اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 49-53 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 49-53 - (للشيخ : سلمان العودة)
من خصائص أمة محمد صلى الله عليه وسلم الغرة والتحجيل، وقد جاءت الآثار أن هذه الأمة يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، ومن مستحباب الوضوء وسننه التيمن بالطهور كما كان في هدي رسول الله ووضوئه في جميع أعضاء الوضوء، كما جاءت الآثار الصحاح في المسح على العمامة وبينت السنة النبوية شروطها وأحكامها.
شرح حديث: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء ...)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أيها الإخوة! بقي عندنا من أحاديث الجلسة الماضية ثلاثة أحاديث تقريباً نبدأ بها الآن.فالحديث الأول منها: هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ).
 الجمع بين حديث أبي هريرة في الغرة والتحجيل وبين قول النبي: (فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم)
كيف نجمع بين حديث مشروعية إطالة الغرة والتحجيل وبين: ( فمن زاد فقد أساء وظلم )، كما سبق؟أولاً: تبين من خلال البحث أنه لا يشرع إطالة الغرة والتحجيل، وإنما ما ورد هو من فعل ابن عمر وأبي هريرة فهو اجتهاد خاص بهم، وإنما المشروع غسل اليدين مع المرفقين، وغسل القدمين مع الكعبين، ويحتاج المتوضئ إلى غسل شيء يسير من الساق أو العضد للاطمئنان على استيعاب المحل المغسول، أما إطالة الغرة إلى نصف العضد، أو إلى الكتف، أو إلى نصف الساق، أو إلى الركبة، فهذا -والله أعلم- الراجح عدم مشروعيته.ثم إن حديث: (فمن زاد)، على رأي الشراح الذين وقفت على كلامهم هو في عدد الغسلات، ولذلك فإن الرواية الصحيحة: ( فمن زاد فقد أساء وظلم )، أما رواية: ( من نقص )، فقد حكم العلماء بشذوذها، حتى قال مسلم: إن الحفاظ على خلافها، بدليل أن النقص هاهنا فهموا منه النقص في العدد، وليس النقص في المحل المغسول، وإلا فإن النقص في المحل المغسول أيضاً ظلم ولا يجوز، بل لابد من استيعاب المحل المغسول.
شرح حديث: (كان رسول الله يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره ...)
ننتقل بعد ذلك إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله )، والحديث متفق عليه.
 مشروعية التيمن في سائر أعضاء الوضوء
هل التيمن مشروع في جميع أعضاء الوضوء أم في بعضها؟التيمن، يعني: البداءة باليمين في أعضاء الوضوء هو مشروع في اليدين وفي الرجلين.أما غسل الوجه ومسح الرأس ومسح الأذنين، فإن المشروع أن يبدأ بهما الإنسان معاً، فإن هذا هو المعروف من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يغسل وجهه بيديه، وكذلك يمسح رأسه، وكذلك الحال في أذنيه، وقد سبق ذكر صفة مسح الرأس، ومسح الأذنين، وأنه يبدأ بهما، ولم يرد أنه يبدأ باليمين ثم ينتهي منها ثم يبدأ بالشمال؛ وذلك لأنه يغسلهما معاً، يغسل اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، وكذلك صفحة الوجه اليمنى تغسل باليمنى واليسرى تغسل باليسرى، وهذا هو المشروع، إلا لو أخذ الإنسان غرفة من الماء ليغسل بها وجهه، فإن المشروع أن يأخذها بيده اليمنى، وهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يضيف إليها اليسرى ثم يغسل بها وجهه، وكذلك لو كان الإنسان لا يستطيع أن يغسل بكلتا يديه، يعني: لو افترض أن إنساناً في يده اليسرى مانع يمنعه من استعمالها في الوضوء، فصار يريد أن يستعمل اليمنى في غسل الوجه، هنا نقول: المشروع أن يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر، وكذلك الرأس، وكذلك الأذنان يبدأ باليمنى ثم باليسرى.
