اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب الوضوء -1 للشيخ : سلمان العودة


شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب الوضوء -1 - (للشيخ : سلمان العودة)
الوضوء شرط من شروط صحة الصلاة، وله أركان ذكرها القرآن، وبينتها السنة وهي: النية وغسل الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وغسل اليدين مع المرفقين، ومسح الرأس جميعه أو غالبه مع الأذنين، وغسل القدمين مع الكعبين، ويستحب في الوضوء تخليل اللحية الكثة، والتيامن والتثليث وغيرها، وفي البسملة والمضمضة والاستنشاق روايتان عن أحمد: الوجوب والاستحباب.
تعريف الوضوء لغة وشرعاً
الوضوء: مأخوذ في اللغة من الوضاءة، وهي الحسن والجمال، يقال: رجل وضيء وامرأة وضيئة.وهو في الشرع: غسل أعضاء مخصوصة بنية.
 

حكم النية في الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى في المسألة الأولى: [ لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) ]، هذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحيهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو حديث غريب صحيح كما هو معروف، وهو أصل في اشتراط النية في الأعمال التعبدية كلها، وأنه لا يجزي عمل منها إلا أن ينويه.و النية في اللغة: هي القصد، والمقصود بالنية في الوضوء: ألا يكون وضوءه مثلاً لتعليم جاهل، أو أن يكون وصل الماء إلى أعضائه دون إرادة منه، ويكفي في النية أن يعلم أنه سيغسل هذه الأعضاء لرفع حدث واستباحة صلاة وما أشبه ذلك .أما ما يقع من بعض الموسوسين الذين يشكون في النية، فيطيلون في ذلك، ثم يبدأ أحدهم في الوضوء ثم يعود ظناً أنه لم ينو وهكذا، فهذا من التنطع في دين الله عز وجل؛ لأن مجرد كون الإنسان وقف أمام الماء وفتح الصنبور وعرض يديه للغسل هذا كاف في الدلالة على أن الإنسان قد نوى الوضوء، بل إن دفع النية في هذه الحالة أمر صعب جداً، ولو كلفنا الشارع بدفع النية وإزالتها في هذا الموضع وقطعها لما أمكن ذلك؛ لأنها في تلك الحال ضرورة لا يستطيع الإنسان دفعها، فلا يحتاج الإنسان إلى أن يستحضر نية أو أن يستصحبها خلال الوضوء؛ لأن دفعها أصلاً أمر شاق، بل متعذر، إنما لو أن الإنسان توضأ ليعلم شخصاً، ولم يكن في باله أن يرفع الحدث، أو أن الماء أصاب أعضاءه دون قصد، ففي مثل تلك الحال يحتاج الإنسان إلى أن يعيد الوضوء لا غير.
 

البسملة عند الوضوء
قال المصنف في المسألة الثانية: [ ثم يقول : بسم الله ]، وذكر اسم الله تعالى في بداية الوضوء مشروع جاء فيه ما يزيد على عشرة أحاديث عن جماعة من الصحابة كـأبي هريرة وأبي سعيد وعائشة وأنس وغيرهم، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة وإن صححها كثير من أهل العلم إجمالاً، فأما الذين قالوا بضعفها فلا إشكال عندهم، أما الذين أثبتوا هذه الأحاديث فقد ذهب كثير منهم إلى الوجوب، والحديث: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه )، هذه الأحاديث إن لم تكن صحيحة فلا إشكال، وإن كانت صحيحة فهي مصروفة عن الوجوب -وجوب التسمية- بصوارف عدة: من هذه الصوارف: أن ذكر اسم الله تعالى في الوضوء لم يذكر في القرآن الكريم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] ولم يذكر التسمية فهذا هو الصارف الأول عن الوجوب.الصارف الثاني: أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه أنه كان يذكر اسم الله تعالى، وقد نقل الصحابة صفة الوضوء؛ نقل ذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة وغيرهم، ولم يذكر أحد منهم قط أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ وضوءه بذكر اسم الله تعالى.