اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - حديث 86،72-88 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - حديث 86،72-88 - (للشيخ : سلمان العودة)
اختلف العلماء في كون النوم ناقضاً أو لا على أقوال أرجحها يتلخص في أن النوم ليس حدثاً في نفسه وإنما هو مضنة الحدث كما قال الشافعي، يدل على هذا أدلة منها حديث علي رضي الله عنه: (العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ) ولهذا فالنوم المستغرق الذي لا إدراك معه ينقض الوضوء بخلاف النوم الخفيف.
شرح حديث: (كان أصحاب رسول الله على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ...)
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.في هذه الحلقة وما بعدها نبدأ بباب جديد وهو: باب نواقض الوضوء، بعد أن انتهينا في الأسبوع الماضي من أحاديث المسح على الخفين.بسم الله الرحمن الرحيم.يقول المصنف رحمه الله: باب نواقض الوضوء. النواقض: جمع ناقض، وهو ما يبطل وضوء الإنسان من الأحداث. ثم بدأ المصنف رحمه الله بحديث أنس هذا: ( كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون ).
 القول الراجح
هذه أهم الأقوال، وإلا ففي المسألة كما ذكرت أقوال كثيرة متعارضة وغالبها اجتهادات أو آراء تعتمد على أحاديث لا تثبت، والذي يظهر -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الحق أن النوم ليس بحدث في نفسه، وإنما هو مظنة حصول الحدث.ومما يؤيد ذلك إضافة إلى ما سبق ما ورد ( عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان ينام حتى يسمع له غطيط ثم يؤذن للصلاة فيصلي ولا يتوضأ )، و( كان صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه )، كما في حديث عائشة رضي الله عنها.ومن المعلوم أن النوم لو كان حدثاً في نفسه كغيره من الأحداث كالبول والغائط لما كان هناك فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره، وهذا مأخذ أشار إليه شيخ الإسلام في الفتاوى وهو مأخذ لطيف: أن النوم لو كان حدثاً في نفسه لم يكن ثمة فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره من الناس، فلما وجد الفرق في ظاهر الحديث وعلل بأنه صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، وأنه كان محفوظاً -كما في حديث ابن عباس - دل على أن النوم يخشى أن يكون سبباً في حصول الحدث من الإنسان وهو لا يشعر، ولذلك لم يكن ناقضاً بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث.وإذا كان النوم مظنة حصول الحدث وليس حدثاً في نفسه، فيتجه حينئذ القول بأن الراجح: أن من نام نوماً مستغرقاً، زال معه شعوره ولم يبق معه إدراك، حتى إنه لا يشعر بما حوله، وقد يرى الرؤيا في منامه طالت أو قصرت، وبصفة عامة قد يحدث وهو لا يشعر؛ فإنه حينئذ ينتقض وضوءه، ويحمل حديث صفوان بن عسال وما أشبهه على هذه الصفة: أن من نام نوماً مستغرقاً زال معه شعوره ولم يبق معه إدراك، حتى إنه قد يحصل منه الحدث وهو لا يشعر، فإنه ينتقض وضوءه بهذا النوم، ومن كان نومه دون ذلك، بحيث إنه قد يسمع الكلام الذي حوله وإن لم يفهمه، ويشعر بما حوله ولو خرج منه الحدث لشعر به، فإنه حينئذ لا ينتقض وضوءه، سواء كان قائماً أو قاعداً أو متكئاً أو مضطجعاً في الصلاة أو في خارجها.وهذا القول هو قريب جداً من قول الجمهور، وإن كان فيه بعض التفصيل، وهو رأي كثير من المحققين، ومال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية فيما إذا غلب على ظن النائم أنه لم يحدث، يعني: هذا الإنسان الذي حصل له النوم لو سألته: هل غلب على ظنك أنه حصل منك حدث أو لا؟ فإن قال: يغلب على ظني أنه لم يحصل حدث، فحينئذ اليقين الحاصل بكونه توضأ لا يزول بالشك أو الاحتمال المرجوح أنه يحتمل أنه حصل منه شيء أثناء النوم. هذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك كلام الحافظ ابن حجر في مواضع من الفتح مشعر بتقوية هذا القول، وإليه ذهب سماحة شيخنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز في تعليقاته على فتح الباري، فجعل القضية مقيدة بزوال الشعور، فمن زال شعوره في نومه واستغرق انتقض وضوءه على أي حال كان، ومن لم يزل شعوره فإنه لا ينتقض وضوءه، وبهذا تجتمع الأدلة السابقة جميعها. وهذا القول كما ذكرت يقرب أن يكون قريباً من قول الجمهور الذين يفرقون بين القليل والكثير؛ لأن القلة والكثرة -والله أعلم- ليس فقط في الوقت، فالإنسان قد يجلس أحياناً ساعة أو ساعتين ممكناً لمقعدته من الأرض ويصيبه النعاس فيستيقظ لأنه مطالب بألا ينام، كما هي حال بعض الحراس ورجال الشرط وغيرهم، وقد يجلس وقتاً طويلاً على هذا الأمر لم يضطجع بل هو قاعد يصيبه نعاس طويل، وهو يشعر بما حوله شعوراً ظاهراً، فليس المعتبر فقط هو الوقت، بل المعتبر مع الوقت استغراق النوم بحيث ينام نوماً طويلاً مستغرقاً.أما النعاس والوسن والإغفاء الخفيف فقد ينازع في تسميته نوماً بالإطلاق، فيكون هذا القول الذي رجحته إن لم يكن هو قول الجمهور فهو قريب جداً منه، بل إنني أرى أنه يدخل في قول الجمهور. هذه أهم الأقوال في مسألة النوم، وهل ينقض الوضوء أم لا ينقضه، وهذا هو الأقوى منها فيما يظهر والله تعالى أعلم بالصواب. إذا كان مستغرقاً في النوم على أي صفة كان، حتى ولو كان قاعداً انتقض وضوءه، ومن الأمثلة على ذلك: لو أن إنساناً أصيب بتعب شديد وجلس أياماً لا ينام، ثم قعد، قد ينام وهو قاعد ويستغرق في النوم وقد يبقى ليلة كاملة نائماً وهو قاعد، فهذا نومه ينقض الوضوء ولو كان قاعداً، وقل مثل ذلك فيما لو كان ساجداً مثلاً أو مضطجعاً من باب الأولى، فالقضية معلقة بالاستغراق، من زال شعوره أثناء النوم واستغرق فيه ولم يشعر بما حوله انتقض وضوءه على أي صفة كان، ومن لم يزل شعوره ولم يستغرق بل شعر بما حوله لم ينتقض وضوءه على أي صفة كان أيضاً.بعضهم يمشون وهم نائمون، لأن هناك فرقاً بين الثنتين، يمشون وهم نائمون هذا لا شك أنه نوم ناقض للوضوء؛ لأن بعض الناس ينام على جنبه، لكن أثناء النوم تعرض له أحوال تجعله يفزع من نومه فيقوم واقفاً ويمشي، وقد يخرج ويسير في الشوارع، وقد يطرق الأبواب وهو في كل ذلك نائم لا يشعر، فهذا لاشك في أن نومه ناقض للوضوء.
شرح حديث معاوية: (العين وكاء السه...)
الأحاديث الباقية في هذا الموضوع هي كما ذكرت لكم الحديث رقم ستة وثمانين، وهو حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العين وكاء السَّه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ) .
 تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه
والحديث رواه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه وزاد: ( فمن نام فليتوضأ ) هكذا ذكر المصنف.وقد رواه أيضاً الدارقطني في سننه، وفي الحديث علتان:الأولى: أن فيه الوليد بن مسلم، والوليد بن مسلم ثقة يدلس ويسوي، أو ثقة كثير التدليس والتسوية، وقد نظرت في إسناد الإمام أحمد ونظرت في إسناد الدارقطني فوجدت فيه الوليد بن مسلم، أما بعض المصنفين كـابن حجر في التلخيص وابن حزم في المحلى وتبعاً لـابن حجر الشوكاني في نيل الأوطار فقد أعلوا الحديث بـبقية بن الوليد، قالوا: في إسناده بقية بن الوليد، والحقيقة أنني لا أدرى في أي إسناد جاء بقية، هل هو في إسناد الطبراني مثلاً أو غيره؟ الله أعلم، لكن الذي وقفت عليه في بعض أسانيد الحديث هو الوليد بن مسلم، وهو كـبقية بن الوليد كثير التدليس والتسوية.العلة الثانية في الحديث: أن الوليد بن مسلم يروي الحديث عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، سرق بيته فاختلط، يعني: هو ضعيف مختلط، ولذلك ضعف أهل العلم حديث معاوية، فممن ضعفه أبو حاتم كما سيأتي والمصنف ابن حجر كما سيأتي أيضاً وغيرهم، بل أكثر أهل العلم على تضعيفه. هذا حديث معاوية.
شرح حديث علي: (العين وكاء السَّه ...)
