اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ابدءوا بالتوحيد للشيخ : صالح بن حميد


ابدءوا بالتوحيد - (للشيخ : صالح بن حميد)
إن التوحيد هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، فما من نبي إلا وقد أمره الله أن يأمر قومه أن يوحدوا الله ويعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ لهذا وغيره ذكر الشيخ أنه لابد من البداية بالتوحيد، وتكلم عن تعريف التوحيد والحث على تعليمه، وتكلم عن تعريف الشرك والحذر والخوف منه، وبين أن التوحيد داخل ومرتبط بجميع أحكام الإسلام، وهذا يدل على أهميته ووجوب تعلمه وتعليمه.
لماذا الحديث عن التوحيد؟
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه ربه بالهدى، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين من الأنصار والمهاجرين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:- فأحييكم بتحية الإسلام؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته .. ثم أشكر للإخوة الذين رتبوا لهذه الدورة ترتيبهم، كما أشكر لهم دعوتهم وإتاحتهم الفرصة لِلَّقاء بهذه الوجوه الطيبة في هذه البقعة المباركة، في هذا البيت من بيوت الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسنات الجميع.أيها الإخوة: الموضوع -كما سمعتم- ابدءوا بالتوحيد.ومعلوم أن الموضوع ليس بجديد، والحديث فيه قد كثر، ولا أقول: إنه متكرر أو مردد كثيراً، ولكنه متتابع، وينبغي أن يتتابع الحديث فيه لأمور سوف تتبين -إن شاء الله- من خلال ما سألقي عليكم من أفكار وعناصر في الموضوع، وفيما بين يدي من عناصر سوف أتكلم عن التوحيد من حيث تعريفه وإثباته، ومن حيث احتفاء كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم به، ومن حيث جلائه فيما يسمى بآيات الأحكام أو أحاديث الأحكام، أو حتى ما يسمى بالفروع، وهذا يستدعي الحديث عن الضد، وهو الشرك والخوف منه، وكذلك قد نتحدث -إذا كان في الوقت متسع- عن طريقة تعليم التوحيد.وسوف أبدأ بموضوع ما يسمى بأصول الدين وفروعه، وإن كانت العادة والمتبع في الترتيب العلمي أن يُبدأ بالتعريف أولاً، ثم تتدرج المعلومات في ابتناء بعضها على بعض، ولكن يبدو أن الحديث عما يسمى بأصول الدين وفروعه هو الذي يتجلى فيه.لماذا نتحدث عن التوحيد؟ولماذا نبدأ بالتوحيد؟المتبع في ترتيب علمائنا -رحمهم الله- المتقدمين منهم والمتأخرين، والناظر في مناهج التاريخ أنهم يقسمون العلوم إلى: أصول الدين وفروع الدين، ويعتبرون أصول الدين هو الحديث عن التوحيد، ويسمونه -أيضاً- في بعض المصطلحات علم الكلام والعقائد .. وفروع الدين تعني الحديث عن الأحكام وقضايا الفقه والتشريع.وانبنى على هذا قولهم: إن القرآن حينما تنزل في مكة كانت عنايته بالعقيدة وما يثبت العقيدة من قصص وأحوال الأنبياء مع أقوامهم، وما حل بالأقوام من عقوبات لمخالفتهم لأنبياء الله عز وجل.ثم قالوا: إنه بعدما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصبح الكلام عن التشريع والأحكام، وتنزلت الفرائض.وهذا الكلام لا شك أن له ما يسنده وما يستدل له، من حيث أن الأحكام لم تتنزل إلا في المدينة ، ما عدا الصلاة فإنها شرعت في مكة بعد عشر سنين، أما سائر الأحكام فإنها ما شرعت إلا في المدينة ، وهذا كلام واضح وجلي ومعلوم من تتبع تاريخ التشريع.ولكن -وهذا هو المهم- هل توقف الحديث عن التوحيد؟ وكيف تحدث القرآن عن التوحيد في كل مراحل تنزله خلال ثلاث وعشرين عاماً؟ وكذلك كيف كانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومسيرته منذ بعث إلى أن توفي؟ أين محل التوحيد من سيرته عليه الصلاة والسلام؟ هذه القضية -يا إخواني- جديرة بالبحث وبالتأمل .. لماذا؟ لأن الحديث عن التوحيد هو لب الدين، في كل وقت، بل في كل ظرف، والمخاطبون بالتوحيد ليس الكفار فقط، بل إن المسلمين يخاطبون بالتوحيد، ويخاطبون بالحديث عن التوحيد، ويخاطبون بتقرير وتثبيت التوحيد.وذلك لأننا سوف نرى -من خلال تتبع التشريع- أن القضية ليست مجال تردد لمن أنار الله بصيرته، ولو ذكرت لكم بعض قضايا سريعة تعرفونها: حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) هذه آخر لحظة من حياة الإنسان، (لا إله إلا الله) و(من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) الخطاب لمن؟ إنه للمسلمين .. وحينما كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، كان يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ).. في مرضه الذي مات فيه.إذاً: حينما أتحدث عن التوحيد، فليس الأمر كما يقول بعض الناس -خاصة في خارج هذه البلاد، أو الذين لم يعرفوا طريقة القرآن- يقول: إنكم تتهمون الناس في عقائدهم .. أو نحو هذا الكلام.