الصارف الثالث: أن ذلك لم ينقل في الغسل مطلقاً، ومن المعلوم أن الغسل يجزئ عن الوضوء.والصارف الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم الأعرابي الذي سأله كيف الوضوء؟ علّمه الوضوء وكان في مقام التفصيل والبيان والتوضيح لهذا الأعرابي الذي لم يكن يعرف صفة الوضوء، ومع ذلك لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم التسمية على الوضوء، وإنما قال له في آخره: ( هذا الوضوء فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم )، فدل على أن التسمية على الوضوء ليست بواجب؛ لأنها لو كانت واجباً لعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأعرابي.والقول بأن التسمية سنة ليست بواجب هو مذهب الجمهور، وهو رواية صحيحة عن الإمام أحمد، حيث روي عنه لما سئل عن تلك الأحاديث أنه قال: لا أعلم في التسمية حديثاً له إسناد جيد، وقال ذلك غيره من أهل العلم.إذاً: التسمية سنة على الصحيح من أقوال أهل العلم، وقال بعضهم وهي رواية في المذهب اختارها الأكثرون من الفقهاء: إن التسمية واجبة، ولو تركها عمداً أعاد الوضوء، ولو تركها سهواً أجزأه الوضوء، وقال بعضهم: لا تسقط سهواً ولا عمداً. والصواب: أن التسمية على الوضوء سنة لما سبق.
 

غسل الكفين في الوضوء وحالاته
المسألة الثالثة: قال: [ويغسل كفيه ثلاثاً]، يعني: في أول الوضوء، وغسل الكفين له حالتان:الحال الأولى: غسل الكفين إذا استيقظ من نوم الليل، وهذا جاء فيه حديث صحيح متفق عليه: رواه أبو هريرة : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده )، وهذا الحديث أخذ منه بعضهم أنه يجب على من استيقظ من نوم الليل أن يغسل كفيه، وجمهور أهل العلم وهي رواية في مذهب الإمام أحمد اختارها بعض المحققين من المتقدمين والمتأخرين أن غسل اليدين إذا استيقظ من نوم الليل سنة وليس بواجب، واستدلوا لذلك بأدلة منها: قوله: ( فليغسل يديه ثلاثاً ) ولم يقل أحد فيما نعلم بوجوب الغسل ثلاثاً، فقالوا: لما لم يقل أحد بوجوب الغسل ثلاثاً اطرد ذلك في أصل الوجوب أنه لا يقال بوجوبه، بل يقال باستحباب الغسل، هذا دليل. الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم فليستنثر ثلاثاً )، ومع ذلك لا قائل بوجوب الاستنثار، بل حكي الإجماع على عدم الوجوب، ويعكر على هذا أن الظاهرية يقولون بوجوب الاستنثار.الصارف الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم علل بقوله: ( فإنه لا يدري أين باتت يده )، ومن المعلوم أن الأصل في الأشياء الطهارة، والتعليل بأمر مشكوك فيه: ( فإنه لا يدري أين باتت يده ) يدل على عدم الوجوب، وقال بعضهم: العلة تعبدية.والذي يظهر والله تعالى أعلم أنه لا يجب على القائم من نوم الليل أن يغسل كفيه، وهو مذهب الثلاثة: مالك والشافعي وأبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد اختارها بعض المحققين كما أسلفت، والدليل يدل عليه فيما ظهر لي، ولذلك نقول: يستحب للقائم من نوم الليل أن يغسل كفيه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء للحديث، لكن لا يجب ذلك. هذه هي الحال الأولى حال المستيقظ من نوم الليل.الحال الثانية: حال الإنسان العادي، فيستحب له أيضاً أن يغسل كفيه ثلاثاً؛ لأن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث حمران عن عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنه دعا بماء فغسل كفيه ثلاثاً )، وحديث عثمان متفق عليه، وغسل الكفين ثلاثاً عند أول الوضوء لغير القائم من النوم سنة بإجماع أهل العلم، ولا قائل بوجوبه إلا الزيدية، والصواب أنه سنة كما سبق.
