إسلام ويب

الخشوع في الصلاة استحبه جمهور أهل العلم، وأوجبه غيرهم، وقد وردت أحاديث يستفاد منها حرص الشرع على أن تكون الصلاة خاشعة، من هذه الأحاديث ما جاء في النهي عن الالتفات في الصلاة، ونهي المصلي عن البزق بين يديه أو عن يمينه، وأمره صلى الله عليه وسلم عائشة بأن تزيل قراماً معلقة كان فيها تصاوير ألهت النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاته.

شرح حديث عائشة وحديث أنس في النهي عن الالتفات في الصلاة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فعندنا اليوم أربعة أحاديث.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ) رواه البخاري، وللترمذي عن أنس -وصححه-: ( إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة، فإن كان لابد ففي التطوع ).

تخريج الحديثين

وهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه : كتاب الأذان، باب الالتفات في الصلاة، ورواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي : حديث حسن غريب، ورواه أيضاً النسائي في سننه والإمام أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي والحاكم وغيرهم.

وقال الحاكم في مستدركه : اتفقا على إخراجه، يعني: البخاري ومسلم، ولم يصب الحاكم في هذا، فإن مسلماً -فيما ذكره أهل العلم- لم يرو هذا الحديث، وإنما انفرد بإخراجه البخاري كما ذكره جماعة كـالمزي والحافظ ابن حجر في الفتح وغيرهما، فإن الحديث من أفراد البخاري ولم يروه مسلم، فقول الحاكم : إنهما اتفقا على إخراجه ليس بجيد.

الرواية الثانية التي ذكرها المصنف: قوله: وللترمذي -وصححه-: ( إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة، فإن كان ولابد ففي التطوع ) هذا رواه الترمذي في نفس الموضع الذي روى فيه الحديث السابق من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إياك والالتفات في الصلاة، فإن الالتفات في الصلاة هلكة، فإن كان لابد ففي التطوع لا في الفريضة ) هذا لفظ الترمذي ( فإن كان لابد ففي التطوع لا في الفريضة ).

وقال الترمذي عقبه: حديث حسن غريب كما قال عقب الحديث السابق، وفي بعض النسخ قال: حديث حسن صحيح، كما نقل ذلك النووي في المجموع، وفي بعضها قال: حديث غريب فقط، قال: غريب فقط.

إذاً: في بعض النسخ: غريب، وفي بعضها: حسن غريب، والنووي وغيره نقلوا أن الترمذي قال في بعض النسخ: حسن صحيح.

والواقع أن الحديث ليس بحسن ولا صحيح، بل هو حديث ضعيف، حديث ( إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة ) حديث ضعيف، وذلك أن في سنده علتين:

العلة الأولى: أن فيه علي بن زيد بن جدعان، وعلي بن زيد بن جدعان فيه كلام مشهور، قال الدارقطني فيه: لا يزال عندي فيه ريب.

ويقول الذهبي في الكاشف : أحد الحفاظ وليس بالثبت.

والغريب أن المصنف نفسه أيضاً قال في التقريب : ضعيف. والكلام في علي بن زيد بن جدعان مشهور جداً، المهم أن الرجل إلى الضعف ما هو.

فتحسين حديثه -فضلاً عن تصحيحه- ليس بجيد، وإن كان الشيخ أحمد شاكر رحمه الله صحح الحديث بناءً على رأيه في توثيق علي بن زيد بن جدعان .

هذه العلة الأولى في الحديث علي بن زيد بن جدعان .

أما العلة الثانية: فإن في سند الحديث انقطاعاً بين سعيد بن المسيب وأنس بن مالك، فإن سعيداً رواه عن أنس بن مالك، وبينهما انقطاع كما ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وغيره.

إذاً: الحديث لا يصح، وفيه ضعف من وجهين، ولم يصب من صححه ولا من حسنه.

وفي طريقة المؤلف في سياق الحديث فيها مأخذ، وهو أن قول المصنف: رواه البخاري -يعني: حديث عائشة - وللترمذي -وصححه-: ( إياكِ -أو إياك- والالتفات ) يوهم بأن الحديث من رواية عائشة، والصواب: أن الحديث من رواية أنس كما ذكرته.