 خطاب الله تعالى للكفار بالتوحيد
وفيما يتعلق بالكفار هناك آيات كثيرة، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] ويقول تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [يونس:31] والأصل أن الخطاب فيها للمشركين، بالتوحيد والدعوة إلى التوحيد وإثباته، لكن نحن تكلمنا عما يتعلق بهؤلاء الذي هم ليسوا محل شك، بل خوطب المؤمنون منهم بوصف الإيمان، ومع هذا قال: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ [الفرقان:68] وقال: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55].
الشرك والخوف منه
نأتي إلى قضية وهي قضية الخوف من الشرك، ولا نقف عندها طويلاً وإن كانت تستحق؛ لأننا سننتقل بعدها إلى قضية التوحيد وتعريفه... الخ.قضية الخوف من الشرك تتجلى في مثل قوله تعالى: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] وتتجلى في قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] ولابد أن نتأمل هذه الآية في سياقها ماذا نفت وماذا أثبتت.والآية الأخرى في سورة النساء يقول تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] وهنا قال: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] فعندنا هنا نفي (لا يشركون) ونكرة (شيئاً) والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما يقول الأصوليون والبلاغيون.وقوله تعالى: لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] هناك تقديران، وكلاهما صحيح، بل قد نقول: كلاهما مقصود، وكلاهما مقدر، الأول: لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] من الأشياء .. لا حجر، ولا ملك، ولا شمس، ولا أي شيء، مهما عظم ومهما صغر. إذاً: هذا نفي لأي ذرة من الشرك، أو من الأشياء التي يمكن أو يتصور أن تصرف لغير الله وهي محض حق الله تعالى.التقدير الثاني: لا يشركون بي أي نوع من أنواع الشرك، ولا أي شيء من الأشياء المعبودة، فقد نفى أي شيء من الشرك، ونفى أي شيء من الأشياء المعبودة .. فالقضية دقيقة يا إخوان، بدليل أن الله عز وجل قال: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].ولو قارنت بين هاتين الآيتين لتبين لك عظم الأمر، فخصائص الطلب الإلهي: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء:36] قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [الأنعام:151] وخصائص المؤمنين: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور:55] لا شيئاً من الأشياء المعبودة، ولا شيئاً من أنواع الشرك، فالمنفي هو الأمران .. لا شيئاً من المعبودات مهما صغرت، ولو كان ذباباً أو أقل من ذباب أو ذرة، ولهذا نفى الله عز وجل في الآية التي تقطع نياط القلب عن سائر المعبودات من دونه امتلاك مثقال ذرة فقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سـبأ:22] نفى الله عز وجل عن المعبودات من دونه أنها تملك أي شيء ولو كان مثقال ذرة.فحق على المؤمن ألا يرد على خاطره وقلبه أي شيء من الأشياء، ولا أي شرك من التعلقات، فالقضية دقيقة جداً. يقول ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] يقول: فيه تشديد لأمر الشرك وتغليظ لشأنه وتعظيم لملابسته.
 وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون
أما قوله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] قال بعض العلماء: في هذه الآية دلالة على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً، فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله، لكنه لا يخلص له في عبوديته، فيتعلق بغير ربه، ويعمل لحظ نفسه أو طلب دنياه، أو ابتغاء رفعة أو منزلة، أو قصد إلى جاه عند الخلق، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.وهذا كلام جميل ودقيق جداً، ومنه -فعلاً- يكون الخوف من الشرك، ومنه -أيضاً- نتبين معنى هذا النفي الدقيق: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً .
تعريف التوحيد وتعريف الشرك
نأتي الآن إلى التعريف الحقيقي ونتكلم عنه؛ لأنه يؤكد الأهمية الحقيقية، ويؤكد لماذا نبدأ دائماً بالتوحيد.كما قلت قبل قليل: التوحيد: هو إفراد الله بما يختص به. وهو يشمل التوحيد بأنواعه الثلاثة: إفراد الله بالعبادة وبأفعال العباد، وهذا توحيد الألوهية، وإفراد الله بأفعاله، وهذا توحيد الربوبية، وإفراد الله بالأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.إذاً نقول: التوحيد هو إفراد الله عز وجل بما يختص به.وهذا التعريف يتبين من تعريف الشرك الذي يقابل التوحيد .. فإن التوحيد هو إفراد الله بما يختص به من أفعاله سبحانه وأفعال العباد وأسمائه وصفاته .. أما الشرك فهو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.وهذا تعريف دقيق جداً، وإذا عرفته عرفت التوحيد، ولهذا جاء في الحديث: (أعظم الذنب أن تجعل الله نداً وهو خلقك ) نداً، أي: مساوياً لله تعالى فيما يختص به سبحانه.
 من أسماء التوحيد
التوحيد له عدة أسماء، وسوف نذكرها لبيان أهميتها .. فهو الفقه الحقيقي، أو الفقه الأكبر .. وهو علم التوحيد وعلم العقيدة، وأحياناً يسمونه: علم الكلام، وهذا هو الذي أدخل اللبس على هذا العلم وأدخل الخوف، وهو الذي قد نشير إليه -إن شاء الله- في طريقة تعليم التوحيد، فإن الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء السابقين -رحمهم الله- أنهم فعلاً ما أحسنوا طريقة تعليم التوحيد حينما جعلوه علم كلام وجعلوه جدلاً، ودخلوا في قضايا لا تنفع العامة، وإنما صار دائراً في حلقة بين علماء خاصة، أو -إن صح التعبير- بين خاصة الخاصة، ولم يغنهم شيئاً.بينما لو أخذوا بطريقة القرآن في عرض التوحيد وإثباته وبيان مكملاته وبيان ضده الذي هو الشرك، وكذلك توابع الشرك؛ لكان هذا أوضح من حيث البرهان والحجة، ومن حيث البيان والوضوح، ومن حيث التأثير والقبول، ومن حيث مخاطبة جميع الناس، سواء البدوي في باديته، والفلاح في مزرعته، والصانع في مصنعه، والعالم في درسه، والصغير في محضنه .. كل هؤلاء يخاطبون والقرآن قد خاطب الجميع.لكن -مع الأسف- صار هناك نوع من عدم وضوح الطريق في طريقة التعليم عند المتقدمين، فسلكوا مسالك أهل الكلام، فما وصلوا إلى شيء، وإنما حصروه في دوائر بين علماء، ومع هذا لم يغن عنهم فتيلاً، والعامة أصبحت لا تعرف شيئاً، إلا بعض طرق صوفية ، ودخلوا في الخرافات، ودخلوا في الأشياء التي زادت الطين بلة، بل أوقعته في صور من الشرك الأكبر المخرج من الملة.فالحقيقة أن التوحيد هو الفقه الأكبر، وهو علم العقيدة، ولهذا في قوله عز وجل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [التوبة:122] فأول الفقه في الدين هو الفقه في التوحيد .. وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين } فأول مراحل التفقه وأعظمها هو التفقه في توحيد الله عز وجل.