 

المضمضة والاستنشاق في الوضوء
المسألة الرابعة: قال المصنف رحمه الله: [ثم يتمضمض ويستنشق ثلاثاً يجمع بينها بغرفة واحدة أو ثلاث]، وفي بعض النسخ: وثلاث، وينبغي أن يعدل هذا؛ لأن الثلاث بدل عن الغرفة الواحدة، يجمع بينها بغرفة واحدة أو ثلاث.
 كيفيات المضمضة والاستنشاق
قال: (يجمع بينهما بغرفة واحدة)، يجمع بينهما يعني: بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.إذاً: المضمضة والاستنشاق تتصور بعدة أحوال: الحال الأولى: أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بغرفة واحدة، يعني: يأخذ غرفة واحدة ويتمضمض ويستنشق ثم يستنثر بيده اليسرى، ثم يفعل ذلك من نفس الغرفة الأولى ثم مرة ثالثة، وهذا ممكن لبعض الناس إذا اعتاد عليه، فتكون المضمضة والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً من غرفة واحدة فقط، وهذا يحتمله الحديث الوارد؛ حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس، حديث ابن عباس : ( أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة )، ومثله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الوضوء: ( أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ).الحال الثانية: أن يأخذ كفاً ويتمضمض ويستنشق منها، ثم يأخذ أخرى ثم يأخذ ثالثة، ولهذا قال المصنف: (بغرفة واحدة أو ثلاث)، فبغرفة واحدة يعني تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة، (أو ثلاث) يعني: تمضمض واستنشق من غرفة، ثم تمضمض واستنشق من أخرى، ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثالثة. ويجوز أيضاً أن يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة أخرى فيكون مجمل الغرفات للمضمضة والاستنشاق ستاً، وقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند وسنده لا بأس به إن شاء الله تعالى، فهذا كله جائز ولا حرج فيه.
غسل الوجه في الوضوء
المسألة الخامسة: [ثم يغسل وجهه ثلاثاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً]. قوله: (ثم يغسل وجهه ثلاثاً)، أما غسل الوجه فهو من واجبات الوضوء بالإجماع؛ لأن الله تعالى أمر به في قوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه، ويغسل الوجه بما لا يغسل به بقية الأعضاء؛ وذلك لما في الوجه من التجاعيد والأسارير التي تحتاج إلى الماء، ولهذا جاء في أثر ضعيف عن علي [ أنه أخذ شيئاً من ماء -في حديث ابن عباس وفي بيت ابن عباس - فصك به وجهه ] أي: غسله به بقوة، وذلك حتى يبلغ الماء إلى جميع تجاعيد الوجه وتقاسيمه وأساريره. وحد الوجه: (من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً)، والمعنى: من منابت شعر الرأس المعتاد بالنسبة للإنسان العادي، وإلا فإن بعض الناس قد ينحسر شعره كالأصلع الذي لم ينبت على مقدم رأسه شعر، فلا يلزمه أن يغسل الرأس، وإنما يغسل حد الشعر المعتاد بالنسبة لغيره من الناس، أما هو فلا يعتبر انحسار شعره، وكذلك بعض الناس قد ينزل شعره على جبهته وجبينه، فيجب عليه غسل ما غطاه الشعر؛ لأن العبرة بالإنسان المعتاد كما أسلفت. (من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً)، هذا هو حد الوجه، وهو دليل على أن الأذن ليست داخلة في الوجه، بل هي داخلة في الرأس، والدليل على ذلك حديث: ( الأذنان من الرأس ) وسوف أشير إليه بعد قليل.وقال بعض أهل العلم: إن ما أقبل من الأذنين من الوجه، وليس ذلك بشيء، بل الأذنان ليستا من الوجه، وحد الوجه هو من الأذن إلى الأذن عرضاً.
