اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف تقوي إيمانك؟ (1) للشيخ : نبيل العوضي


كيف تقوي إيمانك؟ (1) - (للشيخ : نبيل العوضي)
لقد بلغ سلفنا الصالح في قوة الإيمان والخوف من الديان مبلغاً عظيماً، وما ذاك إلا لأنهم علموا حقيقة الدنيا فاستدركوا الأمر قبل فواته.أما في حاضرنا فقد انتشر ضعف الإيمان إلا فيمن رحم الله، فرُكن إلى هذه الدنيا وشهواتها ولذاتها وزينتها ونسي لقاء الله وغفل عنه. والتوبة، والتفكر في المصير النهائي الذي يصير إليه العبد من أهم العوامل التي تساعد على تقوية الإيمان.
ظاهرة ضعف الإيمان عند الملتزمين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.وبعــد:فيسر اللجنة الثقافية بجمعية التربية الإسلامية أن ترحب بكم وتشارككم في هذه الفعاليات للمخيم الشتوي، والتي نلتقي في هذه الليلة مع فضيلة الشيخ/ أبي علي نبيل العوضي إمام وخطيب جامع صفوان بن أمية بـالكويت ، وكما قد عرفه بعض الإخوة، وهو من إخواننا الطيبين والذي له أثره، وبعض أشرطته المنتشرة -ولله الحمد- قد لاقت قبولاً عند كثيرٍ من الناس.فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياه لما يحبه ويرضاه، ونسأل الله لنا وله الإخلاص في القول والعمل.ونترك المجال الآن مع فضيلة الشيخ ليلقي كلمته.بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعــد:العنوان كما تشاهدون: (كيف تقوي إيمانك؟) والمتكلم أحوج بهذا العنوان من السامع، وكل منا أدرى بنفسه، وكما قيل: يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعفُ عني قال بعض السلف: "لو كان للذنوب رائحة لم يطق أحدٌ أن يجلس عندي؛ ولكنه ستر الله جل وعلا". فنسأله بعد الستر العفو.العنوان هو: (كيف تقوي إيمانك؟) اسمع يا عبد الله إلى هذه الأمثلة من قصص سلفنا وحياتهم.. كيف كانوا يعيشون وكيف نعيش؟! الواحد منا في بداية التزامه وهدايته يكون عنده حماساً وحرصاً وذكراً وخوفاً من الجليل، أما الآن فقد تغير الحال، بدأ هذا الشاب الملتزم يستمع إلى بعض الأغاني... بدأ هذا الرجل الملتزم ينام عن صلاة الفجر.. ما الذي جرى؟ بدأ إذا مشى في الأسواق ينظر يمنة ويسرة.. ينظر لهذه ويلتفت إلى تلك.. ما الذي جرى؟ الإيمان قل وضعف، كان في السابق لا ينام الليل حتى يقومه.. أبداً لا ينام الليل كله، أما الآن فتمر عليه الليلة والليلتان والثلاث فلا يصلي حتى الوتر، كان في السابق يصوم الاثنين والخميس ويريد أكثر، أما الآن فيمر عليه الشهر وهو لا يصوم حتى ثلاثة أيام... ما الذي جرى؟يرى المنكرات فلا يشمئز قلبه، ولا يغضب لله، ولا يتكلم.. المنكرات تلو المنكرات.. ما الذي حدث؟ إن مؤشر الإيمان قد ضعف.. يقرأ القرآن وكأنه صحيفة أو مجلة... يستمع إلى الآيات والمواعظ وكأنها حكايات.. ما الفرق وما الذي جرى؟ إنه الإيمان، فالقلب هو القلب؛ لكن الإيمان ضعف.
