اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - باب زكاة الأثمان للشيخ : سلمان العودة


شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - باب زكاة الأثمان - (للشيخ : سلمان العودة)
الأثمان هي ما يبذله المشتري عوضاً عن السلعة التي يقبضها، ووجوب الزكاة فيها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، كما أن الثمن قد يكون فضة أو ذهباً، ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم، ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين ديناراً، أما ما استجد من عملات ورقية فنصابها قيمة نصاب الفضة.
تسمية باب زكاة الأثمان
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.المصنف رحمه الله استخدم عبارة الأثمان: [باب زكاة الأثمان] كما هو موجود بين أيديكم، وهناك من الفقهاء من يستخدم تعبيراً آخر، فبعضهم يقول: (باب زكاة النقدين). وبعضهم يقول: (باب زكاة الذهب والفضة) وكله حسن، ولكن الذي يظهر لي أن استخدام المصنف للفظ الأثمان أجود؛ لأن الأثمان يدخل فيها الذهب والفضة والنقود، وأي نقد جديد يستخدمه الناس؛ ولذلك سنبحث في باب زكاة الأثمان اليوم زكاة الورق النقدي، ولو قلنا: زكاة النقدين مثلاً -أي: الذهب والفضة- أو زكاة الذهب والفضة لكان هذا الموضوع أجنبياً من بعض الوجوه، فالتعبير بالأثمان أشمل وأجود، وإن كان كثير من الفقهاء يعبرون بالنقدين أو بالذهب والفضة.الأثمان كما عبر المصنف رحمه الله تعالى: جمع ثمن وهو العوض عن المبيع، أو هو ما يبذله المشتري عوضاً عن السلعة التي يقبضها؛ ولذلك نقول: إن في البيع أمرين: الثمن والمثمن، فالمثمن هي السلعة التي وقع الشراء عليها، أما الثمن فهو العوض الذي يدفعه المشتري مقابل أخذه لهذه السلعة.إذاً: هناك الثمن.سؤال: ما الفرق بين الثمن وبين القيمة وبين السعر وكلها أشياء مستخدمة في هذا الإطار؟ أما الثمن فقد عرفناه، أقول لك مثلاً: هذا الكتاب ثمنه -مثلاً- عشرة ريالات، فتقول: اشتريت، فتأخذ الكتاب وتدفع لي عشرة ريالات، فتكون هذه العشرة هي ثمن الكتاب، هذا هو الثمن.لكن القيمة هي في تقدير الخبراء وأهل الصنف وأهل الاختصاص: قيمة السلعة التي تستحقها في واقع الحال، سواء اشتريت بها أو لم تشتر. فأقول مثلاً: قيمة هذا الكتاب عشرة ريالات أو أقل أو أكثر من حيث الأصل، يعني: هو يساوي هذا المبلغ سواء شري أو لم يشر. بينما السعر: هو المبلغ الذي يحدده صاحب السلعة ويطلبه بسلعته، أو تحدده جهة معينة كوزارة التجارة مثلاً، أو أي جهة أخرى تحدد سعراً لشيء.إذاً: عندنا عدة أشياء: عندنا الثمن، والقيمة، والسعر ممكن أن تتفق، فهذا الكتاب مثلاً اشتريته بعشرة وهو يساوي عشرة فعلاً، والسعر المكتوب عليه عشرة ريالات، هنا اتفقت، لكن يمكن أنها تختلف لما تكون صديقي وأنت كذلك وتطلب مني مثلاً هذا الكتاب بخمسة ريالات أبيعه عليك، قيمته الحقيقية عشرة، لكني بعته عليك بخمسة، إذاً: اختلفت القيمة عن الثمن.أيضاً السعر قد تدخل في محل تجاري، فتجد أن عندهم مجموعة كبيرة من قطع الملابس، كل قطعة مكتوب عليها سعرها، هذا هو المبلغ الذي يريدونه بهذه القطعة، بغض النظر عن كونه مغالى فيه، أو كون هناك تخفيضات بمناسبة، مثلاً: تغير الجو من صيف إلى شتاء .. أو غير ذلك، فالسعر يختلف عن القيمة الحقيقية، كما أنه يختلف عن الثمن ربما أنك تماكسه فيبيعه عليك بثمن أقل حتى من سعره، مكتوب عليه مائة ويبيعه عليك بتسعين بسبب المماكسة.إذاً: عندنا الثمن وعندنا القيمة وعندنا السعر وهي واضحة.بالنسبة للثمن قد يكون ثمنه ذهباً أو فضة، وقد يكون سلعة أخرى، وقد يكون الثمن حاضراً، وقد يكون ديناً، وهذا سوف يأتي مزيد تفصيل له إن شاء الله في باب البيوع، وإنما الكلام عنه هنا من باب ما يتعلق بزكاته. الذهب والفضة أثمان باتفاق العلماء، أما في الماضي فكانت هي المستخدمة إما دراهم أو دنانير، وأما الآن فقد يكون استخدامها -الدراهم أو الدنانير- قليلاً، ولكنها معدودة في الأثمان؛ لأنه ممكن أن يعود الأمر إليها، أو يوجد تعامل بها في بعض البيئات وبعض الأمصار على نطاق محدود.طيب! هذا ما يتعلق بالنقطة الأولى وهي مسألة تعريف الأثمان.