وكان ينبغي أن يقول المؤلف: وللترمذي وصححه عن أنس، وبذلك فإنه ينبغي أن يعد حديثاً آخر من أحاديث بلوغ المرام، خلافاً لما صنعه الطابعون فإنهم عدوا الحديث تبعاً لحديث عائشة، والواقع أنه حديث آخر مستقل، صحابيه مختلف وهو أنس ؛ ولذلك اغتر بصنيع المؤلف من لم يراجع الترمذي كما اغتر به الصنعاني ؛ فإنه لما شرح الحديث قال: (وللترمذي وصححه) قال: أي: عن عائشة، يقول الصنعاني : (أي: عن عائشة)، ثم لما قال: ( إياكَ والالتفات ) قال الصنعاني : بكسر الكاف؛ لأنه خطاب لمؤنث، وكذلك اغتر به إما الطابع أو محمد حامد الفقي، والظاهر أنه الفقي الذي حقق هذه النسخة التي بين يدي، فإنه ضبط الكاف بالكسر، فقال: (إياكِ) على أنه خطاب لـعائشة، وكل هذا مبني على صنيع المؤلف رحمه الله، فإنه قال: وللترمذي -وصححه-: ( إياك والالتفات )، والصواب أن الحديث عن أنس وليس عن عائشة رضي الله عنهم أجمعين.

سبل السلام يترك كما هو، لكن يشار في الحاشية إلى أنه من رواية أنس وليس من رواية عائشة رضي الله عنها. الصنعاني قال: (وللترمذي أي: عن عائشة ) اغتراراً بصنيع المؤلف، والصواب أنه عن أنس وليس عن عائشة كما ذكرت.

طيب. هناك شيء يا صالح ؟ طيب. زال الإشكال، الحمد لله.

قضية (وصححه) هذه وافقه عليها بعضهم، نقلوا عن الترمذي أنه قال: حسن صحيح كما فعل النووي، ويحتمل أن هذا في بعض نسخ الترمذي، وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: غريب فقط.

معاني ألفاظ الحديثين

قولها: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة)، المقصود بالالتفات إما الالتفات بالبصر، بمعنى أن الإنسان يصرف بصره يمنة أو يسرة، أو الالتفات بالرأس يمنة أو يسرة دون أن يلتفت الإنسان بصدره عن جهة القبلة.

فالمقصود بالالتفات: إما الالتفات بالبصر يمنة أو يسرة، مثل أن يختلس أو ينظر يميناً أو شمالاً، أو الالتفات بالوجه فقط دون أن يصرف الإنسان صدره عن جهة القبلة، هذا هو المقصود بالالتفات.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، الاختلاس هو الاختطاف بسرعة، وعلى حين غفلة.

وقد ذكر أهل العلم الفرق بين الاختلاس وبين الانتهاب وبين السرقة: فإن الاختلاس -كما ذكرت- هو أن يختطف بسرعة وعلى حين غفلة، فهذا يسمى اختلاساً، فإن انتهب بقوة وبحضور صاحب الحق أو المال أو غيره فإن هذا هو انتهاب، أن يأخذه بقوة وبالمغالبة، وأما الأخذ خفية فإنه يسمى سرقة، هذا هو الفرق بين هذه الأشياء.

قوله: (يختلسه الشيطان) (يختلسه): جاء في هذه الكلمة روايتان:

الرواية الأولى: يختلسه بإثبات الهاء يختلسه، وهذه الرواية للكشميهني، ورواها أبو داود في سننه عن مسدد شيخ الإمام البخاري بذكر المفعول، وهو هاء الضمير في قوله: (يختلسه)، وأما الأكثرون فإنهم رووه بدون الهاء: (يختلس الشيطان من صلاة العبد) (يختلس) بدون ذكر المفعول.

حكم الالتفات في الصلاة

الحديث فيه مسألة الالتفات في الصلاة، وقد اتفق أهل العلم على كراهية الالتفات في الصلاة إذا كان لغير حاجة.

وقد سبق أن بينت أن المقصود بالالتفات ليس الانصراف بالجسد والصدر عن القبلة انصرافاً تاماً، وإنما الالتفات إما بالبصر وإما بالرأس والعنق دون الالتفات بالصدر، هذا المقصود بالالتفات.

اتفق أهل العلم على كراهيته لغير حاجة، أي: أنه إن كان لحاجة فإنه لا يكره، أما إن كان لغير حاجة فهو مكروه.

لكن هل الكراهة كراهة تحريم أم كراهة تنزيه؟

الجمهور على أنها كراهة تنزيه، أي: أنه ليس بحرام ولكنه مكروه فقط، وذهبت الظاهرية إلى أنه يكره كراهة تحريم لا تنزيه.

الأدلة الدالة على كراهة الاختلاس كثيرة، منها:

حديث الباب: قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روته عائشة رضي الله عنها في الالتفات: ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ).

ومنها ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال الله مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف ).

وهذا الحديث قال فيه الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، أو قال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وخالفه غيره، فقال النووي -كما في المجموع وغيره-: إسناده فيه جهالة، أو: فيه رجل فيه جهالة، والعلة التي في هذا الحديث حديث أبي ذر رضي الله عنه: ( لا يزال الله مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف ) -العلة التي في هذا الحديث هي العلة التي في الحديث مسح الحصى: ( فإن الرحمة تواجهه )، فيه أبو الأحوص وفيه جهالة كما ذكر النووي .