أما حديث علي رضي الله عنه -وهو الحديث الثالث- فقد رواه أبو داود في سننه بلفظ: ( العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ )، ورواه ابن ماجه أيضاً في كتاب الطهارة من سننه، ورواه الدارقطني والإمام أحمد وغيرهم، وقد اختلف العلماء في تصحيحه أو تحسينه أو تضعيفه، فذهب أبو حاتم والمصنف إلى ضعفه؛ وذلك لأن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث علي ومعاوية، فحكم بضعفهما. والمصنف رحمه الله عقب سياقه للحديثين قال: وفي كلا الإسنادين ضعف، فحكم أيضاً بضعفهما، ولكن ذهب آخرون إلى أن حديث علي حديث حسن، وممن حسنه المنذري وابن الصلاح والنووي ومن المعاصرين الألباني، ولعل القول بتحسينه قوي؛ لأنه لا يظهر علة توجب ضعف هذا الحديث، فيكون حديث علي حسناً، وربما قال بعضهم: إن حديث معاوية السابق وإن كان ضعيفاً إلا أنه قد يرتقي إلى رتبة الحسن لغيره بحديث علي هذا، والحديثان دلالتهما واحدة على ما سبق، وفيه إيجاب الوضوء على النائم بقوله: ( فمن نام فليتوضأ ) وسبق القول في ذلك.
 تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه
والحديث رواه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه وزاد: ( فمن نام فليتوضأ ) هكذا ذكر المصنف.وقد رواه أيضاً الدارقطني في سننه، وفي الحديث علتان:الأولى: أن فيه الوليد بن مسلم، والوليد بن مسلم ثقة يدلس ويسوي، أو ثقة كثير التدليس والتسوية، وقد نظرت في إسناد الإمام أحمد ونظرت في إسناد الدارقطني فوجدت فيه الوليد بن مسلم، أما بعض المصنفين كـابن حجر في التلخيص وابن حزم في المحلى وتبعاً لـابن حجر الشوكاني في نيل الأوطار فقد أعلوا الحديث بـبقية بن الوليد، قالوا: في إسناده بقية بن الوليد، والحقيقة أنني لا أدرى في أي إسناد جاء بقية، هل هو في إسناد الطبراني مثلاً أو غيره؟ الله أعلم، لكن الذي وقفت عليه في بعض أسانيد الحديث هو الوليد بن مسلم، وهو كـبقية بن الوليد كثير التدليس والتسوية.العلة الثانية في الحديث: أن الوليد بن مسلم يروي الحديث عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، سرق بيته فاختلط، يعني: هو ضعيف مختلط، ولذلك ضعف أهل العلم حديث معاوية، فممن ضعفه أبو حاتم كما سيأتي والمصنف ابن حجر كما سيأتي أيضاً وغيرهم، بل أكثر أهل العلم على تضعيفه. هذا حديث معاوية.
شرح حديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)
الحديث الرابع والأخير من الأحاديث التي ساقها المصنف في النوم، وهل ينقض الوضوء، هو حديث ابن عباس رضي الله عنه مرفوعاً، وفيه: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ) . ‏
 تخريج الحديث ودرجته
وهذا الحديث قال المصنف: وفي إسناده ضعف أيضاً. والحقيقة أن أبا داود وإن كان ساق هذا الحديث بهذا اللفظ: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ) إلا أنه قال عقب روايته: هذا حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني، وقد ذكر أيضاً أبو داود أنه عرض هذا الحديث على الإمام أحمد فانتهره، قال: فانتهرني استعظاماً لهذا الحديث، يعني: إنكاراً له، وقال: ما لـيزيد يدخل على أصحاب قتادة؛ لأن أصحاب قتادة رووا الحديث ولم يذكروا فيه هذه الكلمة، لم يذكروا قوله: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، ذكروا فيه نوم النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قام فصلى ولم يتوضأ، أما زيادة: ( إنما الوضوء على من نام مضطجعاً )، فقد تفرد بها يزيد هذا، وهو ممن لا يحتمل تفرده، وإن كان بعضهم قوى أمره.المهم أن أبا داود عرض هذا الحديث على الإمام أحمد، قال: فانتهرني استعظاماً له وقال: ما لـيزيد يدخل على أصحاب قتادة، ولم يعبأ بهذا الحديث.وممن ضعف الحديث أيضاً البخاري كما نقله عنه الترمذي في علله المفردة، وممن ضعفه الترمذي نفسه أيضاً، بل ذكر البيهقي في سننه إجماع الحفاظ على تضعيفه وتعليله، وكذلك ضعفه إبراهيم الحربي في علله. والحديث -لو صح- دليل على التفريق بين نوم القاعد ونوم المضطجع، ولكنه لا يثبت ولا يصح، وبذلك لا تثبت دلالته على هذا.هذه الأحاديث الأربعة المتعلقة بموضوع النوم، وهل ينقض الوضوء؟ وأرجو أن يكون ظهر من خلال هذا السياق القول الراجح في هذه المسألة بأدلته، والله تعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - حديث 86،72-88 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net