اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - حديث 658-662 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - حديث 658-662 - (للشيخ : سلمان العودة)
لقد حثت الشريعة الإسلامية على الصدقة وفتحت بابها، وجعلت الأحق بها أقرب الناس إلى المصّدق من المحتاجين، ومن ذلك صدقة المرأة على زوجها، وكل ذلك في ظل ندبها وحرصها على أن تكون يد المكلف هي اليد العليا، وفي مقابل ذلك حرمت الشريعة بل وغلظت في تصويرات مهولة أن يفتح المرء على نفسه باب المسألة من غير حاجة، فيمد يده يتكفف ما عند الخلق ويستجديهم من أموالهم تكثراً وطمعاً؛ وتلك طبائع النفوس الخسيسة التي لا يريدها الشرع للمكلفين.
شرح حديث: (... زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)
هذا الدرس رقمه (212) من دروس بلوغ المرام، وهذه ليلة الثلاثاء، ثمانية عشر من جمادى الآخرة من سنة (1428هـ). عندنا أولاً حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( جاءت زينب امرأة ابن مسعود، فقالت: يا رسول الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق ابن مسعود , زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ) رواه البخاري. ‏
 فوائد الحديث
هذا الحديث حديث أبي سعيد رضي الله عنه فوائد، منها:معرفة أسماء النساء، وأن ذلك ليس به عيب ولا بأس به؛ خلافاً لما يظنه كثير من جهلة الأعراب، فالله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أسماء: كـمريم، وسمى باسمها سورة، وفي السنة النبوية نجد أسماء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء أزواج الصحابة، وأسماء بنات النبي عليه الصلاة والسلام وأمهات المؤمنين، ولا بأس في ذلك، وها هو بلال يقول له: أي الزيانب؟ فيقول: زينب امرأة ابن مسعود إلى غير ذلك. وهذا من الأشياء التي جاء بها الإسلام، فالناس في الجاهلية كانوا يستعيبون كل ما يتعلق بالمرأة ويزدرون المرأة ولا يرون لها شأناً، فجاء الإسلام يحفظ للمرأة مكانتها وقيمتها ويربي الناس على الأخلاق الربانية وليس الأخلاق الجاهلية. وأيضاً من ذلك: جواز سماع صوت المرأة، وأن صوت المرأة ليس بعورة، ولا نقول: جواز أن تسأل المرأة الرجل أو المفتي، بل جواز سماع صوت المرأة، سواء كان لسؤال فتوى، أو كان لمعاملة في تجارة، والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم لم يأمر النساء بالصمت وإنما أمرهن بالقول المعروف، فقال: (( وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ))[الأحزاب:32]، والقول المعروف هو القول المفيد، القول الذي يكون له سبب، يكون له حاجة، قول ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم، ولا خضوع بالقول، هذا هو المأمور به. ومن فوائد الحديث: الأمر بالصدقة وفضلها، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.ومنها: أن المرأة لها أن تتصدق بدون إذن زوجها، وأيضاً مما جاء به الإسلام أن المرأة لها ذمة مستقلة يمكن أن تتصدق من ذهبها، من ملابسها، من مالها بدون إذن زوجها، وكما في قصة العيد، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( تصدقن، فجعلن يلقين من أقراطهن في حجر بلال ) رضي الله عنه.ومن ذلك: فضل الصدقة على القريب، وأنها أفضل من الصدقة على البعيد.ومنها: صدقة المرأة على زوجها فرضاً كانت أو نفلاً إذا كان محتاجاً.ومنها: أن الصدقة على الزوج والولد أحق من الصدقة على غيرهم. ومنها: فتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، هذه من أين نأخذها؟ من فتوى ابن مسعود، فإنه أفتى زوجته مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم.ومنها: التثبت في الفتيا، فإن المرأة شكت في زوجها؛ لأن له منفعة بهذه الفتيا، وشكت أن يكون هذا اجتهاداً له وأرادت أن تتثبت وتتحرى، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فليس في ذلك من حرج، دون أن يكون هذا معناه مشاغلة الأئمة والعلماء بكثرة السؤال، فإن من الناس من لا هم له إلا أن ينظر في مسألة، قد لا تكون من المسائل الحيوية المهمة ويسأل عنها هذا وهذا، ويضرب أقوال الناس بعضهم ببعض، فهذا لا شك أنه من الأمر المذموم.وفي الحديث: عمل المرأة، وأن المرأة من حقها أن تعمل فيما يناسبها مع الحشمة، أن تعمل في الحقل كما عملت أسماء زوج الزبير رضي الله عنه، وأخت الصديقة عائشة، وفي الصحيحين خبرها، ونساء الأنصار كن يعملن، وقصة امرأة عبد الله بن مسعود هنا، والإسلام جاء بإقرار عمل المرأة وأنه حق لها، حق على المجتمع وحق على الأسرة، ولكن ضمن الضوابط والشروط الشرعية.