إذاً: فحديث أبي ذر ضعيف لكن له شاهد من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه -وهو حديث طويل- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات وأمره أن يقوم بهن في بني إسرائيل، فكأنه أبطأ، فأوحى الله تعالى إلى عيسى فجاء إلى يحيى بن زكريا وقال له: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن وتعلمهن بني إسرائيل، فإما أن تقوم بهن وإلا قمت بهن، فقال يحيى: إني أخشى إن سبقتني أن ينزل عذاب، فقام يحيى بن زكريا ودعا بني إسرائيل وهو على شرفات بيت المقدس حتى اجتمعوا إليه، فقال: إن الله تعالى أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم بهن. وذكر من هذه الكلمات الخمس التي أمره الله تعالى بها قال: إذا نصب أحدكم وجهه في الصلاة فلا يلتفت، فإن الله تعالى ينصب وجهه إلى وجه عبده حتى يصلي له، فلا يصرف عنه وجهه حتى يكون العبد هو الذي يصرف وجهه )، وهذا الحديث رواه أحمد والترمذي والحاكم والبخاري في تاريخه والنسائي وابن حبان وابن خزيمة، وقال الحاكم : صحيح الإسناد وصححه ابن خزيمة أيضاً، وسنده صحيح، وهو يشهد لما قبله فيما يظهر لي، وإن كان الشيخ الألباني يعترض على هذا، لكن الظاهر أنه يصلح شاهداً لحديث أبي ذر الذي قبله، فيكون حديث أبي ذر حسناً لغيره؛ فهذه الأحاديث تدل على كراهية الالتفات في الصلاة، مما يدل على كراهية الالتفات في الصلاة.

ويقابلها -يعني: مما يدل على جواز ذلك وأنه ليس محرماً، فأما إن كان لحاجة فهو جائز بلا كراهة، وأما إن كان لغير حاجة فهو جائز مع الكراهة- أحاديث كثيرة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها:

حديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه أنه قال: ( ثوب في الصلاة -يعني: صلاة الفجر، ولعل ذلك كان في يوم حنين- قال: ثوب في الصلاة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، قال أبو داود : وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل فارساً يحرسه -أرسل فارساً إلى الشعب يحرسه- فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت إليه يترقب قدومه )، والحديث رواه أبو داود والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي . قال النووي : سنده صحيح. فهذا دليل على أن الالتفات إذا كان لحاجة فإنه لا بأس به.

ومثله في الدلالة على ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم، مرض موته، ( وأنه خرج والمسلمون في صلاة الفجر، خرج وكشف السترة من حجرة عائشة، فنظر إلى المسلمين وهم صفوف، فتبسم صلى الله عليه وسلم، فطفق أبو بكر يريد أن يتأخر ويرجع القهقرى ليصل الصف ويترك المجال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن: اجلس حيث أنت، ونظر المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -كادوا أن يلتفتوا- حتى كادوا أن يفتتنوا عن صلاتهم، فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن: أتموا صلاتكم. ثم دخل وأرخى السترة، ومات من يومه ذاك ) صلى الله عليه وآله وسلم.

فهذا الحديث دل على أن المسلمين نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك أبو بكر نظر إليه، ولما أشار إليهم أن: حيث أنتم جلسوا، وكذلك لما تبسم عرفوا ذلك منه، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك كله، وذلك أن الحجرة -كما هو معروف- حجرة عائشة التي خرج منها النبي صلى الله عليه وسلم عن يسار المصلى، فلما خرج منها كان المسلمون -ولابد- قد التفتوا في نظرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعض الالتفات، وأقرهم على ذلك، فدل على أن الالتفات لحاجة لا بأس به.

ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري أيضاً عن ابن عباس عن سهل بن سعد -وقد سبق مراراً في قصة ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم-: ( ثم أقام بلال الصلاة فتقدم أبو بكر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فطفق الناس يصفقون بأيديهم، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا كبر في الصلاة لا يلتفت، فلما رأى التصفيق أو التصفيح لا ينقطع التفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، فتأخر فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن: اجلس حيث أنت، فرفع أبو بكر رضي الله عنه رأسه إلى السماء وحمد الله وأثنى عليه، ثم رجع فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ) إلى آخر الحديث وهو حديث طويل، وقد سبق معنا في ( إنما التصفيح -أو التصفيق- للنساء ).

فالشاهد من الحديث أن أبا بكر رضي الله عنه التفت، وكذلك قول سهل بن سعد : (وكان أبو بكر لا يلتفت) إشارة إلى أنه قد يحصل من غيره التفات في الصلاة إما بالبصر وإما بالرأس والعنق من غير التفات بالصدر.

الدليل الرابع أيضاً: حديث جابر -وقد رواه مسلم - أنه قال: ( اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت فرآنا قياماً فأشار إلينا ) يعني: فجلسوا، وفي آخره في القصة أنه قال لهم في رواية أخرى: ( إن كدتم لتفعلون آنفاً فعل فارس والروم ).

