اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنما أنت مذكر للشيخ : صالح بن حميد


إنما أنت مذكر - (للشيخ : صالح بن حميد)
قال الله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر) تحدث الشيخ حول هذه الآية، وبين المقصود منها، ثم بين أن على الداعية أن يذكر ويدعو وألا ينتظر النتائج، ولكي تكون الدعوة ناجحة فلابد من تخول المواقف والمناسبات للتذكير، وتنوع الأساليب، ثم تحدث عمن هو المنتفع بالذكرى، مبيناً حال الكفار مع الاستجابة، ثم بين أن الهوى هو السبب في عدم الاستجابة، وقد ضرب أمثلة على ذلك، ثم تحدث عن الدنيا وطبيعتها، وعن طبيعة الإنسان فيها، وشرح حديث: (اغتنم خمساً قبل خمس ).
معنى قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أشكره ولا أكفره، وأتوب إليه وأستغفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه ومصطفاه من رسله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، جعلنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.أما بعــد:أيها الإخوة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشكر الله عز وجل على ما منَّ به من هذا اللقاء الطيب المبارك في هذا البيت من بيوت الله، وفي هذا الجزء العزيز من بلادنا حفظها الله وصانها، وأدام عليها أمنها ورخاءها، وأعزها بالإسلام، وأعز الإسلام بها، أشكره سبحانه على هذا اللقاء في هذه المحافظة، وفي هذه المدنية ينبع الكريمة والعزيزة. وإنَّ ما تقدم به الأخ الفاضل المقدم أشكره عليه، وإن كنت أعتب عليه في ذلك عتباً شديداً، فقد أدلى بكلمات ما كان ينبغي أن تكون في مثل هذا المقام، وخاصة ونحن في بيت من بيوت الله، جلسنا نذكر ونتذاكر، ونذكِّر أنفسنا، فما كان ينبغي له أن يأتي بمثل هذه الكلمات، وخاصة ما يتعلق بنوع من الإطراء الذي لا يحبه كل إنسانٍ يحترم هذه الوجوه الطيبة، لكنني أحسن الظن به، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وعنه، وأن يسامحنا، وإن كنت أعلم أن ذلك هو حسن ظن منه، كما أنه حسن ظن كثير من الإخوة الذين رتبوا لهذا اللقاء، ولكنني أقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيراً مما يظنون.أيها الإخوة: عنوان هذا اللقاء كما اختاره الإخوة المنظمون لهذا اللقاء هو حول التذكير والذكرى، والعنوان هو: "إنما أنت مذكر". يقول الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22].سوف يكون وقوفنا -إن شاء الله- أمام هذا الموضوع من عدة جوانب:الجانب الأول: معنى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22] وأمثالها من الآيات الأخرى؛ لنبين وظيفة الواعظ، ووظيفة الداعية، ووظيفة الموجه، ووظيفة المربي.الجانب الثاني: من هو المنتفع بالذكرى؟ وحتى نقف حقيقةً مع أنفسنا موقف المحاسبة: من هو المنتفع؟ولماذا كثيرٌ منا يسمع مواعظ، ويسمع خطباً، ويسمع كلمات، ويقرأ، ومع هذا يحس بنوع من الضعف، ونوع من قلة الاستجابة مما يسمع ومما يذكر به الواعظون؟الجانب الثالث: ثم محاولة لوقفة تذكيرية حول أنفسنا بطبيعة هذه الحياة، وطبيعة الإنسان، والجدية في المواقف، وصدق المحاسبة.الجانب الرابع: ثم الإشارة إلى الضعف البشري والنقص العملي؛ مما يستدعي مع المحاسبة: توجه إلى التوبة، وبيان مواقف كبيرة في التوبة، وبخاصة ما يتعلق بالإصرار، وما يتعلق بالمجاهرة، وفيما يتعلق ببعض الابتلاءات والمصائب التي تكون مكفرات؛ لأن هذه كلها من مواقف التذكير والمحاسبة، وقد نأتي عليها كلها، وقد يسارعنا الوقت فلا نأتي عليها كلها، لكن على كل حال هذه هي أطر الموضوع إن شاء الله.أولاً: قوله سبحانه وتعالى؛ مخاطباً رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الدعاة، وسيد المذكرين، وسيد الوعاظ، وسيد الخطباء، وسيد الأئمة، وسيد الأنبياء، وسيد المعلمين، وسيد الموجهين، وسيد المربين، قال له: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22].هذه تبين -يا إخواني- ما ينبغي أن يعرفه المذكر من نفسه، وما يعرفه من طبيعة البشر، وحينما نقول: مذكر؛ يشمل الداعية، والواعظ، والخطيب، والأب مع أولاده حينما يذكرهم ويزجرهم ويعظهم ويربيهم، والمعلم في مدرسته، وكل قنوات التوجيه وكل مصادر التربية، ومصادر التذكير والتنبيه كلها يجب علينا أن نفقه هذا المعنى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21].(ذكِّر) أمرٌ بالتذكير، وهذه لا بد منها، والتذكير واجب ومسئولية كل من أعطاه الله علماً وبصيرة، وأحسن شروط الدعوة: هو المدلول عليه بقوله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] وقوله: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] فمن جمع بين هذه فإنه مأمور بالتذكير.
