اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رهبان الليل رجال الدنيا والآخرة للشيخ : صالح بن حميد


رهبان الليل رجال الدنيا والآخرة - (للشيخ : صالح بن حميد)
إن الصلاة هي أعظم صلة بين العبد وربه كما جاء في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهي مفتاح لكل خير، ومفرجة لكل هم، وكاشفة لكل غم، إنها مفزع الخائفين وقربى للوجلين، وبرهان ونور للعاصين التائبين. وقيام الليل فضله عظيم .. فأين المشمرون؟!
مكانة الصلاة في الدين
الحمد لله أوجد الكائنات فأبدعها صنعاً، وأحكمها خلقاً، وهدى عباده النجدين، فأسعد فريقاً وفريقاً أشقى، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه بما هو أهله، لم يزل للشكر مستحقاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعبداً ورقاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله هو الأخشى لربه والأتقى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المقدمين فضلاً وسبقاً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ومن نصر دين الله حقاً وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عز وجل فاتقوا الله رحمكم الله، وتقربوا إليه بطاعته، والإكثار من ذكره وشكره، وحسن عبادته، توددوا إليه بالتحدث بنعمه، والإحسان إلى خلقه، تعرفوا إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة، إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدىً، ومن خاف اليوم أمن غداً، والربح لمن باع الفاني بالباقي، والخسران لمن سدت مسامعه الشهوات، وآثر الحياة الدنيا.أيها المسلمون: القارئون للتاريخ والناظرون في أحوال الأمم يرون أن هذا العصر هو أعنف عصور البشرية، وأغزرها دماً، وأشدها دماراً.إن من المفارقات العجيبة والمقارنات اللافتة أن يكون ذلك في وقتٍ وصلت فيه الثقافة والعلوم والتعليم والمخترعات والمكتشفات إلى قوةٍ غير مسبوقة، فمن غير المنكور ما يعيشه العالم كله من تقدم مادي له منجزاتٌ خيرة، وآثار نافعة، في الاتصالات والمواصلات والآلات والتقنيات، والصحة والتعليم، وأسباب المعيشة في آثارٍ إيجابية مشهودة في حياة الناس، ولكن ومع كل هذا النفع المشهود يصبح هذا العصر أعظم العصور قسوة ووحشية، غريب وعجيب أن يكون التنوير سبيل التدمير! ولكن يزول العجب وترتفع الغرابة إذا استرجع المسلم قول الله عز وجل: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] غفلوا عن الآخرة فنسوا ربهم، وجهلوا حقيقة مهمتهم، شرعوا لأنفسهم واستبدوا في أحكامهم وعتوا عتواً كبيراً، لقد كدوا ذكاءهم وسخروا علومهم ووظفوا مخترعاتهم في أسلحة الدمار، والصراع على موارد الخيرات، والتنافس غير الشريف.إن الذي يستحق التوقف والتأمل أن هذا الجهد وهذا التنافس والتصارع الذي يبذل على وجه هذه الأرض في هذه الميادين لو بذل أقل من نصفه في الأدب مع الله وتوقيره، وابتغاء مرضاته، لكسب الناس الدنيا والآخرة جميعاً، ولأظلهم الأمن الوارف، ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن كثيراً منهم كذبوا وظلموا وآذوا وأفسدوا وأوقدوا حروباً، وأشعلوا صراعات، وأثاروا مشكلاتٍ اقتصادية وسياسية، واستضعفوا أمماً، واستنقصوا حقوقاً، فأُخذوا بما كانوا يكسبون، ولا يزالون تصيبهم بما صنعوا قوارع.إن أهل الإسلام وهم في هذا الشهر المبارك ليعلنون أن باب الصلاح والإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب، طريق الإصلاح والصلاح لا يكون ولن يكون إلا بالخضوع التام لله الواحد القهار؛ عبادةً، وتذللاً، وانقياداً، وتسليماً.العبادة في الإسلام ذات مدلولٍ واسع، إيمانٌ صادق، وعمل صالح: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163].. مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].ثم بعد ذلك امتلاك الحياة، والأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله، وحسن التوكل عليه، وتسخير ذلك في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، وليكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة.أيها الإخوة المسلمون: الإنسان ضعيف لا قوة له إلا حين يتصل بربه، الإنسان تواجهه قوى الشر، وتثقل عليه المقاومة بين دفع الشهوات، وإغراءات مطامع يثقل عليه مجاهدة الطغيان، وتطول به الجادة، وتبعد عليه الشقة، ليس له في هذه الأمواج العاتية، ولا مفزع من التيارات الجارفة، إلا الاعتصام بالله واللياذ بجنابه.أيها المسلمون: إن مناسبة الزمان الشريف الذي يعيشه المسلمون هذه الأيام تستدعي الحديث عن أهم العبادات في الإسلام، وأعظمها اعتصاماً بالله سبحانه، تلكم هي العبادة التي يفزع إليها نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر،وقرة عينه إذا ضاقت عليه المسالك.الصلاة مورد النبع الذي لا يغيب، والكنز الذي يغري ويقني ويفيض، حين تستحكم الأمور، ويشتد هدير الحياة: (يا بلال ! أقم الصلاة أرحنا بها ).الصلاة: هي عمود الإسلام، وهي بإذن الله مفزع التائبين، وملجأ الخائفين، ونور المتعبدين، وبضاعة المتاجرين، تجلو صدأ القلوب بأنوارها، وتزيل حجب الغفلات بأبكارها، وتنير الوجوه بأسرارها وآثارها، ومن كان أقوى إيماناً كان أحسن صلاةً، وأقبل قنوتاً، وأعظم يقيناً.جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليستكثر ) أخرجه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
 

