اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 310-312 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 310-312 - (للشيخ : سلمان العودة)
ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور، والأعراف، والمرسلات، ومحمد، والكافرون، وقصار المفصل وغيرها، وليس هناك دليل صريح صحيح على أنه يقرأ في المغرب غالباً بقصار المفصل، ويستحب في فجر الجمعة قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى والإنسان في الثانية، وخالف المالكية والحنفية فقالوا بالكراهة، ولهم في ذلك تعليلات لا يخلو بعضها من غرابة.
شرح حديث جبير بن مطعم: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور)
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.وعن جبير بن مطعم قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ). ‏
 فوائد الحديث
في هذا الحديث فوائد، منها:أولاً: الجهر في صلاة المغرب، أن صلاة المغرب جهرية في ركعتيها الأوليين؛ وذلك لأن جبيراً رضي الله عنه قال: ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بالطور)، وفي رواية أخرى قال: (بالطور وكتاب مسطور)، وفي رواية ثالثة: ( أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ))[الطور:7-8] )، وفي الرواية الرابعة في صحيح البخاري أشرت إليها قبل قليل، أنه قال: ( فلما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: (( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ ))[الطور:35-36] الآية. قال: كاد قلبي أن يطير ) وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالسورة كلها فلا يقولن قائل: لعله جهر ببعض الآيات، كما في حديث أبي قتادة : ( ويسمعنا الآية أحياناً ) لا، بل إنه جاء في رواية من حديث جبير رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ( فاستمعت لقراءة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى خرجت من المسجد ) ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع : السنة الجهر في الأوليين من المغرب والعشاء والفجر والجمعة، والإسرار في الثالثة من المغرب والعشاء، والرابعة منها، وفي الظهر والعصر، قال: ذلك كله للإمام، وقال: هذا ثابت بإجماع المسلمين، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك. ونحو هذا الكلام قاله الإمام ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع، وأقره عليه الإمام ابن تيمية .ومثله أيضاً كلام الإمام ابن قدامة في المغني، وقد سبق أن نقلته.فهو دليل على أن الجهر فيما يجهر والإسرار فيما يسر أنه ثابت بالإجماع.الفائدة الثانية من الحديث: هي صحة أداء ما تحمله الإنسان حال الكفر، إذا أداه حال الإسلام، فإن جبيراً تحمل هذه القصة، من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر؛ لأنه جاء في أسارى بدر، وهو يومئذ مشرك، كما قال الإسماعيلي، ولكنه أدى هذه الرواية وذكرها بعدما أسلم.إذاً: دليل على أن الكافر إذا روى أو شهد قصة حال كفره، ثم حدث بها حال إسلامه، فإنه يصح منه ذلك، وهذا نموذج لهذه القصة، ومن باب أولى، فإنه دليل على صحة أداء ما تحمله وهو فاسق، إذا أداه وهو عدل، أو صحة أداء ما تحمله وهو مبتدع، إذا أداه وهو صاحب سنة؛ لأن هذا كله من باب الأولى. كما أن من فوائد الحديث: بيان ما يقرأ به في صلاة المغرب، وأنه يشرع له أن يقرأ في المغرب أحياناً بطوال المفصل، وفيه جواز دخول الكافر المسجد لحاجة، كما هو ظاهر أن جبيراً رضي الله تعالى عنه دخل المسجد لحاجته.
شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر...)
الحديث الذي بعده الحديث الثاني: هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ( قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يوم الجمعة (ألم تنزيل السجدة) و(هل أتى على الإنسان) ). الحديث متفق عليه كما ذكر المصنف.