 

حقيقة الإيمان عند السلف الصالح

 قوة الإيمان عند عمر بن عبد العزيز
اسمع -يا عبد الله- إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخليفة الراشد، كان يقوم الليل يصلي -انظر كيف كانوا يعيشون مع كلام الله- فإذا به يقرأ في الليل آية ويرددها الليل كله وهو يبكي! انظروا الفرق بيننا وبينه، وانظروا إلى قلوبنا وقلوبهم، وأحوالنا وأحوالهم، هذا الرجل يقرأ بنفسه الآية ثم يبكي الليل كله، أما نحن -أيها الناس وأنا أولكم- فنسأل الله ألا يكون قد ختم على قلوبنا، أتعرف ما هي هذه الآية؟ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ [غافر:71] مَن هم؟ إنهم أهل النار.. أين الأغلال؟ في الأعناق، أتظنها كأغلال الدنيا؟ أم تظنها كحديد الدنيا؟ ماذا يلبسون؟ سرابيلهم -ملابسهم- من قطران -أي: نحاس منصهر- يلبسونه! تخيل.. هل تتحمل الأغلال في الأعناق إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر:71] ثم ماذا؟ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ [غافر:71-72] يسحبون على وجوههم في النار، وتخيل هذا المنظر ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:72] ثم يحرقون في النار، يتقلبون بل يشوون في النار كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:15-16] أتعرف ما معنى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى [المعارج:16]؟ أي: ينفصل اللحم عن العظم من شدة الحر فكيف بالنار؟!عبد الله! يتفكر في هذه الآية طوال الليل وهو يبكي ويرددها، ولكن انظر إلى حالنا! لا تظن -يا عبد الله- أنك عندما تصلي، وتحضر بعض الدروس، وتستمع إلى بعض الآيات، وتتصدق ببعض الدنانير.. لا تظن أنك قد أمنت مكر الله، لا تعرف فالأعمال بالخواتيم، فكم وكم من الناس كان صالحاً فختم له بالسوء؟!اسمع إلى هذا الشاب الذي حفظ القرآن كله وخرج للجهاد في سبيل الله، وهذه القصة ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية، فكان في الجهاد من أفضل الناس، يصلي بالناس، ويقرأ فيهم القرآن، ويعلمهم، فأحبه الجيش كله، وكان يختم القرآن كله، فلما وصلوا إلى معسكر الروم، وعسكروا عند حصنهم، فإذا بهذا الشاب يذهب ليقضي حاجة له، فلما ذهب نظر في الحصن فإذا فتاة نصرانية تنظر إليه، فنظر إليها. عبد الله! إنما لك الأولى وليست لك الثانية، اصرف بصرك، ألا تحفظ القرآن؟ ألم تسمع قول الله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]؟ ما لك؟ لكنه استمر في النظر وتلذذ به، ثم خاطبها.. انظر كيف أن النظر يؤدي إلى الكلام، والكلام يؤدي للشوق، فإذا به يقول لها: كيف السبيل إليك؟ أين كتاب الله؟! فقالت له تلك الفتاة: أن تتنصر، فإذا به يطرق باب الحصن، ويعلن ردته ويتنصر، وكان قبل قليل يصلي بالناس، ويحفظ القرآن كله، فيدخل الحصن ليعانقها، فيبحث المسلمون عنه فلم يجدوه، فأسفوا عليه أسفاً شديداً، بحثوا عنه فظنوا أن الروم قد أسروه؛ بل لعلهم قتلوه، ثم رجعوا إلى بلادهم وقلقوا وحزنوا عليه حزناً شديداً، ورجعوا في السنة القادمة، وعاد الأمر مرة أخرى؛ فإذا بهم يعسكرون عند الحصن نفسه، وإذا بهذا الشاب الذي كان يصلي بهم ويحفظ القرآن يقف مع النصارى في صف واحد يرفع السلاح، فقالوا له ينادونه: يا فلان! فنظر إليهم، فقالوا له: يا فلان! ما فعلت قراءتك؟! ما فعلت صلاتك؟! ما فعل عملك الصالح؟! فقال: لقد أنسيتُ القرآن كله إلا آية واحدة لم ينساها.. أتعرف ما هي يا عبد الله؟ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] الله أكبر! جعلها الله حسرة في قلبه، يتعذب بها إلى يوم يلقاه رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر:2] لا تقل: الحمد لله! أنا أصلي، وأقرأ القرآن، وأنا مسلم! لا يا عبد الله، لا تأمن مكر الله، ادعُ الله في السجود، ادعُ الله بين الأذان والإقامة، ارفع يديك، وقل: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ثم ما يدريك لعل الله قد لا يقبل منك حسنة، ولعل الله عز وجل لا يتقبل منك سجدة وركعة. يأتي ابن عمر سائل، فإذا به يقول لابنه: [أعطه درهماً؟ فيعطيه درهماً، فيذهب ليتصدق، ثم قال له ابنه: يا أبتاه! هل تقبل الله منك؟ فقال ابن عمر -واسمع إلى تلك الكلمات العظيمات-: يا بني! لو علمت أن الله قد تقبل مني ما كان غائب أحب إلي من الموت] لو كان الواحد منا يعلم أن الصلاة متقبلة منه، أو أن الله تقبل منه حسنة ما كان غائب أحب إلينا من الموت. أتعرف لماذا؟ يقول: لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]، ويقول: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] أي: يصلون، ويركعون، ويقومون الليل، ويصومون النهار، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وقلوبهم وجلة، أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60] هذا الذي يصلي ويركع ويسجد، يخاف أن الله لم يتقبل منه، فكيف -يا عبد الله- بمن إذا جاء في الليل، وأغلق باب بيته، وجلس مع أهل بيته وفتح لهم التلفاز، فنظر إلى ما شاء، واستمع إلى ما شاء، وقلَّب المجلة فنظر فيها إلى ما شاء، وذهب إلى الأسواق يتلفت يمنة ويسرة، ويكلم من شاء، ويضاحك من شاء، ويلاعب من شاء، وينظر إلى من شاء... هذا كيف يخاف؟!عبد الله! لنكن صرحاء مع أنفسنا، ولنكن صادقين، والواحد منا يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله جل وعلا.
