اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة للشيخ : صالح بن حميد


نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة - (للشيخ : صالح بن حميد)
إن الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الأنبياء والمرسلين، فلا بد أن تسير كما كانت تسير مع الأنبياء والمرسلين، ولابد أن تجري في مساراتها المحددة لها من الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويجب على الداعية أن يتصف بالصفات اللائقة حتى ينجح في دعوته.
الدعوة إلى الله تعالى وظيفة الأنبياء والمرسلين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:أيها الإخوة في الله: أشكر الله عز وجل على أن أتاح لي هذه الفرصة في هذا البيت من بيوت الله؛ لنلتقي بهذا الجمع الكريم الطيب المبارك، ثم أشكر الإخوة في مكتب الدعوة بـالرياض والقائمين عليه على دعوتهم، وإتاحتهم الفرصة لي للتحدث إليكم في موضوعٍ أحسبه من المواضيع المهمة، والتي لا شك أنكم سمعتم بها، واطلعتم على كثيرٍ من جوانبها ومباحثها، ولكن لابد من التذكير، وأؤكد لكم أن ما تسمعونه إنما هو تذكير، والذكرى تنفع المؤمنين، والتذكير لا يلزم منه أن يأتي المتحدث بجديد، وهذا التذكير هو تذكير في باب عظيم.. باب الدعوة إلى الله عز وجل التي هي وظيفة الرسل، ويحصل كذلك -أيضاً- التذكير بها ونحن في هذه الأجواء والظروف التي تجري في الساحة الإسلامية -إن صح التعبير- من أمور تقتضي وقوفنا جميعاً، والتحدث فيما ينبغي التحدث فيه، والخوض في مثل هذه القضايا؛ حتى نكون على بصيرة من أمرنا، وحتى نتلمس طريقنا في مثل هذا الاجتماع المبارك، وفي مثل هذه المذاكرات في الأمور المهمات التي يهتم بها هذا المكتب ونظراؤه في مدن بلادنا الحبيبة.والموضوع الذي اختير الحديث عنه عنوانه: (نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة).هذا الموضوع دعا إليه -في تقديري- ما يلحظ في الساحة من نشاط يقوم به رجال أفاضل يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما يلاقيه من يقوم بمهمتهم في الماضي والحاضر، فهي سنة الله في الحاضرين والغابرين، والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين، وقد لاقى أنبياء الله في ذلك ما لاقوا من العنت والصدود والإباء والاستكبار من لدن فئاتٍ كثيرةٍ وطبقات كبيرة من الملأ الذين استكبروا: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108].
 

مسارات الدعوة إلى الله تعالى
إن الدعوة تقوي الأمل واليقين، وترتفع بالمدعوين إلى مستوى الشعور بالمسئولية والتكليف، وإذا ما تأكد فيهم هذا الشعور فسوف تتغير طباعهم، وتعتدل مسالكهم، ويصح توجههم وتوجيههم، ومن أجل هذا فإن واجب الداعي إلى الله عز وجل أن يعمل على إيقاظ هذا الشعور، وفي مقدمةٍ لهذا الموضوع أرى أنه يحسن التذكير بقضايا مهمة، بل هي أساسية في الدعوة بينها الله عز وجل في قوله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] وكأن مسارات الدعوة تجري في هذه الأمور الثلاثة:1- الحكمة.2- الموعظة الحسنة.3- الجدال بالتي هي أحسن.فيحسن أن نقدم بكلماتٍ يسيرةٍ عن هذه الأجزاء الثلاثة.
 المجادلة بالتي هي أحسن في الدعوة إلى الله
من المعلوم أن المجادلة مقصودٌ بها دفع ودرأ المخاصمة، ولكن إذا احتاج رجل الدعوة وإلى الجدال فليكن بالتي هي أحسن، ويكون حسن الجدال في الالتزام بموضوعيته، وبعده عن الانفعال، والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى؛ حفظاً للوقت، وعزة النفس، وكمال المروءة، مع الحرص على الرفق واللين والبعد عن الفظاظة والتعنيف.ويدخل في الجدال بالتي أحسن: رد تكذيب المعاندين بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجه، مثل قوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ:24]، وقوله: وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الحج:68-69].ومن الجدال بالتي هي أحسن: الإعراض عن كثيرٍ مما يقوله المخالف أو الخصم؛ لأن الدخول فيه يدخل في قضايا صغيرة، أو يدخل في قضايا ثنائية لا تصل فيها إلى الحق الذي تريد، بل قد يكون فيها خروج عن المروءة والأدب والمقصد الأعظم من الدعوة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن.