 

وجوب زكاة الأثمان .. وأدلته
المسألة الثانية: مسألة وجوب زكاة الأثمان.زكاة الأثمان واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:أما الكتاب ففي مواضع: من أوضحها قوله سبحانه: الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35]، فالآيتان من سورة التوبة دلتا على وجوب الزكاة في الذهب والفضة، فقوله: (يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وقد ذكر الكنز هاهنا.وذكر الإمام الطبري في تفسيره وغيره أن المقصود بالكنز هو ما لم تؤد زكاته، وصح الأثر بهذا عن عبد الله بن عمر من طرق عدة، ساق شيئاً منها الطبري، كما صح الأثر بذلك عن ابن عباس رضي الله عنه، وجاء مثل هذا عن عكرمة والسدي .. وغيرهم، وهو الذي رجحه الطبري أيضاً، فهؤلاء الأئمة يرون أن معنى الكنز: هو ما لم تؤد زكاته، والبخاري أيضاً كأنه يرى هذا الرأي؛ لأنه بوَّب في صحيحه على هذه الآية: (باب كل ما أديت زكاته فليس بكنز) ومعروف أن فقه الإمام البخاري رحمه الله في تراجمه، فهذا يدل على أن البخاري وافق هؤلاء، وهو مذهب الجمهور على أن الكنز هو ما لم تؤد زكاته.إذاً: الآية دلت من هذا الوجه على وجوب إخراج زكاة الذهب والفضة.ذكر الطبري رحمه الله في الآية وجهين آخرين:الثاني: وهو المذهب المشهور عن أبي ذر رضي الله عنه: أن كل ما فَضَل عن حاجة الإنسان فهو كنز، وهذا المذهب لـأبي ذر لم يُوافق عليه رضي الله عنه.والثاني: أن كل ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، ولا دليل على هذا القول أيضاً. والقول الأول هو الراجح وهو المختار، وبناءً عليه نقول: الآية تدل على وجوب إخراج زكاة الذهب أو الفضة إذا بلغت نصاباً.الوعيد في الآية: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة:34] لا يمكن أن يكون إلا على فعل محرم أو على ترك واجب، فمن هنا يُستدل بها على وجوب زكاة الذهب والفضة. الآية الثانية: قول الله سبحانه وتعالى أيضاً في سورة التوبة: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، فقوله تعالى: (خذ) هذا أمر والأمر يدل على الوجوب، وهو دليل على أنه يجب في أموال الأغنياء في الذهب والفضة زكاة، يأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يأخذها الإمام، أو يدفعونها هم بأنفسهم.والاستدلال الثاني من قوله سبحانه: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا فإن الطهارة والزكاة نوعان: طهارة وزكاة واجبة، مثل ما في هذه الآية؛ لأنه مأمور بها أمر إيجاب.النوع الثاني: طهارة وزكاة مندوبة مستحبة، مثلما يتزكى الإنسان بإخراج الصدقة غير الواجبة، أو يتزكى بفعل صلاة ليست واجبة عليه.فالآية تدل أيضاً على وجوب الزكاة في الذهب والفضة.أما السنة فقد صحت الأحاديث بوجوب الزكاة في الذهب والفضة، منها: الحديث الذي سقناه سابقاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في صحيح مسلم : (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فيكوى بها جبينه وجبهته وظهره حتى يقضى بين الخلائق، فيرى سبيله إما إلى جنة وإما إلى نار )، فالحديث دليل على وجوب الزكاة؛ لأنه نص على حقها، وفي لفظ: (زكاتها)، وتوعَّد التارك بهذا الوعيد الذي لا يكون إلا على ترك واجب.