اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 13-14 للشيخ : سلمان العودة


شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 13-14 - (للشيخ : سلمان العودة)
سؤر الهرة طاهر وليس نجساً كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علل هذا الحكم بأنها من الطوافين علينا، وأما بول الآدمي فهو نجس، فإذا وقع على البدن أو الثياب ونحوها وجب تطهيره وغسله بالماء حتى يزول أثره، وأما إذا وقع على الأرض فيكفي أن يصب عليه الماء صباً كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد.
شرح حديث: (أن النبي قال في الهرة: إنها ليست بنجس ..)
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.أما بعد:عندنا اليوم حديثان، أحدهما: حديث أبي قتادة في سؤر الهر، والثاني: حديث أنس في قصة الأعرابي.الحديث الأول: عن أبي قتادة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم ) أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. ‏
 الأدلة على طهارة آسار السباع إلا ما استثني
ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن حديث ( السنور سبع ) ضعفه أبو زرعة والذهبي وغيرهما من الأئمة، وعلى فرض أنه صحيح، فإن الأدلة تدل على أن آثار السباع كلها طاهرة إلا ما استثني، وما هو الدليل على أن آسار السباع طاهرة؟لدينا عدد من الأدلة، من هذه الأدلة:( حديث ابن عمر رضي الله عنه، في قصة عمر أبيه حين قال: يا صاحب المقراة! أخبرنا عن مقراتك، هل ترد عليه السباع أم لا؟ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا تخبره، هذا متكلب ) والحديث رواه الدارقطني .ومنها أيضاً: ( ما ورد في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء الذي بطريق مكة، وأن السباع ترده وتشرب منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور ).ومن ذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل: ( يا رسول الله! أنتوظأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم. وبما أفضلت السباع كلها )، وهذه الأحاديث أيضاً رواها الدارقطني وغيره.فدل على أن آثار السباع طاهرة؛ الهر وغيره، حتى وإن كان الهر سبعاً من السباع، وهذا يرجح.. وهذه الأحاديث .. وخاصة الحديث الأخير منها ذكره البيهقي، رواه وقال: له أسانيد إذا انضم بعضها إلى بعض اكتسب بها قوة.فدل على أن هذه الأحاديث صالحة في الجملة للاحتجاج بها على طهارة آثار السباع، بما في ذلك الهر، مع وجود النص الصريح في ذلك، وهي الأحاديث السابقة.وبهذا يترجح قول الجمهور أن سؤر الهر طاهر، هذه المسألة الفقهية الظاهرة والبارزة في الحديث. وما ورد من غسل الإناء من ولوغ الهر مرة أو مرتين، هذا الحديث أيضاً فيه مقال، وجميع الأحاديث التي استدلوا بها على نجاسة سؤر الهر أو وجوب غسله ضعيفة لا تصلح للاحتجاج .
شرح حديث: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد ...)
أما الحديث الثاني فهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة الأعرابي، قال: ( جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه ).في نسخة بلوغ المرام الموجودة في أيديكم كما قرأ الأخ: (فلما أقصى) وهذا خطأ مطبعي فيما يظهر؛ لأن الرواية في مصادر الحديث: ( فلما قضى بوله ) يعني: انتهى منه، والحديث متفق عليه، وله شاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الستة إلا مسلماً، وله شاهد عن واثلة بن الأسقع، رواه ابن ماجه بإسناد حسن، فالقصة إذاً صحت عن أنس وأبي هريرة وواثلة .