صفات الداعية
إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة- فنأتي إلى موضوعٍ يكون محلَّ نظر في مسالك الدعاة، وقبل أن ندخل في هذا الموضوع والذي هو لب هذا الحديث، نشير إلى بعض الصفات -بشيء من الإيجاز- التي يجب أن يتحلى بها رجل الدعوة، ومنها تتشعب تلك المسالك.وهي أمورٌ سبق أن ذُكرتم بها في أكثر من مقام ومناسبة، وهي معهودة لديكم، ولكننا نذكرها بشيء من الإيجاز:
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
طبائع النفوس وطبقات المدعوين
أيها الإخوة: بعد هذا الاستعراض السريع لهذه الصفات البارزة من صفات الداعية، نأتي إلى بعض المسالك التي يحسن النظر فيها.أقول: هذه إشارات في هذا الموضوع أظنكم استشعرتم من خلالها بعض المسالك التي نريد أن نبسط القول فيها من خلال ما سبق؛ من تعريف للحكمة وأبرز صفات رجل الدعوة: هذا بسط لبعض المعالم والمسالك التي أراها حقيقة في ذلك، وسوف يكون هذا البسط من خلال التعرف على طبائع النفوس، وطبقات المدعوين، وتخير الأوقات، وانتهاز المناسبات، ثم النظر في طرق الدعوة وأساليبها، من الإحسان في القول، والحرص على التلميح إذا أمكن الاستغناء به عن التصريح، والقصد إلى الستر والنصيحة، والبعد قدر الإمكان عن التشهير الذي قد ينقلب إلى فضيحة، وفي سلوك مسالك المداراة المشروعة، وإقالة العثرات ما أمكن، وإليكم -أيها الإخوة الأفاضل- بسطاً لبعض هذه المسالك.المسلك الأول: طبائع النفوس وطبقات المدعوين.أيها الإخوة! أيها الدعاة! الناس متباينون في طبائعهم، مختلفون في مداركهم في العلم والذكاء.. في الأمزجة والمشاعر.. مختلفون في الميول والاتجاهات؛ مما يفترض على رجل العلم والدعوة تخير المدخل، بل المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة؛ ففيهم الغضوب والهادئ، وفيهم المثقف والأمي، وفيهم الوجيه وغير الوجيه، بل إن ثمة كلمة لـعلي رضي الله عنه يصور القلوب -كل القلوب- بأنها وحشية، فيقول: [[القلوب وحشية، فمن تألفها أقبلت عليه ]] يصورها رضي الله عنه وكأنها دوابٌ متوحشة لا تعرف الألفة في طبعها، ويبدو هذا -والله أعلم- في ميدان النصائح والتوجيهات، فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل، أو عدم معرفة، أو سوء في التصرف؟إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل، ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ، ويجتهد في المحاجة، بل يجتهد في جحد الحق بعد معرفته خيفة أن ينكشف جهله.. يجب أن تعرفوا أن الناس هكذا.. الإنسان لا يحب أن ينكشف أو يعرف أنه جاهل.. لا يحب أن يعرف حتى ولو أنه على منكر، إذاً كيف تكون المعاجلة؟هذا أمر مهم جداً.أيها الإخوة! وأيها الشباب! أيها الدعاة: لا تشعر الإنسان أنه ناقص، أو جاهل، وإنما خذ بيده من الحضيض الذي هو فيه وارفعه بشفقة ورفق كما ترفع الأم وليدها وكما يرفع الأب ابنه.إن القلوب في هذا الباب تنفر إذا اقترب منها بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، فأحياناً الدعاة إذا قابلوا صاحب منكر فإنه ينظر فيهم، هذا طبع يجب أن يعرفه الدعاة، فلا ينبغي للداعية إذا قابله صاحب منكر بكلام فظ أن يرد عليه بفظاظة مثله، إلا في بعض أحوال نادرة، لكن الأصل عدم ذلك.إن القلوب تنفر إذا اقترب منها، خاصة في اقتراب الإنكار بالجهل وبالتسفيه، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، فمن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح بتوفيق الله لهداية الناس، وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، يقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، وشيء من العناية غير المتصنعة باهتماماتهم وهمومهم، وسوف يصل إلى مصدر النبع الخيِّر في نفوسهم، وحينئذٍ يمنحونه حبهم وثقتهم.