 كيفيات المضمضة والاستنشاق
قال: (يجمع بينهما بغرفة واحدة)، يجمع بينهما يعني: بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.إذاً: المضمضة والاستنشاق تتصور بعدة أحوال: الحال الأولى: أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بغرفة واحدة، يعني: يأخذ غرفة واحدة ويتمضمض ويستنشق ثم يستنثر بيده اليسرى، ثم يفعل ذلك من نفس الغرفة الأولى ثم مرة ثالثة، وهذا ممكن لبعض الناس إذا اعتاد عليه، فتكون المضمضة والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً من غرفة واحدة فقط، وهذا يحتمله الحديث الوارد؛ حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس، حديث ابن عباس : ( أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة )، ومثله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الوضوء: ( أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ).الحال الثانية: أن يأخذ كفاً ويتمضمض ويستنشق منها، ثم يأخذ أخرى ثم يأخذ ثالثة، ولهذا قال المصنف: (بغرفة واحدة أو ثلاث)، فبغرفة واحدة يعني تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة، (أو ثلاث) يعني: تمضمض واستنشق من غرفة، ثم تمضمض واستنشق من أخرى، ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثالثة. ويجوز أيضاً أن يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة أخرى فيكون مجمل الغرفات للمضمضة والاستنشاق ستاً، وقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند وسنده لا بأس به إن شاء الله تعالى، فهذا كله جائز ولا حرج فيه.
تخليل اللحية في الوضوء
المسألة السادسة: [ ويخلل لحيته ]، وتخليل اللحية، هو إذا كانت كثيفة، فيحتاج الإنسان إلى تخليلها بأصابعه، أما إذا كانت خفيفة تصف البشرة، يعني: كان الشعر على أول إقباله، بحيث إن البشرة ظاهرة من وراء الشعر فحينئذ يجب غسلها؛ لأن الأصل هو وجوب الغسل، فقبل أن ينبت الشعر كان ما تحت الشعر من الوجه، وكان غسله واجباً كما هو معروف، فلما نبت الشعر وكان خفيفاً ولا زالت البشرة ظاهرة تُرى وتُعلم من وراء الشعر وجب عليه الغسل، أما إذا كان الشعر كثيفاً فإنه يجب عليه غسله؛ لحديث عثمان رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء )، والحديث رواه الترمذي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وغيره، وحسنه البخاري رحمه الله تعالى، وله شواهد كثيرة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء ). ولا يلزم تخليلها بالأصابع والله تعالى أعلم، بل يكفي أن يخللها بالماء، يعني: أن يمر الماء عليها.
 كيفيات المضمضة والاستنشاق
قال: (يجمع بينهما بغرفة واحدة)، يجمع بينهما يعني: بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.إذاً: المضمضة والاستنشاق تتصور بعدة أحوال: الحال الأولى: أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بغرفة واحدة، يعني: يأخذ غرفة واحدة ويتمضمض ويستنشق ثم يستنثر بيده اليسرى، ثم يفعل ذلك من نفس الغرفة الأولى ثم مرة ثالثة، وهذا ممكن لبعض الناس إذا اعتاد عليه، فتكون المضمضة والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً من غرفة واحدة فقط، وهذا يحتمله الحديث الوارد؛ حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس، حديث ابن عباس : ( أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة )، ومثله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الوضوء: ( أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ).الحال الثانية: أن يأخذ كفاً ويتمضمض ويستنشق منها، ثم يأخذ أخرى ثم يأخذ ثالثة، ولهذا قال المصنف: (بغرفة واحدة أو ثلاث)، فبغرفة واحدة يعني تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة، (أو ثلاث) يعني: تمضمض واستنشق من غرفة، ثم تمضمض واستنشق من أخرى، ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثالثة. ويجوز أيضاً أن يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة أخرى فيكون مجمل الغرفات للمضمضة والاستنشاق ستاً، وقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند وسنده لا بأس به إن شاء الله تعالى، فهذا كله جائز ولا حرج فيه.
