اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 432-434 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 432-434 - (للشيخ : سلمان العودة)
شرع للمسلم أن يصلي النافلة في بيته وتفضيلها على المسجد؛ لأن ذلك أبعد عن الرياء، وأخفى عن الأنظار، وأقرب إلى تحقيق الإخلاص لله تعالى، كما أن الصلاة في البيت سبب في طرد الشيطان ونزول الملائكة والرحمة فيه.
شرح حديث: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.اليوم عندنا ثلاثة أحاديث تقريباً، هي أربعة لكن نأخذ منها ثلاثة ...الحديث الأول حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: ( احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة مخصفة، فصلى فيها فتتبع إليه رجال فصلوا بصلاته، -وفيه قال:- أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة )، والحديث كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى: متفق عليه. ‏
 فوائد الحديث
حديث الباب فيه فوائد كثيرة، نسردها اختصاراً للوقت: منها: جواز النافلة جماعة، كقيام الليل وغيره، وقد جاء في روايات في حديث الباب: ( أن ذلك كان في رمضان ) كما في البخاري. فهو دليل أيضاً -وهذه فائدة ثانية- على مشروعية صلاة التراويح جماعة في المساجد في رمضان، وقد جاء في ذلك أحاديث تذكر في بابها. الفائدة الثالثة: جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة، أي: أن تدخل معه بعدما كبر للصلاة منفرداً، وتنوي الائتمام به، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة منفرداً، ثم تتابع إليه هؤلاء الرجال وثابوا إليه، فصلوا بصلاته عليه الصلاة والسلام، وهكذا جاء في حديث ابن عباس في قيام الليل: ( لما صلى ليلة مبيته عند خالته ميمونة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ). الفائدة الرابعة: الغضب للمخالفة مخالفة الأمر والشرع؛ ولذلك غضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، والبخاري بوب عليه رحمه الله، وذلك -غضب النبي صلى الله عليه وسلم- لأنه خشي أن تفرض عليهم؛ ولهذا قال : ( ما زال بكم صنيعكم حتى خشيت أن تفرض عليكم )، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج إليهم تأديباً لهم وتنكيلاً وإلا لم يخف عليه مقامهم، وقد يكون من أسباب غضبه: أنهم رفعوا أصواتهم، وجاء في بعض الألفاظ: ( أنهم حصبوا بابه عليه الصلاة والسلام ) أي: رموه بالحصباء؛ ولهذا قال في رواية عند مسلم عن الزهري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة ) أي: أنه ما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك، وقد أدبهم الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ))[الحجرات:2]. وقال سبحانه: (( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ))[الحجرات:4-5]. الفائدة السادسة: مشروعية السترة في الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذه الحجيرة التي احتجرها من خصف جعلها سترة له عليه الصلاة والسلام. السابعة: فضل صلاة الليل؛ فإن تلك كانت صلاة الليل. الفائدة الثامنة: سد الذرائع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا العمل مع أنه يحبه، تركه خشية أن يفرض على أمته؛ ولهذا كانت صلاة القيام في رمضان جماعة في المساجد مشروعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فيها ثلاث ليال أو أربع، وإنما تركها عليه الصلاة والسلام خشية أن تفرض، فلما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذهب هذا الخوف، فصلى الصحابة جماعة، كما هو معروف مشهور.الفائدة التاسعة: فضل صلاة النافلة في البيت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )، وفي حديث ابن عمر : ( صلوا في بيوتكم )، فضل صلاة النافلة في البيت. الفائدة التاسعة: مشروعية الجماعة، ومشروعية الجماعة في المساجد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام استثناها فقال: ( إلا المكتوبة )، والمقصود بالمكتوبة الجماعة. الفائدة العاشرة: فضيلة صلاة الفريضة في المسجد، ولو صلاها منفرداً، بمعنى: أنه لو فاتته صلاة الجماعة في المسجد، فهل له أن يعود إلى بيته ليصليها، أو الأفضل أن يصليها في المسجد؟ظاهر الحديث أن الأفضل أن يصليها في المسجد؛ لأن قوله: ( إلا المكتوبة ) مطلق، يعني: سواء صلاها في جماعة، أو صلاها منفرداً، وقد جاء في ذلك أحاديث صحيحة أنه إذا جاء فوجدهم قد صلوا، فصلاها في المسجد أدرك الأجر. الفائدة الحادية عشرة: جواز الائتمام بالإمام ولو كان بينك وبينه حاجز، إذا كان يرى الإمام أو يرى من يصلي بصلاته والصفوف متصلة، حتى لو كان بينه وبينهم حاجز، كجدار أو قال الحسن -كما رواه البخاري تعليقاً- لو كان بينهم وبينه نهر أو شارع، إذا كانت الصفوف متصلة والصوت مسموعاً، وكان يرى الإمام أو يرى من يصلي بصلاته. هذه بعض فوائد حديث الباب.
