اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الماء سر الحياة للشيخ : صالح بن حميد


الماء سر الحياة - (للشيخ : صالح بن حميد)
آيات الله في الآفاق والأرض والسماوات كثيرة، من هذه الآيات نعمة عظيمة وجليلة، إنها نعمة الماء، أعظم النعم، عليه تقوم الحياة، وهو أساس الحضارة والرقي، وعماد الاقتصاد ومصدر الرخاء، فالواجب علينا معرفة عظم هذه النعمة، واستغلالها، وتجنب التبذير والإسراف فيها.
الماء آية من آيات الله الكونية
الحمد لله بارئ البريات وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحمده سبحانه وأشكره، أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وكل شيء عنده بمقدار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء، وأكرم من مشى تحت أديم السماء.اللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل من خير أمة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تجددت نعمة بعد نعمة.أما بعـد:أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله -رحمكم الله- وبادروا آجالكم بأعمالكم، واستعدوا للرحيل فقد جد بكم، فربكم لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم سدىً، فتزودوا من دنياكم ما تحرزون به أنفسكم غداً، فرحم الله عبداً اتقى ربه، ونصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته، فالأجل مستور، والأمل خادع.أيها المسلمون: آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وفي السماوات وفي الأرض كثيرة يمر عليها الناس وهم عنها معرضون، نعم وآلاء تتوجه إليها البصائر والأبصار في مكنونات هذا الكون، والظواهر والأحوال في تأملات واسعة الآماد، ممتدة من المنشأ حتى المعاد.فالأرض فراش ومهاد، والسماء سقف محفوظ ومرفوع بغير عماد، ظواهر عجيبة في تقلب الليل والنهار، والفلك الدوار، والرياح المرسلة، والأمواج الهادئة والهادرة.سَبْحٌ من التفكر عظيم في هذا الكون الواسع الفسيح.تفكر وتأمل يحيي القلوب، ونظر وتبصر يستجيش العقول في بدائع صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ لينظر في آثار الربوبية وليكون التوحيد كله لله.
 

بيان أهمية الماء في الحياة
عباد الله: وهذه وقفة مع نعمة واحدة من هذه النعم وآية كبرى من هذه الآيات، أنعم الله بها على خلقه، منها خلقهم، وعليها أقام حياتهم، وقسم أرزاقهم، وهي بإذن الله سر الحياة.ورد لفظها بمشتقاتها في كتاب الله أكثر من مائة وستين مرة.تنزل من السماء، وتخرج من الأرض، وتتشقق منها الجبال، وتتصدع منها الحجارة.طالما تلذذ بذكرها الأدباء، وتغنى بسلسبيل نظمها الشعراء.تصورها يرطب القلوب، وذكرها يهز النفوس، بل إنها -بإذن الله- حياة الروح والبدن.تلكم هي: هذا السائل المبارك الطهور، إنه الماء، واقرءوا إن شئتم في كتاب الله: وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30].. وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور:45].
 الهدي النبوي في استعمال الماء
عباد الله: إن الماء مورد عظيم، بل إنه من أكبر الموارد التي تحتاج إليها كل أمة في كثير من ميادين حياتها ومعاشها، ولقد ورد في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الحث على المحافظة عليه، والاقتصاد في استعماله، وتجنب الإسراف في استخدامه واستهلاكه في وجوه الاستخدامات كافة، شرباً وطهياً، واغتسالاً وغسلاً، وغير ذلك.وتأملوا في سنة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: {فقد كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد } رواه أحمد ومسلم وغيرهما. وفي رواية الصحيحين : {كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد } بل جاء عند مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه: {أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك }.وفي رواية عند أبي داود من حديث أم عمار : {أنه عليه الصلاة والسلام توضأ بماء في إناء قدر ثلثي مد }.ولقد شدد أهل العلم رحمهم الله في المنع من الإسراف بالماء ولو كان على شاطئ النهر أو البحر. يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: [[اقتصد في الوضوء ولو كنت على شاطئ نهر ]]. وقال محارب بن دثار : [[كان يقال: من ضعف علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور ]]. وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: {يـابن عباس كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني لغسلي؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا أم لك! قد كفى من هو خير منك، رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه أحمد والبزار والطبراني بسند رجاله ثقات.