غسل اليدين مع المرفقين في الوضوء
قال المصنف رحمه الله في المسألة السابعة: [ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل]. قوله: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً) غسل اليدين من فروض الوضوء بالإجماع؛ لقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، أما الغسل ثلاثاً فهو سنة كما سبق ويجزئ واحدة، أما قوله: (يدخلهما في الغسل)، فالمعنى: يدخل المرفقين، والمرفق: هو العظم الناتئ في آخر الذراع، هذا هو المرفق، وغسله واجب، فهو داخل في الغسل، وهذا مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، وخالف في ذلك داود الظاهري، والصحيح أن المرفق من اليد وأنه يجب غسل المرفقين، فقوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، أي: مع المرافق، فإلى بمعنى مع، كما في قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2]، يعني: ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وكما في قوله تعالى: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52]، فالمعنى: ويزدكم قوة مع قوتكم.فيجب غسل المرفق مع الذراع، وقد جاء في هذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( أنه غسل يديه حتى أشرع في العضد، وقال: إن هذا وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو حديث صحيح. أما حديث جابر الذي ذكره الشارح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدار الماء على مرفقه أو أمرّ الماء على مرفقه أو مرفقيه ) فقد رواه الدارقطني وغيره، وهو حديث ضعيف، بل منكر، ضعفه الدارقطني والبيهقي وغيرهما من أهل العلم، لكن في حديث أبي هريرة غنية عنه.
 كيفيات المضمضة والاستنشاق
قال: (يجمع بينهما بغرفة واحدة)، يجمع بينهما يعني: بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة.إذاً: المضمضة والاستنشاق تتصور بعدة أحوال: الحال الأولى: أن يتمضمض ويستنشق ثلاثاً ثلاثاً بغرفة واحدة، يعني: يأخذ غرفة واحدة ويتمضمض ويستنشق ثم يستنثر بيده اليسرى، ثم يفعل ذلك من نفس الغرفة الأولى ثم مرة ثالثة، وهذا ممكن لبعض الناس إذا اعتاد عليه، فتكون المضمضة والاستنشاق ثلاثاً ثلاثاً من غرفة واحدة فقط، وهذا يحتمله الحديث الوارد؛ حديث عبد الله بن زيد وحديث ابن عباس، حديث ابن عباس : ( أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة )، ومثله حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الوضوء: ( أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة ).الحال الثانية: أن يأخذ كفاً ويتمضمض ويستنشق منها، ثم يأخذ أخرى ثم يأخذ ثالثة، ولهذا قال المصنف: (بغرفة واحدة أو ثلاث)، فبغرفة واحدة يعني تمضمض واستنشق ثلاث مرات من غرفة واحدة، (أو ثلاث) يعني: تمضمض واستنشق من غرفة، ثم تمضمض واستنشق من أخرى، ثم تمضمض واستنشق من غرفة ثالثة. ويجوز أيضاً أن يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة أخرى فيكون مجمل الغرفات للمضمضة والاستنشاق ستاً، وقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه الإمام عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند وسنده لا بأس به إن شاء الله تعالى، فهذا كله جائز ولا حرج فيه.
مسح الرأس مع الأذنين في الوضوء
المسألة الثامنة: قال: [ثم يمسح رأسه مع الأذنين، يبدأ بيديه من مقدمه ثم يمرهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه].
 مسح الأذنين بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس
هنا سؤال: هل يأخذ للأذنين ماء جديداً، أم يكفي مسح الأذنين بما بقي من بلل بعد مسح الرأس؟ والجواب: لا يلزمه أن يأخذ ماء جديداً، بل يمسح أذنيه بما بقي من البلل على كفيه بعد مسح رأسه، إلا أن تنشف يداه فيحتاج إلى أخذ ماء جديد، وقد جاء في هذا حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء غير الذي أخذ لرأسه )، وهذا الحديث غير محفوظ؛ شاذ، والمحفوظ: ( أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء غير فضل يديه ) مسح رأسه بماء غير فضل يديه هذا هو المحفوظ وهو في الصحيح، أما أخذ ماء جديد لأذنيه فلم يصح ذلك، بل يمسح أذنيه بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس.