شرح حديث: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم)
الحديث الذي يليه (639) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ). والحديث متفق عليه. ‏
 فوائد الحديث
النقطة الثالثة: فوائد الحديث: منها: التحذير من السؤال لغير حاجة.ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، وهذه قاعدة شرعية لها شواهد كثيرة جداً. ومنها: حرص الإسلام على حماية كرامة الإنسان من الابتذال والإذلال؛ ولهذا جاء بالوعيد الشديد على السؤال؛ لما في السؤال من الذل، وأثنى الله تعالى على المتعففين: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273]، فأثنى الله تعالى عليهم.
شرح حديث: (من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً...)
بعده الحديث رقم: (640) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً فليستقل أو ليستكثر ). رواه مسلم.
 كراهة المسألة وما يدخل في حكمها
ما يتعلق بالمسألة، يعني هل المسألة تتعلق فقط بسؤال وطلب تملك الأشياء أو يدخل فيها ما وراءها من غير التملك كطلب الإعارة أو القرض، طلب القرض مثلما يطلب مال يطلب قرضاً، فنقول: لا شك أن طلب التملك هو المنهي عنه أصالة، وأما ما سواه فبحسبه، فبالنسبة للاستعارة -كما أسلفنا أمس- إذا كان هذا عرفاً جارياً أن يستعير الإنسان من جيرانه ويعيرهم فلا حرج في ذلك، أما إذا كان ذلك بخلاً، بعض الناس لا يحضر عنده أي أجهزة ولا مقتنيات، لماذا؟ لأنه يستعير من جيرانه، يستعير من هذا ومن هذا، ويعتبر هذه شطارة، وهذه في الواقع دناءة؛ لأن الإنسان عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اليد العليا خير من اليد السفلى )، فلا تكن يدك سفلى، اجعل يدك عليا، ولو في بعض الأمور، أنك تعير غيرك أو تساعد غيرك. وكذلك ما يتعلق بالقرض، فإن القرض أشد من العارية، العارية يستعير متاعاً أو آلة ويردها أو ماعوناً ويرده أو ثوباً ويرده، لكن القرض يأخذ المال ويصرفه بنية أنه سوف يعيده، وقد يعجز، ولذلك أحدهم لما طلب من صديقه قرضاً، قال له صديقه: لا أريد أن أقرضك لأنني سأخسرك وسوف أخسر المال، يعني: تأخذ القرض ثم بعد ذلك تنصرف لئلا تراني، فتكون محرجاً معي، فلا أخسرك ولا أخسر المال أو أخسرك ولا أخسر المال أيضاً.وجاء أحدهم إلى شخص يريد أن يستقرض منه، وقبل يده حتى يعطيه القرض، فقال له: دعني لن أقرضك وإن شئت أن أقبل رجلك، قال: لماذا؟ قال: لأنه إذا أخذت هذا القرض سوف آتيك يوماً من الأيام أطلب منك سداده وقد أجد نفسي مضطراً إلى مثل هذا أو لا أراك أصلاً؛ ولذلك كثير من الناس يأخذ القرض بنية ولكنه لا يستطيع، أو يأخذه وليس في نيته أن يعيده إلى صاحبه؛ ولهذا على الإنسان ألا يتساهل في القرض فلا يستقرض إلا للضرورة أيضاً، وصاحب المال عليه أن ينفق وإذا لم ينفق عليه أن يقرض، والله سبحانه وتعالى يقول: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة:245]. وقد ورد في فضيلة القرض أحاديث، منها: أن إقراض المال مرتين كالصدقة به مرة.وهناك أشياء زهيدة في موضوع السؤال، مثل سؤال الإنسان الأشياء التافهة فهذه لا بأس بها، يعني: الشيء العادي مثلما نقل عن الإمام أحمد رحمه الله إنسان يقول: إنه لا يطلب الماء، يعني: يحتاج الماء ولا يقول مثلاً لأهل البيت اسقوني، فقال الإمام أحمد : إن هذا من الحمق، لم يعتبر هذا ورعاً، إنه إذا احتاج إلى طلب الماء أو ما أشبه ذلك من الأشياء العادية.