 اشتراط استعمال الماء لإزالة النجاسة
المسألة الثانية في الحديث: تتعلق بالنجاسة: هل تزول بغير الماء أم لابد من الماء في إزالتها؟وهذه المسألة -وهي مسألة: هل يشترط الماء لإزالة النجاسة، أم أن أي أمر زالت به النجاسة يكفي، ولا يشترط لذلك الماء؟ ذهب كثير من أهل العلم كالإمام الشافعي ومالك وأحمد رحمه الله في رواية عنه: إلى اشتراط الماء لإزالة النجاسة، وأنه لابد من غسلها بالماء، واستدلوا لذلك بأدلة منها:أولاً: حديث الباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه.والدليل الثاني: حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه في غسل آنية أهل الكتاب، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ارحضوها بالماء )، وهذه الرواية هي عند الترمذي، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، فدل على اشتراط الماء لغسلها.وما أشبه ذلك من الأدلة والنصوص التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بغسل الأمر المراد غسله بالماء، فقالوا: هذا يدل على تعين الماء لإزالة النجاسة.وذهب أبو حنيفة وهو أيضاً رواية عن مالك، ورواية في مذهب الإمام أحمد، والمذهب القديم للشافعي إلى أن أي أمر زالت به النجاسة كفى، ولا يشترط الماء لإزالته، أي أمر زالت به النجاسة فهو كافي ولا يشترط الماء للتطهير، واستدلوا لذلك بأدلة عديدة.فمن أدلتهم: أولاً قالوا: إن إزالة النجاسة من أفعال التروك، التروك يعني: جمع ترك، فلا تشترط فيه النية، ولا القصد، ولا فعل الآدمي، فأي شيء أزال النجاسة فهو كاف؛ ولذلك مثلاً يجوز الاستجمار بالأحجار بدل الماء؛ لأن المقصود زوال النجاسة بأي أمر من الأمور، فزوال النجاسة من باب التروك التي لا تشترط فيها النية ولا القصد، ولذلك قال الفقهاء: لو ترك ثوبه أو علقه على وتد وهو نجس فنزل عليه المطر فإنه يطهر حينئذ، لا يشترط فيه فعل العبد، فيفرق بين زوال الخبث وبين رفع الحدث، فزوال الخبث هو من باب التروك التي لا تشترط لها النية، ولا القصد، ولا فعل الآدمي، يعني: إزالة النجاسة بأي أمر زالت فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، زالت النجاسة زال حكمها، وصار المحل طاهراً.أما رفع الحدث فلا بد فيه من النية، رفع الحدث مثل ماذا؟ مثل الوضوء للصلاة لابد فيه من نية الوضوء، ففرقوا بين رفع الحدث وبين إزالة الخبث، هذا الوجه أو الدليل الأول عندهم.الدليل الثاني: ما رواه ابن عمر رضي الله عنه: ( أن الكلاب كانت تقبل وتدبر -وفي لفظ- وتبول في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كانوا يرشون شيئاً من ذلك )، وقد سبق أن رواية: (وتبول) عند الترمذي، ونسبها أكثر من عالم من العلماء إلى أنها موجودة في بعض روايات البخاري .ولكن حتى لو لم تثبت فإن من المعلوم أن الكلاب إذا أقبلت وأدبرت فإن البول أمر طبيعي أن يحصل، فقالوا: كون الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولا يرش دليل على أن هذه النجاسة تزول بغير الماء، تزول بماذا؟ تزول بالشمس، وتزول أيضاً بالريح والهواء وما أشبه ذلك، وبأي أمر زالت النجاسة زال حكمها؛ ولذلك لم ترش هذه المواضع التي بالت فيها الكلاب.واستدلوا أيضاً بما ثبت في أحاديث كثيرة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه )، كما في الحديث المتفق عليه: ( أن أنساً سئل: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم ).وروى أبو سعيد الخدري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوماً في نعليه ثم خلعهما في الصلاة، فخلع الصحابة رضي الله عنهم نعالهم، فلما سلم قال لهم: ما بالكم خلعتم نعالكم؟ قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن جبريل أتاني آنفاً فأخبرني أن بهما قذراً، فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد بهما أذى فليمسحهما وليصل فيهما )، والحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.دلالة الحديث على ما ذهبوا إليه من وجهين: أولاً: قالوا: إن النعل وفيها الأذى طهرت بمسحها في الأرض، ولو كان لابد من الغسل بالماء لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلما قال: ( فليمسحهما ) دل على أن مسح النعلين بالأرض مزيل لما فيهما من الأذى والخبث والنجاسة.الوجه الثاني: قالوا: إنه مسح نعليه بالأرض، وهو في أي مكان؟ في المسجد، فلولا أن هذه الأرض إذا أصابها شيء يسير من النجاسة غير ظاهر، لولا أنه يزول بالشمس والريح وذهاب النجاسة، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمسح النعلين في الأرض، فهذان وجهان لاستدلالهم بهذا الحديث.واستدلوا أيضاً بحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ( يا رسول الله! إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده )، والحديث رواه مالك والترمذي وأبو داود .فقوله صلى الله عليه وسلم: ( يطهره ما بعده ) دليل على أن ما يصيب الثوب من النجاسات من مروره بالأرض يزيله مروره بأرض أخرى ..والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح بلوغ المرام - كتاب الطهارة - باب المياه - حديث 13-14 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net