اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإخلاص والمتابعة للشيخ : عبد الرحمن السديس


الإخلاص والمتابعة - (للشيخ : عبد الرحمن السديس)
العبادة هي الحكمة من خلقنا وخلق الجن، والعبادة لها شرطان: الأول: الإخلاص لله تبارك وتعالى الذي هو أساس قبول الأعمال؛ فإن المخلص هو الذي تقبل أعماله، أما المشرك الذي يعمل لغير الله فهذا عمله مردود عليه؛ لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك.والشرط الثاني: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أعماله عدا الخاصة به، فإذا لم يوجد هذان الشرطان لم يقبل الله العمل.
الحكمة من خلق الجن والإنس
إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه، وأستغفره وأتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بعبادته، وألزمنا بإخلاص العمل له، والوقوف عند سنة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين، ورسول رب العالمين أرسله الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً؛ فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعــد :أيها الإخوة في الله: إنه لمن نعم الله عز وجل علينا أن تتاح في هذه الليلة المباركة، وفي هذا المكان المبارك، في بيتٍ من بيوت الله جل وعلا أن نلتقي في هذه الأمسية على ذكر الله جل وعلا، وعلى التذكير بموضوعين مهمين خطيرين لهما مكانتهما المرموقة، ولهما شأنهما في هذا الدين، إنه اجتماعٌ طيبٌ مبارك في هذا البيت المبارك لتحقيق التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، نسأل الله جل وعلا أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، كما نسأله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وحزبه المفلحين إنه جوادٌ كريم .أيها الإخوة في الله: لا ريب أن الله سبحانه وتعالى إنما خلقنا في هذه الحياة للقيام بعبادته جل وعلا، يقول الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] ويقول جل من قائل: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] ويقول سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] ويقول جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] ويقول سبحانه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92] ويقول جل وعلا: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:1-2].فالآيات في هذا المعنى كثيرة جداً، التي تبين حكمة خلق الله جل وعلا لخلقه: جنهم وإنسهم، فعلى العباد أن يقوموا بهذه المهمة في هذه الحياة؛ لأن الله جل وعلا خلقنا في هذه الحياة للقيام بهذه الرسالة العظيمة، هو الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7]. فالعبرة في هذه الحياة بحسن العمل، لا بكثرته ووفرته، العبرة بحسن العمل وكونه خالصاً لله جل وعلا، لا تشوبه شائبة من شوائب الشرك بالله جل وعلا، وكذلك العبرة بحسن العمل من جهة متابعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالإنسان في هذه الحياة عليه أن يعبد الله جل وعلا على نهج الكتاب والسنة، فلا بد في هذا العمل الذي يعمله كل عبد من شرطين أساسيين، وركنين مهمين هما موضوع هذه الكلمة في هذه الليلة. أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما نسمع، وأن يكون كلامنا حجة لنا لا علينا، وأن يكون منطلقاً للعلم النافع والعمل الصالح.