وأيضاً ورد في الصحيحين أحاديث تدل على هذا المعنى، مثل حديث أنس رضي الله عنه في كتاب أبي بكر -وقد ذكرناه مراراً- وفي آخره قال: ( وفي الرِّقة ربع العشر )، والرِّقة ما هي؟ الرِّقة هي الفضة، وتسمى الورِق، وتسمى الرِّقة، فإذا كانت مضروبة فالغالب أنها تسمى الورِق: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [الكهف:19]، أما إذا كانت غير مضروبة فإنها تسمى رِّقة.إذاً: حديث أنس رضي الله عنه -وهو في الصحيح- فيه إشارة إلى نصاب الفضة، ولا شك أن النصاب دليل على وجوب الزكاة، وقوله: ( وفيها ربع العشر ) دليل على أنه واجب فيها، كأن قوله: ( في الرِّقة ربع العشر ) يعني: واجب في الرقة ربع العشر، ( فإن كانت مائة وتسعين، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربُّها ) يعني: إذا نقصت عن النصاب قليلاً فليس فيها شيء.وأيضاً جاء في ذلك حديث آخر، حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه، وذكرناه سابقاً قول الرسول عليه الصلاة والسلام: ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة ) والحديث متفق عليه.وجاء معناه أيضاً في حديث عن جابر عند مسلم، من رواية أبي الزبير عن جابر فيه: ( أنه ليس فيما دون خمس أواق من الفضة شيء ).فهذه الأحاديث كلها -وهي صحيحة- تدل على وجوب الزكاة في الذهب، ووجوب الزكاة في الفضة، وإن كان ما يتعلق بالنصاب سيأتي شيء من التفصيل له، والإشارة إليه بعد قليل. أما الإجماع فقد حكى جماعة من العلماء الإجماع على وجوب الزكاة في الذهب والفضة ولا يُعلم في ذلك مخالف، وممن نقل الإجماع الأئمة المشهورون في نقل الإجماع: كـابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وابن قدامة وابن تيمية والكاساني والنووي .. وغيرهم من الأئمة، ولا يُعرف مخالف في أصل المسألة: أن الذهب والفضة تجب فيها الزكاة. هذه نقطة.
 

تحديد نصاب الذهب والفضة
المسألة الثالثة: المصنف يقول في الأثمان: [ وهي نوعان: ذهب وفضة ]، ثم انتقل إلى النصاب وهي المسألة الثالثة عندنا، قال: [ ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم ]. مسألة النصاب فيها شيء من التفصيل تحتاج إلى استجماع أذهانكم، فبالنسبة لنصاب الفضة ثبت معنا الآن أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدده، حدد نصاب الفضة بأنه خمس أواق: ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة )، فنصاب الفضة خمس أواق، والأواقي جمع أوقية.وكذلك مما يتعلق بالنصاب الحديث الآخر الذي ذكرت، حديث أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وفي الرقة ربع العشر، فإن كانت مائة وتسعين فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربُّها )، إذاً: الصدقة تكون في مائتين، معنى: أن عندنا أوقية ويقابلها مائة.. يعني: عندنا خمس أواق ويقابلها مائة درهم، كم تكون الأوقية إذاً؟ أربعون درهماً.حديث أبي سعيد الخدري نص على الأواقي كما ذكرت، ومثله حديث جابر .الأوقية أربعون درهماً، خمس أواق، يعني: خمسة في أربعين بمائتي درهم. إذاً: نصاب الفضة خمس أواق أو نصاب الفضة مائتا درهم، هذا مما أجمع عليه المسلمون خلفاً عن سلف.والمقصود بالدراهم: الدراهم الإسلامية المضروبة؛ لأن بني أمية وبالذات عبد الملك لما أراد أن يضرب الدراهم الإسلامية، وجد أن الدراهم المستخدمة عند الناس مختلفة، بعضها دراهم غالية مثل ما يسمى بالدراهم البغلية، ويقولون: قيمة الدرهم البغلي ثمانية دوانق، وبعضها نازل ورخيص وهو ما يسمى بالدراهم الطبرية، وقدرها أربع دوانق، وبعضها متوسط قيمته ستة دوانق، فضربوا الدراهم الإسلامية على هذا المتوسط الذي هو ستة دوانق، وأجمع المسلمون بعد ذلك على هذا. سوف نعود بعد قليل إلى تحديد نصاب الفضة بالجرامات التي هي وزن هذا العصر، لكن قبله لابد أن ننتقل إلى نصاب الذهب؛ لأنه سبحان الله! نصاب الفضة الآن ثابت في السنة، لكن لا يمكن تحديد النصاب العصري إلا بالاعتماد على نسبته إلى الذهب، لا يمكن معرفة الدرهم بالضبط وهو من الفضة، إلا إذا عرفنا الدينار وهو من الذهب؛ وذلك لأن نسبة الدرهم إلى الدينار تعادل سبعة إلى عشرة، يعني: كل عشرة دراهم تعادل سبعة دنانير. إذاً: الدينار أغلى من الدرهم وأرفع منه قيمة، وهو معروف يمكن ضبطه.
 عيارات الذهب وتعلقه بالغش
هذا في الواقع يثير عندنا مشكلة خصوصاً فيما يتعلق بالذهب؛ لأننا نعرف الآن عبارة عيارات، أعلى عيار في الذهب عيار أربعة وعشرين، وهو الذهب الصافي الخالص تماماً، هناك عيار ثلاثة وعشرين، اثنين وعشرين، عيار واحد وعشرين، عيار ثمانية عشر، عيار أربعة عشر أيضاً، وهو أسوأ وأردأ أنواع الذهب؛ لأن فيه غشاً كثيراً.عيار ثمانية عشر وهو متداول نسبة الذهب فيه (75%) يعني: الغش فيه يصل إلى الربع إلى (25%)، الجنيهات الدارجة المستعملة الآن عند الصاغة وعند الناس هذه الجنيهات هي عيار اثنين وعشرين، معناه: أن فيها نسبة من الغش لا بأس بها، وبناءً عليه فإنه لابد في تقدير النصاب من اعتبار الذهب الخالص، وهو عيار أربعة وعشرين، وهذا الذي يظهر أنه صواب باعتبار الأحاديث الواردة، وباعتبار أن قول الله تعالى: يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة:34] فسماه الذهب، وإذا استخرجنا ما فيه من التراب أو غيره أو المعادن الأخرى، فإن هذه المعادن لا تسمى ذهباً، وكذلك الحال بالنسبة للفضة.فالعبرة إذاً بالذهب الخالص أو الفضة الخالصة، والذهب الخالص هو عيار أربعة وعشرين كما ذكرت، وهذا غالباً لا يكون إلا عبارة عن سبائك أو كما يسمونها أُنصات.وأما بالنسبة للحلي مثلاً أو غيرها فإنها لا تكون، وإن كان يمكن أن يُصاغ منها دراهم أو يُصاغ منها دنانير، وقد سألت عن ذلك أهل الاختصاص وأهل العلم فأفادوا أنه يمكن أن يُصاغ دنانير أو حلي أو غيره من عيار أربعة وعشرين، بخلاف ما ذكره الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، فإنه رجَّح أن المعتمد هو عيار واحد وعشرين، وقال: لأنه هو الذي يمكن أن تُصاغ منه أو تُصنع منه الدنانير، والواقع إن كان الشيخ يقصد من الناحية العملية، فالدنانير يمكن أن تُصنع من عيار أربعة وعشرين، أما إذا كان يقصد من الناحية التاريخية، يعني: الدنانير التي كانت موجودة في الماضي، فهذا شيء الله أعلم به، لكن إذا تمكنا الآن بواسطة التقنية المتقدمة من استخراج الذهب الخالص، فلا مانع أن نعتبره في النصاب.إذاً: انتهينا في موضوع ما يتعلق بصافي الذهب وصافي الفضة.
