اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة إلى مسافر للشيخ : سعود الشريم


رسالة إلى مسافر - (للشيخ : سعود الشريم)
إن السفر في هذه الأرض والتنقل فيها من مكان لآخر يحصل به فوائد كثيرة من أعظمها:التفكر في آيات الله التي في هذا الكون الفسيح من السهول والجبال والشلالات والأنهار، والنظر فيما حل بالأمم الماضية من العذاب والنكال، وتذكر نعمة الله علينا في تقارب الزمان والمكان، وتطبيق سنن النبي صلى الله عليه وسلم في السفر حتى يحفظنا الله في أسفارنا.
مسائل في السفر
الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل مواسم الخيرات لنا مربحاً ومغنماً، وأوقات البركات والنفحات لنا إلى رحمته طريقاً وسُلَّماً، له الحمد يُطاع فيشكر، ويعصى فيغفِر، لا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا جبل ما في وَعْره، ولا بحر ما في قعره، له الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، ما خاب مَن رجاه، ولا أفلح مَن قلاه، بيده ملكوت السماوات والأرض، وهو يجير ولا يجار عليه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الأتقياء البررة، وعلى أصحابه ومن سار على طريقهم واتبع نهجهم إلى يوم الدين.أما بعــد:فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله عزَّ وجلَّ حق التقوى، والاستمساك من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي؛ فإن أقدامكم على النار لا تقوى، فاتقوا الله: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت:17].حجاج بيت الله! يا من أديتم مناسككم فوقفتم بـعرفات ، وانحدر بكم الشوق إلى المزدلفة ، فسكبتم عند المشعر الحرام العبرات.فَلِلَّهِ... كم من خائف منكم أزعجه الخوف من الله وأقلقه! وراجٍ أحسن الظن بوعد الله فصدَّقه! وكم من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه! وبلغ الأماني عشية عرفة!حجاج بيت الله الحرام! ليس السابق اليوم من سبقت به راحلتُه، إنما السابق من غُفر له ذنبُه، وقُبل عملُه؛ فاخلصوا لله حجكم، واتبعوا سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم تفلحوا.ومن قصر في جنب الله فليرجع إلى جهاد النفس، فهو الجهاد الأكبر.وحذارِ... حذارِ أن تحلقوا رءوس أعمالكم بالذنوب، فإن الذنوب حالقة الدين، ليست حالقة الشعر وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً [النحل:92].فَلِلَّهِ... ما أحسن الحسنة تتبعها الحسنة! وما أقبح السيئة بعد الحسنة!فالحذر... الحذر... -عباد الله- من العمى بعد الهدى، ومن الحور بعد الكور.عباد الله: إن الحج المتكرر في كل عام، منذ أن أذن إبراهيم عليه السلام في الناس بالحج، وهم يفدون إلى بيت الله العتيق من كل فج عميق، رجالاً وعلى كل ضامر، لَهُو أمر دالٌّ باللزوم على أن السفر وقطع الفيافي والقِفار أمر ذو بال في واقع كل امرئ حي.وما أكثر ما يسافر الناس لشئون حياتهم، ماديةً كانت أو معنوية!ولقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم مرات وكرات، إبَّان شبابه قبل البعثة، وبعد نبوته ما بين حج وعمرة، وجهاد وتجارة.
 أعظم فوائد السفر المتعلقة بالله
وبعدُ -عباد الله- فإن من أعظم فوائد السفر، وأكثرها تعلقاً بالله: معرفة عظمته وقدرته، بالنظر إلى ما ابتدعه جل وعلا خلقاً جميلاً عجيباً، من حيوان وموات، وساكن وذي حركات، وما ذرأ فيه من مختلف الصور التي أسكنها أخاديد الأرض، وخروق فجاجها، ورواسي أعلامها، من أوتاد ووهاد، فصار منها: جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر:27] ومن ذوات أجنحة مختلفة، وهيئات متباينة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:26]، كونها بعد أن لم تكن في عجائب صور ظاهرة، ونَسَقها على اختلافها، بلطيف قدرته ودقيق صنعه، فمنها: مغموس في قالب لون لا يسوغه غير لون ما غُمس فيه، ومنها: مغموس في لون صِبْغ قد طُوِّق بخلاف ما صُبغ به: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].فسبحان من أقام من شواهد البينات على عظمته وقدرته؛ ما انقادت له العقول معترفة به، ومستسلمة له! فبان لها أن فاطر النملة هو فاطر النخلة، فالويل كل الويل لمن جحد المقدِّر، وأنكر المدبِّر.زعموا أنهم كالنبات، ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع، وغاب عن عقولهم المختلة، وأذهانهم المعتلة، مَن عقلُه أكبر من حضارتهم، بعبارات ثرة على أعرابيته وبداوته: سماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وأثر يدل على المسير، وبعرة تدل على البعير، ألا يدل ذلك كله على اللطيف الخبير؟! إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [الأنعام:95-96].
مظاهر الإشراك في توحيد الربوبية
أيها الناس: لربما رفع أحدٌ منا عقيرته فقال: إن مثل هذا الحديث داخل في توحيد الربوبية، الذي لم ينازع في إثباته حتى مشركو زمان النبي صلى الله عليه وسلم، أَفَيُخَصُّ بالحديث؟!فالجواب: نعم.
