اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 172-174-ب للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 172-174-ب - (للشيخ : سلمان العودة)
اختلف الفقهاء فيمن شرع في الفجر فطلعت عليه الشمس على أقوال أرجحها أنه يستمر في صلاته، كما اختلفوا في المعذور يزول عذره في آخر الوقت، والراجح أنه تجب عليه الصلاة إذا أدرك مقدار ركعة، أما فيمن طرأ عليه العذر بعد دخول الوقت فتثبت الصلاة في ذمته بطروء العذر عند ضيق الوقت، أما من طرأ عليه العذر الوقت كله فلا تلزمه الصلاة.
تابع المسائل المتعلقة بحديث: (من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ...)
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.وفي هذه الليلة وجدت نفسي مضطراً إلى أن أقف وقفة أطول عند حديث أبي هريرة وحديث عائشة رضي الله عنهما؛ وذلك لأن في هذين الحديثين أحكاماً كثيرة، وربما تكون متداخلة أيضاً، فرأيت أن من المصلحة أن نقف عندها ونناقش هذه الأحكام، على أننا بانتهائنا من هذين الحديثين لا يكون بقي عندنا مما يتعلق بالمواقيت من الأحاديث التي فعلاً لم تشرح -أو ستأخذ بعض الوقت تقريباً- إلا أحاديث أوقات النهي وحكم هذه الأوقات وما يجوز فعله فيها وما لا يجوز، أما بقية الأحاديث فمعظمها مر معنا؛ فلذلك لا بأس أن نقف عند ذينك الحديثين؛ لما يتضمنان من أحكام ربما يكون هذا هو الموضع المناسب لهما.وحديث أبي هريرة وعائشة سبق في الأسبوع الماضي: ( من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح )، وحديث عائشة فيه: (سجدة) بدل: (ركعة).وقد بدأت في هذين الحديثين لكن لا بأس أيضاً أن أعيد باختصار ما سبق، ثم نستأنف المسائل الفقهية من أولها.فأهم نقطتين ذكرتهما في هذين الحديثين:أولاً: أن ذكر العصر وذكر الفجر في هذين الحديثين إنما هو على سبيل المثال، وإلا فما يقال فيهما يقال في جميع الأوقات: من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يخرج وقتها فقد أدرك الصلاة، فلو أدرك ركعة من الظهر قبل خروج وقت الظهر يكون أدرك الظهر، وهكذا العصر وهكذا العشاء، هذه نقطة أشرت إليها.النقطة الثانية أشك إن كنت أشرت إليها، وإن كانت أيضاً بدهية وظاهرة قد لا تحتاج إلى ذكر عند الكثيرين، وهي: أن معنى قوله عليه السلام: ( من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة ) فيه حذف تقديره: من أدرك ركعة ثم أتم صلاته؛ ولذلك في صحيح البخاري قال: ( من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته )، ولم يقل أحد من أهل العلم قط: إن الركعة التي صلاها تجزئه، وإنما المعني: فقد أدرك الصلاة فيتم الصلاة التي شرع بها، وهذه القضية وإن كانت ظاهرة -كما ذكرت- إلا أن كثيراً من أهل العلم وشراح الأحاديث ينبهون ويشيرون إليها لدفع الالتباس الذي يخشى.أما فيما يتعلق بتخريج الأحاديث ومواضعها فقد أشرت إليه ولا أرى حاجة لتكراره. ‏
 حكم قضاء الصلاة على المغمى عليه
تبقى في مسألة فيها خلاف وهو المغمى عليه: لو أن إنساناً أغمي عليه، وحوادث الإغماء اليوم كثيرة بسبب -مثلاً- حادث سيارة أو غيره، بحيث يفقد الوقت مدة معينة، وخرج الوقت وهو لم يفق، فهل حكمه حكم من سبق أم يختلف؟ يختلف، نعم يختلف حكمه بعض الاختلاف، وهذه المسألة فيها اختلاف، مسألة المغمى عليه فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المغمى عليه إذا خرج الوقت قبل أن يفيق فلا قضاء عليه، فلو أن إنساناً في حادث سيارة -مثلاً- أغمي عليه وظل طريح الفراش في المستشفى لمدة ثلاثة أيام ثم أفاق لا نلزمه بقضاء الأيام الثلاثة التي أغمي عليه فيها، وهذا مذهب الشافعي ومالك وابن سيرين.ولهم في ذلك حجج أرى أنها قوية، منها: حديث الباب، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة )، فهذا المغمى عليه هل أدرك من الصلاة ركعة؟ لا، هو ظل مغمى عليه حتى بعد خروج الوقت، فلم يدرك من الصلاة ركعة، فمفهوم حديث الباب يدل على أنه لا قضاء عليه، ومن أدلتهم على عدم القضاء ما رواه السبعة والدارمي وغيرهم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من نام عن صلاة أو نسيها -وفي لفظ: من نسي الصلاة- فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، ثم تلا قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] )، فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النائم والناسي وأنه يصلي إذا استيقظ وإذا ذكر؛ علم أن غيرهم ليس عليه قضاء؛ ولذلك أخذ جماعة من أهل العلم -كـابن تيمية والشوكاني وغيرهما وكثير من السلف- أخذوا من هذا الحديث: أن من ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها أنه لا يقضيها. يعني: واحد جالس يلعب الورقة -مثلاً- ودخل عليه وقت صلاة المغرب وخرج ولم يصل، ثم بعدما خرج الوقت قام وقال: الآن أريد أن أصلي، هؤلاء يقولون له: جرمك وذنبك أعظم من أن يكفَّر بالصلاة، فتلقى الله تعالى بها إثماً تحمله إلا أن يتوب عليك، ولا تقضي هذه الصلاة التي تركتها عمداً؛ لماذا لا يقضي المتعمد عند هؤلاء؟ لأنه لم يُذكر في الحديث، فالحديث يقول: ( من نام عن صلاة أو نسيها )، لكن ما قال: أو تركها متعمداً ( فليصلها إذا ذكرها ).فيمكن أن يؤخذ من ذلك أيضاً: أن من أغمي عليه في وقت الصلاة حتى خرج وقتها لا قضاء عليه؛ لأنه لم يُذكر في الحديث.ومما يرجح هذا القول: أننا نعلم -كما سبق- أن المجنون ليس عليه شيء، وكذلك الصبي، وقد جاء في الحديث الصحيح: ( رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ )، وهذا الحديث رواه أصحاب السنن عن علي وعائشة، ورواه الطبراني في مسند الشاميين عن جماعة من الصحابة، وروي عن أبي هريرة عند البزار وغيرهم، هذا هو القول الأول. ونقول: إن المغمى عليه أشبه بالمجنون منه بالنائم؛ لأن النائم ينام باختياره، ويمكن أن يوقظ، لكن المغمى عليه هل هو باختياره؟ لا، وهل يمكن إيقاظه؟ أيضاً لا، فهو أشبه بالمجنون منه بالنائم.القول الثاني في المسألة قول الإمام أحمد : أنه يقضي ما فاته قلَّ أم كثر.والقول الثالث هو قول أبي حنيفة : إن كان الإغماء لمدة يوم وليلة فأقل قضى، وإن كان أكثر من ذلك لم يقض.وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الصلاة - باب المواقيت - حديث 172-174-ب للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net