شرح حديث: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره...)
الحديث الذي بعده رقم: (641) عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه )، رواه البخاري. ‏
 الحث على المكاسب المشروعة واختلاف العلماء في أي المكاسب أفضل
في الحديث الحث على المكاسب المشروعة، والشريعة جاءت بالحث على المكاسب، كما قال سبحانه: أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ [البقرة:267]. وكما قال سبحانه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]. وكما قال سبحانه: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل:20]. وقال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]. وهذا الحديث دليل على أن الشرع جاء بحث الناس على المكاسب، وعلى التجارة، وعلى التحصيل، والمكاسب كثيرة: منها: مكاسب الزراعة، ومنها مكاسب التجارة، ومنها مكاسب الصناعة، ومنها الحرفة على اليد، يعني عمل الإنسان بيده، أن يؤاجر نفسه، وقد آجر النبي نفسه لـخديجة رضي الله عنها في التجارة، وآجر الصحابة أنفسهم في الزرع وغيره، حتى ورد عن علي رضي الله عنه أنه آجر نفسه عند يهودي يزعب له الماء كل دلو بتمرة. وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يجدون في ذلك من حرج ولا بأس، فإن فيه تحصيل المال، وفيه إعفاف النفس، وفيه قوة البدن، وفيه العزة والحفاظ على الكرامة والمصلحة والحصول على الخبرة وعلى التدريب إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. وقد اختلف العلماء: أي المكاسب أفضل؟ وأكثر الفقهاء يقولون: إن أفضل المكاسب هو عمل اليد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده )، فقالوا: إن أفضل المكاسب هو عمل اليد، وعمل اليد قد يكون بالزراعة، وقد يكون بالتجارة، وقد يكون بالصناعة؛ ولذلك اختلفوا في هذه الثلاث. فقال بعضهم مثلاً: الزراعة أفضل؛ لماذا؟ لأنه لا يزرع مؤمن زرعاً فيأكل منه إنسان ولا حيوان ولا طير إلا كان له به أجر؛ ولأن الزراعة أكثر مدعاة للتوكل على الله سبحانه وتعالى، بالاعتماد عليه.. بنزول المطر والغيث والسقي، وأيضاً بملاحظة صنع الله سبحانه وتعالى في الزرع ونباته ونموه واخضراره وحمايته من الآفة.. إلى غير ذلك.وقال قوم: التجارة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشتغل بها في مكة، وكان من الأنبياء من هو تاجر.وقيل: الصناعة؛ لأن داود عليه السلام كان يعمل بالنجارة، وكان يعمل بالصناعة: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا [سبأ:11] إلى غير ذلك من الأقوال.