 اختيار المواقف للتذكير
الجانب الآخر: يقول الله عز وجل: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] ما معنى ذلك؟معنى ذلك: أن الإنسان ينبغي أن يتخير في التذكير، ليس معنى: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] إذا لم تنفع فلا تذكر، لا. لأننا قلنا -قبل قليل- أن النفع ليس إليك، لكن تحر الأوقات، والظروف، والأماكن، والأحوال المناسبة التي تدخل فيها على الناس، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخول أصحابه بالموعظة، أي: يتلمس، سواء كان بتخول الظروف، أو باستغلال المناسبات، فقد تكون الموعظة حينما تزور مريضاً أكثر تأثيراً حينما يكون مصاباً، أو على القبر، أو على جنازة، أو مفاجأة حادث، أو أشياء أخرى، هذه أيضاً من التخول. إذاً: هذا جانب من جوانب التذكير، وهو تخول الظروف، ومحاولة استغلال الظروف، فإن هذه يكون لها أثرها، ولهذا قد يكون عند تجدد النعم، أو عند انصراف النقم، أو حتى عند حلول المصائب، وعند أشياء كثيرة، يتخيرها الإنسان، ويحاول أن يستغل الظرف ليذكر، وحتى الاستغلال ينبغي أن يكون بطريقة لبقة، وبطريقة خفيفة الظل، وبطريقة لا تكون ثقيلة. فإن كثيراً من مواعظ النبي صلى الله عليه وسلم كانت مجرد كلمات يقولها في المناسبات، لكنه في الأصل كان يتخير المناسبات، مثلاً: حينما كان مع مجموعة من أصحابه عليه الصلاة والسلام، فمروا على شاة، أو سخلة ميتة، أو تيس أسك -أي مقطوع الأذنين- قال: {أرأيتم هذا؟ قالوا: نعم. قال: لماذا ألقاها أهلها أو أصحابها؟ قالوا: لأنها لا قيمة لها، قال: إن الدنيا أهون عند الله من هذه عند أهلها } فلأجل هذه المناسبة، قال هذه الكلمة عليه الصلاة والسلام، استغلالاً للموقف، ومحاولة للتذكير في وقت نفعه: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9]. والتذكير ليس محله المنبر فقط، أو المسجد، أو القاعات الكبرى، بل في أي مناسبة -كما قلنا- قد تزور مستشفى، أو تزور مرضى، أو في تشييع الجنازة، قد يكون حتى بمناسبة أفراح، قد يكون هناك إنسان جاءه شيء يفرحه فتستغل هذه المناسبة، والتذكير ليس بأن تأتي بمأساة في وقت الفرح، فإن هذا ليس من اللباقة، وليس من المفيد، بل في الفرح يكون فرحاً، ويكون استغلالاً للابتلاء بالخير، كما تستغل الابتلاء بالشر.. إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9].