إن شيئاً من سعة الصدر والإحاطة بطبائع النفوس كفيل بتحقيق الخير في الناس، بنتيجة لا يظنها الكثيرون، ينبني على ذلك -أيها الإخوة- ملاحظة استيعاب المدعو وسعة مداركه، على معنى: أن الناس يختلفون في قدرة الاستيعاب ويختلفون في سعة المدارك -كما قلنا- ففيهم الجاهل والعالم، وفيهم الوجيه، وفيهم صاحب المنزلة، ومنهم من هو دون ذلك، فالمدعوون يختلفون في الاستيعاب وسعة المدارك، فلا يلقي رجل الدعوة إليه مالا يبلغه عقله، فيوقعه إما في النفرة والشرود، وإما في التخبط الفكري والدخول في غياهب الفتن، وفي ذلك يقول ابن مسعود رضي الله عنه: [[ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ]]، ويقول علي رضي الله عنه: [[حدثوا الناس بما يعرفون.. أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ ]].
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
تخير الأوقات وانتهاز المناسبات في الدعوة إلى الله
المسلك الثاني: تخير الأوقات وانتهاز المناسبات، وهذا مسلك كبير وعريض ومؤثر في معالم الدعوة وتلمسها، ويبلور ذلك كلمة جامعة لـعبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين يقول: [[إن للقلوب شهوةً وإقبالاً، وفترةً وإدباراً، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها ]] وقد كان يذكرهم كل خميس، فقال رجل: لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ فقال: [[أما إنه يمنعني من ذلك أنني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا مخافة السآمة علينا ]].ولأمرٍ ما! كان نزول كتاب ربنا منجماً؛ حتى يتمشى مع تخيل أوقات المناسبات، فنزل منجماً ومفرقاً على ثلاث وعشرين سنة، على المناسبات والأحداث والأزمنة والأمكنة، وأنت خبير -أيها الداعية- أن إقبال الناس في رمضان يختلف عنه في غيره، أي: تستغل المناسبات؛ لأن لهم إقبالاً على الدعوة وعلى الخير في مناسباتٍ، وكذلك يقبلون في موسم الحج إقبالاً مختلفاً عن غيره، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة والأحداث المتجددة؛ من وقائع الأفراح وحضور المصاعب، فأنت في مناسبة العزاء لا تقوله ما تقول في مناسبة الأفراح.فأخذ الناس بهذا ومراعاة تقلبات الدهر من حولهم يدرك به سرٌ عظيم في التأثير والاستجابة، وإذا رغبتم في مزيد من الإيضاح في هذا؛ فانظروا إلى بعض الأوقات التي أشار إليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فنتخيرها في الدعاء، مثل: أوقات السحر، ونزول الغيث، والتقاء الجيوش، وأدبار الصلوات... ونحوها، فنتخير الأوقات؛ لأن الأحوال فيها تختلف.وإذا رغبتم كذلك في واقعة؛ فانظروا في حكمة يوسف عليه السلام حين استغل الفرصة مع الفتيين عند تعبير رؤيتيهما فدعاهم إلى الله الواحد الأحد، وقال لهم: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39] يقول ذلك لأنه رأى منهم إقبالاً وقالوا: إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] رأى أنهم معجبين به ويقبلون عليه، ورأوا أنه يحسن تأويل الرؤيا؛ فأراد أن يعطيهم معلومات مادام أن الثقة وجدت استغل المناسبة، فقال: يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ [يوسف:39] ودعاهم إلى التوحيد الذي هو أعظم مطلوب.ويلتحق بذلك -أيها الإخوة- مراعاة الأعراف والتقاليد المرعية، والطبائع والحرف والصناعات. وقد يكون فيما أشار إليه أهل العلم من تنوع معجزات أنبياء الله، ومناسباتها مع ما يسود البيئات من علوم ومعارف، كعصا موسى عليه السلام كانت في بيئات السحرة، وعيسى عليه السلام كان في بيئة الطب، وكتاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي هو القرآن كان في بلاغة العرب؛ مما يشير إلى ملاحظة الاختلاف في البيئات والمناسبات والطبائع.