 

الإخلاص لله عز وجل
أيها الإخوة الكرام: إن الإخلاص لله جل وعلا أمره مهمٌ في هذا الدين؛ فلا يُقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لله جل وعلا.فما هو الإخلاص؟ وما صوره؟ وما سبله؟ وما الآيات الدالة عليه؟ وما الأحاديث الشريفة عن رسول الهدى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي تبين عظم مكانته وسمو مكانة أهله؟ وما هي ثمرات الإخلاص في الدنيا والآخرة؟ وما أقوال سلف هذه الأمة عن هذا الموضوع المهم؟ وما هي العواقب الوخيمة والسلبيات الكثيرة التي يجرها التساهل في هذا الأمر على الأفراد والأمم والمجتمعات؟
 العواقب الوخيمة للتساهل في الإخلاص
الأمر خطير -يا إخوتي في الله- كم منا من يعمل الأعمال الصالحة ولكن شوائب المراءاة، وطلب حب الظهور والشهرة، وكلام الناس وأقوالهم؛ تؤثر عليه بل قد يقرأ القرآن؛ ليري الناس حسن صوته، ويفتي ويعلم؛ ليقال فيه: عالم، وليقال فيه: ما شاء الله اطلاعه واسع، ومعرفته بالعلم عميقة، ومعرفته بحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جيدة، وما إلى ذلك من الأمور، أو يتعلم العلم لأجل الدنيا، يتعلمه ليكون طريقاً إلى المال والمنصب والجاه والشهرة، يتعلمه لينال به شهادة عالية، ليقال: هذا فلان بن فلان يحمل شهادة كذا، ويعمل كذا وفي منصب كذا ويتقاضى مرتب كذا! وما إلى ذلك من الأمور، فهذا على خطر إن لم يخلص أعماله لله.فعلينا أن نتقي الله عز وجل، وعلينا أن نخلص أعمالنا لوجه الله عز وجل، ما أكثر الذين يصلون؛ فإذا رآهم الناس حسنوا صلاتهم، يطمئنوا في ركوعهم وسجودهم، وكأنهم خاشعون لله بينما هم لأجل نظر فلان وبصر فلان. ما أكثر الذين يتعلمون العلم ويطلبونه للدنيا والشهادة، والوصول إلى المنصب والجاه والشهرة، وليس معنى ذلك -يا إخوتي في الله- أن الإنسان لا يتعلم العلم ولا يحسن صلاته ولا يقوم بالعبادة الشرعية على وجهها المطلوب، ولكن عليه أن يكون كذلك دائماً وأبداً، وأن يخلص لله، فلا يغير من سلوكه إذا رآه الناس، ولا يحسن من صلاته إذا جالت أنظار الناس حوله، فلا مانع أن يأخذ الإنسان الشهادات العليا، ولا مانع أن يتعلم الإنسان ليصل إلى الوظيفة؛ ليستغلها في نفع نفسه ورعاية أسرته والتأثير في مجتمعه، ولكن حذاري أن يتسلل الشيطان إلى عملك الصالح فيفسده بمراءاة الناس وطلب سماعهم وثنائهم.ما أكثر الذين يقومون بالمشروعات الخيرية، من بناء المساجد وتأمين السبل، والجهاد والنفقة في سبيل الله عز وجل، ولكن يطلب ثناء الناس، لتكتب أسماؤهم ولترى أفعالهم، ولتخرج أسماؤهم في الصحف والمجلات، ولتتردد أفعالهم في مجالس الناس، فإذا قصد المسلم بعمله ذلك، فهي خسارة له، وعمله لا خير فيه، بينما إذا عمل الإنسان هذه الأعمال الطيبة، وأنفق في سبيل الله، وقدم لنفسه خيراً من المشروعات الخيرية، ولكنه قصد ما عند الله، والناس يقولون ما يشاءون، ويفعلون ما يشاءون، فإذا أثنى الناس عليه مع إخلاصه لله، فتلك عاجل بشرى المؤمن، كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن حذاري أن تعمل العمل لأجل الناس، أو تطلب ثناء الناس، بحيث إن لم يثنوا عليك ولم يمدحوك أعرضت عن طرق الخير؛ فهذا قدحٌ في الإخلاص عافانا الله وإياكم!فالإخلاص يكون في العقيدة: بإخلاص العبادة لله عز وجل دون شائبة من شوائب الشرك، وصرف العمل لغير لله عز وجل.وكذلك يكون في العبادات: في تحسين الصلاة، باتباع السنة فيها وتحسينها لكن ذلك لأجل أنظار الناس، ويكون كذلك في مظهر الإنسان وشكله، فيتزين ويتجمل ويتنظف لا لأن الدين أمره بذلك؛ ولكن ليلبس لباس الشهرة وليخرج للناس ليتحدث الناس في هندامه ومظهره، كذلك الإخلاص في العبادات المالية، فإن الشيطان كثيراً ما يدخل على الناس فيها، فالذين ينفقون في سبيل الله لكنهم ينفقون ليقول الناس: أنفق فلانٌ مليوناً، أو أنفق فلان أكثر من فلان، ثم يأتي المنفق الأول فيزيد ليقول الناس: زاد، كل ذلك وأصحابه على خطرٍ عظيم.فعلينا أن نحذر -يا إخوتي في الله- مغبة الرياء والعمل لقصد ثناء الناس ومحمدتهم، وليلح المسلم على ربه دائماً وأبداً، أن يرزقه الإخلاص، فحريٌ بمن رزق الإخلاص أن يُوفق لخيري الدنيا والآخرة، وحريٌ بمن فقد الإخلاص أن يصاب بخسارة الدارين، عافانا الله وإياكم والمسلمين من ذلك!
متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم
أما الجانب الآخر المتعلق بهذا الموضوع المهم، فهو جانب المتابعة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد سمعتم في الآيات الكريمة التي تليت آنفاً اشتراط هذا الشرط العظيم، الذي هو المتابعة للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالعبرة بحسن العمل وإخلاصه وصوابه، لا بكثرته على الجهل والضلال، ماذا يقول الله عز وجل فيمن هذه حاله؟ يقول سبحانه وتعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:1-3] لكن ما هي النتيجة؟ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية:4] نعوذ بالله! عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية:3] تجتهد في العمل، وتتعب وتنصب؛ لكن على غير هدى، على ضلالٍ مبين، على بدعٍ ومخالفاتٍ لهذا الدين، على بعدٍ عن سنة سيد الأولين والآخرين، نبينا وقدوتنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 عاقبة ترك متابعة الرسول
فالمتابعة في العقيدة، والمتابعة في العبادة وفي الأخلاق والآداب والمنهج والسلوك، يجب أن تتحقق واقعاً عملياً في سلوك ومنهاج كل مسلم منا.وإذا حصل للأمة التقصير في هذين الأمرين، فهذا والله أمارة الخسارة والدمار، وفساد العاجل، والتعرض لسخط الله عز وجل عاجلاً وآجلاً، فماذا يكون حال الأمة، وحال الأفراد والمجتمعات إذا غاب الإخلاص لله عز وجل؟! يعيش الناس على النفاق والمجاملات ، وعلى المداهنات والمراءاة، وعلى تتبع رضى الناس ومحمدتهم، وفي الحديث: {من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله رضي الله عليه وأرضى عنه الناس }. فالإنسان بإخلاصه لله عز وجل ومتابعته لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكون صلاح أمره. وماذا تكون حال الأمة إذا عطلت سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنخرت فيها البدع والضلالات والمحدثات والانحرافات العقدية، والمخالفة لمنهج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيزيد في هذا الدين ما ليس منه؟ وهذه خيانة للأمانة، ونسبة التقصير إلى المبلغ عن الله شرعه، نبينا محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يقول الإمام مالك رحمه الله: [[ من أحدث في هذا الدين حدثاً يرى أنه حسناً فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] ]].فالرسول عليه الصلاة والسلام؛ ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه، يقول أبو ذر رضي الله عنه: [[ما مات رسول الله عليه الصلاة والسلام وطائرٌ يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ]] وفي الحديث الآخر: { علمنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل شيء حتى الخراءة } حتى ما يحتاجه الإنسان في شأن طهارته وآداب الخلاء، كل ذلك جاء به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكيف يزعم المحدثون في دين الله أن محمداً عليه الصلاة والسلام لم يبلغ عن الله شرعه؟! أو أن هناك بدعة حسنة وما إلى ذلك من الأقاويل الأفاكة، التي لا مستند لها من كتاب الله ولا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا عمل القرون الثلاثة الخيرة، التي شهد لها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح حديث عبادة : {خيركم قرني ثم الذي يلونهم ثم الذين يلونهم }.فهذه القرون الخيرة التي سارت على نهج الكتاب والسنة، ولم تغير ولم تبدل، حتى زين الشيطان للأمة من بعدهم، واجتهد أعداء الإسلام في بث سمومهم على المسلمين، وأصبح كلٌ ينتحل منهجاً، وكل يدعو إلى فرقة، وكل يدعو إلى بدعة، وكل يدعو إلى منهج، والمنهج واحدٌ، هو منهج كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما سار عليه سلف هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم ورحمهم.فلا يقول قائلٌ: إن هذه الأمور قد لا تكون موجودة في البيئة التي أعيش فيها، فإن المسلم مطالبٌ أن يعي واقعه الذي يعيشه، ويعلم كل ما يناقض من هذين الأمرين العظيمين: الإخلاص والمتابعة لرسوله عليه الصلاة والسلام، فينبغي أن يكون على حذرٍ وفطنة.نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المخلصين المتابعين للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن رغب عن ذلك أكثر الناس. نسأل الله تعالى الثبات على هذا الدين، وأن يجعلنا وإياكم من المخلصين، المتبعين للسنة، إنه جواد كريم، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأسئلة
.