غسل الرجلين مع الكعبين في الوضوء
المسألة التاسعة: قال: [ ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ويدخلهما في الغسل ]. أما غسل الرجلين فقد جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6]، وهو معطوف على قوله: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، أي: (واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين)، هذه هي القراءة السبعية المعروفة، والقراءة الأخرى: (وأرجلِكم) بالخفض، (وأرجلِكم) عطفاً على قوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة:6]، وهي لا تدل على المسح، بل هي من باب الإتباع، وإن كانت تدل على المسح فيكون المقصود: وامسحوا بأرجلكم في حالة ما إذا كانت الرجل مغطاة بخف أو نحوه، فتكون الآية دلت على الغسل في رواية النصب: (وأرجلَكم)، ودلت على المسح في رواية الخفض: (وأرجلِكم)، فكل رواية أتت بحكم جديد.أما ما ذهبت إليه الشيعة من الاكتفاء بمسح الرجل ولو كانت ظاهرة، فهذا مخالف للمحفوظ الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم للأحاديث الكثيرة المتواترة من أنه غسل رجليه، وأمر بالغسل، وأن الصحابة كافة نقلوا عنه ذلك، بل كان صلى الله عليه وسلم يقول لهم: ( أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار )، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة جداً معروفة في الصحيحين وغيرهما.فالواجب في الرجلين هو غسلهما إلى الكعبين، وأن يحرص على الإسباغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ويل للأعقاب من النار ) إلا أن تكون الرجل مغطاة بخف أو نحوه، وسوف يأتي باب المسح على الخفين.قال: (ويدخلهما في الغسل)، يعني: الكعبين؛ لقوله تعالى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] أي: مع الكعبين، كما سبق في قوله: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
 مسح الأذنين بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس
هنا سؤال: هل يأخذ للأذنين ماء جديداً، أم يكفي مسح الأذنين بما بقي من بلل بعد مسح الرأس؟ والجواب: لا يلزمه أن يأخذ ماء جديداً، بل يمسح أذنيه بما بقي من البلل على كفيه بعد مسح رأسه، إلا أن تنشف يداه فيحتاج إلى أخذ ماء جديد، وقد جاء في هذا حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء غير الذي أخذ لرأسه )، وهذا الحديث غير محفوظ؛ شاذ، والمحفوظ: ( أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء غير فضل يديه ) مسح رأسه بماء غير فضل يديه هذا هو المحفوظ وهو في الصحيح، أما أخذ ماء جديد لأذنيه فلم يصح ذلك، بل يمسح أذنيه بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس.
تخليل أصابع الرجلين في الوضوء
قال: [ويخلل أصابعهما]؛ وذلك لما ورد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ( إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك )، والحديث رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه البخاري وهو حديث حسن، ( إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك )، والتخليل سنة إن أمكن الإسباغ بغيره، فإن كانت أصابع الرجلين متلاصقة متراصة بحيث لا يصل الماء إلا بالتخليل فإنه يجب عليه التخليل حينئذ من باب الإسباغ المأمور به، وقد ورد في صفة التخليل ما ذكره المستورد بن شداد، وهو عند أهل السنن وهو حديث صحيح أنه قال: ( رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره )، فيدخل أصبعه بين أصابع رجليه حتى يصل إليها الماء.
 مسح الأذنين بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس
هنا سؤال: هل يأخذ للأذنين ماء جديداً، أم يكفي مسح الأذنين بما بقي من بلل بعد مسح الرأس؟ والجواب: لا يلزمه أن يأخذ ماء جديداً، بل يمسح أذنيه بما بقي من البلل على كفيه بعد مسح رأسه، إلا أن تنشف يداه فيحتاج إلى أخذ ماء جديد، وقد جاء في هذا حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء غير الذي أخذ لرأسه )، وهذا الحديث غير محفوظ؛ شاذ، والمحفوظ: ( أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء غير فضل يديه ) مسح رأسه بماء غير فضل يديه هذا هو المحفوظ وهو في الصحيح، أما أخذ ماء جديد لأذنيه فلم يصح ذلك، بل يمسح أذنيه بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس.
