اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البيت العتيق ووفود الرحمن للشيخ : صالح بن حميد


البيت العتيق ووفود الرحمن - (للشيخ : صالح بن حميد)
إن الله سبحانه وتعالى فضل بعض الأيام والشهور على بعض، وكذلك فضل بعض الأماكن على بعض، وإن من هذه البقاع المفضلة بيت الله الحرام الذي جعله الله قبلة المسلمين، وشرفه ببناء إسماعيل وإبراهيم، وخروج محمد صلى الله عليه وسلم داعية فيه إلى الناس أجمعين، وأكرم الله بيته بمضاعفة الحسنات والأجور وثقل المعصية والفجور.
فضل مكة وبيت الله الحرام
الحمد لله الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمناً، وخصه بأول بيت وضع للناس مباركاً للعالمين وهدىً ويُمناً، حرَّمه وعظَّمه يوم خلق السماوات والأرض، وجعله لطالبي خيري الدارَين كفايةً ومغنى، أحمده سبحانه وأشكره وأستعينه وأستغفره.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رضي لنا الإسلام ديناً، فضلاً منه ومَنَّاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله بعثه مِنَّا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعــد:فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوه رحمكم الله، فقد فاز من أطاعه واتقاه، وخاب -والله- وخسر من كفر به وعصاه، وويل لمن زلت به قدماه، يوم يُكشَف الغطاء والبصر حديد، وينظر المرء ما قدمت يداه.أيها الإخوة المسلمون: إن ما يكتبه الكاتبون، ويؤلفه المؤلفون، ويبحثه الباحثون، في فضل مكة وفي شرف البيت وفي تعظيم المشاعر، لا يعدو أن يكون عيضاً من فيض، فليس شرف هذه البقاع الطاهرة بالذي يُسْتَوعَب، وحسب الراغب، بل حسب العاشق الإلماع دون الإشباع، وتكفيه الإشارة عن طويل العبارة.اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً ومهابةً وبراً، وزد من شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه واعتمره، وسكن فيه وجاوره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً، ومهابةً وبراً.أيها الإخوة: لقد اقتضت حكمة الله أن يجمع أهل الإسلام على قبلة واحدة، كما شاء سبحانه أن يحفظ هذا البيت ليبقى قياماً للناس، ومثابة وأمناً، ومبعثاً للوحي، ومصدراً للإيمان. رفع الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، وخُتِمَت النبوَّات والديانات بمحمد صلى الله عليه وسلم، لتكون لأمته -أمةِ التوحيد- قيادة ركب البشرية وهدايتها: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [الحج:78] .البيت الحرام قبلة المسلمين، رمز التوحيد، ومظهر الإيمان، تشرئب إليه القلوب، وتتطاول إليه الأعناق، فهو مظهر وحدتهم، وسر اجتماعهم، ومحور شعائرهم قال تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144] (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم ) .من هذا التاريخ تصدَّرت مكة ، وشرفت الكعبة، وتقدس البيت، يدينون لله بزيارته، ويتقربون لله بحَجِّه، وأمم الإسلام تولِّيه شطرها، فلا تمر ساعة أو لحظة من ليل أو نهار إلا وهم متوجهون إلى هذا البيت، ما بين قائم وقاعد، وراكع وساجد، وقانت وخاشع.هو أول البيوت وضعاً، بنته الأنبياء الكرام بأيديها؛ إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، فله شرف الأولوية، ودوام الحرمة، ومباشرة الأنبياء.
 مضاعفة الأوزار والآثام في بيت الله
الحمد لله أسكن من ذرية إبراهيم بواد غير ذي زرع فطابوا مقيلاً، وجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم فتطير بأجنحة الشوق بكرةً وأصيلاً، أحمده سبحانه وأشكره، قوله الحق: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران:97] .وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله اتخذه خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ساروا على النهج، وحافظوا على العهد، وما بدلوا تبديلاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعــد:فاتقوا الله أيها الناس؛ فتقوى الله وقاية من عذابه، واحذروا المعاصي؛ فإنها موجبات غضبه وأليم عقابه، وهُبُّوا من الغفلات: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [لقمان:33] فلسوف يفاجئ الغافل ما ليس في ظنه ولا حسابه.أيها المسلمون! هذا هو بيت الله، وهذا هو حرمه وفضله، فحقه أن يُعظَّم ويُكرَّم، ويُقدَّس ويطهر.ألا فليتقِ الله المجترئون على حرمات الله، وليتق الله من لم يعظِّم شعائر الله، إن الذنب ليعظُم في حرم الله وجوار بيته، عليهم أن يطهروا نفوسهم من موبقات الذنوب، ويطهروا بيت الله من رجس الأعمال. ليتقِ الله الغارقون في الملاهي، وأسبابها ووسائلها، وليتقِ الله أَكَلَةُ الربا، ومقترفو الزنا، ومتعاطو الخمور والمخدرات، أين أدب الجوار؟! وأين وازع الإيمان؟! وأين شكر النعمة؟! متى يتوب من لم يتب وهو في حرم الله؟! أما علم هذا أن الله قد جعل قصد بيته مكفِّراً لما سلف من الذنوب؟! {فمن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه } .يا هذا! إن الهَمَّ بالسيئة -وإن لم تُفْعَل- مُتَوَعَّد عليها بالعذاب والعقاب: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25].والإلحاد -وقاك الله-: كل ما خالف الشرع من ترك المأمورات أو فعل المنهيات، حتى عد بعض أهل العلم احتكار الطعام بـمكة من الإلحاد في الحرم.يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [[لو أن رجلاً هَمَّ فيه بإلحاد وهو بـعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً ]] .أما علمت أن الله قد قَصَم عدوان المعتدين! ودَحَر جيش الغازي! ونُكِّسَت أعلام الباغي؟! أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] .وهل ترى أعظم خسارةً وأقل نصيباً ممن أنعم الله عليه بزيارة بيته أو جوار حرمه، ثم كَرَّ على أعماله فهدم ما بنى، وشتت ما جمع، انتكس بعد هدى، وارتكس بعد الصفاء، وسوَّد صفحاته بأعمالٍ شوهاء؟!وإن لضيوف الرحمن حقاً، فاعرفوا حقهم يا أهل الحرم.أيها المجاورون في الحرمين الشريفين! اعرفوا لضيوف الرحمن حقهم، ولوفود بيت الله واجبهم من التكريم، وحفظ الحقوق، والصدق في معاملاتهم، وإرشاد ضالهم، والنصح في توجيههم، فأدوا لهم حقهم، واشكروا فضل الله عليكم، يا أهل الحرم!وولاة الأمر في الحرمين الشريفين -وفقهم الله- قد بذلوا وأنفقوا، ووسعوا وجددوا، قياماً بحق الولاية، وشكراً للنعمة، وإكراماً لوفود الله، فشكر الله مساعيهم، وبارك في جهودهم، وتقبل منا ومنهم، فأروا الله من أنفسكم خيراً، واشكروا نعمة الجوار، واعرفوا حق هذه الديار.ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، المبعوث من هذه البقاع نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلاً عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] .اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وجميع أعداء الدين.اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحين.اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، وأعز به دينك وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك.اللهم انصرهم في فلسطين ، وفي كشمير ، وفي كل مكان، اللهم أيدهم، وأعنهم، ولا تعن عليهم، اللهم قهم شر أعدائهم إنك سميع مجيب.رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , البيت العتيق ووفود الرحمن للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net