اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب - حديث 115-119 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب - حديث 115-119 - (للشيخ : سلمان العودة)
ثبت في مسلم عن أبي سعيد حديث: (إنما الماء من الماء) فذهب بعض الصحابة والتابعين وداود إلى أن سبب غسل الجنابة هو الإنزال فقط، وخالفهم الجماهير من أهل العلم حيث ذهبوا إلى ما ثبت في السنة عن عدد من الصحابة من إيجاب الغسل بمجرد الإيلاج ولو لم يحدث إنزال، وأجابوا عن حديث أبي سعيد بأنه منسوخ وصحح الترمذي عن أبي بن كعب أن هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ، وحمله ابن عباس على الاحتلام وهذا الحكم ثابت باتفاق للرجل والمرأة.
مفهوم الغسل
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.وفيما يتعلق بأحاديث هذه الليلة، فإن المصنف رحمه الله بوب لها بقوله: باب الغسل وحكم الجنب، وأما الغسل فهو بضم الغين على المشهور، والغسل من الكلمات المثلثة فهو يقال: الغُسل والغَسل والغِسل بضم الغين وفتحها وكسرها.فأما بضم الغين الغُسل فهو اسم للماء الذي يغتسل به، أو اسم للفعل أيضاً يعني الاغتسال. وأما بالفتح الغَسل فهو اسم للاغتسال؛ اسم للفعل. وأما بكسر العين الغِسل فهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو سدر أو غيره. فبناءً على هذا أقول: الاغتسال الذي هو تعميم البدن بالماء الفعل هل يقال بضم الغين أم بفتحها؟ الغسل الذي هو المصدر (الفعل) يقال بضم الغين وبفتحها، فيقال: الغُسل والغَسل، ولا وجه لتخطئة بعض من صنف في لحن الفقهاء، أنه خطأ الفقهاء لإطلاقهم الغسل عليه، فإنه يجوز فيه الضم والفتح، فيقال: الغُسل والغَسل.وقول المصنف رحمه الله: (وحكم الجنب)، يعني: ما يلزم للجنب من الأحكام في الأكل والشرب والنوم ودخول المسجد وغير ذلك.
 

شرح حديث: (الماء من الماء)
الحديث الأول في هذا الباب هو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء).
 شواهد أخرى لحديث: (الماء من الماء)
وأذكر بما أشرت إليه من شواهد الحديث الأول أبي سعيد ذكرت أن له شواهد منها حديث رافع بن خديج عند الإمام أحمد .ومنها حديث عن عتبان بن مالك نفسه صاحب القصة عند الإمام أحمد أيضاً. ومنها حديث أنس بن مالك عند ابن شاهين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن ابن شاهين جمع طرق هذا الحديث ثم الحازمي، يعني جمعوها في مصنف، والله أعلم.
شرح حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)
ثنى المصنف بالحديث الآخر الناسخ وهو حديث أبي هريرة : ( إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ) والحديث متفق عليه.
 دلالة أحاديث التقاء الختانين والجمع بينها وبين قوله: (إنما الماء من الماء)
يدل الحديث على أن الغسل يجب بالإيلاج، أما قوله: (إذا التقى الختانان ) أو ( إذا مس الختان الختان )، أو ( إذا ألزق الختان بالختان )، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ، فإنها كلها محمولة على الإيلاج، فإذا غيب الرجل حشفته في زوجته وجب عليه الغسل بهذا، أنزل أو لم ينزل، أما إذا لم يكن ذلك فلا غسل عليه؛ وذلك لأن الختان في الواقع هو في أعلى فرج المرأة وليس هو موضع الجماع، وإنما المقصود إذا أولج الرجل، ولذلك جاء في بعض الألفاظ: ( إذا جاوز الختان الختان )، وهذا هو قول جمهور أهل العلم، ولذلك ذكر الإمام النووي في شرح مسلم وفي المجموع : أن هذا هو القول الصحيح الذي عليه الكافة، وهو وجه من الشافعية، ولم يخالف في ذلك إلا وجه شاذ لبعض أصحابنا، أن الغسل يجب ولو غيب بعض الحشفة ولم يغيبها كلها، وقال: هذا قول شاذ ضعيف متروك.