اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - حديث 63-65 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - حديث 63-65 - (للشيخ : سلمان العودة)
المسح على الخفين من الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولم يخالف في مشروعيته إلا بعض أهل البدع من الرافضة والهادوية والخوارج، وهؤلاء لا يعتد بخلافهم أمام النصوص الشرعية المتواترة في مشروعية المسح على الخفين، وللمسح عليها شروط لا يصح إلا بها.
معنى المسح على الخفين ومشروعيته
قول المصنف رحمه الله: (باب المسح على الخفين). الخفان: تثنية خف، والخف: هو نعل يصنع من أدم، يعني: من جلد يستر القدم حتى الكعبين، وكان أكثر الخفاف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تصنع من الأدم من الجلود. وأما الجوربان: فهما تثنية جورب، وهو لفافة يستر بها القدم أيضاً، وهي كلمة فارسية معربة، وأصلها: كورب بالكاف، ثم عربت فقيل: جورب. والمسح على الخفين هو من الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ولذلك قبل أن أدخل في شرح حديث المغيرة، أو حديثي المغيرة رضي الله عنه، أشير إلى ثبوت المسح على الخفين وما ورد فيه؛ وذلك لأن من أهل البدع من خالف في هذا الحكم.فأقول: المسح على الخفين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
 

أدلة مشروعية المسح على الخفين

 ما نقل من إنكار بعض الصحابة للمسح على الخفين والإجابة على ذلك
أما الصحابة رضي الله عنهم فإن الذين نقل عنهم إنكار المسح على الخفين أربعة: عائشة رضي الله عنها، وعلي، وأبو هريرة، وابن عباس . قال ابن عبد البر في هذه النقول عن الصحابة فيما نقل عنهم من إنكار المسح على الخفين قال: لا يثبت. وقال النووي في المجموع أيضاً: إنه لا يصح عنهم. وقال عبد الله بن المبارك كما سلف: إن جميع من نقل عنهم إنكار المسح على الخفين نقل عنهم إثباته، ولهذا فإن ما نقل عن هؤلاء الصحابة من إنكار المسح على الخفين يجاب عنه بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن جميع ما نقل عنهم في ذلك ضعيف ولا يثبت، فمثلاً ما روي عن أبي هريرة يقول فيه الإمام أحمد : إنه باطل لا يصح، وما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو خبر منقطع. وما نقل عن عائشة ففيه راوٍ يقول عنه ابن حبان : كان يضع الحديث وهو محمد بن المهاجر .فالجواب الأول عما نقل عن الصحابة: هو أن يقال: إن ما نقل عن الصحابة لا يثبت عنهم، هذا هو الجواب الأول. الجواب الثاني: أن يقال: إنه إن صح عن أحد منهم فقد ثبت عنه أنه رجع عنه، كما ذكر ذلك البيهقي عن ابن عباس، وكما في صحيح مسلم عن علي وسيأتي، وكذلك عن عائشة رضي الله عنها.الجواب الثالث: أن يقال: هب أنه ثبت عن هؤلاء الصحابة روايتان: رواية بالقول بالمسح على الخفين، وأخرى في إنكاره، فأي الروايتين أجدر بالقبول ولو كانتا صحيحتين، أيهما أجدر وأحق بالقبول؟ الرواية بالمسح؟ لماذا؟ لأنها مثبتة، وأيضاً لأنها هي الموافقة لرأي ورواية بقية الصحابة، وعلى كل حال فقد ورد عن هؤلاء الصحابة الذين نقل عنهم إنكار المسح على الخفين القول بالمسح، فقد رواه أبو هريرة كما سبق، وروايته في مسند الإمام أحمد، ورواه علي بن أبي طالب كما في صحيح مسلم عن شريح بن هانئ أنه قال: ( أتيت عائشة رضي الله عنها فسألتها عن المسح على الخفين. فقالت لي: اذهب إلى ابن أبي طالب فاسأله؛ فإنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، فذهب شريح بن هانئ إلى علي رضي الله عنه فسأله. فقال علي : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوماً وليلة )، هذا في صحيح مسلم، وهو صريح في أن علياً رضي الله عنه كان يرى المسح على الخفين. وهو يدل ضمناً على أن عائشة قد ترى قريباً من ذلك؛ لأنه لو كان عند عائشة علم بإنكار المسح على الخفين لما وسعها إلا أن تبينه لهذا السائل، فلما أحالته إلى علي رضي الله عنه دل على أنه ليس عندها إنكار لأصل المسألة التي سألها عنها، وهي مسألة المسح على الخفين. وبهذا يعلم أنه وقع الإجماع -أو شبه الإجماع- من الصحابة رضي الله عنهم على جواز المسح على الخفين، وكذلك من فقهاء السلف، ولم يخالف في هذا من أهل السنة إلا أبو بكر بن داود الظاهري . فقد نقل عنه قول بمنع ذلك، والله أعلم بثبوته عنه، ولكن خالف في موضوع المسح على الخفين بعض أهل البدع كـالرافضة والهادوية والخوارج، ولا شك أنه لا عبرة بوفاق هؤلاء القوم أو خلافهم، خاصة ونحن أمام نصوص صحيحة ثابتة بل ومتواترة، وأمام إجماع الصحابة رضي الله عنهم على هذا الأمر.وبذلك يظهر جلياً ثبوت المسح على الخفين بالكتاب والسنة والإجماع.
شرح حديث المغيرة بن شعبة في مسح النبي صلى الله عليه وسلم على خفيه
أما الأحاديث المطلوبة في هذه الليلة، فالحديث الأول منها: هو حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما ). والحديث كما أشار المصنف متفق عليه.قوله: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم)، صرح الإمام البخاري في مواضع من صحيحه بأن ذلك كان في سفر في غزوة تبوك، وعند مسلم ومالك وأبي داود وغيرهم أن ذلك كان عند صلاة الفجر، والحديث في مسلم : ( أنه توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فرجع فوجد أن الصحابة يصلون الفجر، وقد صلى بهم عبد الرحمن بن عوف ركعة، فلما أحس عبد الرحمن بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم هم ليستأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقى حيث هو، فأكمل الصلاة وقام النبي صلى الله عليه وسلم والمغيرة فقضيا الركعة التي سبقتهما )، فهذا دليل على أنه كان عند صلاة الفجر.وأيضاً في البخاري أنه قال: ( فأتيته بماء فغسل كفيه ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه )، وذكر غسل اليدين عند أحمد وغيره: (ومسح برأسه )، قال المغيرة : ( وكان الرسول صلى الله عليه وسلم عليه جبة شامية، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج يديه من أكمامها ليغسلهما فضاق الكمان عنهما، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجبة على كتفيه -كما في رواية مسلم - وأخرج يديه من تحت الجبة وغسلهما. ثم أهوى المغيرة لينزع خفيه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح النبي عليه الصلاة والسلام عليهما ).
