اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب التيمم للشيخ : سلمان العودة


شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب التيمم - (للشيخ : سلمان العودة)
من يسر شريعة الإسلام على الناس أن شرعت التيمم لمن لم يجد الماء، أو خاف الضرر على نفسه إن استعمله، فالتيمم مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فمن أدركته الصلاة وليس عنده ماء أو خاف على نفسه الضرر من استعماله لمرض ونحو ذلك جاز له أن يتيمم، وذلك بأن يضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم يمسح بهما وجهه ويديه، سواء كان ذلك لرفع الحدث الأصغر أو الأكبر، كما جاءت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تعريف التيمم لغة واصطلاحاً
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التيمم ].هذه هي المسألة الأولى قوله: [ باب التيمم ] ويندرج تحتها التعريف. فالتيمم من يمم، أي: قصد ووجه، قال الله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، وقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267].فالتيمم في اللغة هو: القصد، قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضاًأريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيهأم الشر الذي لا يأتليني وقال آخر: ولما رأت أن الشريعة وقتهاوأن التراب من فرائضها دامي تيممت الماء الذي دون ضارجيفيء إليها الظل عرمضها طامي فقوله: تيممت الماء يعني: ناقته، أي قصدته وتوجهت إليه، ومثله قوله: إذا يممت أرضاً، أي: وجهت إليها. هذا هو المعنى اللغوي.أما المعنى الاصطلاحي أو المعنى الشرعي فهو: أن يقصد الإنسان الصعيد الطيب ليمسح وجهه ويديه.. قصد الصعيد الطيب بنية مخصوصة لمسح الوجه واليدين. .
 

مشروعية التيمم
المسألة الثانية في الباب أيضاً، هي مسألة: مشروعية التيمم.والتيمم مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.فأما الكتاب فقوله تعالى في موضعين من القرآن: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43] فهذا نص في التيمم لمن احتاج إليه.وأما السنة فقد استفاض التيمم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قولاً وفعلاً، ومن ذلك قصة مشروعيته كما في الحديث المتفق عليه قصة عائشة رضي الله عنها: لما فقدت قلادة كانت استعارتها من أسماء، فالتمسوها فلم يجدوها، فحبست عائشة الناس على ذلك حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه، وعاتبها ولهدها في صدرها، فلما بعثوا البعير وجدوا القلادة تحته، ثم لم يجد الناس الماء للوضوء فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير : ما هي بأول بركاتكم علينا يا آل أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- فنزلت آية التيمم.وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في التيمم: منها أحاديث في صفته، ومنها أحاديث في مشروعيته، ومنها أحاديث في الأمر به كحديث عمار رضي الله عنه المتفق عليه، وسوف يأتي بعد قليل.وعموماً فالأحاديث الواردة في التيمم إن لم تكن متواترة بالجملة فهي مستفيضة. وقد أجمع أهل العلم في الجملة على مشروعية التيمم. وأنه من خصائص هذه الأمة وميزاتها التي اختصها الله تعالى بها من بين سائر الأمم كما في الحديث المتفق عليه قال عليه الصلاة والسلام: ( أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل -وفي لفظ: صلى حيث كان- والثانية: نصرت بالرعب مسيرة شهر، والثالثة: أحلت لي الغنائم، والرابعة: أعطيت الشفاعة، والخامسة: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ). وقد جاءت أحاديث كثيرة في الخصائص، وقد عد العلماء الخصائص فأربت على ثلاثمائة خصيصة منها خصائص لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عن أمته، ومنها خصائص لهذه الأمة عن الأمم السابقة.والمقصود: أن التيمم من خصائص هذه الأمة التي تميزت بها، ولهذا قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن من ترك التيمم مع حاجته إليه فهو من جنس اليهود والنصارى ؛ لأنه لم يقبل هذه الخصيصة التي ميز الله تعالى بها هذه الأمة، ولم يترخص بهذه الرخصة التي شرعها الله تعالى لها مع أنه سبحانه يحب أن تؤتى رخصه.بل قال بعض أهل العلم: إن التيمم عزيمة وليس رخصة، والواقع أن التيمم قد يكون عزيمة في أحوال ورخصة في أحوال أخرى.