من هو المنتفع بالذكرى
قضية أخرى في التذكير: وهي أنه إذا كان خطابنا الأول للمذكِّرين والوعاظ، الآن نأتي إلى المخاطَبين المذكِّرين.الله عز وجل يقول: فَذَكّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9] وبعدها: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10].إذا كنا تحدثنا قبل قليل عن المذكرين، وقلنا: ينبغي أن يفعلوا كذا وكذا وكذا، الآن نخاطب الذين يستمعون: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] هنا ينبغي -يا أخي- أن تقف مع نفسك وقفة المحاسب، لماذا تسمع الوعاظ، وتسمع المذكرين، وتتلى عليك آيات الله، وعندك وسائل في المسجد، في الشريط، في الإذاعة، تقرأ كتاباً، تقرأ نشرة، ومع هذا لو راجعت نفسك لوجدت شيئاً من القصور، فعليك أن ترجع إلى نفسك، الله عز وجل يقول: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] ويقول: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] ما تنفع كل واحد. ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3].إذاً: قضية الإيمان وقضية الخشية أشياء داخلية، ويقول: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً [يس:70] سماها حياة، فالقرآن ينذر من كان حياً.. وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:69-70].إذاً: إذا أردت أن تحاسب نفسك بصدق، وأن تقف موقف المراجع لنفسه أمام وعظ الواعظين، وتذكير المذكرين، ونصح الناصحين، ولهذا أكثر ما قال الأنبياء لأقوامهم: وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79] إن القضية خطيرة أيها الإخوة.أسألكم بالله: إذا مر عليكم عضو الهيئة، أو مر عليكم رجل محسن، أو خير، وقال: يا إخواني الصلاة، أو قال لكم: هذا كذا، أو السنة كذا، بالله هل يتعظ قلبك؟ هل تجد تثاقلاً؟ هذا خطير يا أخي! وقال هود لقومه: وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:79]. فعليك أن تراجع نفسك -خاصة في وقتنا الحاضر- فكم يمر عليك مسائل خير، وبخاصة في إعلامنا -ولله الحمد- ففيه إيجابيات كثيرة جداً؛ إذاعة القرآن الكريم، برامجنا الدينية والتثقيفية الجميلة، في كثير منها كم يمر عليك، وأنت تفتح السيارة هذه آيات الله تتلى، وهذه مواقف من القرآن، وهذه مواقف من السنة، وهذه مواقف من السيرة، بالله ما اجتهدت أن تقف مع نفسك موقف محاسب! إذا لم يكن ذلك فارجع إلى هذه الآية: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:9-10] إذا كان في قلبك خشية، وفي قلبك حياة.. لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً [يس:70] وكان لك قلب.. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] السمع هذا سمع خاص -وسوف نشير إليه بعد قليل- وليس مثل كمن يسمع من أذن ويخرج من أذن أخرى، إنه سمع معين نشير إليه -إن شاء الله- بعد قليل.إذاً: هذا خطاب للذين يستمعون الذكر ويستمعون التذكير، أن ينظروا في قلوبهم، وينظروا مدى استجابتهم، يقول الله عز وجل: إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:36] ويقول في الآية التي قبلها: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [الأنعام:34] هذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ [الأنعام:34-35] وهذه تتعلق بـ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ [الغاشية:21]، ولا مانع أن نعيد الكلام فيه. هذا الخطاب من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، مما يدلك: على أن القرآن من عند الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم بلغه من عند ربه، حتى الأمور التي تتعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وما يدور في صدره بينها القرآن.والرسول صلى الله عليه وسلم كان يشق عليه ألاَّ يصدقه قومه، وكان يشق عليه أن يعرض قومه، فقال الله له: وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ [الأنعام:35] إن كان شق عليك أنهم أعرضوا.. وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ [الأنعام:35] ماذا تفعل؟