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
مراعاة التدرج وترتيب الأولويات في الدعوة إلى الله
قضية أخرى مهمة، ومسلك مهم وهو: مراعاة التدرج وترتيب الأولويات: وما قلناه في طبقات المدعوين وطبقات النفوس وملاحظة المناسبات يقابله نظر آخر في المدعو إليه؛ فلا شك أن الحكمة تقتضي النظر في متدرجات أمور الدعوة، لأخذ الناس بالأول فالأول، فقضايا العقيدة وأصول الملة والديانة تأتي في المقام الأول، فهي إن لم تصح في العقل فلن يجدي فيه الصنيع الحسن والعمل الطيب، قال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً [الكهف:103-105].ففي الدعوة كليات وجزئيات، وواجبات ومستحبات، ومحرمات ومكروهات، وقضايا صغرى وكبرى، وكلٌ يجب أن تعرف مواقعها، وتوضع في مواضعها، وأظن الأمر أوضح من أن نبسط الكلام فيه، وخذوا دليلاً:مندوب الدعوة ومبعوثها إلى اليمن معاذ بن جبل رضي الله عنه رسم له النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنهج عندما قال له: (إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلة... ) وأنتم تعلمون أن بعث معاذ كان في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، في السنة التاسعة تقريباً؛ لأن معاذاً لم يرجع من اليمن إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً: التدرج كان مستمراً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله.....إلخ ).وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخليفة الأموي المعدود خامس الخلفاء الراشدين، كان من قبل أن يتولى الخلافة يرى في الناس عيباً وكان يحب لو أنه أصلح.دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه، فقال له: يا أبت! ما لك لا تنفذ وأصحاب الحوائج راكضون؟ قال: [[يا بني! إن الله تعالى ذم الخمر مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق مرةً واحدة فيتركوه مرةً واحدة، فيكون فتنة ووفساداً كبيراً ]].إذاً: موضوع التدرج مهم جداً، وكذلك النظر في الأولويات.هذه بعض مسالك يجب أن تراعى أثناء ممارسة الدعوة، وهي مسالك متعلقة بالمدعوين، وهناك أمور تقابلها في الدعاة، ينبغي أن يتحلوا بصفاتٍ تتطابق مع مراعاتها في أحوال المدعوين، إذاً: عندنا نوعان من المسالك: مسالك تتعلق بالمدعوين، وقد أشرنا إليها؛ من مراعاة الظروف... ونحوها، ومعالم ومسالك تتعلق بالداعية نفسه؛ حتى يتماشى مع التي في نفوس وطبائع المدعوين وبيئاتهم.
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
القول الحسن في الدعوة إلى الله
من هذه المسالك: القول الحسن: وهذا يعني أن رجل الدعوة إذا أحكم قوله، وسدد لفظه؛ فقد أوتي من الحكمة باباً عظيماً، يقول الله عز وجل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] يقول طلحة بن عمر : قلت لـعطاء : إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] يقول عطاء : فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى.. فيكف بالحنيفي؟!وأورد القرطبي في تفسيره عند تفسير هذه الآية حديثاً عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا عائشة ! لا تكوني فحاشة، فإن الفحش -أي: السيئ في القول- لو كان رجلاً لكان رجل سوء ).ويعلق القرطبي على هذا بقوله: "وهذا حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر، والقريب والبعيد، من غير مداهنة وسوف يأتي التفرقة بين المداهنة والمداراة- ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه"، هذا كلام القرطبي .والقول يكون حسناً وحكمة بقدر ما يعتنى بأصول الكلام، ويبتعد عن فضوله -يكون الكلام جزلاً، ويكون الكلام مهماً لا يدخل في الثانويات وفي القضايا الجزئية- ويتحرك بنبضات القلب الحي، وهواجس النفس الصادقة، ويحسن الكلام حين يكون قصداً عدلاً -قصداً أي: وسطاً- ليس بالإيجاز المخل ولا الطويل الممل، وقد كانت خطبه عليه الصلاة والسلام قصداً، كما في الحديث الصحيح عند مسلم من رواية جابر بن سمرة رضي الله عنه.