نصاب النقود الورقية الحديثة
ننتقل إلى مسألة خامسة وهو نصاب العملة الورقية، نصاب النقود الموجودة الآن.النقود الموجودة الآن هي جديدة طارئة، لم تكن معروفة في التاريخ، ولها تاريخ طويل يذكره المختصون من الاقتصاديين .. وغيرهم، مما لا أظن أن بنا حاجة إلى بحثه الآن وبسطه، لكن المعروف أنها كانت في العصر الحاضر قبل حوالي ثلاثين سنة وأكثر من ذلك، كان لها رصيد من الذهب، حتى أعلن الرئيس الأمريكي وأظنه نيكسون إلغاء الارتباط بين النقود وبين الذهب، وبناءً عليه لم يعد هناك ضرورة لأن يكون رصيد النقود من الذهب الخالص، وهذه العملة الموجودة الآن أصبحت لها قوة عظيمة جداً في أنحاء العالم في الشراء والبيع والاستبراء والاهتمام والثقة بقوة السلطة، والرواج والتداول بين الناس وأطباق الأمم كلها، والدول كلها على التعاطي معها وأخذها. ‏
 معيارية نصاب العملة الورقية إلى الفضة
إذا عرفنا أن النقد مستقل بذاته فهنا يطرأ السؤال: كيف نستطيع أن نعرف نصابه؟ وإلى أي شيء يمكن أن ننسبه؟ اختلف الفقهاء المعاصرون في ذلك أيضاً، منهم من نسبه إلى الذهب، ومنهم من نسبه إلى زكاة الأنعام بهيمة الأنعام، والجمهور ينسبونه إلى الفضة، وهو الذي أختاره: أن هذه العُمَل يمكن نسبتها إلى الفضة لأسباب:السبب الأول: أن الفضة ثبت نصابها في الحديث الصحيح كما ذكرت بخلاف الذهب، فإنه لم يثبت في نصابه حديث.السبب الثاني: أن من السلف من جعل نصاب الذهب منسوباً إلى الفضة، كما ذكرت ذلك عن عطاء وطاوس والزهري وسليمان بن حرب وأيوب السختياني .. وغيرهم، وقالوا: من ملك من الذهب ما قيمته مائتا درهم من الفضة وجبت عليه فيه الزكاة، سواء زاد عن نصاب الذهب المعروف الذي هو عشرون ديناراً أو نقص، فهذا يرجِّح أن نرجع الأوراق النقدية إلى الفضة من باب أولى.السبب الثالث: أن الإجماع قائم على نصاب الفضة ولا خلاف فيه، بينما نصاب الذهب فيه خلاف قوي لمن ذكرنا، ولا أقول: إنه قوي، لكن فيه خلاف لمن ذكرنا، وهناك خلاف أيضاً للحسن البصري رحمه الله.السبب الرابع وهو وجه جيد: أن الفضة أرخص من الذهب، وهذا أمر واضح وهو الغالب أيضاً، الفضة أرخص من الذهب بكثير، وبناءً عليه فإننا إذا قدَّرنا النصاب بالفضة، معناه: أننا أخذنا بالأحظ للفقير، وأيضاً أخذنا بالاحتياط للغني كما سوف يظهر من خلال التقدير، فهذا يكون أحوط في إبراء ذمة الغني ويكون حظاً للفقير.السبب الخامس: أن الفضة أقلُّ غشاً من الذهب، والذهب فيه من الغش ما ذكرته قبل قليل، بينما الفضة وإن كان يجري فيها الغش، ولكنها أقل من الذهب في ذلك.وبناءً عليه فإننا يمكن أن نحسب نصاب الورق النقدي بالفضة، وإذا كان نصاب الفضة ستمائة حتى لا تنسوا، يكفي أن تدركوا أن نصاب الفضة ستمائة جرام.اليوم الفضة والذهب يختلف سعرها يوماً عن يوم، واليوم هذا أنا أخبركم عن سعر الذهب وسعر الفضة هذا اليوم، لكن غداً قد يختلف الأمر.جرام الفضة هذا اليوم يعادل (5.6) من الريال السعودي، يعادل نصف ريال سعودي وزيادة، هذه قيمة الجرام من الفضة. وبناءً عليه إذا أردنا أن نعرف قيمة النصاب بالفضة نضرب ستمائة في (5.6)، يعني: في نصف وزيادة، فيخرج لنا ثلاثمائة وأربعون ريالاً تقريباً، وإذا أردت الدقة على اعتبار خمسة وتسعين فإنها تصبح ثلاثمائة وسبعة وثلاثين ريالاً، دعنا نقول: نصاب الورق النقدي الآن بقياسه إلى الفضة يعادل ثلاثمائة وأربعين ريالاً اليوم، لكن لو قسناه إلى الذهب، قلنا: نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً، قيمة الجرام من الذهب هذا اليوم تعادل اثنين وثلاثين ريالاً سعودياً، وبناءً عليه نضرب خمسة وثمانين في اثنين وثلاثين، يطلع الناتج عندنا ألفين وسبعمائة وعشرين ريالاً، ولاحظ الفرق الكبير بين نصاب الفضة ونصاب الذهب.