شرح حديث: (صلى معاذ بأصحابه العشاء فطول عليهم ...)
ننتقل للحديث الذي بعده: حديث جابر رضي الله عنهما قال: ( صلى معاذ بأصحابه العشاء، فطول عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ ؟ إذا أممت الناس فاقرأ: بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى، واقرأ باسم ربك )، الحديث متفق عليه يقول المصنف: واللفظ لـمسلم. ‏
 فوائد الحديث
في الحديث فوائد: أولها: أن الخروج عن متابعة الإمام لعذر ونية الانفصال عنه، وأن يكمل الإنسان الصلاة لنفسه، إذا كان ذلك لحاجة أنه جائز، كما فعله ذلك الرجل، فإنه نوى الانفصال، وكمل الصلاة لنفسه، ومثله ما جاء في صلاة الخوف، فإن بعض الجماعة ينوون الانفصال عن الإمام، ويتمون لأنفسهم، نعم جاء في روايات في قصة هذا الرجل، فقد يقال: إنه سلَّم وصلى لنفسه، والأقرب أنه كمل الصلاة وسلم لنفسه، طيب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة. الفائدة الثانية: أن على الإمام تخفيف الصلاة، وأن يقتدي بأضعف المأمومين، ويراعي أحوالهم، فإن كانوا أصحاب حرث أو تعب أو جهد، كالعمال، كمن يصلون مثلاً فيما يسمى بالمدن الصناعية، أو يصلي بعمال، فعليه أن يراعي أحوالهم، فلا يطيل الصلاة ولا يثقلها، ولا يؤخرها أيضاً بعد دخول وقتها تأخيراً يشق عليهم، فإن مراعاة حال المأمومين أمر مقصود للشارع، كما أرشد إليه هذا الحديث. الثالثة: بيان ما يقرأ في صلاة العشاء، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقرأ بمثل: (والشمس وضحاها)، (والليل إذا يغشى)، و(اقرأ) و(سبح)، من أوساط المفصل، وهذه هي القاعدة في صلاة العشاء، وطردها بعض الفقهاء في صلاة الظهر والعصر أيضاً؛ لما جاء في ذلك من الأحاديث، وهذا هو المشهور عند الحنابلة والشافعية. الفائدة الرابعة: جواز اختلاف النية بين الإمام والمأموم في الفرض والنفل، أي: أن يكون أحدهما مفترضاً والآخر متنفلاً، وقد جاء في رواية إسنادها صحيح: ( أن معاذاً كان يصلي بهم له نافلة ولهم فريضة )، فصلاة معاذ مع النبي صلى الله عليه وسلم هي الفريضة، وصلاته بقومه هي النافلة، وجاء ذلك بإسناد صحيح عند البيهقي .. وغيره: ( أنها له نافلة ولهم فريضة ). وإذا جاز ذلك فإنه يستفاد فيه أيضاً فائدة خامسة: وهي جواز اختلاف النية بين الإمام والمأموم في الفريضتين، أي: أن يكون أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر؛ لأنه إذا جاز أن يكون الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً، فالعكس أولى أن يكون الإمام مفترضاً والمأموم متنفلاً، وأيضاً أن يكون أحدهما يصلي الظهر، والآخر يصلي العصر أن ذلك أيضاً جائز، بمعنى: أنه يؤخذ من الحديث: أنه لا يشترط التوافق في النية بين الإمام والمأموم، كما سبق في جلسة الأسبوع الماضي. الفائدة السادسة: جواز الكلام على الإنسان في غيبته إذا كان ذلك من باب الشكوى، وهذا لا يعد من الغيبة، فإن ذلك الرجل الأنصاري ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتكى إليه معاذاً مما يلقى منه، ولم يكن هذا غيبة، وهو أحد المواضع الستة التي تستثنى من الغيبة، كما نظمها بعضهم:الذم ليس بغيبة في ستة.