حديث جابر رواه مسلم وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى أصحابه )، بل من أصرح ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه وراء ظهره )، والحديث رواه الترمذي وقال: غريب. ورواه أحمد والنسائي والحاكم : وقال الحاكم على شرط البخاري، وقال النووي : إسناده صحيح، وهو كما قال .

ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يلتفت للحاجة يميناً أو شمالاً لكنه لا يلوي عنقه وراء ظهره، وفي بعض مطبوعات الترمذي : ( يلتفت يميناً وشمالاً ويلوي عنقه ) سقط منها حرف النفي ( ولا يلوي )، وهو خطأ فاحش يصحح من المصادر الأخرى، كما في النسائي ومستدرك الحاكم ومسند أحمد : ( ولا يلوي عنقه ) بالنفي لا بالإثبات.

الحكمة في النهي عن الالتفات في الصلاة

ما هي الحكمة في النهي عن الالتفات في الصلاة؟

الحكمة في النهي عن الالتفات في الصلاة تحتمل أمرين:

إما أن يكون ذلك لما فيه من الانصراف عن الصلاة ومنافاة كمال الخشوع، والإعراض عن الله جل وعلا، كما ورد : ( أن الله تعالى يقبل على عبده في صلاته بوجهه، فلا يزال مقبلاً عليه ما لم يلتفت، فإذا التفت صرف الله تعالى وجهه عنه )؛ ولذلك نسبه النبي صلى الله عليه وسلم للشيطان فقال: ( هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد )؛ لأن الشيطان يرى العبد مقبلاً على ربه يسأله ويدعوه ويناجيه فيلتمس غفلته وغرته حتى يصرفه عن ذلك.

فهذا هو المعنى الأول، وهو الذي اختاره المصنف فيما يبدو، حيث ساق الحديث في باب الحث على الخشوع في الصلاة، فدل على أنه يرى أن النهي عن الالتفات لما فيه من منافاة كمال الخشوع.

الاحتمال الثاني: هو أن الالتفات في الصلاة فيه انصراف ببعض البدن -بالوجه أو بالبصر- عن استقبال القبلة التي أُمِرَ المصلي باستقبالها، ولا مانع أن يقال في هذا الموضع بالجمع بينهما معاً، فيقال: لا مانع أن يكون المقصود الحث على كمال الخشوع والحث على كمال استقبال القبلة للمصلي.

شرح حديث: ( إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه...)

الحديث الثاني..

الملقي: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه ) متفق عليه. وفي رواية: ( أو تحت قدمه ).

تخريج الحديث

والحديث رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب حك البزاق من المسجد، ورواه مسلم في المساجد، باب النهي عن البزاق في المسجد وغيره.

وفي أول الحديث قصة، وهي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فرأى في قبلته بصاقاً -في قبلة المسجد، في الجدار يعني- فحكه صلى الله عليه وسلم بيده، واشتد ذلك عليه حتى رئي في وجهه الغضب ).

جاء في رواية: ( أنه تغيظ على أهل المسجد ) يعني: نهرهم وزجرهم ونهاهم عن ذلك، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه ) إلى آخر الحديث، فهذه قصة الحديث.

شواهد الحديث

وقد ساق البخاري لهذا الحديث شواهد، منها: حديث ابن عمر رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في جدار القبلة وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله تعالى قِبل وجه أحدكم ).

ومنها حديث أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فتناول حصاة فحكها عليه الصلاة والسلام، ثم قال: إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يبصقن بين يديه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ).

وقوله صلى الله عليه وسلم: (في القبلة) أي: في جهة القبلة، في الجدار الذي يستقبله المصلي.

وقوله في حديث أنس في القصة التي لم يسقها المصنف: (رئي ذلك في وجهه)، يعني: ظهر التأثر على وجهه صلى الله عليه وسلم من الاحمرار والغضب على تنخم المصلي في جهة القبلة، وجاء في رواية النسائي -كما ذكرت-: ( فغضب صلى الله عليه وسلم حتى احمر وجهه )، وهذا هو الذي رئي في وجهه عليه الصلاة والسلام، جاء في رواية النسائي : (فغضب حتى احمر وجهه).

بم حك النبي صلى الله عليه وسلم هذه النخامة التي رآها في قبلة المسجد؟

يحتمل أن يكون حكها بالحصاة كما جاء في صحيح البخاري وذكرته قبل قليل، ويحتمل أن يكون حكها بعرجون كما جاء ذلك في حديث جابر عند أبي داود : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عرجوناً فحكها ).

ويحتمل أن يكون حكها بيده، كما جاء في الرواية الثالثة وهي في صحيح البخاري، والحك باليد يحتمل أن يكون باشر ذلك بيده الشريفة، كأن يكون فعل ذلك بيده اليسرى تواضعاً لله عز وجل.