 

صفة التيمم
أما المسألة الثالثة: فهي قول المصنف رحمه الله تعالى: [ وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب ضربة واحدة فيمسح بهما وجهه وكفيه ].قوله: [ أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب ] هذه صفة التيمم.[ أن يضرب بيديه ] أي: بكفيه -براحتيه-. [ على الصعيد الطيب ضربة واحدة ] فيمسح بيديه وجهه وكفيه، وهذا أقل ما يجزئ في التيمم، ولو أنه مسح ظاهر كفيه قبل ذلك ثم مسح وجهه ثم مسح كفيه لكان ذلك أكمل.والدليل على هذه الصفة في الجملة حديثان: الأول: حديث عمار رضي الله عنه المتفق عليه قال: ( بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه ).فهذا أصح ما ورد في صفة التيمم: أن يضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ويمسح كفيه إحداهما بالأخرى، ثم يمسح وجهه وكفيه.والحديث الثاني في صفة التيمم: هو حديث أبي جهيم المتفق عليه أيضاً: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل من نحو بئر جمل -وهو موضع في المدينة- قال: فسلم عليه -سلم على النبي عليه الصلاة والسلام- فلم يرد عليه السلام حتى أتى الجدار فضرب يديه به، ثم مسح وجهه وكفيه ثم رد عليه السلام ).أما ما سوى ذلك من الأحاديث الواردة في تيمم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنها ضعيفة، كلها ضعيفة، وبعضها على الأقل ضعيف رفعها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما تصح موقوفة على الصحابة، فإما أن تكون ضعيفة مطلقاً أو يكون المرفوع ضعيفاً، والصواب الموقوف على بعض الصحابة.أما المرفوع فلا يصح من ذلك إلا ما مضى كما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى وابن حجر وابن عبد البر وغيرهم من أهل العلم.هذا في قوله: [ وصفته أن يضرب بيديه على الصعيد الطيب ] كما سبق.
 مسألة: حكم التيمم بأكثر من ضربة
قال: [ وإن تيمم بأكثر من ضربة أو مسح أكثر جاز ] وهذه هي المسألة السادسة.. المسألة السادسة: قال: [ وإن تيمم بأكثر من ضربة ] أي: بضربتين أو ثلاث جاز ذلك، ولكن لا ينبغي له أن يزيد على الثنتين؛ لأن الثنتين جاء فيهما أحاديث وإن كانت كلها ضعيفة، وإنما جاء هذا عن بعض الصحابة كما أسلفته عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيجوز الثنتين، أما الزيادة على ذلك فقد تفضي إلى الوسوسة ومخالفة السنة، وإذا كان الإنسان منهياً عن التلاعب بالماء والإسراف في استعماله، فلأن يكون منهياً عن العبث بالتراب مع ما فيه من غبار ومع أنه ليس هو الأصل إن ذلك أولى بالمنع والنهي والتأكيد. أما المسح أكثر فمراد المصنف بذلك: أن يزيد في المسح على الوجه والكفين، فيمسح مع الوجه مثلاً شيئاً من الرأس، أو يمسح مع اليدين -وهما الكفان- شيئاً من الذراعين، وفيما يتعلق بمسح الذراعين فقد جاء هذا عن بعض الصحابة، صح عن ابن عمر رضي الله عنه كما عند عبد الرزاق، وعن جابر كما عند ابن المنذر أنهم كانوا يتيممون بأيديهم إلى المرفقين، بل جاء في بعض الروايات أنه يتيمم إلى نهاية العضد.. إلى الكتف، وهذا ليس بصحيح، أما التيمم إلى المرفقين فقد جاء عن بعض الصحابة، ولهذا تسامح فيه بعض أهل العلم كما قال المصنف هنا رحمه الله تعالى قال: [ أو مسح أكثر جاز ] وذلك للنقل عن الصحابة رضي الله عنهم. ومما يعزز جواز ذلك إلى المرفقين أن هذا هو موضع الطهارة الأصلية، فإن الإنسان في حال الوضوء يغسل يديه إلى المرفقين، فهذا هو موضع الطهارة الأصلية؛ ولذلك تسومح فيه.أما إن زاد على ذلك فهو مخالف للسنة ولا حجة معه ولا دليل، وأقل ما يقال فيه: أنه كالزيادة في الوضوء على الموضع المشروع كما سبق في حديث أبي هريرة : ( إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل ) وبينت هناك أن هذا مدرج من كلام أبي هريرة، وأنه لا يشرع للإنسان أن يزيد في الوضوء على القدر المشروع..