والواقع: أن هذه الصناعات كلها فاضلة، والأفضل منها هو ما هو أليق وأنسب للإنسان مما يناسبه ويكون أفضل لحاله ولقدرته ولطبيعته وما يلائمه وما يناسبه، فنقول: من الناس من تكون الزراعة أفضل له، لأنه ابن فلاح وعنده مزرعة، وبيئته بيئة زراعية. ومن الناس من تكون الصناعة أفضل له؛ لأن عنده خبرة وعنده قدرات تصنيعية وفيه قوة بدنية. ومن الناس من تكون التجارة أفضل؛ لأن عنده خبرة بالتجارة وهو ابن تجار، وكما يقال في المثل العامي: (ابن الوز عوام) يعني: الذي ورث التجارة أباً عن جد وكابراً عن كابر, في الغالب أنه يكون عنده خبرات ولا يدخل في مغامرات ولا يلقي بنفسه للتهلكة, ولا يخدع أو يورى عليه ببعض الأشياء الوهمية، فتكون التجارة أفضل له. وكل أحد قد يكون غير ذلك، فمن الناس من يكون الأفضل له العمل باليد مباشرة, ومن الناس من يكون الأفضل له أن يتولى إدارة فريق من الناس يعملون بأيديهم، ومن الناس من يكون الأفضل له أن يعمل بعقله، فعنده قدرة على الابتكار والاختراع والإبداع، ويبيع منتجاً لا يستطيع أحد أن يصل إليه، ولذلك أقول: مثل هذه المسائل الفقهية وإن بحث فيها أهل العلم كما ذكر الحافظ ابن حجر والنووي وغيره من أهل العلم، إلا أن كلام المتقدمين لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه، والمسألة ليس فيها أفضلية، وواقع الناس اليوم قد جدت فيه أمور كثيرة جداً فيما يتعلق بالتجارة والبيع والشراء وألوان المضاربات والمكاسب المختلفة.
شرح حديث: ( المسألة كد يكد بها الرجل وجهه...)
الحديث الأخير رقمه: (642) عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المسألة كد يكد بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمر لابد منه ). رواه الترمذي وصححه.
 فوائد الحديث
في الحديث فوائد: منها: النهي عن المسألة وتحريمها عند عدم الحاجة.ومنها: جواز سؤال السلطان إما لأنه محتاج فيسأل السلطان حاجته، وبيت المسلمين هو للمحتاجين وغير المحتاجين، أو قد يسأل السلطان فوق حاجته، فهذا لا بأس به إذا كان حقه، يعني: ممكن يسأل حاجته، واحد يقول: أنا أريد طعاماً آكل، هذا من حقه أن يقول للسلطان وللأمة، والأمة عليها أن توفر لأفرادها ذلك، ولكن ممكن إنسان يسأل السلطان أكثر من حاجته، بمعنى أنه يسأل حقه: راتباً أو وظيفة أو عطاء أو جعلاً. مع الأسف الآن في بلاد الغرب إذا وجد مسلمون مهاجرون في بريطانيا , أو في أوروبا أو أستراليا الجهات المسئولة عن الهجرة تلتزم بأنها توفر لهم رواتب حتى يجدوا عملاً يومياً وسكناً، وإذا ولد لهم مولود جعلوا له عطاءً منذ طفولته، بينما مثل هذا لا تجده في بلاد المسلمين، في بعض البلاد الإسلامية يلتزمون لكل مواطن ببيت، ألا يكون ساكناً بالإيجار، وإنما يكون له بيت يتملكه، والأمر هنا ليس فقط خاصاً بالمواطن، يعني: في بريطانيا يأتيهم مسلمون من بلاد شتى ومع الأسف أن بعض هؤلاء المسلمين لا يحسنون حتى الضيافة، ربما أنتم تعرفون الذي يجري الآن في بريطانيا من المآسي والمصائب، أن شباباً وقد رأيت بعضهم في بريطانيا تجدهم مقيمين هناك لم يقوموا بدعوة وليسوا أهل دنيا ولا زرع ولا حرث ولا صناعة ولا ابتكار ولا اختراع ولا علم ولا معرفة ولا تأثير، ولكنهم منكمشون على أنفسهم ويتعاطون كلام التكفير والتفجير، وربما يخططون لأعمال مثلما جرى أمس واليوم دون أن يفكروا أن هذه الأعمال أعمال خائبة ولا تنفع ولا تدفع ولا تضر إلا أهلها وإلا المسلمين عامة، فهذه من المآسي والمصائب الجارية. فسؤال السلطان قد يكون -كما قلنا- بحاجة أو ما فوق الحاجة مما هو حق.