السابعة: مشروعية تأخير العشاء، إذا لم يشق ذلك على الناس؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء يومئذ، وأخرها معاذ رضي الله عنه، وكذلك كان معاذ يؤخر صلاة العشاء؛ لأنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إذا انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ذهب معاذ إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة. والفائدة الثامنة: مشروعية إمامة الأقرأ، أن يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، وهذا سوف يأتي في مجلس قادم إن شاء الله؛ لأنهم ما كانوا ينتظرون معاذاً حتى يعود من صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي بهم وهو متنفل؛ إلا لأنه أقرؤهم لكتاب الله عز وجل. التاسعة: جواز صلاة المرء الفريضة منفرداً لحاجة؛ لأن ذلك الرجل الأنصاري صلى الفريضة منفرداً؛ لماذا صلاها منفرداً؟للمشقة عليه؛ لأنه كان رجلاً متعباً، فكان فلاحاً يعمل طول النهار بناضحه، ويعمل بيده، وتأخر في انتظاره لـمعاذ ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام تأخر تلك الليلة في الصلاة، ثم جاء معاذ متأخراً بعدما كاد صبره أن ينفد، ولما كبر معاذ رضي الله عنه كمل الناقص على هذا الرجل بأنه شرع في سورة البقرة، فلم يجد هذا الرجل بداً من أن ينوي الانفصال، ويكمل لنفسه، ففيه دليل على جواز صلاة المرء الفريضة منفرداً، إذا كان ذلك لحاجة، والدين كله جاء باليسر والتخفيف، ورفع الحرج والأُصُر عن الناس، فينبغي أن تفقه ذلك وتعلمه.الفائدة العاشرة وهي فائدة نفيسة وإن كانت ظاهرة بدهية: أن ترك الجماعة من علامات النفاق؛ لأن الصحابة لما رأوا هذا الرجل انفرد وأكمل لنفسه، ماذا قالوا له؟ سألوه: هل أنت نافقت؟ فكان مستقراً عندهم أن ترك الجماعة من علامات النفاق، فنفى ذلك عن نفسه: ( قال: ما نافقت، ولأغدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأخبرنه الخبر ). الحادية عشرة وهي مهمة أيضاً: مشروعية تأليف القلوب، وجمع الكلمة، وتحبيب الناس إلى الدين، والرفق هو أساس ذلك، فإنه كما قال الصادق المصدوق: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه )، وضده العنف، فينبغي أن نترفق بالناس غاية الترفق، ونحرص على تأليف قلوبهم، وجمع كلمتهم، وتحبيبهم إلى الدين، وتحبيب الدين إليهم.
شرح حديث: (.. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً ...)