والاحتمال الثاني، ما هو الاحتمال الثاني؟ أخذ شيئاً بيده فحكها به، يعني: حكها بآلة بيده، فيكون قوله: (حكها بيده) يرجع إما إلى قوله: (حكها بحصاة) أو (بعرجون) وكل ذلك محتمل.

حكم البصاق في المسجد وأقوال العلماء فيه

في الحديث مسألة البصاق في الصلاة والبصاق في المسجد، يعني: عندنا مسألتان في الحديث يجب التفريق بينهما:

الأولى: مسألة البصاق في الصلاة، يعني: كون الإنسان يبصق في الصلاة وهو يصلي.

المسألة الثانية: البصاق في المسجد.

نبدأ بمسألة البصاق في المسجد؛ لأنها هي الحالة المباشرة في الحديث، كون الإنسان يبصق -يتفل أو يتنخم- وهو في المسجد، ما حكم ذلك؟

فيه ثلاثة أقوال:

القول الأول: المنع مطلقاً

القول الأول: أن ذلك ممنوع مطلقاً، وهذا هو الذي رجحه النووي، واختاره الصنعاني ورجحه الألباني كما في تمام المنة، أنه لا يجوز لمن كان في المسجد أن يتنخم في المسجد.

واستدل هؤلاء بأدلة، منها: ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها ) هذا حديث أنس، فقالوا: إن كونه عد ذلك خطيئة دليل على أنه محرم؛ فإن الخطيئة لا تعلم إلا فيما هو حرام.

وقد يستدلون أيضاً -أو استدل بعضهم، وإن كانت الدلالة غير ظاهرة- بما روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( عرضت عليّ أعمال أمتي فرأيت في محاسنها الأذى يميطه الرجل عن الطريق، ورأيت في مساوئها النخامة في المسجد لا تدفن ) ( النخامة -أو قال: النخاعة- تكون في المسجد لا تدفن )، فقال هؤلاء: لا يجوز أن يتفل أو يبصق الرجل أو يتنخم في المسجد مطلقاً.

هذا القول الأول، يعني: سواء كان ينوي أن يدفنها أو لا ينوي أن يدفنها، فإنه لا يجوز له ذلك.

القول الثاني: الجواز حال نية دفن البصاق

القول الثاني: قالوا: يجوز أن يتفل إذا كان في نيته أن يدفن هذه النخامة، مثل أن يحفر في المسجد إذا كان المسجد رملاً أو تراباً أو نحو ذلك، فيبصق ثم يدفن ما خرج منه، وهذا هو الذي قاله القاضي عياض والقرطبي صاحب المفهم وآخرون، بل الأكثرون -فيما يظهر لي- على ذلك، أنه ليس حراماً إذا كان في نيته أن يدفنها، ومن أقوى حججهم حديث الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للمصلي أن يتفل عن يساره أو تحت قدمه، وهذا مطلق في المسجد وغيره، وقد جاء في أحاديث كثيرة نحو ما جاء في حديث الباب، وذكرت بعضها.

ومن أدلتهم -بل من أقوى أدلتهم- ما رواه أحمد -بسند حسن كما يقول ابن حجر في فتح الباري - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تنخم فليغيب نخامته لا تصيب مسلماً في بدنه أو ثوبه فتؤذيه )، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفنها، ومثل ما رواه أحمد والطبراني بسند حسن -كما يقول الحافظ ابن حجر أيضاً- من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من تنخم في المسجد فلم يدفن فسيئة، ومن تنخم في المسجد فدفنها فحسنة )، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن السيئة إنما تكون لمن تنخم فلم يدفنها، أما من دفنها فلا شيء عليه.

ولعل من أقوى أدلتهم ما رواه أبو داود بسند صحيح عن عبد الله بن الشخير أنه ( صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فتنخم فجعلها تحت قدمه اليسرى ثم دلكها بنعله ) والظاهر أن هذا كان في المسجد وإن كان لم ينص على أنه كان في المسجد، لكن ذكر أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم.

القول الثالث: الجواز حال الحاجة مع دفن البصاق والمنع لغير ذلك

القول الثالث: هو التوسط في ذلك، وكيف يكون التوسط؟

يكون التوسط أنهم يقولون: إن كان محتاجاً إلى ذلك -إلى أن يتنخم في المسجد- ثم يدفنها فلا شيء عليه في ذلك، وإن لم يكن محتاجاً فإنه لا يسعه هذا، ومثال الحاجة أن يبادره البصاق أو تبادره النخامة فلا يستطيع أن يخرج ولا أن يجعلها في ثوبه أو في شيء من ذلك، فيضعها على يساره تحت قدمه ويدلكها أو يدفنها بما يزيل النخامة ولا يؤذي المصلين ولا يلوث المسجد، فإن كان محتاجاً إلى ذلك فإنه لا حرج عليه، وإن لم يكن محتاجاً فإنه يكون ممنوعاً من ذلك.