شرح حديث: (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)
أما الحديث الذي يليه فهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم ).
 البداءة بالميامن في الوضوء
الحديث يدل على ما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها؛ من مشروعية التيمن في الأشياء الفاضلة، مشروعية البداءة باليمين في الوضوء وفي اللبس.. لبس الثوب، ولبس النعل وغيرها.بقي سؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)، ابدءوا: فعل أمر وهو يدل على الوجوب، فهل نقول: بأن البداءة باليد اليمنى قبل اليسرى، والرجل اليمنى قبل اليسرى في الوضوء واجب بناءً على أن هذا الأمر للوجوب، أم يوجد صارف يصرفه عن ذلك؟قول عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي قبله: (كان يعجبه)، قد يستفاد منه عدم الوجوب، يعني: كأنه يستحب ذلك أو يستحسنه، وهذا قد يصلح، أقول: قد يصلح أن يكون صارفاً لهذا الأمر عن الوجوب، لكن هناك أشياء أخرى أيضاً تصرفه عن الوجوب.ورد: (أن علياً رضي الله عنه توضأ فبدأ بالشمال قبل اليمين)، وهذا صح عن علي من طرق كثيرة أنه: (توضأ فبدأ بالشمال قبل اليمين وقال: ما أبالي بأي أعضائي بدأت)، وهذا سبق في مبحث الترتيب، سبق ذكر الحديث ومن رواه، وورد نحو ذلك عن ابن مسعود .فهذا يدل على أن هذا الأمر ليس للوجوب بل للاستحباب.ومن القرائن أيضاً: قرينة ثالثة تصرف الأمر عن الوجوب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأتم وإذا لبستم فابدءوا بيمينكم )، فهل قال أحد بأنه أيضاً في اللبس يجب البداءة باليمين؟ كلا. فدل على أن الوضوء مثله أيضاً؛ لأنهما معاً سيقا مساقاً واحداً، والأمر يشملهما معاً، فقرن الوضوء مع اللبس دليل على أن الأمر للاستحباب.والقرينة الرابعة الصارفة عن الوجوب: هي ما نقله النووي من اتفاق العلماء على عدم الوجوب، ومثله قال ابن قدامة : لا نعلم أحداً قال بوجوبه، ونقل ابن المنذر الإجماع؛ على أن من توضأ فبدأ بالشمال قبل اليمين ليس عليه أن يعيد الوضوء، ذكر ذلك في الأوسط وغيره، أن من توضأ فبدأ بالشمال قبل اليمين ليس عليه أن يعيد الوضوء.فهذه الأشياء تدل على أن قوله: ( إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم )، هو للاستحباب وليس للوجوب، وكذلك الشأن في اللبس.هذان الحديثان ينبغي أن لا نغادرهما قبل تنبيه يسير: أن المسلم ينبغي أن تكون أفعاله مقصودة، يعني: كثير منا يلبس نعله وثوبه ويدخل ويخرج ويفعل أشياء كثيرة من أمور الحياة دون قصد ولا انتباه، ولو سألته: هل هو يقدم اليمين أو الشمال؟ ما يتذكر شيئاً، وهذا من الغفلة عن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، ونحن أولى من غيرنا بالحرص على معرفة السنة وتطبيقها والدعوة إليها، ولذلك فإن الذي يجدر بكل طالب علم أن يحرص على أن تكون أفعاله مقصودة بنية، وأن يتحرى فيها هدي النبي صلى الله عليه وسلم، في الدخول والخروج.. دخول الخلاء والخروج منه، دخول المسجد، في اللبس، في لبس النعل، في الترجل، في حلق الرأس، وفي كل أمر يكون فيه مجال لتقديم اليمين، أو لمعالجته باليمين إن كان من الأمور الفاضلة، وضد ذلك فيما كان من الأمور المكروهة المستقبحة، فلا ينبغي أن يغفل الإنسان عن هذه الأشياء.