شروط التيمم

 الشرط الرابع: التراب
المسألة السابعة عشرة: قال: [ الرابع: التراب، فلا يتيمم إلا بتراب طاهر له غبار ].قوله: [ التراب ] يعني ظاهر كلام المصنف أنه لا يجزئ التيمم إلا بالتراب، وحملوا قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6] على التراب، بناءً على رواية مذكورة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: [ الصعيد هو: تراب الحرث ] الصعيد، يعني: في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا [المائدة:6] هو تراب الحرث، يعني: الذي يكون له غبار. والذي عليه جماهير أهل اللغة، وجمهور أهل العلم أيضاً، وهو اختيار الإمام مالك وكثير من الشافعية والحنابلة وغيرهم: أن كل ما على وجه الأرض يسمى: صعيداً، ويجوز التيمم به، فيجوز له التيمم بالتراب، ويجوز له التيمم بالرمل، ويجوز له التيمم بالحصى، ويجوز له التيمم بما هو موجود على ظاهر الأرض من الأشياء دون تفريق في ذلك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون في المدينة، والمدينة غالب أرضها حجارة صلبة ويتيممون فيها، وكما أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ذهبوا إلى تبوك وقطعوا مفاوز طويلة لا يوجد فيها تراب، إنما يوجد فيها الرمل أو غيره، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان يأخذ معه التراب ليتيمم به، بل كانوا إذا جاءهم الوقت نظروا ما حولهم مما هو على ظهر الأرض فتيمموا به سواء كان تراباً، أو رملاً، أو زرنيخاً، أو حجارة.. أو أي شيء آخر فهذا قوله: [ التراب ].قال: [ فلا يتيمم إلا بتراب طاهر ].ولذلك جاء في الحديث ( وجعلت لي الأرض ) والأرض أعم من قوله: التراب، ( وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) فالحجارة تسمى أرضاً، والرمل يسمى أرضاً، وما على وجهها يسمى أرضاً.أما اللفظ الآخر: ( وجعلت تربتها لنا طهوراً ) فيحمل على الأحاديث الأخرى، ولا شك أن التراب طهور بالإجماع عند الحاجة إليه، لكن أيضاً غيره طهور.قال: [ بتراب طاهر له غبار ]. أما (طاهر) فهذا يؤخذ من قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6] فالطيب هو الطاهر؛ وذلك لأن المقصود به رفع الحدث، والنجس لا يرفع الحدث.ولهذا قال بعض الفقهاء: إذا تيمم بتراب فإن هذا التراب أو هذا الغبار الذي على يده والتراب يكون بعد ذلك غير طهور؛ لأنه رفع به حدث، وهذا ليس بجيد؛ لسببين: أولاً: لما أفصلناه وقررناه سابقاً من أن الماء قسمان، وأنه حتى الماء المستعمل في رفع حدث هو في الواقع طهور.الأمر الثاني: أنه حتى لو فرض أن هناك ماء طاهر، وأن الماء المستعمل في رفع الحدث يتحول من طهور إلى طاهر في نفسه لا يطهر غيره، فإنه لا يمكن أن يقال هذا بالنسبة للتراب، إذ إنه لم يرفع به الحدث حقيقة، وإنما استعمل بدلاً عن الماء بصورة مؤقتة، ولهذا فإن المتيمم إذا وجد الماء يجب عليه ماذا؟ أن يستعمله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسّه بشرته ).الشرط الثالث الذي ذكره المصنف: [ أن يكون التراب له غبار ].ويؤخذ هذا الشرط من قوله جل وتعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] و(من) كما هو معروف للتبعيض، وهي تدل على أنه يلتحق باليد شيء من الغبار ولو يسير.وقد جاء في حديث أبي جهيم -الذي أسلفت- المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم بماذا؟ تيمم على الجدار.. تيمم على الحائط.