هذا هو الحكم المأخوذ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.إذا نظرنا إلى لفظ الحديث ( الماء من الماء )، يمكن أن يقال: هذا دليل على أن من أنزل المني بالشروط المعروفة يعني: أنزله بشهوة، فإنه يجب عليه الغسل، وهذا لا خلاف فيه كما سبق أنه يجب عليه الغسل، ولكن إذا نظرنا إلى سبب الحديث فقد يقال: بأن الحديث قال من قال بأنه منسوخ، وسبق أن ذكرت أن القول بنسخه ليس بلازم، فيمكن أن يبقى الحديث دليلاً على وجوب الغسل من الإنزال، سواء كان الإنزال بجماع أو بغيره في يقظة أو في منام، ويكون ما استدلوا به على أن الحديث يدل على أنه لا غسل من الإيلاج، هذا الحكم يكون منسوخاً لما سبق من الأحاديث.كيف يرد الحصر؟ نقول: المنسوخ هو الحصر، الآن الحديث في أصله: ( إنما الماء من الماء ) يدل على عموم، منها أن الغسل لا يجب بالإيلاج إنما يجب بالإنزال، ومنها أن الإنزال يوجب الغسل ولو من غير جماع، سواء في اليقظة أو في المنام.فنقول: الحكم الأول وهو: أن الإيلاج لا يوجب الغسل، وهو المفهوم من الحديث، ويدل عليه السبب والألفاظ الأخرى في قوله: ( إنما عليك الوضوء )، هذا الحكم منسوخ، أو قل هذا الجزء منسوخ للأحاديث الأخرى.بقية الحديث الدال على أن من أنزل المني في حال اليقظة من غير جماع وجب عليه الغسل، أو من أنزله في حال احتلام ولو لم يذكر احتلاماً فعليه الغسل أيضاً، فيكون هذا نوعاً من تخصيص الحكم، في نظري أن هذا وجيه ولا يؤثر عليه وجود الحصر في الحديث ( إنما الماء من الماء ).
شرح حديثي أنس وأم سلمة في اغتسال المرأة إذا هي احتلمت
الحديث الثالث هو حديث أنس رضي الله عنه: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: تغتسل ).قال المصنف: متفق عليه وذكر زيادة مسلم : أن أم سلمة قالت: ( وهل يكون ذلك يا رسول الله!؟ قال: نعم. فمن أين يكون الشبه؟ ). ‏
 ثبوت احتلام المرأة كما يحتلم الرجل
ثم قالت: ( فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت )، (احتلمت) يعني: رأت في المنام أن زوجها يجامعها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( نعم. إذا هي رأت الماء )، يعني: إذا استيقظت فرأت الماء بعد استيقاظها، فيجب عليها حينئذ أن تغتسل، وهذا يدل على أن المرأة لها ماء ومني كالرجل في ذلك، أعني في ثبوته لا في هيئته، خلافاً لمن رد ذلك أو أنكره.وقد اعترضت عليها عائشة رضي الله عنها وأم سلمة، فأما أم سلمة فذكر المصنف قولها: ( ويكون ذلك يا رسول الله؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم فمن أين يكون الشبه؟ )، يعني: أن وجود ماء للمرأة ثابت؛ ولذلك تجد أن الصبي أحياناً يكون شبهه إلى أمه، وأحياناً يكون شبهه إلى أبيه، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة غلب شبهه عليها، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل غلب شبهها عليه، وهذا ورد في صحيح مسلم أيضاً من حديث ثوبان في كتاب الحيض، في قصة اليهودي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم.وقد اعترضت أم سلمة أيضاً وعائشة على أم سليم في مثل هذا الأمر الذي يختص بالنساء، حتى قالت لها عائشة: (تربت يداك، فضحت النساء يا أم سليم!) (تربت يداك) وهذا دعاء عليها، (فضحت النساء) يعني: أخبرت بأمر من خواصهن لا ينبغي أن يشهر ويشاع، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنت، تربت يداك، يعني: عائشة، وهذه الكلمة لا يراد بها حقيقة معناها، إنما هي من الكلمات الجارية على ألسنة الناس.