شرح حديث: (أن النبي توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين)
فعندنا حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين )، أخرجه مسلم.
 شروط المسح على العمامة
لكن بعض الفقهاء اشترطوا شروطاً:منها: أن يشق نزع العمامة، وذلك كما إذا كانت محنكة، والعمامة المحنكة: هي التي يمر كور منها من تحت الحنك إلى الجهة الأخرى فتكون مربوطة، ومثله إذا كانت مربوطة بكلاب أو غيره من الأشياء التي يشق نزعها، فلا يلزم نزعها حينئذٍ.وبعضهم قال: إن لم تكن محنكة فليكن فيها ذؤابة، والذؤابة: هي ما يكون في خلف العمامة، ينزل أربع أصابع أو أكثر من ذلك، وقد: ( أرخى النبي صلى الله عليه وسلم ذؤابة وراء عمامته )، قالوا: لأن العمامة الصماء - الصماء: هي العمامة التي ليست محنكة ولا فيها ذؤابة - ليست من شأن المسلمين، بل العادة أنه يلبسها أهل الكتاب وغيرهم ففيها تشبه.ولذلك قال بعض الفقهاء: ينبغي أن تكون العمامة مما يشق نزعه، وخالف في ذلك آخرون، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية : يجوز المسح على العمامة الصماء، وما ورد عن الإمام أحمد أنه كرهه فإن هذه كراهة لا ترتقي إلى التحريم.وقد نقل القول بجواز المسح على العمامة عن أبي موسى الأشعري وعمر وغيرهم من الصحابة.ولابد أن تكون العمامة تغطي معظم المحل أو تغطي المحل الذي جرت العادة بتغطيته، ويعفى عن اليسير من الشعر الذي يظهر عادة من مقدم شعر الرأس أو الأذنين أو ما شابه ذلك.بعضهم بل القليل منهم كـأبي ثور اشترطوا أن يلبسها على طهارة، وجعلوا لها توقيتاً كالخف تنتهي بانتهائه، خلافاً لأكثر من أجازوا المسح على العمامة، فإنهم لم يشترطوا لبسها على طهارة، ولم يحددوا لها وقتاً تنتهي فيه.هذا فيما يتعلق بالعمامة، وهل يقاس على العمامة خمار المرأة؟ المرأة قد تخمر رأسها بغطاء أو خمار فهل يجوز لها أن تمسح عليها؟يقال في ذلك ما يقال في العمامة: أنه إذا شق عليها نزع واحتاجت إلى ذلك -كما إذا كان هناك برد شديد- فإنه يجوز لها أن تمسح عليه وهذا هو المذهب، وقد (صح عن أم سلمة -نقله ابن المنذر - أنها مسحت على الخمار)، وكذلك نقله عن الحسن البصري، وهو مذهب بعض السلف أنها تمسح على الخمار إن كانت تحتاج إلى ذلك كما إذا كانت في شدة برد ونحوه، ويشق عليها نزعة، وهذه رخصة تشبه الرخصة في المسح على العمامة؛ لأن المقصود ظاهر في الرخصة والتيسير على الأئمة بذلك.