إذاً: الأخذ بنصاب الفضة أحوط للغني وأحظ للفقير، وأتبع للسنة والدليل؛ لأن نصاب الفضة واضح عندنا بخلاف نصاب الذهب، فإنه ليس فيه نص نبوي؛ ولذلك نقول: نصاب الورق النقدي اليوم يعادل ثلاثمائة وأربعين ريالاً، فمن وجد ثلاثمائة وأربعين ريالاً، وحال عليها الحول عنده وجب عليه فيها الزكاة سالمة من الدين.
أحاديث في زكاة الحلي المستعمل
بقي عندنا نقطة أخيرة وهي مسألة زكاة الحلي، وهذه المسألة يعني وإن كانت يسيرة إلا أنه يكثر فيها الخلاف، هناك عشرات الكتب صُنِّفت في هذا الباب، في زكاة حلي النساء، هل فيها زكاة أم لا؟ ولذلك أحببت أن أشبعها بحثاً للفائدة. سوف أستعرض أولاً الأحاديث؛ بسبب أن أصل الخلاف يدور حول الأحاديث الواردة، وإلا فإن القياس أن الحلي ليس فيها زكاة؛ لأنه مثل الثياب أو الأثاث أو السيارة أو العبد الذي يستخدمه.. أو ما أشبه ذلك، لكن أوجب قوم فيها الزكاة؛ نظراً إلى الأحاديث الواردة فيها، فنستعرض هذه الأحاديث بإيجاز.ورد في زكاة الحلي عدة أحاديث:الأول: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، الذي هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفيه: ( أن امرأة من أهل اليمن أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعها بنت لها في يدها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: تؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، فقال: أيسرُّك أن يسوِّركِ الله بهما سوارين من نار؟ فخلعتهما، وقالت: هما صدقة لله ورسوله ).والحديث رواه أهل السنن، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.ومدار الحديث على عمرو بن شعيب كما ذكر، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، فمرة وصله ومرة أرسله، وقد صرح الإمام الترمذي بإعلال الموصول، ثم قال الترمذي : ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك قال ابن حبان : ليس الحكم عندي في عمرو بن شعيب، إلا مجانبة ما روى عن أبيه عن جده، والاحتجاج بما روى عن الثقات غير أبيه، ثم ذكر مما استنكر عليه ابن حبان هذا الحديث.وهكذا البيهقي رحمه الله أعل الحديث وقال: هذا يتفرد به عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وهناك في المسألة بحث مفرد ربما ذكرته سابقاً خلاصته: أن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا أتى بما يُستغرب فإنه يُردّ، وإذا أتى بما يوافق الثقات فإنه يُقبل؛ ولذلك قال أحمد : أهل الحديث إذا شاءوا احتجوا بحديث عمرو بن شعيب وإذا شاءوا تركوه، وهذا مذهب أكثر المحدثين أنهم لا يردونه مطلقاً ولا يقبلونه مطلقاً. زيادة على أن هذا الحديث فيه نوع من الاختلاف.زد على ذلك أن المسند المرفوع من هذا الحديث فيه نكارة؛ لأن قوله: ( مسكتان من ذهب )، المسكتان لا تبلغان نصاباً من الذهب ففي متنه نكارة أيضاً. الحديث الثاني: حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: ( كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أزكاة هي؟ فقال: ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فُزكي فليس بكنز ).وحديث أم سلمة أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي .. وغيرهم.وفيه علتان:العلة الأولى: أن في سنده ثابت بن عجلان وقد تفرَّد به عن عطاء، قال البيهقي : هذا يتفرَّد به ثابت بن عجلان، وذكر الذهبي في الميزان : أن هذا مما يَتفرَّد به عن عطاء، وأنه مما يُنكر عليه.العلة الثانية: أن في الحديث انقطاعاً بين عطاء بن أبي رباح وبين أم سلمة، فإنه لم يسمع من أم سلمة كما نص على ذلك ابن المديني، كما في مراسيل ابن أبي حاتم.إذاً: هذا الحديث ضعيف كما قال ابن عبد البر : في سنده مقال، وضعفه ابن الجوزي في التحقيق . الحديث الثالث: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: يا عائشة ! ما هذا؟ قالت: صنعتهن أَتجمَّل لك يا رسول الله! قال: أتؤدين زكاته؟ قالت: لا، قال: إنها بحسبكِ من النار ) .. أو نحو ذلك.والحديث رواه أبو داود أيضاً وغيره.وهو معلول من جهتين:الأولى: من جهة تفرد يحيى بن أيوب به، ويحيى بن أيوب وإن كان قد خرَّج له الشيخان في الصحيحين إلا أن تخريجهما كان انتقاءً مما صح من حديثه، وإلا فإن له بعض المناكير؛ ولهذا الحافظ الذهبي قال: له غرائب ومناكير يتجنبها أرباب الصحاح وينقوُّن حديثهم. العلة الثانية: أنه قد صح عن عائشة رضي الله عنها: (أنه كان لها بنات لأخيها لهن حلي من ذهب، فكانت لا تخرج زكاته).وهذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها صحيح، أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وعبد الرزاق .. وغيرهم، وهذا دليل على أنها لم تكن ترى إخراج الزكاة من الحلي، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قال له ذلك ما تركت إخراج الزكاة.وهذه طريقة لبعض الأئمة، فيعلِّون الروايات المخالفة ولو كانت مرفوعة يعلِّونها إذا لم تكن بالقوية وثبت عن الراوي خلافها، وذكرنا عن جماعة أنهم قالوا: لا يصح في هذا الباب شيء.الحديث الرابع: حديث أسماء بنت يزيد قالت: ( دخلت أنا وخالتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها أَسورة من ذهب، فقال: تعطين زكاته؟ قالت: لا، قال: أما تخافين أن يسوِّرَك الله بهما سوارين من نار ).والحديث أخرجه أحمد وأبو داود .. وغيرهما.ويظهر من خلال جمع طرقه وألفاظه أن هناك اختلافاً على شهر بن حوشب في هذه الألفاظ، وأكثر من روى هذا الحديث عنه لم يذكروا أمر الزكاة مطلقاً، ولعل هذا هو المحفوظ، إضافة إلى أن شهراً نفسه فيه مقال فهو ليس بالقوي، وأيضاً في سنده محمود بن عمرو وقد ضُعِّف. الحديث الخامس: هو حديث أبي حمزة ميمون عن عامر الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( في الحلي زكاة ).والحديث أخرجه الدارقطني .وفيه أبو حمزة هذا وهو ضعيف، ضعفه البخاري وغيره. هذه تقريباً أصح الأحاديث الواردة في زكاة الحلي، وبناءً عليه لا يَسلم حديث منها من مقال، وقد نص على ذلك جمع من الأئمة كـالشافعي .. وغيره.وقد تقدم ما ذكرناه عن الترمذي والشافعي وابن عبد البر .. وغيرهم.ابن حزم رحمه الله يقول: احتج من رأى إيجاب الزكاة في الحلي بآثار واهية لا وجه للاشتغال بها، إلا أننا ننبه عليها.