تنبيه: هناك فرق بين مثل هذا اللقاء وبين خطبة الجمعة، فهذا اللقاء والخطب التي مثل هذا اللقاء -وإخواننا وزملاؤنا الذين يحضرون مثل هذه المحاضرات والندوات- معلومة أنها ندوات وأحاديث مفتوحة، بخلاف خطبة الجمعة؛ فإن خطبة الجمعة -فعلاً- ينبغي أن يهتم بها الأئمة -وفقهم الله- كأن تكون قصيرة على حد ما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الخطبة فرض على جميع الناس، وعلى جميع الفئات، والطبقات، ويأثمون إن لم يحضروا.. فإذا كان الأمر كذلك؛ فعلى الخطيب أن يراعي أحوالهم، بخلاف هذا الجمع الكريم، فإنكم أتيتم على اختياركم، ومن شاء أن ينصرف فلينصرف، بخلاف خطبة الجمعة، وهذا أمر ينبغي أن يلاحظ.كذلك يقول بعض الناس: الناس إذا جاءوا المحاضرات نفروا، وإذا جلسوا في الملهيات جلسوا وأطالوا، وهذا لاشك أنه من طبائع النفوس؛ لأنهم جلسوا باختيارهم وخرجوا باختيارهم.. نعم! ينبغي أن يذكروا ويوعظوا، لكن لا ينبغي أن تكون المعالجة على هذا النحو.واستمعوا إلى هذا الحوار الهادئ والقول الحسن، ونحن نتكلم عن القول الحسن في الجدال الحسن، فهذا حصين الخزاعي والد عمران ، كانت قريش تعظمه وتجله، فطلبت منه أن يكلم محمداً صلى الله عليه وسلم في آلهتها، فقد كان يذكرها ويسبها، فجاء حصين ومعه بعض أفراد قريش حتى جلسوا قريباً من باب النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل حصين ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وسعوا للشيخ -وهذا نوع من التكرمة- فقال حصين : ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا؟ فقال: يا حصين ! كم تعبد من إله؟ قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء. فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: فإذا هلك المال فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء. قال: أفيستجيب لك وحده وتشرك معه؟ يا حصين ! أسلم تسلم ) فأسلم، والمسألة فيها خلاف، والصحيح أنه أسلم، فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(شيعوه إلى منزله ) وهذا نوع من التكرمة، عجباً! دخل هذا الرجل كافراً ناقماً منتقماً، فخرج صادقاً مسلماً! ليت شعري كيف كان حال قريش مع صاحبها ووجيهها حينما دخل لهم بوجه وخرج لهم بوجه آخر؟!ويدخل في ذلك: القول اللين، الذي يستميل النوازع البشرية، ووشائج القربى، وعبارات الحنو والشفقة، فإبراهيم عليه السلام نادى أباه بكلماتٍ مشفقة: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً [مريم:42-45].. إلى قوله: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً [مريم:47] وقال الله عز وجل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَة
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
التلميح دون التصريح في الدعوة إلى الله
من المسالك التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدعوة حينما يخاطب الجماهير: التلميح دون التصريح.. فمن القول الحسن: الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح، فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم والتبجح للمخالفة، وإذا أخذت بالتصريح وكررته وأكثرت منه فإنه يجعل الإنسان يقسو، وأحياناً يندفع ويجابه ويواجه ويكشر، ويهيج على الإصرار والعناد، أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة.قيل لـإبراهيم بن أدهم : الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه أيقوله له؟قال: هذا تبكيت ولكن يعرض. وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها.كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مخاطبة أصحابه، فكان يقول دائماً: ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا، ولو نظرت في القرآن الكريم في معالجة الأخطاء التي وقع فيها الصحابة، أو التي وقع فيها المنافقون، فإن الله عز وجل حينما عاتب أهل أحد قال لهم: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152] كان بإمكانه أن يقول: فلان وفلان وفلان أهل دنيا فأخرجوهم، وهؤلاء يريدون الآخرة، لكنه قال: منكم، وما عرفوهم، وكان بالإمكان أن يحدد حتى يخرجوا ولا يكونوا وسط البيئة، لكنه قال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152] والإتيان بالدنيا ينافي الإخلاص فقوله: (منكم من يريد الدنيا) أي: لابد من إخلاص، ومع هذا قال: عفا عنكم، ضعف بشري يصيب النفوس، وسيأتي الكلام على هذا.