الحديث الثالث والأخير: حديث عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض، قالت رضي الله عنها: ( فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً، يصلي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويصلي الناس بصلاة أبي بكر )، والحديث متفق عليه. ‏
 الاعتراضات على مدعي نسخ صلاة المأمومين من قعود خلف الإمام القاعد
والاحتجاج بهذا على النسخ عليه خمسة اعتراضات أسوقها لكم بسرعة فاحفظوها: الاعتراض الأول: أنه جاء في عدد من الروايات الأخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموماً، وأن أبا بكر كان هو الإمام، نقيض ما قررناه الآن في الروايات السابقة:من ذلك: ما روته عائشة نفسها: ( أن أبا بكر صلى بالناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه )، الحديث رواه أحمد والنسائي وابن حبان وسنده صحيح، بل هو على شرط البخاري، وقد صححه ابن حبان وابن خزيمة .. وغيرهما، بل في لفظ لها: قالت: ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعداً )، وكونه خلفه دليل على أنه مأموم، والله تعالى أعلم، إذ لو كان أبو بكر مأموماً، ما كان يعرف ماذا فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه خلفه هذا موقف المأموم، فهذا اللفظ دليل على أن أبا بكر كان هو الإمام، وهذا اللفظ: ( أنه صلى خلف أبي بكر قاعداً ) رواه أحمد وابن خزيمة والبيهقي في السنن وفي الدلائل أيضاً دلائل النبوة، وابن حبان، وسنده صحيح على شرط مسلم . الحديث الثاني أيضاً: الذي فيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموماً، وكان الإمام أبا بكر : ما رواه ابن خزيمة في صحيحه، عن أبي داود الطيالسي، بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف، ومنهم من يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقدم )، وهذا يدل على أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا أيهما الإمام، وأيهما المتقدم، واختلاف الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على أن الأمر لم يكن واضحاً تماماً للصحابة الذين كانوا حاضرين في المسجد، فكيف بـعائشة رضي الله عنها التي لم تكن في المسجد، وإنما كانت في حجرتها، والله تعالى أعلم. وكذلك أخرج ابن المنذر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر ).إذاً: النقل عن عائشة نفسها اختل، وكما اختلف الناس عنها اختلفوا عن غيرها، فقد جاء النقل عن غيرها من الصحابة:فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه: ( أن أبا بكر كان مأموماً والإمام هو الرسول عليه الصلاة والسلام ). أما أنس فحديثه يدل على: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو المأموم، وأن أبا بكر كان هو الإمام ). وحديث أنس حديث صحيح، رواه الترمذي والطحاوي والبيهقي في الدلائل وفي السنن أيضاً، والإمام أحمد والنسائي .. وغيرهم. ولذلك أعجبني ما قاله ابن خزيمة رحمه الله تعالى قال: إن الأحاديث التي وردت بالأمر، بأن يصلي المأموم خلف الإمام قاعداً إذا قعد، لم يختلف فيها ولا في صحتها ولا في سياقها، أما صلاته صلى الله عليه وسلم قاعداً خلف أبي بكر فقد اختلف فيها، هل كان إماماً أو مأموماً؟ وما لم يختلف فيه لا ينبغي تركه في المختلف فيه، نعم اختلف الصحابة رضي الله عنهم، فاختلف من بعدهم، وإن كان ينبغي أن نقول من باب الأمانة العلمية: إن أكثر الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام، وأن أبا بكر كان مأموماً. هذا الاعتراض الأول.الاعتراض الثاني: أنه جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجلوس .. أنه التفت إليهم فوجدهم قياماً، فأمرهم بالجلوس، فجلسوا، وهذا جاء في حديث عن جابر : ( أنهم صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت فرآهم قياماً فأشار إليهم فقعدوا، ثم قال: كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم.. ) .. إلى آخر الحديث، وهذا رواه مسلم، وأبو داود، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، والبيهقي .. وغيرهم، وهو أيضاً في صحيح ابن حبان، وظاهر ذلك: أن القصة التي يرويها جابر هنا ليست هي القصة التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة، لما جحشت ساقه فصلوا خلفه؛ لأنهم حينئذ صلوا في البيت، وما كان الأمر يتطلب أن يوجد من يبلغ؛ لأن الغرفة صغيرة، والناس يرون النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعون تكبيره، فلا يحتاج إلى أن يبلغ أبو بكر، ويسمع الناس تكبيره، وإنما كان يسمع الناس تكبيره في المسجد في مرض موته، وهذا الذي قاله ابن حزم، قال: لا دليل على أنهم لم يكونوا جلوساً، بل الدليل على أنهم كانوا جالسين خلفه عليه الصلاة والسلام، ولكن هذا رده الحافظ ابن حجر : بأن ذلك من رواية أبي الزبير عن جابر، وقد انفرد أبو الزبير بهذه اللفظة لفظة: ( يسمع الناس تكبيره ) انفرد بها أبو الزبير عن جابر، وبناء عليه كان ابن حجر رحمه الله ضعفها.