اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - حديث 33 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - حديث 33 - (للشيخ : سلمان العودة)
ثبت في السنة عن سبعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام، فذهب الشافعي وأحمد إلى هذا الحديث، وذهب آخرون إلى القول بوجوب الغسل من بول الغلام، محتجين بعموم أحاديث الغسل من البول، ثم اختلف أصحاب المذهب الأول في تحديد معنى الغلام على أقوال.
شرح حديث: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام)
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام )، أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم. ‏
 الحكمة من التفريق بين بول الجارية وبول الغلام
المسألة الأخيرة في هذا الحديث هي: معرفة السر أو الحكمة في هذا الحكم، ما هي الحكمة -ولا أقول: العلة وإنما الحكمة- التي يلتمسها بعض الفقهاء في التفريق بين بول الجارية وبين بول الغلام؟تكلم كثير من الفقهاء والمصنفين في الحكمة واختلفوا فيها، فمنهم من حاول أن يستخرج الحكمة من طبيعة بول الأنثى، وأنه يختلف عن بول الذكر، وحاول أن يجعل الحكمة راجعة إلى أن طبيعة بول الأنثى يختلف عن بول الذكر، فبعضهم مثلاً يقول: إن بول الأنثى أنتن رائحة وأخبث وأثقل من بول الذكر، ولذلك أمر بغسله في جميع الأحوال، بخلاف بول الذكر، فهو أخف وأقل نتناً وخبثاً من بول الأنثى. ويقرب من ذلك والله وأعلم ما روي عن الشافعي كما قال أبو الحسن بن سلمة فيما يرويه عن أبي اليمان المصري قال: [ سألت الشافعي رحمه الله: ما السبب في التفريق بين بول الجارية وبين بول الغلام؟ فقال الإمام الشافعي : لأن الغلام خلق من الماء والطين، أو قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم. قال الشافعي رحمه الله لـأبي اليمان المصري السائل: أفهمت؟ أو قال: ألقنت؟ قال: قلت: لا. ]فـالشافعي قال للسائل: أفهمت أو قال: ألقنت؟ قال: قلت: لا، [ فقال له: إن آدم عليه الصلاة والسلام خلق من الطين، أما حواء فإنها خلقت من ضلعه، فكان خلق آدم من الماء والطين، وخلق حواء من اللحم والدم ]، بهذا المعنى. وهذه الرواية موجودة في سنن ابن ماجه المطبوع في الجزء الأول في كتاب الطهارة باب بول الجارية والغلام، ولكن ليست من رواية ابن ماجه، وإنما قال أبو الحسن بن سلمة، والذي أعلمه -والله تعالى أعلم بالصواب- أن هذه زيادة من أحد رواة السنن أثبتت في سنن ابن ماجه، وإنما أنبه على هذا؛ لأن بعض الطلبة يقرأ مثل هذه الرواية فيقول: رواه ابن ماجه، لماذا؟ لأنه موجود في سنن ابن ماجه المطبوع، والذي أظنه وأعلمه أن هذه الرواية لا تعتبر من رواية ابن ماجه وإن وجدت في سننه ؛ لأن هذه تعتبر من الزوائد، حيث قال أبو الحسن بن سلمة، كذا قال أبو الحسن بن سلمة وساق بالإسناد إلى أبي اليمان المصري أنه سأل الشافعي عن هذه المسألة، فهذا الاتجاه الأول إلى التماس الحكمة في هذا الحكم، وهو محاولة تعليل الحكم أو التماس الحكمة فيه بأنه يرجع إلى طبيعة بول الجارية.والاتجاه الثاني عند بعض الفقهاء: يحاولون أن يلتمسوا الحكمة في طبيعة خروج البول، حيث قالوا: إن بول الغلام يجتمع فيكتفى برشه، أما بول الجارية فيتفرق ولابد من غسله.والاتجاه الثالث: يلتمسون علة خارج قضية البول ونوعية البول أو طبيعته، وإنما يعللون أو يلتمسون الحكمة في أن كثيراً من الآباء والرجال يكثر حملهم لأطفالهم من الذكور أكثر من حملهم للإناث، فكثيراً ما يبول الصبي في حجر أبيه، فمن باب التيسير على الناس خفف عنهم في هذا الحكم بالاكتفاء برشه أو نضحه، وهذا القول هو الذي اختاره كثير من العلماء، خاصة أنه قد يشهد له ويؤيده ما ورد في الروايات السابقة في حديث الباب وشواهده من أن معظم القصص الواردة التي سيق الحديث بسببها: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل صبياً، أو جيء له بابن لم يأكل الطعام، أو ما أشبه ذلك، فبال في حجره فاكتفى بنضحه صلى الله عليه وسلم، قالوا: فلكثرة حمل الآباء للأطفال الذكور تسومح في هذا الحكم واكتفي برشه، وقد تكون الحكمة الثالثة لها بعض الوجاهة خاصة إذا أضيف إليها -والله أعلم- أن طبيعة بول الغلام وربما الجارية أيضاً في هذا السن أن بوله أخف؛ لأنه لم يأكل الطعام، ولا شك أن التقييد بكونه لم يأكل الطعام يدل على أن البول يكون أخف نتناً ونجاسة في مثل هذه المرحلة وهذا السن، فلذلك خفف هذا الحكم، وسواءً كانت هذه العلة صحيحة أو مقبولة أو غير مقبولة؛ لأن الكلام فيها قد يطول، وكثير من الناس قد ينازع في هذه العلة أو هذه الحكمة؛ لأنها لم تثبت بالنص، وإنما هي نوع من الالتماس.فأقول: سواءً ثبتت هذه الحكمة أو ثبت ما قبلها، فإن المقصود هو أن الحكم الشرعي ثابت بالنص الصحيح، وإذا ثبت الحكم بالنص الشرعي فإننا نقول: إن المقصود بالتطبيق هو امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، سواءً عرفنا الحكمة في ذلك أو لم نعلمها. هذه بعض المسائل المهمة المتعلقة بحديث الباب.
الأسئلة

 أعذار الفقهاء في ترك العمل بسنة من السنن
السؤال: [القائلون بأن حكم البول واحد في كل الأحوال، ألم تصلهم هذه الأحاديث؟]الجواب: هذه مسألة ربما يكون الحديث مر فيها، أتدرون في أي موضع؟ الأخ يسأل: الآن العلماء الذين قالوا بأن البول كله حكمه واحد كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، يسأل: ألم يصلهم هذا الحديث أو هذه الأحاديث؟ فالجواب على هذا السؤال أقول: مر الجواب في الدروس التي بعد الأذان في أعذار الفقهاء في ترك العمل بسنة من السنن، وذكرت أعذار الفقهاء فيما سبق ولا داعي للإعادة، لكن من الأعذار التي أشرت إليها سابقاً اختلاف العلماء في قضية من القضايا الأصولية، بمعنى: أنه قد يكون مثلاً هذا الحديث حديث آحاد عندهم، وهو مخالف لقواعد عامة عندهم، ولإجماع عام في نجاسة البول، ولأحاديث متواترة أيضاً في نجاسة البول، فربما يتركون هذا الحديث لهذا السبب، وقد يكون الحديث لم يصلهم أيضاً بالكلية، وقد يعللون بتعليلات أخرى من جنس ما سبق، لا تخرج عما سبق.اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها - حديث 33 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net