التوحيد في أركان الإسلام
حينما نأتي إلى التوحيد في الأحكام، أو في أركان الإسلام، نجد أن أكثر ما يتكلم الناس عن التوحيد أنه هو أصل الدين، ولا يخصونه بأشياء، ويظنون أننا حينما نتكلم عن الصلاة أو عن الزكاة أو عن الحج أننا نتكلم عن أحكام فقط، وهذا صحيح من حيث أنها حلال أو حرام، ومن حيث أنها تتعلق بالأفعال التكليفية المتعلقة بأداء الحج وأداء الصلاة بركوعها وسجودها، وكذلك الطهارة التي تسبقها، ولكن هذا فهم خاطئ من حيث أنهم لم يُعلَّموا التوحيد من خلالها؛ وذلك لأن طريقة تعليم التوحيد لم تكن سديدة جداً، فكان ينبغي أن يُعلم الناس التوحيد حتى من خلال الصلاة، ومن خلال الزكاة، ومن خلال الحج، من خلال الصيام؛ لأن حقيقة التوحيد هو الارتباط بالله عز وجل والتعلق به وحده، هذا هو التوحيد، أما إذا لم تكن دائماً متعلقاً بالله وحده فإنك لم توحده.
 الحج وارتباطه بالتوحيد
أما الحج فناهيك به في الحديث عن التوحيد، يقول جابر رضي الله عنه وهو يحكي صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: {فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد } فأول مداخل الحج: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. ولو استعرضتم آيات الحج في سورة الحج، لوجدتم ارتباط الحج بالتوحيد والتحذير من الشرك الشيء العجيب .. يقول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [الحج:26-31].ولا شك أن قضية ارتباط التوحيد بالحج، والتركيز على التوحيد في الحج مهم جداً؛ لأنه مشاعر وشعائر تُؤدى، ومع الأسف أن هذا هو الذي أوقع بعض المسلمين فيما وقعوا فيه من التعلق بالأحجار وغيرها .. ولهذا كان التأكيد على قضية التوحيد في الحج أظهر منها في غيرها.ولهذا كان وقوع بعض المسلمين في التعلق بالقبور من هذا الباب، والتعلق بالأضرحة، والطواف حولها، بسبب أن النفوس لم تُتعاهد بالتوحيد، وبالتذكير به، ولهذا كان الحديث عن التوحيد في الحج أظهر منه في غيره من الفرائض، وإن كان الأمر كما أوضحنا.
التوحيد وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم
الحقيقة .. عندي أشياء لا يتسع الوقت لإتياني عليها كلها، ولكني سأوجز فيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومسيرة التوحيد في سيرته عليه الصلاة والسلام .. كما قلت في مطلع الحديث: أن بعض الناس يظن أن التوحيد كان خاصاً بالعهد المكي، وبعدها كأن القضية انتهت، وهذا غير صحيح، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم من أول ما ظهر إلى أن توفي عليه الصلاة والسلام وهو يدعو إلى التوحيد، ولم يفتر لحظة واحدة.منذ أن نزل عليه: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] وهذه الآية من أوائل ما نزل -كما هو معروف- بل هي أصل دعوة التوحيد، وهذا أمر معروف، والأمر فيها أمر فردي.ثم جاءت قضية دعوة الأقربين -لأن الدعوة كانت مرحلية- قال له: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:213-214] وهذا كله مكي، لكن لاحظ كيف كان التدرج في الدعوة.ولما أمر بالصدع: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] ففيه تنبيه لقضايا التوحيد وقضايا التحذير من الشرك، وهذا التدرج شيء عجيب، وعجيب أيضاً ملاحظة العلماء لهذا، فإنهم ما تركوا شيئاً رحمهم الله، وهذا الكلام ليس من عندي، بل هو في كتب متخصصة تبحث في التوحيد، وخاصة أن بعض العلماء لاحظ أن القضية ليست خاصة بالعهد المكي.ثم في الهجرة قال الله عن نبيه قوله: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] وهذا توحيد.وكذلك قُبيل الإذن بالقتال، قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:39-40] وهذا أيضاً تدرج، فإن المرحلة التي جاء الإذن فيها بالقتال يعتبرها الناظرون في تاريخ التشريع مرحلية، لأن الإذن بالقتال جاء متدرجاً، وحتى في هذا المرحلة كان فيها الحديث عن التوحيد، مع أن القضية المكية قد تكون انتهت بفتح مكة ، قال الله: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ [الإسراء:81] ومعلوم أن هذه الكلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكسر الأصنام التي حول الكعبة.