مبطلات التيمم

 الثالث: القدرة على استعمال الماء
قال: [ والقدرة على استعمال الماء وإن كان في الصلاة ].وهذه المسألة -مسألة القدرة على استعمال الماء- لها عدة صور:الصورة الأولى: إنسان فقد الماء فتيمم وصلى ثم خرج وقت الصلاة، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، فماذا عليه؟ ليس عليه شيء، لماذا؟ لأنه في حال مطالبته بتلك الصلاة، في حال وجود وقت الصلاة لم يكن الماء موجوداً عنده، فهو صلى كما أُمر، ولم يكن معذوراً بتأخير الصلاة عن وقتها، وقد أوقع الصلاة على الوجه المشروع، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، وهذا يشبه الإجماع إن لم يكن إجماعاً فعلاً، ولم ينقل أن أحداً من المسلمين أعاد الصلاة بعدما خرج وقتها بمثل تلك الحال.إذاً: هذا ظاهر لا إشكال فيه، إذا وجد الماء بعد خروج الوقت. الصورة الثانية: أنه وجد الماء بعدما فرغ من الصلاة وهو في الوقت، صلى الظهر في أول وقتها بالتيمم، وبعدما سلم وجد أن الماء جاء بعدما انتهى من الصلاة، توفر له الماء بعدما فرغ من الصلاة، فماذا يصنع في هذه الحالة؟ تجزيه صلاته الأولى ولا إعادة عليه، هذا أيضاً على الصحيح مذهب جماهير أهل العلم، وهو الرواية المعتمدة في المذهب، أنه تجزئه صلاته ولا إعادة عليه.وقد جاء في هذا حديث أبي سعيد عند أهل السنن وصحح إسناده بعضهم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلين من أصحابه فلم يجدا الماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فأعاد الوضوء والصلاة، وأما الآخر فلم يعد الوضوء ولا الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أعاد الوضوء والصلاة قال له: لك الأجر مرتين، وقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك ) أيهما أولى وأفضل؟ الذي لم يعد؛ لأنه أصاب السنة، وإذا كان ذاك له الأجر مرتين، فربما هذا يكون له الأجر أضعافاً مضاعفة بإصابة السنة.إذاً الحالة الثانية: إذا وجد الماء بعد انتهائه من الصلاة وقبل خروج الوقت، فالراجح بل الصحيح أنه لا إعادة عليه أيضاً حتى لو صلى في أول الوقت.سؤال: هل يستحب له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؛ طمعاً في حصول الماء؟ قال كثير من الفقهاء: يؤخر الصلاة، وقد جاء في هذا أثر عن علي بن أبي طالب أنه قال: [ يتلوم بالصلاة ] يعني حتى آخر وقتها، ولكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه الحارث الأعور وهو ضعيف جداً. والصواب: أنه لا يلزمه أن ينتظر على ما هو ظاهر الأدلة، فإن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصلاة على وقتها ) يشمله، وربما لو أوقع الصلاة في أول وقتها طلباً للفضيلة لكان ذلك أولى به، والله تعالى أعلم.الصورة الثالثة والأخيرة: لو أنه وجد الماء وهو في أثناء الصلاة، فلما صلى من الظهر ركعة جاءه الماء، فماذا يصنع؟ في المسألة قولان: القول الأول وهو المعروف عند الحنابلة: أنه يقطع صلاته ويعتبر قد انتقض وضوءه بوجود الماء؛ لأن التيمم كان طهارة مؤقتة عند فقد الماء، فلما وجد الماء بطل الوضوء وانقطعت صلاته بذلك، وبناءً عليه يجب عليه أن يستأنف الصلاة.والصحيح أن ذلك ليس بواجب، بل قال ابن العربي : لا يجوز له أن يقطع الصلاة، ولو قطعها كان آثماً، واحتج بعضهم بقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33].وعلى كل حال فطرد القياس وعمومات الأدلة على أنه إذا شرع في الصلاة الفريضة بالتيمم ثم وجد الماء فإن صلاته صحيحة ولا يقطع الصلاة ولا إعادة عليه؛ لأنه صلى كما أمر.والقاعدة الشرعية التي يجب أن تعلم: أن كل إنسان صلى بحسب وسعه وطاقته، فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.يعني: إذا بذل وسعه في تحقيق الوضوء والطهارة والصلاة فإنه لا إعادة عليه، هذا هو الصحيح.
