اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرة ومراجعة لمبادئ الحضارة المعاصرة للشيخ : صالح بن حميد


نظرة ومراجعة لمبادئ الحضارة المعاصرة - (للشيخ : صالح بن حميد)
الفتن والمحن وغيرها من الأحداث منبهات تدعو إلى مراجعة الموروث الحضاري، ثقافة وعلماً وعملاً.وإذا كان هذا الموروث عظيماً، فإن تركيب الحضارة القادمة سيتضمن فيما يتضمن البقايا المشرقة من الحضارة السابقة.ومن الظواهر المعاصرة التي ينبغي مراجعتها: التعلق بالماديات، الحروب البشعة ... وغيرها.وفي هذا المادة بيان لما يلحظه المستقرئ للتاريخ الإسلامي مما قدمه الإسلام للبشرية خلال مراحله المختلفة.
الأحداث الكبرى دعوة إلى مراجعة الماضي
الحمد لله حمد الشاكرين، والشكر له شكر الحامدين، تبارك ربنا وتقدس، له جميع المحامد، وتعالى وتكرم، منه جزيل الفضل وجميع العوائد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تمت كلمته، وعمت رحمته، وفاضت نعمته، وهو الإله الواحد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، فهو البشير والنذير والشاهد؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، السادة الأماجد، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، فمن اتقى الله وقاه، ومن أناب إليه تاب عليه وهداه، ومن رضي عن الله رضي الله عنه وأرضاه، ومن أذل نفسه في طاعة الله أعزه وأعلاه، من تاجر مع الله ربحت تجارته، ومن هاجر إلى الله صحت هجرته، تأملوا في حوادث الدهر وقوارع العبر، فإنهن صوادق الخبر، حوادث فيها مزدجر، ومتغيرات فيها معتبر، تعير مرة، وتسلب أخرى، وتفسد عامراً، وتعمر قفراً.أيها المسلمون! الفتن والبلايا منبهات وموقظات، تحمل الأمم الحية على العودة إلى نفسها والقيام بهمة إلى مراجعة مواريثها العلمية، ومواقفها العملية، ومسيرتها الحضارية بجدٍ ومصداقية، وصراحة وشفافية.مراجعة تفحص فيها مواريثها، وتقوم عملها، وتمحص ثقافتها، تلك المواريث والثقافات التي تؤثر في حياة الناس، وتوجه سلوكهم، وتصنع اهتماماتهم في محاولة جادة صادقة، لتحديد أسباب القصور ومواطن التقصير.التحديات الكبرى والأزمات المتأزمة، توقظ الأمم، وتنبه الدول، وتشكل التحولات الكبرى في مسيرة الحياة، وتمحو الصور المشوهة، والعناصر الهرمة، والكيانات الرخوة في حياة الشعوب، وتحفزها للانطلاق من جديد.إن إحباطات الماضي، وخيبات الأمل عند الأمم الحية لا تقضي على إمكانات المستقبل، ولكنها تنبه إليها؛ بل تؤكدها وتظهر فاعليتها، ولقد قال الله عز شأنه في ابتلاء يوم أحد : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140-141].إن الأحداث الكبرى حين تقع لا تخص أمة بعينها، أو دولة بمفردها، ولكنها تشمل رقعة واسعة من الدنيا، إن لم تشمل العالم بأسره، أفراداً وجماعات، وشعوباً ودولاً.أحداثٌ كبرى، تتولد عنها تحولات، وتنتج منها مواقف في الشأن كله، في الاعتقاد والاقتصاد، والسياسة والاجتماع، والتربية والتعليم، وفي ميادين الحياة كلها.وفي ظل هذه الأحداث والابتلاءات يجدر بالعقلاء إعادة قراءة المبادئ، واستعادة النظر في المقررات، كما تراجع النظم وأنماط الحياة، إنه لجميل أن تراجع المبادئ والمقررات، وأجمل منه مراجعة آثار هذه المبادئ، وما صنعته تلك النظم، وما أورثته من نتائج على الأمم والأفراد.وإن من أولى ما يستحق المراجعة وإعادة النظر مبادئ هذا العصر ونظمه ومقرراته وسياساته.