شرح حديث: (ابدءوا بما بدأ الله به)
الحديث الأخير هو حديث جابر : ( ابدءوا بما بدأ الله به )، هكذا بلفظ الأمر.ورواه مسلم بلفظ الخبر: (نبدأ بما بدأ الله به).والحديث ساقه المصنف للدلالة على مشروعية الترتيب في الوضوء على حسب ما ورد في الآية، بدءاً بغسل الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم القدمين. ويشكل على هذا الاستدلال أن الرواية الثابتة هي بلفظ الخبر (أبدأ)، والخبر قد لا يكون فيه دلالة قوية على الوجوب فيما يتعلق بالوضوء.أما فيما يتعلق بالحج، يعني البداءة بـالصفا فالدلالة في الحالين واحدة، يعني: أبدأ أو ابدءوا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، إن كان قال: (ابدءوا)، فهو أمر يدل على الوجوب، وإن كان قال: (أبدأ) يعني : أنا ( بما بدأ الله به)، فهو فعل منه صلى الله عيه وسلم لبيان المناسك.وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر عند مسلم : ( خذوا عني مناسككم )، فهو يدل بكل حال -كما ذكر ابن دقيق العيد في الإمام وغيره- على وجوب البداءة بـالصفا قبل المروة .وقد يستدل به على وجوب البداءة بالوجه قبل اليدين، وباليدين قبل الرأس، وبالرأس قبل القدمين، وقد سبق تقرير هذه المسألة في مبحث الترتيب في الوضوء.
 شروط المسح على العمامة
لكن بعض الفقهاء اشترطوا شروطاً:منها: أن يشق نزع العمامة، وذلك كما إذا كانت محنكة، والعمامة المحنكة: هي التي يمر كور منها من تحت الحنك إلى الجهة الأخرى فتكون مربوطة، ومثله إذا كانت مربوطة بكلاب أو غيره من الأشياء التي يشق نزعها، فلا يلزم نزعها حينئذٍ.وبعضهم قال: إن لم تكن محنكة فليكن فيها ذؤابة، والذؤابة: هي ما يكون في خلف العمامة، ينزل أربع أصابع أو أكثر من ذلك، وقد: ( أرخى النبي صلى الله عليه وسلم ذؤابة وراء عمامته )، قالوا: لأن العمامة الصماء - الصماء: هي العمامة التي ليست محنكة ولا فيها ذؤابة - ليست من شأن المسلمين، بل العادة أنه يلبسها أهل الكتاب وغيرهم ففيها تشبه.ولذلك قال بعض الفقهاء: ينبغي أن تكون العمامة مما يشق نزعه، وخالف في ذلك آخرون، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات الفقهية : يجوز المسح على العمامة الصماء، وما ورد عن الإمام أحمد أنه كرهه فإن هذه كراهة لا ترتقي إلى التحريم.وقد نقل القول بجواز المسح على العمامة عن أبي موسى الأشعري وعمر وغيرهم من الصحابة.ولابد أن تكون العمامة تغطي معظم المحل أو تغطي المحل الذي جرت العادة بتغطيته، ويعفى عن اليسير من الشعر الذي يظهر عادة من مقدم شعر الرأس أو الأذنين أو ما شابه ذلك.بعضهم بل القليل منهم كـأبي ثور اشترطوا أن يلبسها على طهارة، وجعلوا لها توقيتاً كالخف تنتهي بانتهائه، خلافاً لأكثر من أجازوا المسح على العمامة، فإنهم لم يشترطوا لبسها على طهارة، ولم يحددوا لها وقتاً تنتهي فيه.هذا فيما يتعلق بالعمامة، وهل يقاس على العمامة خمار المرأة؟ المرأة قد تخمر رأسها بغطاء أو خمار فهل يجوز لها أن تمسح عليها؟يقال في ذلك ما يقال في العمامة: أنه إذا شق عليها نزع واحتاجت إلى ذلك -كما إذا كان هناك برد شديد- فإنه يجوز لها أن تمسح عليه وهذا هو المذهب، وقد (صح عن أم سلمة -نقله ابن المنذر - أنها مسحت على الخمار)، وكذلك نقله عن الحسن البصري، وهو مذهب بعض السلف أنها تمسح على الخمار إن كانت تحتاج إلى ذلك كما إذا كانت في شدة برد ونحوه، ويشق عليها نزعة، وهذه رخصة تشبه الرخصة في المسح على العمامة؛ لأن المقصود ظاهر في الرخصة والتيسير على الأئمة بذلك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب الوضوء - حديث 49-53 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net