مسألة: وجوب استعمال الماء عند وجوده لرفع الحدث السابق
المسألة التاسعة عشرة: إذا وجد الماء، فهل يرتفع حدثه السابق أم يعود إليه حدثه؟الجواب: إذا وجد الماء فإنه يجب عليه استعماله لرفع الحدث السابق، فلو كان جنباً مثلاً ولم يجد الماء، ثم تيمم وصلى ولو عشر سنين، فكل هذه الصلوات والعبادات صحيحة، لكن لو وجد الماء بعد عشر سنين، فيجب عليه حينئذ أن يغتسل لرفع الحدث، وهذا يشبه الإجماع عند أهل العلم، لم يخالف فيه أحد يعتد بقوله، ومثله الحدث الأصغر أيضاً، والدليل على ذلك حديث أبي ذر ( الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسّه بشرته ).
 الثالث: القدرة على استعمال الماء
قال: [ والقدرة على استعمال الماء وإن كان في الصلاة ].وهذه المسألة -مسألة القدرة على استعمال الماء- لها عدة صور:الصورة الأولى: إنسان فقد الماء فتيمم وصلى ثم خرج وقت الصلاة، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، فماذا عليه؟ ليس عليه شيء، لماذا؟ لأنه في حال مطالبته بتلك الصلاة، في حال وجود وقت الصلاة لم يكن الماء موجوداً عنده، فهو صلى كما أُمر، ولم يكن معذوراً بتأخير الصلاة عن وقتها، وقد أوقع الصلاة على الوجه المشروع، فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، وهذا يشبه الإجماع إن لم يكن إجماعاً فعلاً، ولم ينقل أن أحداً من المسلمين أعاد الصلاة بعدما خرج وقتها بمثل تلك الحال.إذاً: هذا ظاهر لا إشكال فيه، إذا وجد الماء بعد خروج الوقت. الصورة الثانية: أنه وجد الماء بعدما فرغ من الصلاة وهو في الوقت، صلى الظهر في أول وقتها بالتيمم، وبعدما سلم وجد أن الماء جاء بعدما انتهى من الصلاة، توفر له الماء بعدما فرغ من الصلاة، فماذا يصنع في هذه الحالة؟ تجزيه صلاته الأولى ولا إعادة عليه، هذا أيضاً على الصحيح مذهب جماهير أهل العلم، وهو الرواية المعتمدة في المذهب، أنه تجزئه صلاته ولا إعادة عليه.وقد جاء في هذا حديث أبي سعيد عند أهل السنن وصحح إسناده بعضهم: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلين من أصحابه فلم يجدا الماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فأعاد الوضوء والصلاة، وأما الآخر فلم يعد الوضوء ولا الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي أعاد الوضوء والصلاة قال له: لك الأجر مرتين، وقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك ) أيهما أولى وأفضل؟ الذي لم يعد؛ لأنه أصاب السنة، وإذا كان ذاك له الأجر مرتين، فربما هذا يكون له الأجر أضعافاً مضاعفة بإصابة السنة.إذاً الحالة الثانية: إذا وجد الماء بعد انتهائه من الصلاة وقبل خروج الوقت، فالراجح بل الصحيح أنه لا إعادة عليه أيضاً حتى لو صلى في أول الوقت.سؤال: هل يستحب له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها؛ طمعاً في حصول الماء؟ قال كثير من الفقهاء: يؤخر الصلاة، وقد جاء في هذا أثر عن علي بن أبي طالب أنه قال: [ يتلوم بالصلاة ] يعني حتى آخر وقتها، ولكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه الحارث الأعور وهو ضعيف جداً. والصواب: أنه لا يلزمه أن ينتظر على ما هو ظاهر الأدلة، فإن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصلاة على وقتها ) يشمله، وربما لو أوقع الصلاة في أول وقتها طلباً للفضيلة لكان ذلك أولى به، والله تعالى أعلم.