فضل صلاة الليل
عباد الله: وتأتي صلاة الليل والتهجد في الأسحار ليتجلى هذا الاتصال بالله العلي الأعلى في صورة من التعبد بهية بهيجة، فقد صح في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة صلاة الليل ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولقد حكى الإجماع على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم، والقدوة الأولى والأسوة العظمى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (كان يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان ) مخرجٌ في الصحيحين .أما في رمضان فكان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، وإذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر: (ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) وربنا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: (أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟ )، وفي حديث عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) بل إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة في صلاة الليل يحيى بها بإذن الله ميت القلوب، وتشحن بها فاتر الهمم، قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفيراً للسيئات، ومطردة للداء عن الحسد، وفي الحديث:(عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ).
 وقت صلاة الليل وكيفيتها
أما وقت صلاة الليل فهو ممتدٌ من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ومن كل الليل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقر ورده في السحر، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.وفي المأثور من أحوال السلف منهم من يصلي الليل كله، ومنهم من يصلي نصفه، ومنهم ثلثه، ومنهم خمسه، ومنهم سدسه، ومنهم من يصلي ركعاتٍ معدوداتٍ ومن أيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.ومن الآداب التي ينبغي رعايتها في صلاة الليل وقيامه، أن يستفتح بركعتين خفيفتين، ثم يصلي ما كتب له مثنى مثنى يسلم بعد كل ركعتين، ويستحب أن يطيل القراءة والركوع والسجود، ويقرأ ويتدبر ويجتهد في الذكر والدعاء، ويكثر ولا يشق على نفسه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {عليكم بما تطيقون فوالله! لا يمل الله حتى تملوا، وسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة }.وإن مما يحث الهمة ويبعث القوة أن تعلم أنك في أيامٍ فاضلة وأوقاتٍ شريفة في شهرٍ مبارك، المغبون من فرط فيه، والخاسر من لم ينافس فيه، هو ميدان التسابق لقيام الليل، وساحات التنافس للركع السجود، هذه الأيام من أرجى الأيام، فليست قيمة الأيام بساعاتها، ولا قدر الليالي بطولها وعددها، وإنما قيمة الأوقات بما تحمله من خيرٍ للبشر، وسعادة للنفوس.ألا فاتقوا الله رحمكم الله واغتنموا أوقاتكم وأروا الله من أنفسكم خيراً، وتعرضوا لنفحات ربكم: {أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام }.ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمدٍٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل حكيماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين.اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين!اللهم أيد بالحق والتوفيق والتسديد والتأييد إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم أعز به دينك، وأعل به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين.اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين ، وفي كشمير ، وفي الشيشان ، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين!اللهم ربنا سبحانك وبحمدك لا يخلف وعدك، ولا يهزم جندك، نسألك أن تنصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم أيدهم وسددهم وثبت أقدامهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأطعمهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم واجعل الذلة والصغار والهزيمة على أعدائهم، اللهم أنزل بهم بأسك ورجزك إله الحق!اللهم أنت الله لا إله إلا أنت؛ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم واجعل ما أنزلته قوةً لنا على طاعتك وبلاغاً إلى حين.اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.اللهم ارفع عن الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رهبان الليل رجال الدنيا والآخرة للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net