إن مقصودي من هذا أن القرآن لم يصرح، بل حتى في المنافقين دائماً يقول: ومنهم من يلزمك.. ومنهم من يقول: ائذن لي.. ومنهم الذين يؤذون النبي، ما قال: فلان وفلان وفلان، وكان بالإمكان أن يسميهم مع أن السيرة تسمي بعضهم، فمن قال: ائذن لي ولا تفتني هو فلان، لكن القرآن يعلمنا الأدب فيقول: منهم وفيهم، وما قال: فلان، مع أنه قد سمى أشخاصاً معينين، فسمى فرعون وأبا لهب ، وأعداداً محدودين، لكن الأغلب أنه لم يسمِّ أشخاصاً بعينهم.إذاً: الأصل التعريض، ولا يفضح إلا فاسق، ويحذر الناس منه لشدة فسقه؛ لأن التعريض يجعل خط رجعة، لكن إذا صرحت لإنسان يحاول أن يجد حججاً، ويجد في نفسه غلظة، ولا يمكن أن يستجيب له أبداً، حتى لو صلح يجد في نفسه شيئاً، لأنك ذكرت اسمه.
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
النصيحة لا الفضيحة في الدعوة إلى الله
مسلك آخر: النصيحة لا الفضيحة: وهي ترتبط بالمسلك السابق، والمقصود هنا الإشارة إلى آداب النصيحة، باعتبارها مسلكاً من المسالك البارزة في الدعوة، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون فضيحة، يوضح ذلك الحافظ ابن القيم رحمه الله حيث يقول: "والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه؛ والغيرة له وعليه؛ فهو إحسان محض ".معاشر الدعاة! إننا نحسن وإن هذا إحسان منا للناس، فلماذا نمنُّ به بأن نؤديه في قالب مؤذي؟ثم قال ابن القيم : " فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه " هذا كله كلام ابن القيم رحمه الله.فهذه دعوة إصلاح يجب أن يتمحض فيها الإخلاص لله، مع المحافظة على مشاعر المنصوح على نحو ما سبق في المسالك السابقة؛ لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالاً وشراً ونزاعاً.ويؤكد جانب الدقة في هذا الأمر: أن ذكر الإنسان بما يكره هو على أصل التحريم، وقد قيل لبعض السلف : أتحب أن يخبرك أحدٌ بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا.وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تذكروا مساوئ أصحابي حتى أخرج إليهم وأنا سليم الصدر ) فالإنسان بشر، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير سوى النية، والباعث، والحرص على الستر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم السيد أن يثرب أمته، أي: يلومها على ذنبها، بل يقيم الحد ولا يثرب، لا يكثر الشكاية واللوم، كأن يذكرها بذنبها وخطيئتها، وهذا حالياً يتأسى به الآباء حينما يربون أبناءهم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب ) متفق عليه.ويقول فضيل : المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.وكانوا يقولون: من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره.ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرضٌ في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة وإخراج أخيه من غوائل تلك المفسدة، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى، وكما قالت أم الدرداء : [[من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه ]].
 من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة.. بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم.. بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول القدوة: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ [آل عمران:159] فما غضب عليه الصلاة والسلام لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إنما أنا لكم مثل الوالد لولده } هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ صلى الله عليه وسلم إعراض قومه بابتهاله النبوي: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون }.