 فوائد الحديث
وفي الحديث فوائد:الأولى: مشروعية قراءة هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، وقد خالف في ذلك المالكية، فإنهم لا يرون مشروعية قراءتها، وكذلك بعض الأحناف لا يرون أنها تقرأ، بل نص كثير من المالكية على كراهة قراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة، واختلفوا في السبب في عدم ذهابهم إلى قراءتها، بدءاً بالإمام مالك نفسه، فإنه لا يرى قراءتها، بل يكره ذلك كما جاء النص عنه بهذا، وقيل: إنهم لا يرون قراءتها لاشتمالها على سجدة زائدة، فيرون أن هذه السجدة في الفرض غير مشروعة، قال الإمام القرطبي : وهذا تعليل فاسد بنص حديث الباب. ولا شك أنه فاسد كما ذكرت.وقيل: إنهم لا يرون قراءتها خشية التخليط في ذلك على المصلين، يعني: بوجود هذه السجدة الزائدة، فبعضهم يسجد، وبعضهم يركع.. إلى غير ذلك.وقيل: إنهم لا يرون مشروعية قراءتها؛ لئلا يعتقد العوام فرضية ذلك.ومنهم من علل عدم ذهاب المالكية والإمام مالك إلى قراءتها، بأن عمل أهل المدينة كان بخلاف ذلك، أنهم كانوا لا يقرءون سورة السجدة وهل أتى في فجر الجمعة، وهذا فيه نظر، بل هو مردود؛ فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: (أنه أم الناس بهاتين السورتين في المدينة في الفجر يوم الجمعة)، فهذا دليل على أنه كان يعمل به أهل المدينة. أما التعليلات الأخرى باستثناء التعليل الأول، فقد ذكرنا أنه تعليل فاسد، لكن خشية التخليط على المصلين، وخشية أن يعتقدوا أن ذلك فرض، فهذه تعليلات يجيب عليها الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله، فقد قال كما في إحكام الأحكام قال: إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة -يعني: إذا ظهر من أمارات الأحوال ومن قرائنها وقوع هذه المفسدة- فينبغي أن تترك أحياناً، لتندفع بذلك هذه المفسدة، فإن المستحب قد يصرف لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات. وكذلك قال الإمام ابن العربي كلاماً نحو هذا. ومما يتعلق بذلك كلام وجدته في كتاب إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للإمام الونشريسي المغربي، فإنه قال في القاعدة الرابعة والثلاثين في كتاب إيضاح المسالك، وهي قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، يعني: يذكر أمثلة لهذه القاعدة، قال: ومن ثم كرهت الغسلة الثالثة إن شك فيها، والصوم يوم عرفة إن شك فيه، هل هو العيد أم لا، ورجح المكروه على المندوب، وكره مالك قراءة السجدة في الفريضة -هذا الشاهد، لأنها تشوش على المأموم، فكرهها للإمام ثم للمنفرد حسماً للباب.قال الونشريسي : والحق الجواز للحديث كـالشافعي . يعني: الحق مذهب الشافعي في جواز قراءة السجدة في الفريضة، وهذا لا شك أنه هو الصحيح، إلى أن قال الإمام الونشريسي : تنبيه: قال الشيخ شهاب الدين رحمه الله: شاع عند عوام مصر أن الصبح ركعتان -أن صلاة الفجر ركعتان- إلا في يوم الجمعة فإنها ثلاث ركعات، قال: لأجل أنهم يرون الإمام يواظب على قراءة السجدة يوم الجمعة ويسجد، ويعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة، وسد هذه الذرائع متعين في الدين، وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة فيها. انتهى.قال بعض الشيوخ -ولا زال الكلام للونشريسي - : ومضى عمل الشيوخ بالجامع الأعظم من تونس على قراءتها في صبح الجمعة، ولا أكثر من جماعته؛ وذلك لأجل التخليط لتقرير العادة بذلك، حتى صار ترك قراءتها موجباً للتخليط.إذاً: مسألة أن تركها خشية التخليط قد يكون تركها أحياناً هو الذي يسبب التخليط، وذلك إذا كان الجماعة قد اعتادوا على أنه في فجر الجمعة يقرأ السجدة، فإذا قرأ غيرها حصل عندهم في ذلك تخليط، وحصل عندهم في ذلك شك، فنقول: السنة أن يقرأ في فجر الجمعة بالسجدة وبـ(هل أتى)، لكن إن كان يخشى أن يقع في نفوس العوام أن ذلك واجب، أو أن يختلط الأمر عليهم لغلبة الجهل، فمن الممكن أن يترك ذلك أحياناً.ما هي العلة في قراءة هذه السورة؟ قال بعضهم: علة قراءتها من أجل وجود السجدة فيها، السجدة الزائدة، ولذلك قال بعضهم: إذا لم يقرأ بالسجدة فإنه يقرأ بسورة أخرى يكون فيها سجدة، كـمريم مثلاً .. أو غيرها من السور التي فيها سجدة، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد قوي، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، عن إبراهيم النخعي قال: (يستحب أن يقرأ في صلاة الصبح بسورة فيها سجدة).وعند ابن أبي شيبة أيضاً: (أن إبراهيم نفسه فعل ذلك، فقرأ مرة في صلاة الفجر بسورة مريم)، يعني: من أجل أن يسجد. وكذلك روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عون قال: (كانوا يقرءون في صلاة الفجر بسورة فيها سجدة).