اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 568-572 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 568-572 - (للشيخ : سلمان العودة)
مما يشرع في حق من مات من المسلمين أن يغسل ثم يكفن، ويكون الكفن ثياباً بيضاً ليس فيها قميص ولا عمامة، وعلى من كفن الميت أن يحسن تكفينه، سواء من حيث اختيار نوع الكفن، أو من حيث شده عليه بحيث لا ينحل قبل إنزاله في قبره، وفي حال الحرب يجوز تكفين الرجلين فأكثر في كفن واحد، مع الفصل بينهم بثوب أو غيره، ثم إدراجهم في لحد واحد، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد.
شرح حديث: (كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ...)
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأصلي وأسلم على خاتم رسله وأفضل أنبيائه, وعلى آله وأصحابه أجمعين.قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الجنائز]، ونسأل الله تعالى أن يحسن لنا ولكم وللمسلمين جميعاً الختام.رقم هذا الدرس (194) من أمالي شرح بلوغ المرام .وهذا يوم الأربعاء، 22 من شهر جمادي الأولى من سنة 1426ه‍.وقد شرحنا أمس عدداً من الأحاديث المتعلقة بالجنائز والموت، ووصلنا بذلك إلى الحديث رقم (546)، وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية, ليس فيها قميص ولا عمامة ).
 فوائد الحديث
في حديث الباب فوائد منها:أولاً: مشروعية أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب، وهذا كما قلنا هو السنة للذكر، أما الأنثى: فقد قال أكثر الفقهاء: إنها تكفن في خمسة أثواب؛ لأنها أحوج إلى كمال الستر بعد الممات كما هي في الحياة أحوج إلى ذلك من الرجل . كذلك من فوائد الحديث: أنه لا يكفن الميت في قميص, وهو الثوب المخيط كما قلنا, الذي يكون من أعلى البدن، وقد يكون إلى أسفله، ويكون مما يلي جسد الإنسان. ومن فوائده: أنه لا يشرع للميت أن يكفن في عمامة أيضاً، وإنما يكون رأسه مدرجاً في اللفائف تبعاً لبدنه، ولا يمنع أن يلف على رأسه. كذلك من الفوائد: أن الواجب في الكفن هو ما ستر بدن الميت، ولو أنه كفن في ثوب واحد أجزأه ذلك. ولذلك البخاري رحمه الله بوب في صحيحه: باب من كفن في ثوبين، وخرج حديث ابن عباس الذي جاء معنا أمس في قصة المحرم الذي وقصته راحلته فمات, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين )، وفي رواية: ( في ثوبيه ). فدل على أنه يمكن أن يكفن الميت في ثوبين أيضاً, ويمكن أن يكفن في ثوب واحد، وقد ورد عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه: أنه أوصى أن يكفن في ثياب كان يصلي فيها. وهكذا سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة: أمر ببردة كان حضر بها معركة بدر أن توضع في كفنه.أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أمر ابنته الصديقة عائشة أن تكفنه في ثوب خلق. فقالت له عائشة: يا أبتاه! إنا موسرون. قال: يا ابنتي! إن الحي أولى بالجديد من الميت، وإنما هو للمهلة -وفي رواية- والصديد، يعني: لا يحتاج إلى ثوب جديد, وإنما هو خلق، لكنه أمر أن يغسل رضي الله عنه وأرضاه.من فوائد الحديث أيضاً: جواز الزيادة على ثلاثة في الكفن، فلو أنه كفن في خمسة أثواب كما يقوله المالكية وبعض الأحناف وبعض الفقهاء جاز ذلك، ولو كفن في أكثر منها جاز ذلك، بشرط: ألا يكون إسرافاً؛ لأن هذه الثياب سوف تودع في التراب .أيضاً من فوائد الحديث: أن الكفن -وهذا سوف يأتي إشارة إليه- يراعى فيه أن يكون حسناً نظيفاً؛ ولهذا قالت هنا: ( ثلاثة أثواب بيض سحولية ). فيراعى أن يكون الكفن حسناً نظيفاً.