 أنواع الجهاد وأحكامه
السؤال: هذان سؤالان في موضوع واحد، الأول منهما: هل الجهاد في أفغانستان بالنفس واجب علينا؟الثاني: هل يصح أن يقوم المسلم بالصدقات على الفقراء ومساعدة إخوانه المجاهدين في أفغانستان بمالٍ قد استلفه من شخصٍ آخر، لأن ماله قد نفد ولأنه يقوم بصرفه على أهله وعلى الفقراء والمجاهدين، لذلك يقوم بالاستلاف، وحيث أنه يطمع بالخير، بأن يساعد إخوانه المجاهدين لحاجتهم الماسة للمال، وهو يستطيع أن يسدد هذا المال من راتبه أو من رزق الله، هل تقبل صدقاته ومساعداته؟الجواب: أما الجهاد فلا ريب أنه ذروة سنام الإسلام وعلى المسلمين جميعاً أن يبذلوا في باب الجهاد في سبيل الله ؛ ولكن ولله الحمد والمنة الجهاد بابه واسع، ونطاقه شاسع، الجهاد يشمل الجهاد بالنفس وبالمال وبالقول وباللسان وباليد وبالبيان وبالكلمة الطيبة، وبالخطبة المؤثرة، وبتعليم العلم، وبالدعوة إلى الله، وبتربية الأبناء، كل ذلك لون من ألوان الجهاد، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله: إن الجهاد من حيث هو فرض عينٍ على كل مسلم. أي: ينبغي أن يقدم كل مسلم لنفسه نوعاً من أنواع الجهاد، أن يجاهد نفسه أو يجاهد بالمال، أو باليد أو باللسان أو بالنفس، على حسب استطاعته، ونحن ولله الحمد والمنة تتاح لنا كل فرص الجهاد، لكن أين الذين يجاهدون اليوم بأموالهم؟! أين الذين يتبرعون لإخوانهم المجاهدين في أفغانستان وفي غيرها من بلاد المسلمين؟! هم ولله الحمد موجودون ولكنهم قلة. وهذا لا ينافي الإقبال ولله الحمد والمنة، أين الذي يجاهدون الآن بالدعوة إلى الله عز وجل؟! لا يخافون في الله لومة لائم، يبينون العقيدة، ويبينون العبادة والأخلاق ، ويدعون الناس إلى هذا الدين ويحذرونهم من المنكرات والمعاصي، لا يكلّون ولا يملون ولا يسأمون، بل مخلصون محتسبون صابرون، أين هم؟ أين الذين يتعلمون العلم لله؟ وهو جهاد في سبيل الله، ويبذلونه للمسلمين، أين الذين يقومون بتربية أبنائهم، وهذا لونٌ من ألوان الجهاد في سبيل الله، فإذاً علينا أن يقدم كل واحدٍ منا ما يستطيعه من ألوان الجهاد، أما الجهاد بالنفس في أفغانستان فالعلماء رحمهم الله إنما يذكرون أن الجهاد في سبيل الله إنما يكون فرض عينٍ في حالات منها: إذا استنفر إمام المسلمين المسلمين للجهاد في سبيل الله، فهنا يجب على المسلمين جميعاً أن يذهبوا إلى ساحة الجهاد والقتال. الحال الثاني: إذا داهم العدو أرضاً من أراضي المسلمين فيجب على أصحاب هذه الأرض والبقعة أن يجاهدوا بأنفسهم، فالجهاد في سبيل الله في أفغانستان اليوم بالنفس سبقني إليه علماؤنا الأفاضل حفظهم الله ووفقنا وإياهم إلى أنه ليس فرض عين، وإنما هو فرض كفاية، ولكن الجهاد بالمال والجهاد بالدعوات الصادقة تكاد تكون فرض عين، بل هي فرض عين، وكل واحدٍ منا يقدم للجهاد في أفغانستان وفي غيره ما استطاع، لا سيما في هذا الزمن في هذه الأيام، بل في هذه الساعات، وهذه اللحظات، وصلتني تقارير وأخبار عن الوضع هناك، الوضع مأساوي جداً أعداء الإسلام من الملاحدة الشيوعيين الذين يريدون أن يستأصلوا عقيدة إخواننا، قد حشدوا جنودهم وبذلوا كافة إمكاناتهم للوقيعة بإخواننا، لا سيما وهذه الأيام تمر عليهم مناسبة مرور ثمانية أعوام، ودخول العام التاسع مما يجعل الأعداء يعدون لهذا اليوم عدته، ولكن ولله الحمد والمنة إخوانكم هناك صامدون صابرون محتسبون، لكن أين أنتم؟!وهم كما أخذت منهم، ليسوا بحاجة إلى الجهاد بالنفس، هم بحاجة إلى دعواتكم الصادقة، ووالله إن لها أكبر الأثر في نصرتهم وتقدمهم، أن يشعر الإنسان بشعور إخوانه المسلمين في هذه الأيام، لا سيما وفصل الشتاء عندهم هذه اللحظات، خمسة عشرة درجة تحت الصفر، ويحتاجون إلى البطانيات ليلتحفوا، وكم أناسٍ أصبحوا قوالب ثلجية، وأخبرت بأخبارٍ من ثقات، أن بيوتاً بأكملها تموت أسرها متجمدة ليس عندها ما يسد عورتها أو ما يساهم في رد شدة البرد عنها.أين الجهاد بالأموال؟! هم يريدون الآن ولو بطانيات، لكن ماذا قدم المسلمون؟ وبهذه المناسبة أدعو الجميع إلى مساعدة إخوانهم فإنهم بحاجة والله اليوم إلى أقل القليل، فلا يحقر كل واحد منكم ما يقدم ومن كان عنده رغبة في شراء بطانيات لإخوانه المسلمين فليجمعها في هذا المسجد، وليتصل الإخوة المسئولون في هذا المسجد بمكتب رابطة العالم الإسلامي في هذه المدينة والرقم موجود ليأخذوها وليحملوها ليسارعوا لإعطائها إخواننا هناك، خمسة عشر درجة تحت الصفر، نحن اليوم درجة الحرارة عشرين ومع هذا تجد كل واحد منا يلبس ما شاء الله من الثياب، فكيف بحال إخوانكم الذين هناك؟! لا يجدون ما يستر عوراتهم في فصل الشتاء البارد، ونحن نتقلب على البطانيات الوفيرة والفرش، حقيقة الحال يبكي، وهذا الاستطراد بسبب ما أثاره الأخ جزاه الله خيراً عن موضوع الجهاد، ولكن ينبغي الإخلاص، من يُنفق ينفق لله، لا ليقال منفق، وليس معنى هذا أن الإنسان يأتيه الشيطان فيقول: لا تنفق لأجل أن يراك الناس، فكما قلنا: ترك العمل لأجل الناس رياء، فاعمل الصالحات ولكن أخلص لله عز وجل، وأنفق يابن آدم يُنفق عليك؛ ولكن أنفق لله عز وجل. حقيقة أنا أدعو إلى الوقوف يداً واحدة لا سيما هذه الأيام، الوضع خطير لا يسكت عليه، ولا يمكن أن يكون هناك إنسان يتحرك فيه شعور الإيمان، تتحرك فيه الغيرة ورابطة الأخوة في الله، ينام، يتذكر كل واحد منكم إذا وضع البطانية على وجهه وجسده. نسأل الله عز وجل أن يقوم بنصرة إخواننا هناك إنه على كل شيء قدير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الإخلاص والمتابعة للشيخ : عبد الرحمن السديس

http://audio.islamweb.net