تصعد إلى السماء لتأتي بآيات، أو تفتح أنفاقاً وتأتي بآيات، هذا ليس إليك، إن مهمتك البلاغ.سبحان الله! الخطاب القرآني والتجسيد القرآني لموقف النبي صلى الله عليه وسلم من قومه، الرسول صلى الله عليه وسلم كان مشفقاً على قومه، بل حريصاً عليهم يريد أن يسلموا، أولاً: لأنه مقتنع بما جاء به، وهو أيضاً يرسم الطريق للدعاة، وكان يتحرق قلبه عليه الصلاة والسلام في سبيل أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً.. وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ [الأنعام:35] إن كان شق عليك أن أعرضوا، ليس بيدك شيء: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ *
 أمثلة لاتباع الهوى
نبدأ في قضية التدخين: قبل ثلاثين سنة كان التدخين يمكن أن يظن أنه يضر، أو لا يضر، أو حرام، أو ليس بحرام، أي أن أضرار التدخين لم تكن متبلورة ولا واضحة، أما الآن فقد أجمع الأطباء والعلماء، وأجمع العالم على أنه ضار، ووضعوا الملصقات، بل حتى وسائل المكافحة أنه ضار بالاتفاق، ومع هذا يقدم الإنسان على التدخين! لو أنك وضعت طعاماً متعفناً أمام بهيمة، هل يمكن أن تأكله؟ لن تأكله سوف تقترب منه ثم تكف مباشرة، أما ابن آدم فيقول: هذا ضار، وهذا ممنوع، ومع هذا يستمر.. في هذه الحالة ألا يكون أضل من بهائم الأنعام؟ بهيمة الأنعام تصل إلى حال أنها تترك الضار، أما الإنسان فمع علمه أنه ضار ولكن يتعاطاه.هناك قضية أشد: الخمر أضراره والأمراض التي يسببها متفق عليها، سواء في الرئة، أو في الكبد، أو في المعدة...، والأطم والأطم المخدرات! كيف البلاء بالمخدرات؟ حينما ترى صاحبها -نسأل الله السلامة- يقع بشكل مزري، ولو كان هناك تضليل أكثر من الأنعام فإنه يستحقه.. يضيع ماله، ويضيع عقله، بل -يا إخواني- إنه مستعد أن يضيع عرضه -نسأل الله السلامة- فإن من لا يستطيعون أن يحصلوا على المخدر مستعدون أن يبذلوا كل شيء حتى عرض زوجته وعرض ابنته -نسأل الله العافية والسلامة- إلى هذه الدرجة يصل الإنسان!! إذاً: فعلاً لا يتذكر إلا من له قلب، واستعمل عقله، وما أعطاك الله العقل إلا لتتميز به، وإن لم تتميز به صرت بهيمة، وأشد من البهيمة.نأتي إلى جانب الكفار.. الكفار -فعلاً- اكتشفوا ما اكتشفوا، وصنعوا ما صنعوا، لكنهم ضلوا حتى ضروا أنفسهم.. نِسب الانتحار عندهم أشد، نِسب الطلاق وتفكك الأسر أشد وأشد، عندهم العيادات النفسية بشكل عجيب، لماذا؟ لأنهم لم يأخذوا إلا بالجانب المادي فقط، بل وأفسدوا الجانب القلبي، والجانب الديني، والضمير؛ لأنه لا تأتي هذه إلا عن طريق التذكير والتعليمات الدينية الصحيحة، فالله عز وجل يقول: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً [يس:70] ويقول: إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:3] إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [الأنعام:36].. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:22-23].. فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].نأتي إلى قضية أخرى: إذا كان هذا هو التذكير، ووظيفة المذكر أن يبين للناس ويجتهد، ويتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يبذل ما يبذل، ويشق عليه ضلال قومه، حتى قال الله له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ [الكهف:6] لكن ينبغي أن يعرف وظيفته: إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:21-22].. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس:99].الجانب الثاني: ينبغي على المتذكرين والموعوظين والمنصوحين أن يراجعوا قلوبهم، ويراجعوا أنفسهم، لماذا لا يستفيدون؟ إذاً: القضية فيها وفيها، وأكثر ما فيها -يا إخواني- الهوى، والله لا يصرف الإنسان عن الخير إلا الهوى.. سواء كان هوىً وظيفي، أو هوىً مالي، أو هوىً زوجي، أو هوى الأولاد: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15].. زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [آل عمران:14].إذاً: هذا هو المذكر، وهؤلاء هم المذكَّرون.