وأخذ بعضهم من الحديث: أنه يستحب أن يكون الكفن من القطن؛ لأنها قالت: ( من كرسف ). وهذا ليس بلازم؛ لأن هذا قد يكون أمراً اتفاقياً، والقطن ليس له خاصية في الكفن، لكن المهم أن يكون الكفن - كما قلنا- أن يكون أبيض, وأن يكون نظيفاً .أيضاً: ما حكم الكفن في الحرير؟ لا يجوز، نأخذ من الفوائد: أنه لا يجوز الكفن في الحرير؛ لأنه كما يحرم على المسلم لبسه حياً كذلك يحرم كفنه به ميتاً . فيه: نزع القميص عن الميت كما ذكرنا بالأمس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غسل في ثيابه ثم ألبس قميصاً أو جبة لـعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت منه، ففيه نزع القميص عن الميت.أما عن حكم كفن المرأة بالحرير فإنه يجوز، كفن المرأة بالحرير جائز؛ لأنه يجوز لها أن تلبسه في الدنيا، وقد لا يكون فيه إسراف، قد يكون ثوب حرير قيمته عادية, وقد يكون مستعملاً لها.ومن جانب آخر النبي صلى الله عليه وسلم مات يوم الإثنين الثاني من ربيع الأول في أول الصباح، سنة إحدى عشرة، بعد استكمال عشر سنوات من هجرته عليه الصلاة والسلام، ولذلك أخذ بعض الفقهاء فضيلة أن يموت الإنسان يوم الإثنين، وقد ورد عن أبي بكر الصديق أنه كان يتمنى أن يموت يوم الإثنين، ولكن نقول: هذا مما لا مدخل فيه للفضيلة؛ لأنه أمر قدري من الله تعالى وإليه، وكون أبي بكر رضي الله عنه يتمنى بأن يموت في اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من باب التفاؤل وشدة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ورغبته في موافقته حتى في هذا الأمر.
شرح حديث: (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ...)
الحديث الثاني: رقمه (547)، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنه، قال: ( لما توفي عبد الله بن أُبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه, فأعطاه إياه ). متفق عليه. يعني الحديث على هذا صحيح.يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قميصه عبد الله بن أبي شيخ النفاق في المدينة، رأس المنافقين، وأعطاه قميصه يكفن فيه، شيء عظيم يا إخواني!
 فوائد الحديث
فوائد الحديث: هذا حديث عظيم جداً، فإن فيه فوائد يصعب إحصاؤها، لكن نمر على طرف منها:الفائدة الأولى منها: الكفن في القميص, وأنه جائز؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه قميصه ليكفن فيه، وهذا إقرار يدل على جواز ذلك.ومن فوائده: التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا سبق مراراً، التبرك بثيابه، التبرك بشعره صلى الله عليه وسلم، التبرك بريقه عليه الصلاة والسلام، وهذا والله أعلم خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقاس عليه أحد من الناس .وقد رأيت أحد المعلقين على البلوغ استطرد في تعليق طويل على هذا الحديث، أدخل فيه قضية السلفيين وغير السلفيين، وتكلم عما ذكر الحافظ ابن حجر والإسماعيلي وأنهم قالوا: التبرك بالصالحين، وهذا قاله الحافظ ابن حجر والإسماعيلي وكثير من الشراح، فهذا قال: من قال بهذا فإنه يكون ترك قضية الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، ويكون ويكون, وهذا مدخل للبدعة من أوسع أبوابها، وكلام طويل أرى أنه على الأقل ليس له مناسبة. والحق: أنه آلمني، لماذا؟ لأننا الآن في حديث فيه النبي صلى الله عليه وسلم يعطي كفنه لمنافق يكفن فيه، والقصة ما انتهت عند هذا الحد، ونحن عندنا ضراوة, وقلوبنا ملأى على إخواننا المسلمين, وعلى أحبابنا, وعلى زملائنا في الدعوة، وعلى زملائنا في العلم، وروح متفاعلة غاضبة حادة, لا أدري من أين أخذنا هذا الهدي؟ هدي النبي صلى الله عليه وسلم الآن أنه أعطاه قميصه يكفن فيه، وكما قلت لك: القصة ما انتهت عند هذا الحد، قرر العلم يا أخي! لكن لا تقرر العلم بالسيف والساطور والعصا والمطرقة، قرره بالهدوء والحكمة, والرغبة في هداية الناس, وتأليف قلوبهم على الخير، واحترام أهل الفضل والقدر من الأكابر والعلماء, ولو خالفتهم, ولو صححت بعض ما اجتهدوا فيه وخالفهم الصواب, كل هذا لا بأس به، لكن احفظ مقامات الناس . من فوائد الحديث: إخراج الميت من قبره، فإن القصة عجيبة! أهل عبد الله بن أبي ابن سلول طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم قميصه؛ ليكفنه فيه، فأعطاهم قميصه وجهزوه, ولما كان في آخر الأمر جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبر الرجل وحضر جنازته وذهب معهم إلى المقبرة، ونزل في قبره, وأخرج الرجل من قبره, يقال: إنه ألبسه قميصه في تلك اللحظة, وضعه على رجليه وألبسه قميصه ونفث فيه من ريقه عليه الصلاة والسلام، ثم جعله في قبره. وصلى عليه أو ما صلى عليه؟صلى عليه، وحصلت قصة عند الصلاة، عبد الله بن أبي ابن سلول سيرته معروفة, وتاريخه مكشوف, ما هو بأمر خفي, عمر رضي الله عنه ما أطاق الموقف، وأمسك بالنبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك الله؟ هذا منافق، طبعاً ما كانت نزلت الآية: (( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ))[التوبة:84].وقد يكون هذا من الموافقات التي وافق فيها عمر الوحي، أو يكون عمر استنبط هذا من قوله تعالى: (( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ))[التوبة:80]. فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ( إني خيرت فاخترت )، قال له ربه: (( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ ))[التوبة:80]. يقول: أنا اخترت الأولى وهي أن أستغفر لهم، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذا شيء عظيم يا إخواني! وما أظن الحديث يحتاج إلى تعليق، ولا يحتاج إلى تطويل كلام، يمكن تطويل الكلام يفسد رونق الحديث وجماله، لكن والله الحديث يحتاج إلى أننا نقف عنده, هذه الروح الغضبية الحادة التي أطاح المسلمون فيها اليوم، ليس فقط بالمنافقين، بل أطاحوا ببعضهم، بإخوانهم المسلمين، بأهل الصلوات، أحياناً بأناس أهل فضل وأهل دين, وقد يكونون أهل علم، ولا تدري, يعني: الإنسان يندفع بروح يظن أنها من دوافع الدين، ولكن الواقع أنها من ثارات الجاهلية في كثير من الأحيان، وقد يرى الإنسان أن هذا من القوة، وهذا من النشاط، وهذا شيء عايشناه وعاشرناه وعرفناه.الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كان هناك رجل من أهل الإسلام في الجملة، وقد يكون له وجهة نظر، وقد يكون له أخطاء وعليه مآخذ، وأنا وأنت لنا أخطاء وعلينا مآخذ. من ذا الذي ما ساء قطومن له الحسنى فقط وكان هذا الرجل يتكلم فيه، وأنا كنت ممن يسمع الكلام فيه، أن هذا فيه, وهذا فيه، وأنه ناصري, أو اشتراكي, أو ما أشبه ذلك من الأقوال التي تنسب إليه، وربما كان ينال من بعض أهل العلم أو يتكلم فيهم بسبب أو بآخر، فمرض ودخل المستشفى، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على جلالة قدره ومكانته ذهب إليه يعوده في المستشفى، وكثير من الأخيار الذين لا يعدون في تلاميذ الشيخ لو رأوا هذا الإنسان في الشارع ما صافحوه ولا سلموا عليه، ولو اجتمعوا به في مناسبة لتجاوزوه ربما ليقولوا له: إنك إنسان مقبوح غير مرغوب فيك، هذه النعرة الأعرابية المسيطرة على النفوس. فذهب الشيخ يعوده وجلس معه، ورقاه أيضاً، نفث في جيبه، قرأ بعض الآيات ودعا له، والأقرب أن