وهذه الآثار تدل على أن هذا موجود عند بعض علماء الكوفة وبعض التابعين، ولكن ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا يستحب له أن يتعمد في صلاة الفجر سورة فيها سجدة يوم الجمعة إلا سورة (ألم تنزيل)، ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه مكروه، بل نص بعض الشافعية على أنه محرم أن يختار سورة فيها سجدة، بل بالغ بعضهم وقال: لو اختار سورة فيها سجدة غير السجدة بطلت صلاته بذلك، وهذا ليس بصحيح على كل حال، وكذلك القول بالتحريم ليس بصحيح، أما القول بالكراهة فكأن له وجهاً -والله تعالى أعلم- فإنه إذا أراد أن يسجد يقرأ سورة (ألم تنزيل) حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها.إذاً: التعليل بأنه يقرؤها للسجدة هو ليس بصحيح ولا دليل عليه، وإن كان نقل عن بعض التابعين.التعليل الثاني وهو الراجح: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هاتين السورتين؛ لما فيهما من ذكر خلق آدم، وبدء الإنسان ونهايته، وما فيهما من أحوال يوم القيامة، وما يجري فيها.. وغير ذلك، وأن ذلك كله إنما كان بدؤه يوم الجمعة، ولذلك جاء في الحديث: أن آدم خلق يوم الجمعة، وأنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة، ولذلك كان فيه الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم، يسأل الله تعالى من خير الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وهي منقسمة بين وقتين: ما بين أن يدخل الإمام إلى أن تقضى الصلاة، هذا جزء. والجزء الثاني: هو آخر ساعة من العصر يوم الجمعة، كما حققه الإمام ابن القيم في زاد المعاد، وكما حققه أيضاً الإمام الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار وغيرهم، وذهب إليه جماعة من أهل العلم.إذاً: سر القراءة بهاتين السورتين؛ لما فيهما من العبر والآيات، من بدء الإنسان ونهايته، وبدء آدم> وخلقه، وقيام الساعة، ودخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. من فوائد الحديث أيضاً: ما يقرأ في صلاة الفجر عموماً، وأنه يقرأ فيها بالسور الطوال.ومن الفوائد: تخصيص فجر يوم الجمعة بقراءة هذه السورة.ومن فوائده: استحباب قراءة هاتين السورتين جميعاً، السجدة في الأولى، وهل أتى في الثانية، أما ما يفعله بعض الناس أنهم يقسمون سورة السجدة بين الأولى والثانية، أو يقرءون هل أتى في الركعة الأولى والثانية، أو يقرءون بعض السجدة وبعض هل أتى، فهذا كله خلاف السنة، فقد ذكر الإمام ابن القيم في زاد المعاد : أن ذلك يخالف السنة، وأنه إذا لم يقرأ السورة بكاملها فينبغي أن يقرأ غيرها. ذكر كلاماً هذا معناه.
شرح حديث: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة (السجدة وهل أتى) .. يديم ذلك)
الحديث الثالث: هو ما رواه الطبراني من حديث ابن مسعود : ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يديم ذلك ) . ‏
 تخريج الحديث
وهذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه بالإسناد، لكنه رحمه الله لم يذكر اللفظ الذي ساقه المصنف، وهو موضع الشاهد، فإنه ليس في سنن ابن ماجه قوله: (يديم ذلك)، ذكر الحديث في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب القراءة في الفجر يوم الجمعة.وقال الإمام البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وكذلك قال الإمام الحافظ ابن حجر في الفتح : ورجاله ثقات، لكن صوب أبو حاتم الرازي إرساله، أي أنه حديث مرسل.قال الإمام ابن دقيق العيد : ليس في الحديث -يعني: حديث أبي هريرة الأصلي في قراءة السجدة وهل أتى في فجر الجمعة- ما يقتضي فعل ذلك دائماً اقتضاءً قوياً. يعني: كأن ابن دقيق العيد يقول: إن حديث أبي هريرة، ومثله حديث ابن عباس أيضاً ليس فيه ما يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على قراءة السجدة، وهل أتى في فجر الجمعة اقتضاءً قوياً. والظاهر أن ما قاله ابن دقيق العيد متوجه، يعني: ليس في الحديث ما يقتضي أنه كان يديم ذلك، كما نص عليه في حديث ابن مسعود، لكن قوله رضي الله عنه: (كان) في الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من ذلك ويكرره، ولا يلزم أن يكون يفعل ذلك في كل يوم جمعة، بل هو الغالب من فعله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو ترك الإنسان ذلك أحياناً للأغراض السابقة، فلا حرج إن شاء الله.
الأسئلة

 ورود تخصيص قراءة سور معينة في الصلوات غير صلاة الفجر
السؤال: هل ورد تخصيص قراءة سور أخرى في صلوات أخرى؟الجواب: نعم، ورد في صلاة الجمعة يقرأ بسبح والغاشية، ويقرأ بالجمعة والمنافقون، وفي صحيح مسلم أيضاً أنه قرأ بالجمعة والغاشية في إحدى المرات، وكذلك في العيدين بـ(ق) واقتربت.. وغير ذلك كثير.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة - حديث 310-312 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net