الدنيا وطبيعتها
نأتي إلى مواقف المحاسبة لعلها ترق قلوبنا بشيء من أوضاع الدنيا. عندنا جملة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، تبين أن طبيعة الحياة لا تحتاج إلى أن نقف عندها، وهي كثيرة، وسوف أختار شيئاً منها على حسب الوقت:يقول الله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].إن حديث القرآن عن الدنيا حديث واسع ومتنوع، حديث يبين طبيعتها فيما ينبغي أن يتنبه إليه المسلم والتالي لكتاب الله، ولا شك أن الدنيا -كما سوف نرى- في طبيعتها أنها لا تذم لذاتها، وليس بتحريم الحلال، وإضاعة المال، المال له موقف آخر، ليس هذا المقصود، لكن الوقت لا يتسع للكلام عن هذا، لكن لا مانع أن نذكر شيئاً.. متاع الغرور يقول سعيد بن جبير : [[ ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك، فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع ]]. هذا قد لا نتكلم عنه الآن، إنما نتكلم عن الدنيا المذمومة، والدنيا لا تذم لذاتها، إنما المذموم هو عمل ابن آدم فيها، وكل الأحاديث الذامة واللائمة، ليس المدح والذم فيها للدنيا، ولا للماديات، وإنما تتعلق بعملك أنت.. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ [الحديد:20] لعب أي: للاعبين، فلا تكون لعباً إلا لمن يلعب، ولا لهواً إلا للاهي، ولا زينة إلا لمن أطغته الزينة وألهته، وتفاخر؛ لأنه صرف الدنيا لما لا ينبغي أن تكون، وجعلها للمفاخرة، وتكاثر في الأموال والأولاد.إذاً: من جعل هذه وظيفة الدنيا، هذا هو المخوف، وهذا هو متاع الغرور، من جعلها لعباً ولهواً وزينةً وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد، من جعلها كذلك فهذا هو المذموم، ولهذا مباشرة قال: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] والغيث هنا بمعنى: الزرع، واللغة العربية فيها تعابير كثيرة وليس هذا المقام للتفصيل، وقد عبر بالغيث باعتبار السبب؛ لأنه السبب -بإذن الله- لنبات الزرع وغيره.والكفار هنا هم الزراع، الكافر بمعنى: الزارع، لأنه هو الذي يكفر الأرض، أي: يحرثها ويغطي البذور فيها، كما يشبه الدنيا كأنها -فعلاً- مزرعة، فالله دائماً يمثل بالزرع؛ لأن الإنسان يدرك بسرعة، ويرى تطوراته: تراها نبتة صغيرة، ثم تنمو وتصبح نضرة خضرة وجميلة، ثم بزهرها التي لا تكاد تمل منه، ثم لا يلبث أن يثمر، ثم يصبح هشيماً تذروه الرياح، بمعنى أن الحياة -كما يقول المختصون- قصيرة، بحيث يمكنك أن تراه من يوم أن كان صغيراً إلى أن يصبح كبيراً، والحياة الدنيا كهذه، أنت تعلم أنك كنت طفلاً، ثم شاباً، ثم قوة وفتوة، ثم كهولة، ثم هرماً. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم:54] القضية واضحة، فالذي يلهو بالدنيا ويتخذها دار لهو، هذه حقيقتها، ولا تستحق كل هذا؛ لأنها فعلاً كفترة الزرع إن سلمت من الآفات. ما أنت إلا كزرع عند خضرته بكل شيء من الآفات مقصود فإن سلمت من الآفات أجمعها فأنت بعد تمام الزرع محصود هذا إذا فرضنا أنك سلمت من الآفات، ولكن كيف وأنت تتقلب في هذه الدنيا بابتلاءاتها ومصائبها، وابتلاء في أهلك، ونفسك، وأولادك، وممن حولك من جيرانك وأقاربك يبتلون بأشياء ومشكلات ومصائب، ونكد.جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقدار والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار فالله عز وجل يقول: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ [الحديد:20].وأمثلة الدنيا في القرآن كثيرة: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45].أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ [الزمر:21].