وبعض الناس أو بعض أهل العلم ضعفوا بعض هذه الاعتراضات، ولكن الصحيح الذي صححه الذهلي، وأبو داود، وابن حجر، والنووي، وغيرهم أن الاعتراض حصل من كل منهما، ولا يمنع أن تكون عائشة رضي الله عنها وأم سلمة كانتا في المجلس، فاعترضت كل منهما على هذا ورد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، أما أنس فالظاهر أنه لم يكن حاضراً في ذلك المجلس -والله تعالى أعلم- فيكون هذا من مراسيل الصحابة، وهي رواية أنس عند مسلم . أما حديث أم سلمة كما في صحيح البخاري ومسلم فهو ظاهر أنها كانت حاضرة كما سلف من اعتراضها رضي الله عنها، والحديث دليل على أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، وهذا أمر يتصور أن يقع من كل امرأة، لكن هل هو في النساء أكثر أو في الرجال أكثر، فهذه مسألة لا يوجد عليها دليل من الشرع، بل ربما يكون هذا الدليل دليلاً على أنها في النساء أقل منها في الرجال، وأن قول أم سلمة : (وهل يكون هذا) قد يدل على أنه ليس مشهوراً عند النساء، بل هو ظاهر في أن هذا الأمر ليس مشهوراً -والله أعلم- عند النساء، ولكنه متصور أن يقع من أي امرأة، وهو ثابت الوقوع، وقد ورد عن غير أم سليم أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فورد هذا السؤال عن سهلة بنت سهيل رضي الله عنها عند الطبراني، وورد عن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها عند ابن أبي شيبة، وورد عن خولة بنت حكيم عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، فهذه كلها شواهد لما سبق. بقي في زيادة مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: ( فمن أين يكون الشبه؟ ). قال أهل العلم: (الشبه) في ضبطه وجهان: الأول بفتح الشين والباء الشَبَه، وهذا المشهور. الوجه الثاني: هو بكسر الشين وسكون الباء فمن أين يكون الشِبْه؟ يعني نزع الولد إلى أبيه أو نزع الولد إلى أمه. والحديث دليل أيضاً لما سبق في مسألة الاحتلام وأنه يجب برؤية الماء؛ لأنه علق وجود الغسل برؤية الماء، وهذا ليس خاصاً بالمرأة بل هو عام لها وللرجل، وسبق الكلام في موضوع الاحتلام ووجوب الاغتسال منه برؤية الماء عند كافة أهل العلم من الخلف والسلف رضي الله عنهم أجمعين. في بعض طبعات الكتاب لما ذكر حديث أبي هريرة قال: وعن أم سلمة : ( أن أم سليم وهي امرأة أبي طلحة قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا رأت الماء ) الحديث متفق عليه. هذا الحديث ليس موجوداً في الطبعة التي علق عليها الشيخ محمد حامد الفقي، وليس موجوداً أيضاً في المخطوطتين اللتين راجعتهما فهو زيادة، ولعله في بعض النسخ، ولكن في هذه النسخة أيضاً قال: وعن أنس : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل: تغتسل )، متفق عليه، زاد مسلم فقالت أم سلمة : ( وهل يكون هذا؟ قال: نعم. فمن أين يكون الشبه؟ )، فيكون عزو الحديث إلى المتفق عليه من طريق أنس موجود في النسختين، وهذا ذكرت أن فيه نظراً، وأما الحديث الزائد هذا حديث أم سليم فليس في المخطوطتين، ولكنني ذكرته ضمن شرح حديث أنس رضي الله عنه.
الأسئلة

 جواب آخر عن حديث: (إنما الماء من الماء)
السؤال: ما يقال أن الحديث الأول: ( الماء من الماء ) يؤخذ منه بالمفهوم أنه يعني ما سوى الماء يعني أن الإيلاج لا يوجب الغسل، والحديث الذي بعده منطوقه أنه حتى ولو لم ينزل فإنه يجب الغسل، فيكون المنطوق مقدم على المفهوم في الحديث الثاني. الجواب: هذا صحيح، يعني: لو لم يثبت النسخ لقيل بأن حديث أبي هريرة وعائشة مقدم على حديث أبي سعيد ؛ لأن حديث أبي هريرة وعائشة منطوق، وحديث أبي سعيد مفهوم، والقاعدة كما سبق أن المنطوق مقدم على المفهوم.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب - حديث 115-119 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net