الاعتراض الثالث: أن في الحديث النص على أن ذلك كان في صلاة الظهر في حديث عائشة الذي هو أصل حديث الباب في صحيح البخاري ومسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إليهم في صلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بهم، فهم أبو بكر أن يستأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف أبو بكر في مكانه، وأجلسوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه )، ولكن روى الشيخان عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها قالت: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفاً، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله تعالى )، فقد يفهم من حديث أم الفضل أن آخر صلاة صلاها بهم النبي صلى الله عليه وسلم هي صلاة المغرب، طيب وحديث الباب يدل على أن آخر صلاة صلاها بهم هي صلاة الظهر، فيمكن أن يجمع بينهما: بأن صلاة الظهر هذه أنه لم يكن فيها إماماً، ما صلى لهم؛ لأنها قالت: ( ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله )، فقد يحمل على أن المقصود: أن صلاة الظهر التي في حديث عائشة لم يكن يصلي لهم فيها، إنما كان يصلي معهم مأموماً، وإن كان في سنن النسائي : ( أن ذلك كان في بيته ) يعني: صلاة المغرب التي قرأ فيها بالمرسلات عرفاً أنه صلاها في بيته، وقد صرح الإمام الشافعي على كل حال، بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى بالناس في مرض موته إلا صلاة واحدة، وهذه الصلاة الواحدة أي صلاة كانت؟ الظاهر أنها كانت صلاة الظهر.وبناء عليه نقول: من جمع بين الروايات المختلفة بتعدد القصة، فإن ذلك مرجوح. الاعتراض الرابع، وهو من أحسن ما قيل في المسألة، وينبغي أن يضاف إلى القول الذي رجحناه في الأسبوع الماضي: ما ذكره الحافظ في فتح الباري : أن بعضهم جمع بين القصتين: بأن الأمر للجلوس إذا جلس الإمام لعذر كان للندب، وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم قيامهم خلفه في مرض موته كان لبيان الجواز، فعلى هذا من أم غيره قاعداً لعذر كان من خلفه مخيرين بين القيام والقعود، وإن كان القعود في حقهم أولى وأفضل؛ لثبوت الأمر به في أحاديث كثيرة، ولكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، وعدم وجود ما يعكر أو يشكل عليها، وهذا قول جيد كما أسلفت. الاعتراض الخامس على من قالوا بالنسخ: أن يقال: ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم فعلوا ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته، فلو اعتقدوا أنه منسوخ ما فعلوه، ومن أصح ما ورد عن الصحابة في تطبيقهم لهذه السنة أربعة نصوص:أولها: رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح كما قال الحافظ : عن قيس بن قهد بالقاف المنقوطة بثنتين، قيس بن قهد رضي الله عنه: ( أن إماماً لهم اشتكى في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فكان يؤمنا وهو جالس، ونحن جلوس ). الرواية الثانية: ما رواه أيضاً ابن المنذر بسند صحيح عن أسيد بن حضير : ( أنه كان يؤم قومه فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي بكم قائماً، فاقعدوا، فصلى بهم قاعداً، وهم قعود ). الثالثة: ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن جابر : ( أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالساً، وصلوا وراءه جلوساً ). والربع: عن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وسنده عنه صحيح. فهذه الروايات الأربع تدل على أنه كان معروفاً عند الصحابة، معمولاً به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته.وبناء عليه لا حجة في هذا الحديث -حديث الباب- لمن قال بنسخ الأمر بالجلوس خلف الإمام.
الأسئلة

 مشروعية رفع الصوت بالتكبير بعد تكبير الإمام
السؤال: كون أبي بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مبلغ، ألا يستشهد به على مشروعية رفع الصوت بالتكبير بعد تكبير الإمام؟الجواب: نعم هذه من فوائد الحديث، هذه من الفوائد.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة - حديث 432-434 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net