أيها المسلمون: لا بد من الأخذ بالحزم في هذا الشأن، فالله سبحانه وتعالى لا يحب المسرفين، والمبذرون هم إخوان الشياطين، وإن عدم الشعور بالمسئولية، ونزعة الاتكالية، وإلقاء التبعة على الآخرين، مصيبة قاتلة، وسبيل لانهيار المجتمع، وضياع لحقوقه ومرافقه، فإذا تنصل المرء من مسئوليته، وتفلت من التزاماته؛ أصبح عضواً فاسداً وكلاً على مجتمعه، وعبئاً على أمته، ولو تعلل كل مؤمن بتقصير غيره؛ لما بقي في الدنيا حوافز للخير؛ لأن وجود الإهمال في بعض الأفراد أمر لا بد من وقوعه بصورة ما، في كل زمان ومكان، والعقلاء والجادون يتخذون من وقوع الأخطاء عند الآخرين مواطن عظة واعتبار، فيحاولون ما استطاعوا إصلاح الخطأ، وتغيير المنكر، والتعاون على البر والتقوى. إن من الخطأ المدمر، والهلاك المرضي: أن يتهاون بعض الناس فيقول: هذا من مسئولية فلان، وتلك من مسئولية الجهة الفلانية، والحق قوله صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته }.أيها المسلمون: وما يتحدث به بعض المهتمين من ذوي الشأن في أنحاء كثيرة من العالم من ظهور نقص في المياه، وتخوف من الشح في مصادرها، أمر ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد، وإن كان اعتماد المسلم على ربه سبحانه، فيضرع إليه ويلجأ إلى رحمته، فيستقيم على الطريقة، فيسقيه ماء غدقاً، ويتأخر الغيث عن موعده، فيتوجه المسلمون إلى ربهم دعاءً وصلاةً واستسقاءً.ومع كل ذلك لا بد أن يُؤخذ بالأسباب، فحسن الاستعمال، والاقتصاد في الاستهلاك، مسلك إسلامي رشيد، وما يتحدث عنه هؤلاء من مؤشرات نذر، وما يتحدثون عنه من الأمن المائي، وحروب المياه، ومعارك التعطيش، فإن الذي يجب أن يعلم، أن قضايا المياه قضايا إنسانية، وضرورات حياتية، يجب أن ينأى بها عن دائرة الصراعات والحروب، والابتزاز والمتاجرات والمزايدات، ولكنهم مع الأسف يؤذون البشرية، ويخوفونها بحروبهم الباردة والساخنة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:32-34].نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الآداب الإسلامية في المحافظة على الماء
الحمد لله المتفرد بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، القائم على كل النفوس بآجالها، العالِم بتقلبها وأحوالها، أحمده سبحانه وأشكره، نفذت في خلقه مشيئته، ومضت فيهم إرادته، فهم على أقدارهم يمشون، وبما تيسر لهم من الأعمال يعملون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أكمل به الدين وأظهره على جميع الأديان، صلى الله وسلم وبارك عليه ما تعاقب الجديدان، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان.أما بعـد:أيها المسلمون: من قضايا الإصلاح الاجتماعي: النظر في المرافق العامة، والالتفات إلى تحمل المسئولية فيها ورعايتها، والمحافظة عليها، حتى تحقق غايتها في منافعها، وحسن الاستفادة منها، ودعوة الإسلام في ذلك واسعة دقيقة، من رعاية الطرق، وصيانة المياه، والمحافظة على الظل، ومنع الأذى بكل صوره، وكف الشرور بأنواعها، مما يؤدي إلى صلاح المجتمع وعمارة مرافقه، وحسن استعمالها، والاستفادة منها؛ مما يجسد التحضر بأرقى صوره في الفرد والجماعة. أيها الأحبة: وهذه صورة من صور المحافظة على الماء في ديننا، ولا سيما في حفظها من التلوث، ذلك الأمر الذي لم تعرفه البشرية إلا في وقتها الحاضر، واعتبرته سمة من سمات تقدمها وتحضرها.لقد كانت وصايا نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته في ذلك واضحة، في حفظ الماء، والمحافظة عليه، واستعماله طهوراً نقياً، نظيفاً خالياً من التلوث وأسباب التلوث.
 النهي عن الاغتسال في الماء الراكد
ونهى عليه الصلاة والسلام عن الاغتسال في الماء الراكد الساكن الذي لا يجري وقال: {ولكن يتناوله تناولاً }، ونهى عن التبول في الماء الدائم، بل لقد نهى عليه الصلاة والسلام عن التبول قرب الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: {اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل }. هذه بعض الآداب والتوجيهات، ولكن مع الأسف الشديد ما لوث الأنهار والبحار على سعتها وكبرها إلا ما جلبه أصحاب التقدم في صناعاتهم ومخترعاتهم ومعداتهم وآلاتهم.ألا فاتقوا الله رحمكم الله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] .ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وأعداء الملة والدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين! اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأعلِ به كلمتك، وأعز به دينك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، اللهم وارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين!اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك ولإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين ، اللهم انصرهم في كشمير ، اللهم انصرهم في كوسوفا ، اللهم انصرهم على اليهود الغاصبين وعلى الصرب الظالمين، وعلى الوثنيين المعتدين.اللهم فرق جمع هؤلاء المعتدين من اليهود والصرب والوثنيين، اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، وخالف بين قلوبهم، واجعل بأسهم بينهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز! ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرفنا في أمرنا وثبت أقدمانا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، واذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الماء سر الحياة للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net