 فوائد حديث المغيرة في لبس الخفين على طهارة والمسح عليهما
في حديث المغيرة رضي الله عنه فوائد كثيرة جداً منها: مشروعية إسباغ الوضوء حتى في حال السفر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه ثلاثاً، ومسح برأسه وأذنيه، فهو يدل على مشروعية إسباغ الوضوء حتى في حال السفر.ومن فوائده: جواز المعاونة في الوضوء، لفعل المغيرة رضي الله عنه.ومن فوائده: جواز الأمر على من وثق به الإنسان ويطمئن إليه أن يأمره بخدمته بما يشاء، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر المغيرة أن يحمل إليه الماء. ومن فوائده: استحباب أن يكون الإنسان على طهارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بهذا الماء فقضى حاجته ثم توضأ. ومن فوائده: مشروعية الإبعاد حال قضاء الحاجة، يعني: الغائط؛ لأنه في صحيح البخاري أن المغيرة قال: ( ثم ذهب حتى توارى عني فقضى حاجته ).ومن فوائده: جواز لبس الثياب التي صنعها الكفار ما لم تعلم نجاستها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عليه جبة شامية رومية، ومعلوم أن أهل الشام كانوا نصارى، فما لم يعلم الإنسان نجاسة هذا الثوب يجوز له لبسه، وهذا إجماع فيما نقله بعض أهل العلم. ومن فوائد الحديث: مشروعية المسح على الخفين وجوازه. ومن فوائده: بيان فضيلة عبد الرحمن بن عوف حيث اقتدى به النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الصلاة.وهاهنا إشارة عابرة في هذه الفائدة، من المعروف كما في البخاري وغيره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن سالم فتأخر عن صلاة الظهر فصلى بهم أبو بكر . فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك حيث أنت، فرفع أبو بكر يديه إلى السماء وحمد الله، ثم رجع، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ). وفي هذا الموضع أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الرحمن بن عوف فبقي، فلماذا أبو بكر رجع وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم، وعبد الرحمن بن عوف بقي حيث هو وأكمل الصلاة بالناس؟ ما هو الفرق بين القصتين؟الفرق بين القصتين والله تعالى أعلم: أن قصة أبي بكر لم يكن أبو بكر صلى فيها شيئاً من الصلاة، يعني: كان في الركعة الأولى، ولذلك تقدم النبي عليه الصلاة والسلام وأكمل بهم الصلاة، ولم يكن فاته شيء منها.أما في قصة عبد الرحمن بن عوف فقد فاته ركعة، ومما لا شك فيه أن الإمام الراتب أو الرجل الفاضل إذا تقدم وقد سبق بركعة أو أكثر، حصل إشكال في الصلاة من حيث أن الإمام سوف يأتي بالصلاة من أولها، والمأمومون سوف يكملون؛ لأنهم قد صلوا ركعة أو أكثر، فيحصل اختلاف على الإمام، وقد يكون بعض المأمومين مسبوقاً أيضاً، أما إذا لم يكن فات الإمام شيء من الصلاة -كما في القصة الأولى- فلا إشكال حينئذٍ.
شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهر خفيه وباطنهما)
أما الحديث الثاني وهو حديث المغيرة الذي رواه الأربعة إلا النسائي أنه قال: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهر خفيه وباطنهما ).
 كلام أهل العلم في الحديث
فإن هذا الحديث قال المصنف في هذا الموضع: وفي إسناده ضعف. وسبب ضعف هذا الحديث هو: أولاً: أن في إسناده انقطاعاً بين ثور بن يزيد ورجاء بن حيوة، فقد رواه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة، والذي رجحه أهل العلم أن ثور لم يسمعه من رجاء، وإنما حدث عن رجاء، ولم يثبت أنه سمعه منه، فهو منقطع. الوجه الثاني في تضعيف الحديث أو العلة الثانية: هي أن الظاهر أن الحديث مرسل، وأن ذكر المغيرة بن شعبة فيه غلط، فهو حديث مرسل منقطع، ولذلك ذكر بعض أهل العلم أنه ضعيف أو معلول، فقد ضعفه الإمام أحمد، وقال أبو حاتم وأبو زرعة : ليس بمحفوظ.وقال الإمام البخاري : ليس بصحيح.وقال الترمذي : هذا حديث معلول.إذاً: أعل الحديث وضعفه الإمام أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والبخاري، والترمذي، وغيرهم من الأئمة المتأخرين كـابن حجر وسواه. هذا من حيث الإسناد.أما من حيث المتن فإن المغيرة أخبر في هذا الحديث لو صح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله )، فعمم الخف بالمسح، والثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه اقتصر على مسح أعلى الخف كما في حديث علي الآخر وهو الحديث الثالث: ( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه )، وإسناده حسن كما قال المصنف هنا، وقال في التلخيص: إسناده صحيح.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - حديث 63-65 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net