 وصف النبي صلى الله عليه وسلم لحقيقة الدنيا
نختم بحديثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجسد الموضوع وتعطينا خلاصةً لما سبق، قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : {يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت } أكثر ما يبتغي الناس في الدنيا المال، وحقيقة المال أنه إذا كان عندك ملايين في البنك، أو ذهب وفضة مكدسة؛ لن تستفيد منها إلا ما كان على ظهرك من نسيج، وما دخل جوفك من أكل، وكذلك إذا بنيت لك مسكناً، هذه فقط، ما هناك غير هذا أبداً مهما كان، المال كله لن تستفيد منه إلا في مركب، أو ملبس، أو سكن، أو أكل، غير ذلك لا شيء. { إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت } وما عدا ذلك فللوالد غنمه وعليك غرمه، ولا مانع من أن أذكر أيضاً قصة لطيفة، وهي خيالية وأسطورة، لكن أذكرها لكم وأختم بها؛ تعرفون حقيقة المال، يقال: إن أحد الناس رأى أن له دعوتين مستجابتين، فدعا الله عز وجل، وقال: اللهم اجعلني لا أمس شيئاً إلا تحول ذهباً، فأجاب الله دعاءه، فوضع يده على الطاولة فصارت ذهباً، وعلى المكبر فصار ذهباً، حتى لو وضعها على عمود المسجد لصار ذهباً، وفعلاً كاد يطير فرحاً، حتى جاءه الجيران، فصار يلمس لهم ويعطيهم.فجاء الأكل وقال: اشتروا، وأتوا بما لذ وطاب من الأكل، فقدموا له مائدة ما رأى مثلها، ثم قال: باسم الله، وبدأ يأكل فتحول الصحن إلى ذهب، والرز صار ذهباً، واللحم صار ذهباً، ليس هذا الذي اتفقنا عليه! ثم استرجع الرجل، وبدأ الحزن، فجاء ابنه يريد أن يواسيه، فسلم على أبيه فتحول إلى ذهب، وفي النهاية قال: يا رب! بقيت الدعوة الثانية، وقال: يا رب! أرجع كل شيء كما كان. هي أسطورة كما قلت، لكن ما هو معناها؟ لو كان عندك ذهب لما أرواك من الماء، لو كنت في صحراء، وفي جيبك عشرون جنيهاً فلن تغني عنك شيئاً، فالقضية أن المال لتلبس، وتأكل، وتشرب، وتتصدق.فيجب أن يتعظ الإنسان، والأغنياء -وفقنا الله وإياهم- إذا ماتوا فإن الأموال كلها تصير إلى الأولاد وإلى الأهل، لا شك أننا لا نقول: الإنسان يبقى فقيراً، ولا شك أنك إن تدع ورثتك أغنياء خير، لكن بحدود أن تفهم وظيفة الدنيا.وأخيراً: النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الصحيحين : {يتبع الميت إذا مات ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله }.نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أعمالنا وأعمالكم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرزقنا يقظة القلوب، وأن يجنبنا الغفلة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
الأسئلة

 حكم صرف الزكاة لمشروع الزواج
السؤال: إخواننا في مشروع الزواج يستجدون ويسألون: هل يجوز صرف الزكاة لهذا المشروع؟الجواب: نذكر مرة أخرى بأن هذا المشروع من أجمل وأفضل وأنبل المشاريع التي يقوم بها هؤلاء الأخيار -جزاهم الله خيراً- حينما ينتدبون نخبة من المجتمع، ويتولون القيام على شبابكم، والقيام على أبنائكم، والقيام على بناتكم، من أجل أن يهيئوا وييسروا سبل الزواج، فينبغي أن تساعدوهم قدر ما تستطيعون، ولا تستكثروا أي مبلغ دفعتموه، وكل مبلغ دفعتموه فالله سبحانه وتعالى أكثر في الثواب، ويجوز صرف الزكاة لمثل هذا المشروع.والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إنما أنت مذكر للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net