استحباب الدعاء بعد الوضوء
قال رحمه الله في المسألة الحادية عشرة: [ثم يرفع نظره إلى السماء]، رفع النظر إلى السماء ليس بصحيح، ولا يوجد ما يدل عليه، وقد جاء في ذلك حديث عند أحمد وأبي داود وهي زيادة: ( ارفع بصرك إلى السماء ) في الحديث زيادة منكرة تفرد بها راو لا يعتد به، فلا يشرع رفع بصره إلى السماء. ومما يلحق بذلك أن بعض الفقهاء يقول: يستحب له أيضاً أن يستقبل القبلة عند التشهد بعد الوضوء وهذا لا أصل له ألبتة في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف فيما أعلم، فلا يشرع له أن يرفع بصره إلى السماء، ولا يشرع له أيضاً أن يستقبل القبلة عند التشهد، وإنما المشروع إذا توضأ أن يقول: [أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله]، كما ذكر المصنف وحسب، أما استقبال القبلة أو رفع البصر إلى السماء فلا أصل له كما ذكرت.أما قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فهو ثابت في حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء ) هذه رواية مسلم، وفيها دليل على استحباب أن يقول هذا الذكر في البداية، زاد الترمذي : ( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين )، وهي زيادة صحيحة، فيستحب أن يقولها. وذكر ابن السني وغيره والنسائي في عمل اليوم والليلة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه زيادة وهي: ( أنه كان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك )، جاءت هذه الزيادة مرفوعة وموقوفة، ورجح أهل العلم أن هذه الزيادة موقوفة على أبي سعيد، ولكنها من الأذكار التي لا تقال من قبيل الرأي والاجتهاد، فالظاهر أن أبا سعيد رضي الله عنه قد تلقاها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا لا بأس أن يقول هذا عقب الوضوء.إذاً الخلاصة: أن الذكر الوارد عقب الوضوء هو كالتالي: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.هذه هي المسائل الواردة، وإن شاء الله في الدرس القادم نأخذ بقية باب الوضوء يوم السبت إن شاء الله تعالى.
 مسح الأذنين بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس
هنا سؤال: هل يأخذ للأذنين ماء جديداً، أم يكفي مسح الأذنين بما بقي من بلل بعد مسح الرأس؟ والجواب: لا يلزمه أن يأخذ ماء جديداً، بل يمسح أذنيه بما بقي من البلل على كفيه بعد مسح رأسه، إلا أن تنشف يداه فيحتاج إلى أخذ ماء جديد، وقد جاء في هذا حديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لأذنيه ماء غير الذي أخذ لرأسه )، وهذا الحديث غير محفوظ؛ شاذ، والمحفوظ: ( أنه صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء غير فضل يديه ) مسح رأسه بماء غير فضل يديه هذا هو المحفوظ وهو في الصحيح، أما أخذ ماء جديد لأذنيه فلم يصح ذلك، بل يمسح أذنيه بما بقي من بلل على أصابعه بعد مسح الرأس.
الأسئلة

 معنى الغرة والتحجيل
السؤال: ما معنى: ( غراً محجلين )؟الجواب: الغرة هي: البياض في وجه الفرس، والتحجيل هي البياض في أطرافه، فمعنى غراً محجلين أي: يأتون بيضاً في وجوههم وأيديهم وأرجلهم من أثر الوضوء.هذا والله تعالى أعلم.وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.سبحانك اللهم وبحمدك..

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح العمدة (الأمالي) - كتاب الطهارة - باب الوضوء -1 للشيخ : سلمان العودة

http://audio.islamweb.net