 المراجعة من أجل العدالة والإنصاف
أيها الإخوة في الله! تجب المراجعة الصادقة والجادة من أجل أن يسود العدل والإنصاف، ويحق الحق، ويزهق الباطل.إن العالم بحاجة إلى صياغة سياسة رحيمة، تقطر أخلاقاً وإنصافاً وعدلاً وتديناً، سياسة تلغي هذه الأسلحة الجرثومية، التي تزرع الدمار في الديار، والدمار في الضمائر.سياسة ترعى العدالة في حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، والحرية، والكرامة، والرحمة، والطمأنينة.سياسة تنهي الاستعمار والهيمنة بكافة أشكالها الاقتصادية والفكرية والثقافية.سياسة تقف بصدقٍ إلى جانب الضعيف والمظلوم، حتى ترفع مظلمته، فالعدل لا يحقق بالظلم، والأمن لا يستجلب بالخوف، يجب استبعاد منطق الثأر والانتقام إلى رحاب الحوار وهدوء النقاش.العالم بدوله الصغيرة والكبيرة بحاجة إلى الترابط والتوافق والعيش بسلمٍ وسلام.هذا هو الذي يجب أن يتنادى إليه العقلاء، ويأخذ به المخلصون الذين يقصدون إلى خير البشرية كلها، ولا يحسن بهؤلاء العقلاء والمخلصين أن يغالطوا التاريخ، ويخالفوا السنن، إنهم إن لم يفعلوا ذلك، فإن الضعيف لن يبقى ضعيفاً، والتاريخ حافلٌ بالأمثلة على صعود أمم وهبوط أخرى، وعلو حضارات وانحسار أخرى، وهو حافلٌ كذلك بمشاهد قدرة الشعوب على الصبر والصمود والمصابرة وطول الكفاح والمقاومة، والأيام دول، والزمن قلب، والأمر كله لله، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء:227]، وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف:26].نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه .. إنه هو الغفور الرحيم.
استقراء التاريخ الإسلامي
الحمد لله الذي أوجد الكائنات بقدرته، وقهرها بقوته، وفاوت بينها بحكمته، أحمده سبحانه وأشكره على كريم فضله وجزيل نعمته.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصب الدلائل على وحدانيته.وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، اصطفاه لرسالته، ورحم العالمين ببعثته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه وأزواجه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على هديه والتزم بسنته.أما بعد: فإن المستقرئ لتأريخ أمة الإسلام، ولا سيما تأريخ الفتن الداخلية، والنكبات الخارجية، ابتداءً بفتنة الردة، ومروراً بالإعصار المغولي، ثم الغزو الصليبي، حتى الاستعمار الحديث والحقبة اليهودية القائمة.إن هذا التأريخ الإسلامي العظيم بقدر ما حمل من الحضارة والإضاءة والعدل والإنصاف مع نفسه ومع الأمم والشعوب التي انضوت تحت حكمه، وانطوت تحت لوائه؛ فلقد أثرت هذه الفتن والأزمات وهناً حضارياً، وصوراً من الغثاء الاجتماعي، حتى ضعضع الدهر كثيراً من جوانب الأمة، وأشمت بها الأعداء، بل أصبح من سلوة النفس الشماتة بالذات، ولكن هذه الفتن وهذه الأزمات في الوقت ذاته شكلت تحديات، وأثارت استفزازات، وجددت عزائم، وشحذت همماً، وحرضت على استئناف الشئون الحضارية.
 كيفية خروج المسلمين من مشكلاتهم
وبعد:فإن الإسلام -وبكل فخرٍ واعتزازٍ وقوة- قد قدم بعقائده وأحكامه وحضارته ومبادئه للبشرية ما لم تقدمه حضارة أخرى، والمسلمون قادرون -بإذن الله- على الخروج من مشكلاتهم، حين ينبذون الفرقة، ويرفضون التمزق، ويكون ذلك -بعون الله- بالإحساس التام بمسئوليتهم، ليس نحو أنفسهم فحسب، بل نحو الإنسانية كلها، إنهم بذلك ينقذون أنفسهم، ويصلحون البشرية، لا بد أن يعرفوا حقيقة دينهم، وطبيعة رسالتهم، ومن ثم يفقهون سنن الله في التغيير وبناء الأمم ومسالك الإصلاح إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وأقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب. ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال جل شأنه وهو الصادق في قيله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين.اللهم وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك المؤمنين.اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.اللهم أيد بالحق والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه.اللهم أعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين ، وفي كشمير ، وفي الشيشان ، وفي كل مكان يا رب العالمين.اللهم إن اليهود المحتلين الغاصبين قد طغوا وبغوا، وآذوا وأفسدوا، وقتلوا ودمروا، اللهم فأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم واجعل بأسهم بينهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعل الدائرة عليهم، يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , نظرة ومراجعة لمبادئ الحضارة المعاصرة للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net