 عاقبة الإشراك بالله
فانظروا -عباد الله- كيف وقع بعض الناس أسارى في هذا الشراك، فوطئتهم هُوَّتُه بكَلْكَلِها، وتَمَعَّتَت عليهم بكَواهِلِها، فأصبحت نفوسهم بذلك ساجية مقهورة، وفي حَكَمَة الذل منقادة أسيرة، حتى صيروا أنفسهم في حوزة خشناء، يغلظ سنامها، ويَخْشُن مسحها، ويكثر العِتار فيها.فلا جرم أن المتخلص منها بعد الإدمان فيها كراكب الصعبة من الإبل، إن أَشْنَق لها خَرَمَ، وإن أَفْلَتَ لها تقحَّم، فيُمْنَى -لعمر الله- بِخَلْط وخَط، حتى لا يُرى في عينه إلا القذى، وليس في حلقه إلا الشجا، إلا بعون من الله ورضوان، فمن وفق للتوحيد رُزق التسديد.بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً؛ فمن الله، وإن خطأً؛ فمن نفسي والشيطان، واستغفروا الله، إنه هو الغفور الرحيم.
سنن السفر
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة من عصيانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.أما بعــد:فاتقوا الله معاشر المسلمين! واعلموا أن الإسلام قد عني بالسفر عناية فائقة، فجعل له أحكاماً تخصه، من سنن، وآداب، وواجبات، ومحرمات، ومكروهات، ينبغي ألا يغفل عنها كل مسافر.كما يُؤَكَّد على إحياء السنن المندثرة عند السفر، من ذلك:1- ذكر الوداع بقوله لمن يودعهم: استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.2- وكذا دعاء الركوب على الدابة، والتكبير على كل شرف، والتسبيح إذا هبط وادياً.3- وذكر إقبال الليل أثناء السفر، كأن يقول: يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك، ومن شر ما فيك، وشر ما خُلق فيك، وشر ما يدب عليك، وأعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والد وما ولد.4- وأن يقول إذا نزل منـزلاً: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منـزله ذلك.وقد قال القرطبي رحمه الله: هذا خبر صحيح، علمنا صدقه دليلاً وتجربة، منذ سمعتُه عملتُ به، فلم يضرني شيء إلى أن تركتُه فلدغتني عقرب ليلة، فتفكرت فإذا بي نسيتُه.5- كما يُستحب للمسافر -عباد الله- إذا بدا له الفجر، وهو في السفر أن يقول ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله حينما بدا له الفجر: (سمّع سامع بحمد الله، وحسن بلائه علينا، ربنا صاحِبْنا في السفر وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار ) رواه مسلم .وغير ذلك من السنن كثير وكثير، يطول المقام بذكرها، غير أنا نوجه بأن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم بآداب السفر من ذكر وتكبير وتسبيح كأنه يعني بالتعريف أن القافلة المسافرة كلها في صلاة، وما هي إلا صور تجعل من تمجيد الله شغل قافلة السفر، ومن ذكره والثناء عليه السمو الذي تطمئن به قلوب ذاكريه.ومن ثم يشعر المسافر باختصار السفر وسهولته، فينجو من وعثائه وكآبته.هذا، وصلوا رحمكم الله على خير البرية، وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بذلك في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَـلُّوا عَلَيْهِ وَسَـلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].وقال صلوات الله وسلامه عليه: (من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً ).اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وسلِّم الحجاج والمسافرين والمعتمرين في برك وبحرك وجوك، يا رب العالمين.ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، يا رب العالمين.اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه، من الأقوال والأعمال، يا حي يا قيوم.اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.اللهم ما سألناك فأعطنا، وما لم نسألك فابْتَدِئنا، وما قَصُرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
 عاقبة الإشراك بالله
فانظروا -عباد الله- كيف وقع بعض الناس أسارى في هذا الشراك، فوطئتهم هُوَّتُه بكَلْكَلِها، وتَمَعَّتَت عليهم بكَواهِلِها، فأصبحت نفوسهم بذلك ساجية مقهورة، وفي حَكَمَة الذل منقادة أسيرة، حتى صيروا أنفسهم في حوزة خشناء، يغلظ سنامها، ويَخْشُن مسحها، ويكثر العِتار فيها.فلا جرم أن المتخلص منها بعد الإدمان فيها كراكب الصعبة من الإبل، إن أَشْنَق لها خَرَمَ، وإن أَفْلَتَ لها تقحَّم، فيُمْنَى -لعمر الله- بِخَلْط وخَط، حتى لا يُرى في عينه إلا القذى، وليس في حلقه إلا الشجا، إلا بعون من الله ورضوان، فمن وفق للتوحيد رُزق التسديد.بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.قد قلتُ ما قلتُ، إن صواباً؛ فمن الله، وإن خطأً؛ فمن نفسي والشيطان، واستغفروا الله، إنه هو الغفور الرحيم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , رسالة إلى مسافر للشيخ : سعود الشريم

http://audio.islamweb.net