الصورة الثالثة والأخيرة: لو أنه وجد الماء وهو في أثناء الصلاة، فلما صلى من الظهر ركعة جاءه الماء، فماذا يصنع؟ في المسألة قولان: القول الأول وهو المعروف عند الحنابلة: أنه يقطع صلاته ويعتبر قد انتقض وضوءه بوجود الماء؛ لأن التيمم كان طهارة مؤقتة عند فقد الماء، فلما وجد الماء بطل الوضوء وانقطعت صلاته بذلك، وبناءً عليه يجب عليه أن يستأنف الصلاة.والصحيح أن ذلك ليس بواجب، بل قال ابن العربي : لا يجوز له أن يقطع الصلاة، ولو قطعها كان آثماً، واحتج بعضهم بقوله تعالى: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33].وعلى كل حال فطرد القياس وعمومات الأدلة على أنه إذا شرع في الصلاة الفريضة بالتيمم ثم وجد الماء فإن صلاته صحيحة ولا يقطع الصلاة ولا إعادة عليه؛ لأنه صلى كما أمر.والقاعدة الشرعية التي يجب أن تعلم: أن كل إنسان صلى بحسب وسعه وطاقته، فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.يعني: إذا بذل وسعه في تحقيق الوضوء والطهارة والصلاة فإنه لا إعادة عليه، هذا هو الصحيح.
الأسئلة

 حكم من كان عليه جنابة ويخشى خروج الوقت إن اغتسل
السؤال: إذا كان عليه جنابة ويخشى إن اغتسل خروج الوقت، فهل يتيمم أم يغتسل ويصلي بعد خروج الوقت، وكذلك إن خشي فوات الجماعة؟الجواب: أما فيما يتعلق بالصلوات النوافل فقد ذكر كثير من أهل العلم ونقل عن السلف: أنه إذا خشي فوات النافلة تيمم لها، مثل لو خشي فوات الجنازة تيمم، وقال بعضهم: مثل صلاة العيدين وغيرها، بل قال كثير من الفقهاء: لو كان في صلاة جمعة في المسجد وأحدث وأصبح خروجه من المسجد ورجوعه وقطع الصفوف أمراً يطول ويترتب عليه فوات الجمعة، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: الصواب حينئذ أنه يتيمم ويصلي؛ ليدرك الجمعة.هكذا ذكر الإمام رحمه الله تعالى، وإن كان هذا خلاف الأصل فإن الأصل هو الوضوء، لكن إذا كان على الرجل جنابة ويخشى إن اغتسل خروج الوقت، فهذا له حالتان:الحالة الأولى: أن يكون الرجل قام متأخراً، يعني: إنسان قام مثلاً قبيل طلوع الشمس، بحيث غلب على ظنه أنه إذا جلس لإعداد الماء للوضوء والغسل وما أشبه ذلك، ثم توضأ واغتسل أنه يخرج وقت الصلاة، فهذا ماذا يقال له؟يقال له: ولو خرج الوقت يصبر ويتوضأ ويغتسل، لماذا؟ قالوا: لأن وقت الصلاة بالنسبة لهذا الإنسان يبدأ منذ متى؟ يبدأ منذ استيقظ، بحيث إنه لا يضر حتى لو خرج الوقت ما دام لم يحصل منه تفريط لا يضره.أما إذا كان من أول الوقت وهو مع ذلك يخشى أن يخرج الوقت كله دون أن يحصل على الماء؛ لأنه يحتاج إلى مثلاً استخراج الماء من البئر وإلى حبال، أو أنه في مكان بعيد أو ما أشبه ذلك، فمثل هذا يتيمم.لعلنا نكتفي الحقيقة من الأسئلة؛ لأنه -كما رأيتم- صوتي تآكل من كثرة الكلام، نسأل الله العفو والعافية والمسامحة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب التيمم للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net