وفي كل بعوثه التي بعثها، ومعلوم أن البعوث كانت في المدينة .. حينما بعث علياً ، وحينما بعث معاذاً وأبا موسى ، والرسل والكتابات كلها تدعو إلى التوحيد .. يقول عليه الصلاة والسلام لـمعاذ : (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) وكذلك علي رضي الله عنه عندما بعثه إلى خيبر ، وكما قلنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرضه الذي مات فيه كان يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) وهذا هو لب التوحيد في آخر أيامه عليه الصلاة والسلام.وهناك نصوص أخرى غير ما ذكرنا لأن الموضوع ينبغي ألا ينتهي عند هذا، وكما قلنا في قوله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) وكذلك: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) (من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ).وختاماً أقول: لم تخلُ فترة من فترات النبوة من إعلان التوحيد وشواهده ومحاربة الشرك وظواهره، بل يكاد ينحصر غرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك عليه الصلاة والسلام تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب ، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة، والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال، حيث كانت البيعة: ألا يشرك بالله شيئاً، ولم يفتر عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله.من أجل هذا كان التوحيد أولاً، وكان هو الأول، ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر .. أقول هذا القول والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
 الحج وارتباطه بالتوحيد
أما الحج فناهيك به في الحديث عن التوحيد، يقول جابر رضي الله عنه وهو يحكي صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: {فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد } فأول مداخل الحج: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. ولو استعرضتم آيات الحج في سورة الحج، لوجدتم ارتباط الحج بالتوحيد والتحذير من الشرك الشيء العجيب .. يقول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ [الحج:26-31].ولا شك أن قضية ارتباط التوحيد بالحج، والتركيز على التوحيد في الحج مهم جداً؛ لأنه مشاعر وشعائر تُؤدى، ومع الأسف أن هذا هو الذي أوقع بعض المسلمين فيما وقعوا فيه من التعلق بالأحجار وغيرها .. ولهذا كان التأكيد على قضية التوحيد في الحج أظهر منها في غيرها.ولهذا كان وقوع بعض المسلمين في التعلق بالقبور من هذا الباب، والتعلق بالأضرحة، والطواف حولها، بسبب أن النفوس لم تُتعاهد بالتوحيد، وبالتذكير به، ولهذا كان الحديث عن التوحيد في الحج أظهر منه في غيره من الفرائض، وإن كان الأمر كما أوضحنا.
الأسئلة

 حكم الذهاب إلى السحرة والمشعوذين
السؤال: فضيلة الشيخ: ما زال كثير من الناس إذا أصابته مصيبة (كأن فقد سيارته مثلاً) يذهب إلى المشعوذين والسحرة، فهل من كلمة حول هذا الخلل في التوحيد؟الجواب: هذا هو الذي جعلنا نقول: إنه ينبغي بل يجب أن يتعاهد الناس بالحديث عن التوحيد، وتعليم التوحيد، وتحقيق التوحيد، والارتباط بالله عز وجل؛ لأن الذهاب إلى المشعوذين والذهاب إلى الكهنة والعرافين والسحرة، لا شك أنه خلل في المعتقد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد } وفي رواية: {فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً }.فالقضية خطيرة وليست سهلة، ولهذا لا بد من تعليم الناس التوحيد تعليماً حقيقياً، والنظر في المناهج التي تعلم الناس، سوء ما يتعلق بالحلقات الخاصة، أو ما يتعلق بالمحاضرات العامة، أو ما يتعلق بكل المنتديات واللقاءات وغيرها.جزى الله فضيلة الشيخ على ما قال، ونسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يتكرر مثل هذا اللقاء وأنتم على خير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , ابدءوا بالتوحيد للشيخ : صالح بن حميد

http://audio.islamweb.net