التعامل مع المدعوين
مسلك آخر: أدب التعامل: ذلك أن ما سبق كان في القول والمخاطبة وحسن المجادلة، وهذا في التعامل المادي، ويكون ذلك في عدة مسالك أيضاً، وصور من اللين في التعامل والمداراة، والفرق بينها وبين المداهنة، وإقالة العثرات، ومواطن الترغيب والترهيب.فالذي سبق كان أمراً قولياً مما كان ينبغي من الدعاة من الناحية القولية. لين القول، وستر العيوب، والنصيحة لا الفضيحة، والتلميح دون التصريح، وهذا تعامل مادي، أي: حسي وليس قولي، فهذه صور من اللين في التعامل.فنقول: إن النفوس مجبولة على حب من يحسن إليها، ويتلقاها باللين، ويبسط لها المحيا، والشدة قد تدفع إلى المكابرة والنفور والإصرار؛ فتأخذ النفس العزة بالإثم على نحو ما سبق، فالتعامل المؤثر ما كان دمثاً يفتح القلوب، ويشرح الصدور، فمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنون رحماء بينهم.يروي معاوية بن الحكم السلمي قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ) كان الصحابة يصلون، وكان هذا الرجل لا يعرف أحكام الصلاة، وعطس رجل ومنهم وكان يعرف التشميت، فقال: يرحمك الله وهم يصلون، فاستغربوا وصاروا يرمقونه بأبصارهم فبهت، فجعل يخاطبهم في الصلاة وهم ينظرون إليه: (ما شأنكم تنظرون؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتونني -أي: يسكتونني- فلما رأيتهم يسكتونني سكتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأبي هو وأمي ما ضربني ولا سبني، وفي رواية أنه قال: ما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن )، وفي مدلولها أيضاً قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد ...إلخيقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا: "والمراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا طلب العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته دائماً في ازدياد بخلاف ضده".وفي هذا يقول الإمام أحمد : "كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقومٍ يرون منهم ما يكرهون، يقولون لهم: مهلاً رحمكم الله".ودعي الحسن البصري رحمه الله إلى عرس، فجيء بجامٍ من فضة -أي: قدح من فضة- عليه خبيص -والخبيص طعام من التمر والسمن- فتناوله فقلبه على رغيف فأصاب منه، أي: الطعام في إناء من فضة فأخذه وقلبه على الحصير وأبعد الإناء وصار يأكل. فقال رجل: هذا نهي في سكوت.. مجرد أنه أفرغ الطعام على هذا الرغيف وصار يأكل، معناه أنه لا يؤكل في هذا الإناء من الفضة، فكان هذا نوعٌ من اللباقة في الإنكار.ويروى أن الخليفة المأمون وعظه واعظ فأغلظ عليه في القول، فقال: يا هذا! ارفق، فقد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق فقال تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:43-44].
 الترغيب والترهيب
إن كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة والغض عن الهفوات؛ ليس معارضاً لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة، والرخاء والشدة، لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق، كما قال الإمام أحمد : والناس يحتاجون إلى مداراة ورفقٍ بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق والعداء فيجب نهيه؛ لأنه يقال: ليس لفاسقٍ حرمة، فالمعلن المصر لا حرمة له.وطريق أنبياء الله عليهم السلام المذكور في القرآن مسلوك فيه النجدين: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [نوح:1-4] كلها كلمات تنضح بالرقة والشفقة، وقال عن محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا [التغابن:8].. إلى أن قال: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التغابن:9].. إلى أن قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التغابن:10] بيان لطرفي الترغيب والترهيب.إذاً: ترغيب لما وعد الله المحسنين في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة.. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف:13] وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته، والخوف من أليم عقابه عاجلاً وآجلاً: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].أيها الإخوة! فلعله بملاحظة هذه المسالك وأمثالها يتحقق الخير، وترشد المسالك، وتؤتي الدعوة خيرها الكثير، والنفوس تملك قدراً كبيراً من التأهيل في قبول ما عند الدعاة، وهي تحب سماع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وتستفيد من المواعظ، وهي قريبة من الخير مستعدة له، فليفقه هذه السنن الدعاة إلى الله، وليحملوا الناس على توجيهات الشرع لا على جلبة الشارع -أي: السوق- وليجتنبوا المزالق والمنعطفات الخطيرة التي يتعمد أعداء الملة وضعها في الطريق.. وفق الله الجميع إلى سبيل الهدى، وأصلح الأعمال والمقاصد، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 المقصود بالهداية في قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً ..."
السؤال: هل الهداية المذكورة في الحديث: {لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً.... } هي الهداية من الكفر إلى الإسلام أم أن الهداية عامة حتى للمسلم أو الفاسق؟الجواب: معلوم أن سبب البعثة في أصلها هي هداية الكفار؛ لأنها في بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً إلى خيبر ، وأعطاه الراية، وقال له: { والله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم } فأصلها في هداية الكفار، لكن الذي يبدو -والله أعلم- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأمر أوسع من ذلك، وفضل الله واسع.. والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net