وهذا التفصيل جيد، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : وهو تفصيل حسن. وهو فيه جمع بين الأحاديث وفيه حماية للمسجد من الأذى؛ فإن الإنسان مطلوب منه إذا بدرته النخامة أو بدره البصاق -إن استطاع- أن يضعه في ثوبه، كما جاء في صحيح البخاري أيضاً في بعض الأحاديث ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ طرف ثوبه ثم تفل فيه، وقال: أو يقول هكذا ودلكه )، فإن فعل ذلك -كأن يضعها في منديله أو نحوه- فهذا أفضل وأولى، فإن لم يستطع فإنه يضعها عن يساره تحت قدمه ثم يدفنها، فإن استطاع أن يخرج من المسجد فهذا أيضاً وجه ثالث.

والقول الثالث الذي قال ابن حجر : (وهو تفصيل حسن) في نظري أنه أولى وأحفظ لحرمة المسجد وكرامته وحرمة المصلين، وأبعد عن تلويثه وإيذاء الناس بما يخرج من المصلي، هذه مسألة البصاق في المسجد.

حكم البصاق إلى القبلة وعن اليمين وأقوال العلماء فيه

المسألة الثانية: مسألة البصاق في القبلة، بغض النظر عن كونه في المسجد أو غيره، أو كونه مصلياً أو غير مصل، أو عن يمين الإنسان، وفي هذه المسألة قولان:

القول الأول: التحريم مطلقاً

القول الأول: التحريم: أنه لا يجوز للإنسان أن يبصق في القبلة في جهة القبلة، ولا أن يبصق عن يمينه، لا في المسجد ولا في غيره، سواء كان يصلي أو كان في غير الصلاة.

واحتجوا بعمومات الأحاديث؛ فإن كثيراً من الأحاديث التي ورد فيها النهي عن البصاق في القبلة أو عن يمينه مطلقة ليس فيها تقييد ذلك بالصلاة، بل جاء في أثر عند عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة)، وكذلك جاء عن معاذ أنه قال: (ما بصقت عن يميني منذ أسلمت)، وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ولده عن ذلك مطلقاً، يعني: سواءٌ كان في صلاة أو في غير صلاة.

وهذا القول بأنه يحرم البصاق عن يمينه مطلقاً وفي جهة القبلة هو أيضاً اختيار النووي والصنعاني والألباني كما في تمام المنة .

القول الثاني: التحريم في الصلاة

القول الثاني: أن ذلك محرم في الصلاة فحسب، يعني: البصاق في جهة القبلة أو عن يمينه محرم في الصلاة فحسب، أما في غير الصلاة فإنه يجوز للإنسان أن يتفل عن يمينه أو يتفل في جهة القبلة أيضاً، يجوز له ذلك، وهذا المذهب هو مذهب الأكثرين فيما يبدو.

ومن حجتهم أنهم قالوا: ورد التقييد بذلك في الصلاة، كما في قوله: ( إذا كان أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه ) فقيده بالصلاة؛ ولذلك روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله عز وجل، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً )، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبصق أمامه؛ لأنه يناجي الله تعالى أثناء الصلاة، ونهى أن يبصق عن يمينه وقال: ( فإن عن يمينه ملكاً، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ).

وظاهر صنيع البخاري أنه يرجح هذا المذهب، أن النهي خاص بحال الصلاة؛ ولذلك بوب في صحيحه قال: (باب: لا يبصق عن يمينه في الصلاة)، فظاهر صنيع البخاري أنه يرى أن النهي مقيد بحال الصلاة.

ومما يقوي أن النهي خاص بحال الصلاة تعليل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: ( فإن عن يمينه ملكاً )، وذلك أن الظاهر أن هذا الملك يكون عن يمين الإنسان أثناء الصلاة؛ لأنه قال: ( لا يبصقن أمامه فإنه يناجي ربه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ) يعني: أثناء الصلاة، وإلا فإن الإنسان في غير الصلاة يكون عن يمينه ملك وعن يساره ملك، فالذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات، وكلاهما ملك مقرب لا يجوز إيذاؤه، فلو كان البصاق عن اليمين يؤذي الملك الذي عن اليمين لكان البصاق عن اليسار يؤذي الملك الذي عن يساره، وكلاهما كما قال الله عز وجل: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:10-12]، فهم كرام عند الله عز وجل ولا يجوز إيذاؤهم، وكل واحد منهم يتأذى بما يتأذى منه الآخر.