الشيخ في ذلك الموقف موقف العيادة والزيارة لا يكون قال له شيئاً آخر، يعني: لا تقول: هذا مشروط أنه يذهب لينصحه؛ لأن الأمور فيها مروآت, وفيها أخلاقيات, وفيها قيم, أنا أتيت لأعود المريض, وقد تكون العيادة هذه فيها دلالات كثيرة جداً تغني عن تطويل الكلام، أو نقد أو ملاحظة أو ما أشبه ذلك, فنحتاج إلى أن نأتي البيوت من أبوابها, ونتعلم هذه الدروس من مدرسة النبوة واضحة ليس فيها لبس. من فوائد الحديث أيضاً: خلق النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرت، فإنه صلى الله عليه وسلم أعطاه قميصه, ولماذا أعطاه قميصه؟ أعطاه قميصه؛ لأن ابنه طلبه، أو هو طلبه, ( وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا طلب منه شيء أعطاه ). ما قال لا قط إلا في تشهدهلولا التشهد أضحت لاؤه نعم تراه إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يجد في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله فكان النبي صلى الله عليه وسلم كريماً, ( أجود بالخير من الريح المرسلة ). فلذلك أعطاه قميصه؛ تطييباً لخاطر ولده، ورعاية لإسلامه وسابقته، أعطاه قميصه لأنه يقال: إن عبد الله بن أبي ابن سلول كسا العباس قميصاً, فرد النبي صلى الله عليه وسلم له الفضل والجميل بقميصه، ولا يمنع أن يكون أعطاه قميصه لعله يخفف عنه، كما قاله غير واحد، إلى غير ذلك من الأسباب. فيه أيضاً: فضيلة ظاهرة لـعمر رضي الله عنه في قوته في الحق، وفي موافقته للقرآن . ومع ذلك فيه فضيلة أخرى لـعمر : في أنه يقهر نفسه وينصاع، فإنه لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( إني خيرت فاخترت )، لزم وتوقف .
شرح حديث: (البسوا من ثيابكم البياض ...)
الحديث رقم (548): عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم, وكفنوا فيها موتاكم ).
 فوائد الحديث
من فوائد الحديث: لبس الثياب البيض في الحياة, وأنها أفضل من غيرها. ومنها: مشروعية الكفن في الثياب البيض، وهكذا كفن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها .وفيها: مشروعية الكفن للميت، بل وجوب الكفن للميت، وهذا بإجماع العلماء, كما هو معروف.ومن فوائد الحديث: أن لبس الثياب البيض سنة وليس بواجب، وكذلك الكفن فيها؛ فإنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس عمامة سوداء، وهكذا يوم الفتح.إذاً: البياض أفضل، ولكن يجوز أن يلبس الإنسان ما ليس بأبيض، وهكذا القميص, وسبق معنا حديث البراء : ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء, فما رأيت أحداً أحسن منه ). فجميع الألوان الأصل فيها الجواز، وقد ذكرنا القول بالكراهية فيما يتعلق بالمعصفر في حينه.نبقى في قاعدة أن بعض الناس يظنون أن البياض للرجل وغير البياض للمرأة، فأقول: هذا قد يكون كثيراً، ولكنه ليس بمطرد, فإنه قد يحرم على الرجل لبس الأبيض إذا كان من ثياب النساء خاصة؛ لأن ثوب المرأة له في الصياغة والخياطة والتطريز صفة مختلفة عن ثوب الرجل، فلو أن رجلاً لبس ثوب امرأة أبيض لحرم عليه ذلك ولو كان أبيض؛ لأنه تشبه بالنساء، ويجوز للمرأة أن تلبس الثوب الأبيض إذا كان من ثياب النساء.
شرح حديث: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)
الحديث رقم (549): عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ). رواه مسلم , أولاً: الحديث في مسلم في كتاب الجنائز, باب تحسين كفن الميت، وهو أيضاً عند أبي داود في الكفن، وعند النسائي في تحسين الكفن، وعند ابن ماجه فيما يستحب من الكفن، وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم وعبد الرزاق وغيرهم.