وهكذا أبو حفص الموصلي يقول: لا يصح في هذا الباب شيء. ننتقل إلى أقوال العلماء في هذه المسألة: قولان مشهوران -دعك من التفاصيل-:القول الأول: إيجاب الزكاة في الحلي.وهو قول أبي حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد .احتجوا بالأحاديث السابقة حيث صححها جماعة منهم، كما احتجوا بالآيات والأحاديث الواردة في زكاة الذهب إجمالاً، مثل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ [التوبة:34]، و( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها زكاتها إلا .. ).واحتجاجهم بالأحاديث منقوض بتضعيفها كما ذكر.أما احتجاجهم بالعمومات فهو منقوض بأنه لا خلاف في وجوب الزكاة في الذهب والفضة من حيث الأصل، وإنما الخلاف في زكاة الحلي باعتبارها خرجت عن الأصل إلى كونها من المستعملات؛ ولذلك ليس بقوي أن يُستدل بعمومات الأحاديث على ذلك؛ لأن هذا محل اتفاق من الجميع.أما القول الثاني: فهو أنه لا زكاة في الحلي المستعمل.وهذا قول مالك رحمه الله، احتج بأثر عائشة السابق: (أنه كان لها بنات أخ كانت لا تخرج زكاة حليهن)، واحتج بأثر آخر عن أسماء وعن القاسم بن محمد وعروة وهشام .. وغيرهم، وهو مذهب الشافعي أيضاً كما نص عليه في الأم، وهو مذهب الحنابلة في الظاهر، وهو أيضاً منقول عن جماعة من الصحابة والتابعين، حتى قال الإمام أحمد : (خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت عنهم عدم إيجاب الزكاة في الحلي، وقال بعضهم: زكاته عاريته).وقال ابن أبي شيبة عن الحسن : (إننا لا نعلم أحداً من الخلفاء قال بوجوب الزكاة في الحلي). ولعله يقصد الخلفاء الراشدين.حجة القائلين بعدم الوجوب: أولاً: عدم صحة الأحاديث الواردة كما عرضنا لها بإيجاز.ثانياً: أن الحلي المستعمل مأذون به شرعاً، وهو كالبيت الذي يسكنه الإنسان، والثوب الذي يلبسه، والسيارة التي يركبها، والعبد الذي يستخدمه.. وما أشبه ذلك من الأشياء التي انتقلت إلى كونها مستعملات، و( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة )، وهذا قياس جيد.الحجة الثالثة: الآثار الصحيحة الواردة عن جماعة من الصحابة، وقد ورد عن الصحابة وتابعين آخرين القول بإيجاب الزكاة فيه، لكن القائلين بعدم إيجاب الزكاة فيه أكثر، ومنهم من ذكرنا. ولذلك فإن القول الراجح عندي: أنه لا زكاة في الحلي على سبيل الوجوب، لكن إن زكَّاها الإنسان احتياطاً فهذا جيد وحسن، والله تعالى أعلم. ‏
 حكم زكاة الحلي الملبوس من الذهب للرجال
كذلك المصنف ذكر أنه: [ يباح للرجال من الفضة الخاتم وحلية السيف والمنطقة ونحوها ]، ثم قال: [ أما المُعدُّ للكراء وللادخار والمحرم ففيه الزكاة ].المُعدُّ للكراء والادخار هذا ليس داخلاً في المستعمل.وأما المحرم على الرجال فإن فيه الزكاة، وما ذهب إليه المصنف هو الصحيح أن فيه الزكاة؛ لأن هذا الاستعمال محرم وغير مأذون به، فلم يُخرج الذهب عن أصله، فأصله فيه الزكاة، فكونه استخدمه مثلاً بشيء آخر كخاتم أو حلي أو سوار.. أو غيره، فإنا نقول: الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً، أو كان عنده ما يبلغ معه نصاباً.والله تبارك وتعالى أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الزكاة - باب زكاة الأثمان للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net