الراجح في حكم البصاق إلى القبلة وعن اليمين

ما هو الراجح من هذه الأقوال على ضوء ما سبق معنا في باب التخلي وآداب التخلي وآداب قضاء الحاجة، ما هو الراجح من هذين القولين؟ هل النهي عن البصاق في جهة القبلة وعن اليمين مطلق أو في حال الصلاة؟

سبق أن تكلمت عن الأقوال في مسألة استقبال القبلة واستدبارها في باب قضاء الحاجة، وذكرت في المسألة نحواً من سبعة أقوال، ثم رجحت أن الكراهة كراهة تنزيه.

... هذا الترجيح بغض النظر عن كونه خطأ أو صواباً، لكن من أجل طرد هذه القاعدة أو هذا الترجيح فإنَّه إذا كان قضاء الحاجة مستقبل القبلة ليس حراماً ولكنه مكروه تنزيهاً؛ فإن البصاق جهة القبلة من باب الأولى أنه ليس بحرام ولكنه مكروه، طيب وإذا كان البصاق جهة القبلة ليس بحرام فالبصاق عن ذات اليمين هل يكون محرماً؟ أيضاً هو من باب الأولى، إذا كان البصاق جهة القبلة ليس بمحرم ولكنه مكروه؛ فالبصاق عن اليمين -من باب أولى- ليس بمحرم.

مداخلة: .....

الشيخ: ليس بمحرم، وقد يقال بكراهيته، ليس بحرام لكن قد يقال بكراهيته.

إذاً: النهي عن البصاق مستقبل القبلة الراجح أنه في الصلاة.

شرح حديث أنس في أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بإماطة القرام

الحديث الثالث: وعنه رضي الله عنه قال: ( كان قرام لـعائشة رضي الله عنها سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أميطي عنَّا قرامك هذا؛ فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) رواه البخاري . واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: ( فإنها ألهتني عن صلاتي ).

تخريج الحديث

هذا الحديث رواه البخاري في كتاب الصلاة، (باب: إن صلى في ثوب مصلب أو فيه تصاوير هل تفسد صلاته وما ينهى من ذلك).

وقوله: (مصلب) أي: فيه صلبان، جمع صليب، وإنما ذكر الإمام البخاري رحمه الله قوله: (إن صلى في ثوب مصلب)؛ لأنه ذكر في كتاب اللباس حديثاً آخر عن عائشة من رواية عمران بن حطان، وهذا خارجي من الخوارج، وله في البخاري هذا الحديث الواحد عن عائشة رضي الله عنها: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه )، فأشار إلى التصاليب إضافة إلى الصور، وذلك لأن الصور والتصاليب تشترك في أنها من أسباب الشرك الذي حدث في بني آدم .

معاني ألفاظ الحديث

قوله: (كان قرام)، القرام -بكسر القاف والراء المخففة-: هو ستر رقيق ملون يصنع من الصوف.

وقوله: (فيه تصاوير) هذه التصاوير أعم من أن تكون ذوات أرواح أو ليست ذوات أرواح، فيحتمل أن تكون هذه التصاوير تصاوير حيوانات، ويحتمل أن تكون شجراً أو أرقاماً أو غيرها، ولعل الأقرب أن تكون هذه الصور التي في قرام عائشة ليست من ذوات الأرواح، وإنما هي تصاوير أشجار ونحوها، والدليل على ذلك أمور:

أولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم علل هاهنا بقوله: ( فإن تصاويره لا تزال تعرض لي في صلاتي )، ولو كانت التصاوير ذوات أرواح لقال لها كما قال في المرة الأخرى لما نهاها وأنكر عليها الصور وقال: ( إن من أشد الناس عذاباً المصورين )، وقال في حديث آخر: ( لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة )، فعلل هنا بأن تصاويره تعرض له.

وكذلك لم يأمرها بتمزيقه ولم يهتكه، وإنما قال: (أميطيه) يعني: أزيليه.

وقوله: (تعرض) بفتح التاء وسكون العين وكسر الراء: (تَعْرِض) يعني: تلوح لي، واحتمال أن تكون تضبط بوجه آخر، (تَعْرَّض لي) بفتح التاء والعين والراء المشددة (تَعرَّض لي في صلاتي)، يعني: تتعرض لي في صلاتي، أي: أنها تمر على نظره مرة بعد أخرى.

علة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإماطة القرام

لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإماطة هذا القرام؟

ذكروا في إماطة القرام ثلاث علل:

العلة الأولى: ما ورد في هذا الحديث أن تصاويره كانت تعرض له صلى الله عليه وسلم في صلاته فتلهيه، فأماطه كما ذهب بأنبجانية أبي جهم كما سيأتي في الحديث الذي بعده.

العلة الثانية: أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إنا لم نؤمر أن نكسو الحيطان )، فأمر بإماطة القرام؛ لأن فيه نوعاً من الترف الذي لا داعي له في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، لما يتميز به من التواضع والإعراض عن الدنيا، ( مالي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم قام وتركها ).