 فوائد الحديث
في الحديث فوائد منها:أولاً: تكفين الميت, وأنه يليه أهله، أخاه، كما قال: ( إذا كفن أحدكم أخاه ) . ففي ذلك تكفين الميت, وهو واجب بإجماع أهل العلم، كما ذكره النووي والعراقي في طرح التثريب وغيرهم، وأجمع عليه العلماء, أنه يجب كفن الميت إلا إذا لم يستطيعوا، إذا عجزوا أو لم يوجد أكفان أو ما أشبه ذلك، وهذا قد يقع في حال الموت العام الذي يصيب الناس في الحروب أو في الأوبئة ونحوها. ومن فوائد الحديث: إحسان الكفن في ذاته باختيار الثياب الحسنة، وقد قال بعض الشافعية: إن الكفن يكون للإنسان بحسبه، فإذا كان الإنسان غنياً كان كفنه حسناً، وإذا كان ضعيفاً كان كفنه وسطاً بحسب حاله، وحتى لو كان الكفن وسطاً فإنه ينظف ويغسل ويكون مناسباً. ومن فوائد الحديث: تحسين الكفن، بمعنى أنه ينبغي لمن ولي الميت أن يقوم بتكفينه بطريقة حسنة، لا يظهر منها شيء من جسد الميت، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ). كما ذكره البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة وسنده صحيح . وفيه: النهي عن المغالاة في الكفن، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: ( فليحسن كفنه) لا يعني المغالاة فيه، بل المغالاة من البدع ومن إضاعة المال، وأنت تجد اليوم مثلاً في بعض ما يسمى بالأضرحة والمقامات الموجودة في عدد من البلاد الإسلامية تجد أن ليس فقط كفن الميت، بل الحجارة والرخام الذي يوضع عليه والأبنية قد تقدر بملايين بل مئات الملايين أحياناً من الدولارات، بينما الأحياء يعيشون في المقابر أحياناً، الأحياء يسكنون داخل المقابر, والأموات خصوصاً عندما يكونون مثلاً من ذوي السلطان أو المال أو الجاه قد يوضع قطع من الرخام تقدر بالأموال الطائلة على قبورهم.
شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد...)
الحديث الأخير: هو رقم (550): عن جابر رضي الله قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد, ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن? فيقدمه في اللحد, ولم يغسلوا, ولم يصل عليهم ) رواه البخاري . أولاً: الحديث رواه البخاري في صحيحه في باب الصلاة على الشهيد، والنسائي أيضاً في ترك الصلاة على الشهيد، وأبو داود في الشهيد يغسل، والترمذي في ترك الصلاة على الشهيد، وابن ماجه في الصلاة على الشهداء، وابن حبان والبيهقي وابن المنذر .
 فوائد الحديث
في الحديث فوائد:منها: دفن الاثنين في قبر واحد؛ لأن الاثنين الذين كفنوا في كفن واحد دفنوا في قبر واحد. ومنها أيضاً: تكفين الاثنين في كفن واحد, ويجوز الثلاثة والأربعة بحسب الحاجة، يعني: أكثر من واحد.وفيه: فضل القرآن، وأن صاحب القرآن يقدم , ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقدم صاحب القرآن في الصلاة، وكان يقدمه في الإمارة، وكان يقدمه حتى في الموت ). فهذا دليل على فضل القرآن وحفظه وفضل أهله.فيه أيضاً: فضل الشهيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك غسلهم والصلاة عليهم؛ إشادة بفضلهم، وأن الشيء الذي قاموا به جعلهم هم يشفعون في غيرهم, كما ورد: ( أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) .وفيه أيضاً: سنة اللحد في القبور، وهي حفر القبر من أسفله إلى جهة القبلة .وفيه: أن الشهيد لا يغسل, وهو مذهب الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة كما ذكرنا .وفيه: أن الشهيد لا يصلى عليه، وهو أيضاً القول الراجح خلافاً لـأبي حنيفة .وفيه: مشروعية الدعاء للشهداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لشهداء أحد, لكن لم يصل عليهم .والله تعالى أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الأسئلة
نبدأ اليوم بأسئلة الإنترنت. ‏
 إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله بن أبي مكافأة
السؤال: أليس إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه مكافأة له؛ لأنه أعطى العباس؟الجواب: هذا ذكرناه، وهو أحد الأوجه احتمالاً.والله أعلم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.سبحانك اللهم وبحمدك, نشهد أن لا إله إلا أنت, نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الجنائز - حديث 568-572 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net