(أو في أمر لابد منه)، وقد وجدت دراسة في الإنترنت حول التسول لبعض الأغبياء، وساءني أنه يسخر من جمع التبرعات للأعمال الخيرية، وهذه ليست من باب السؤال! فالسؤال المقصود سؤال للنفس، أما كون الإنسان يجمع، النبي صلى الله عليه وسلم تولى هذا بنفسه، كما في حديث جرير وقام على المنبر وقال: ( تصدق رجل من ديناره من درهمه )، وقال: ( من سن في الإسلام سنة حسنة ).فهنا الجمع للأعمال الخيرية وللمحاويج والمساكين وغيرهم هذا أمر خارج نطاق السؤال، والأمر المحزن والمدهش أن في الدراسة يقول صاحبها بعد ذلك: إنه ينصح أهل السنة -كذا يقول- بالصبر على الفقر، وبدأ يسرد أدلة تدل على الصبر على الفقر، ولعمر الله إن الصبر على كل شيء مطلب! الصبر على المرض، الصبر على التكذيب، والصبر على القريب والبعيد، وعلى النفس، وعلى الغير، وعلى الفقر إذا ابتلي به الإنسان. لكن الإنسان لا يؤمر أولاً بالصبر على الفقر وإنما يؤمر بفعل الأسباب ويؤمر بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم: ( لأن يأخذ الرجل حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره )، أن يكون الإنسان إيجابياً، أن يكون فعالاً، أن يعمل ولو أعطي مالاً، ربما يقول: أنا لا أريد مالاً هكذا، وإنما أريد أن أعمل وأحصل على مقابل لهذا الشيء، بحيث يتربى المسلم السني الصادق يتربى على العمل وعلى الإنجاز وعلى الاعتزاز بنفسه وعلى إدراك أن لديه ما يقدمه للمجتمع في مقابل ما يأخذه. وذكرني هذا الذي قرأته بأمر مؤلم رأيته في بريطانيا أيضاً في إحدى زياراتي، دخلت على بعض الطلبة وهم يدرسون هناك حيث التوهج الحضاري والتفوق المادي، ووجدت مكتوباً على السبورة: (باب فضيلة الفقر)، فقلت لأخي الذي يعلمهم: غفر الله لك أما وجدت ما تدرسهم إلا هذا؟! أي فضيلة للفقر؟ نعم، إن ما ابتلي به الإنسان فصبر فهذا شيء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ من الفقر، وليس الفقر فضيلة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك الطيبات لأنها طيبات، ولكن كان لا يتكلف مفقوداً ولا يرد موجوداً، وقد أعطاه الله تعالى المال فأنفقه في سبيله، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم وربى أصحابه على أن يكونوا عاملين منجزين. وما قصة المهاجرين والأنصار في المدينة لما جاءوا وعملوا في حقلهم وزرعهم وفي تجارتهم وشاركوهم وخالطوهم، وبنوا ذلك المجتمع القوي المتكافل عنا ببعيد.
الأسئلة

 أفضل المكاسب
السؤال: ما هو أفضل المكاسب؟الجواب: عمل اليد، وأفضل عمل اليد قيل: الزراعة أفضل، وقيل: التجارة أفضل، وقيل: الصناعة أفضل، ونقول: إن الأفضل هو ما يناسب الإنسان.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - حديث 658-662 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net