العلة الثالثة: أنه كان في هذا القرام صور؛ ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها وهتكه، ولما وضعته أيضاً أمر بإخراجه؛ ولذلك قطعته عائشة رضي الله عنها وجعلته وسائد كما ذكر ذلك بعض أهل العلم.

شرح حديث عائشة في أمره صلى الله عليه وسلم برد أنبجانية أبي جهم

قال رحمه الله: (واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: ( فإنها ألهتني عن صلاتي ) ).

تخريج الحديث

قصة الأنبجانية رواها البخاري في كتاب الأذان (باب: الالتفات في الصلاة)، ورواها أيضاً في كتاب الصلاة (باب: إذا صلى في ثوب له أعلام).

ورواها مسلم في كتاب المساجد (باب كراهية الصلاة في ثوب له أعلام)، وفيه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فنظر في أعلامها نظرة، فلما انصرف من صلاته قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم بن حذيفة

وائتوني بأنبجانية أبي جهم

فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي ) هذا لفظ مسلم .

معاني ألفاظ الحديث

الخميصة: هي كساء مربع من صوف له أعلام، يعني: له أعلام فيه خطوط وفيه رسوم.

وقوله: (أنبجانية) أنبجانية هكذا بفتح الهمزة وكسرها، وكذلك بفتح الباء -أنبَجانية وأنبِجانية- وكسرها: هو كساء من صوف أيضاً له خمائل، يعني: له أهداب في أطرافه وليس له أعلام، وإنما هو مثلما نقول بلغة العاصر الحاضر: سادة، ليس فيه خطوط ولا فيه رسوم ولا أعلام، وهو من الثياب الغليظة، من أردأ الثياب الغليظة؛ ولذلك طلبه النبي صلى الله عليه وسلم.

أبو جهم اسمه عبيد الله أو عامر بن حذيفة القرشي العدوي، وهو صحابي مشهور، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذهبوا بالأنبجانية إليه لأحد احتمالين:

إما أنه كان أهدى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي أهدى هذه الخميصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فردها النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ومن أجل أن يجبر خاطره قال: ( ائتوني بأنبجانية ) حتى لا يكون في نفسه شيء لماذا رد الهدية.

والاحتمال الثاني -وقد جاء في حديث مرسل-: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بثوبين الخميصة هذه والأنبجانية، فأعطى أبا جهم الأنبجانية وأخذ الخميصة، فلما حصل له ما حصل في صلاته قال: أعطوا أبا جهم الخميصة هذه وائتوني بالأنبجانية التي أخذها أبو جهم قبل قليل ) .

فوائد الحديث

في حديث عائشة

وقصة أبي جهم

فوائد، منها:إزالة المصلي ما يشغله في قبلته، سواء كان قراماً كما في حديث أنس

في قصة عائشة

، أو كان ثوباً عليه، أو ما أشبه ذلك.ومن فوائده: رعاية حال الأصحاب، رعاية الإنسان لحال أصحابه وخواطرهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين رد الخميصة على أبي جهم

طلب الأنبجانية لئلا يكون في خاطره شيء.ومن فوائده: جواز استرجاع الهدية، جواز أخذ الإنسان للهدية التي أهداها، وهذا يكون في أحوال.متى يجوز للإنسان أن يأخذ الهدية التي أهداها لغيره؟الحالة الأولى: إذا كان والداً أهدى لولده فإنه يجوز له أن يسترجعها، وقد يستدل لذلك بقصة النعمان بن بشير

: ( أكل ولدك أعطيتهم هذا؟ قال: لا، قال: فأشهد على غيري فإني لا أشهد على جور )، فأرجعها النعمان بن بشير

، فيجوز للوالد الرجوع في هديته لولده.الحالة الثانية: إذا ردها عليه المهدى له، مثلما حدث في قصة أبي جهم

، فإنه ردها النبي صلى الله عليه وسلم إليه وأخذ بدلها.ومن فوائد الحديث: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الأكمل كيف حرصه على الأكمل؟ لأن أبا جهم

إذا رُجعت إليه الخميصة ماذا سيصنع بها؟ سيلبسها، وسوف تعرض له في صلاته أم لا؟ ممكن أن يحصل؟ فنقول جواباً على ذلك: أحد احتمالين: إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ردها له، وليس بلازم أن يلبسها في الصلاة، مثلما ( أعطى عمر

حلة عطارد من حرير وقال له: لم نعطكها لتلبسها. فكساها عمر

أخاً له بـمكة مشركاً ). وإما أن يكون هذا من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( كل فإني أناجي من لا تناجي ) فحال الرسول صلى الله عليه وسلم في المناجاة والصلاة ليست كحال غيره من الصحابة.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب الحث على الخشوع في الصلاة - حديث 256-259 للشيخ : سلمان العودة

https://audio.islamweb.net