بين من فعل الشيء وبين من لم يفعل.كذلك من فوائد الحديث:جواز الدفع قبل غروب الشمس، وهذا القول قوي, وحجته ظاهرة، فمن دفع من عرفة قبل غروب الشمس فحجه صحيح ولا شيء عليه، وقال الأكثر من الفقهاء: إن حجه صحيح وعليه الفدية، وقال الإمام مالك : إن حجه فاسد, وخالف في ذلك الفقهاء، ولذلك خالفه كثير من فقهاء المذهب كـابن عبد البر وغيرهم.وفيه: أن الوقوف بـعرفة ليلاً مجزئ، وهذا على قول الكافة والأكثر من الفقهاء، وإذا كان الوقوف بالليل مجزئاً، فالأقرب أن يكون الوقوف بالنهار مجزئاً؛ لأنه لا دليل على التفريق بين الليل وبين النهار، إلا أن يقال بالقياس على الصلاة، فإن الإنسان صلاة الظهر مثلاً يمكن أن يؤخرها إلى صلاة العصر, فيجمعها معها، لكن لا يمكن أن يقدمها قبل وقتها، وهذا فيه نظر. والله أعلم.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الحج - باب صفة الحج ودخول مكة - حديث 767-777 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net