التفكر في الأجل والمصير من أسباب زيادة الإيمان
من الأمور التي تقوي إيمانك يا عبد الله! أن تتفكر في الأجل والمصير.
 ابن عباس وتدبره لآيات الفراق والمصير
اسمع إلى ابن عباس وهو يقرأ قول الله جل وعلا: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] فبكى، ثم قيل له: [يـابن عباس! لماذا تبكي؟ قال: آخر العدد خروج نفسك.. آخر العدد فراق أهلك.. آخر العدد دخول قبرك].. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] ما يدريك أنك قد لا تخرج من هذا المجلس.. من يضمن لك أنك تصل إلى البيت؟ البعض منا وهو يستمع إلى هذه الكلمات يقول: إن شاء الله أتوب من الغد، وما يدريك أنك ترى الغد؛ بل من يضمن لك أنه إذا خرج منك النَّفَس أن يعود إليك؟! عبد الله! لا تكن طويل الأمل.عبد الله! إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.عبد الله! لا تضمن أنك تخرج من هذه الأبواب وأنت جالس تستمع إلي، اعزم على التوبة، وعلى ترك الذنوب والمعاصي، قلها صريحة من قلبك: رب تبتُ إليك.. اندم والندم يكون في القلب لا في اللسان، لينكسر القلب، وليخشع لله، ثم اعزم من القلب أنك لن تعود إلى المعاصي أبداً ما حييت؛ فإن غلبتك نفسك وعدت فعد مرة أخرى للتوبة، وكلما عدت عد مرة أخرى للتوبة. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أجمعها خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا لما أتت أبو الدرداء سكرات الموت قال كلمات -أرجو منك أن تحفظها قبل أن تخرج- عظيمات تكتب بماء الذهب، قال رضي الله عنه وهو ينصح هذه الأمة وكأنه يعنينا.. أمة غافلة.. أمة نائمة.. أمة قد ألهتها الشهوات.. أمة لا تعرف -إلا من رحم الله- إلا النوم على الأغاني والطرب والنساء.. أتعرف بم ينصحهم؟ يقول وهو يحتضر: [ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه].. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت [المؤمنون:99-100].عبد الله! لا تقل: من الغد، وما يدريك لعل هذا يكون هو النذير الأخير.
قصص بعض التائبين
اسمع إلى هذه القصة يرويها أحد الدعاة إلى الله، وكأن الله عز وجل إذا أراد أن يهدي إنساناً يسر له السبل، وفتح له الأبواب، وقذف في قلبه النور، ولعل بعض الناس ينقذهم الله قبل الموت، ولعلك منهم، ولعل هذا المجلس -يا عبد الله- تكتب لك فيه السعادة، وتتخلص فيه من ذنوب أنت أدرى بها. نعم! أنت تدري ولا يدري أحد سواك إلا الله، أنت أدرى بها، ذنوب في السر.. ذنوب تخفيها في الخلوة.. ذنوب تتحدث بها في نفسك والله يعلم يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ [غافر:19] يعلم هذه الأعين الخائنة.. في الصور والجرائد والمجلات والأسواق والتلفاز وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].يقول هذا الداعية إلى الله: مررت في الشارع فرأيت شاباً مع فتاة، فجئت لأنصحهم ولأدعوهم إلى الله -وهذه العبرة ليست فقط للعصاة أو لمن ضعف إيمانهم؛ بل هي أيضاً للصالحين الذين كسلوا في الدعوة وتباطئوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- يقول: فلما اقتربتُ، فإذا الفتاة قد هربت، فجئت للشاب، فأخذت أنصحه وأذكره وأعظه نصف ساعة، فلما انتهيت رأيت عيناه تذرفان.. كم هم الشباب في هذا الزمان من يحتاجون إلى موعظة؟! إلى نصيحة؟! إلى كلمة تخرج من القلب فتفتح القلوب؟! كم وكم يا عبد الله؟! لكن من البخيل؟! ومن المقصر؟! ومن المسئول؟! إذا جاء عند الله عز وجل يوم القيامة! كم وكم؟! يقول: فلما بكى أعطيته رقم هاتفي، وأخذت رقم هاتفه ثم ذهبت، وبعد أسبوعين تذكرتُه، فاتصلت به في الصباح، فقلت له: فلان، قال: نعم، قلت: هل تذكرتني؟ قال: وكيف أنسى صوتاً كان سبباً لهدايتي؟! قلت: الله أكبر! اهتديت؟ قال: نعم، إنني والله منذ تلك النصيحة وأنا لا أفارق المسجد ولا الصلاة ولا الذكر ولا القرآن، أنقذه الله على يديه، فقلت: سوف أزورك -إن شاء الله- اليوم، فقال لي: متى؟ قلت: بعد صلاة العصر، فصليت العصر ورجعت إلى البيت، فجاءني ضيوف وأخروني عن الموعد، فلما تأخر الموعد وحل الليل، قلت: لا بد أن أزوره حتى ولو تأخرت عنه، فجئته في الليل، فطرقت عليه الباب ففتح الباب رجل كبير في السن، فقلت له: أين فلان؟ فقال: فلان؟ قلت: نعم. قال: دفناه قبل ساعة، قلت: أنا اليوم كلمته بالهاتف، قال: دفناه قبل ساعة، وأنا أبوه، فقد صلى الظهر ثم جاء إلى البيت لينام، وقال: أيقظوني لصلاة العصر فجئنا لنوقظه؛ فإذا هو قد فارق الدنيا، وقال لي الشيخ الكبير: من أنت؟ فقلت لأبيه: أنا عرفت ابنك قبل أسبوعين، فقال ذلك الشيخ الكبير: دعني أقبل رأسك، قلت: لماذا؟ قال: لأنك أنقذت ابني من النار قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] .لا تقل يا عبد الله: غداً، ولا تقل: عندما أرجع إلى البيت، ولا تقل: بعد المحاضرة، الآن وأنت تسمع فلربما يدخل علينا ملك الموت ويقبض هذه الروح وينزعها وأنت لم تتب إلى الله، فأعلنها صادقة من قلبك، وتلفظ بها في قلبك، وقل: رب تبت إليك، لعلك تسألني، وتقول: مم أتوب؟ أقول لك: يا عبد الله! أنت أدرى وأعلم مم تتوب؟ كم وكم هي الذنوب التي نخفيها؟ كم وكم هي المعاصي التي نسرها إن لم تكن معاصٍ فهي تقصير في واجبات.. صلوات.. خشوع فيها.. بر والدين.. صلة أرحام.. أمر بمعروف.. نهي عن منكر.. هذه واجبات كم وكم قصرنا فيها؟ أعلنها يا عبد الله صريحة، أطلقها من قلبك الآن وتب إلى الله عز وجل.اسمع إلى هذا الشاب عمل من المعاصي والذنوب في هذه الدنيا.. نساءٌ عاشَر.. شرابٌ شَرِب.. أغاني استمع إلى كل شيء، له في الدنيا كل ما تتصوره فَعَلَه.. هل شعر بالسعادة؟ لا والله. هل أحس بالفرح؟ لا. أتعرف ماذا يقال عنه؟ إنه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، تعرف لم يا عبد الله؟ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] والله لو عاشروا كل النساء، وسكنوا القصور، وأخذوا من الأموال الملايين، وسافروا إلى بقاع الدنيا؛ فإن الضيق في صدورهم، وإن الحسرة في قلوبهم، وإن الوحشة يعيشون فيها، ويعيشون بها، ويموتون عليها، يقول: إنه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، لم يتحمل الألم والضيق فسافر إلى أخيه في بلد آخر، وكان أخوه صالحاً، طرق الباب، فقال له أخوه: سبحان الله! ما الذي جاء بك؟ قال: يا أخي! والله لقد ضاقت علي الدنيا بما رحبت.. أحس بوحشة وبضيق، قال: تفضل واجلس عندي، فجلس عنده، فلما جاء وقت الفجر جاء رجل صالح ليوقظهم لصلاة الفجر، وكان أخوه صالحاً، قام أخوه للصلاة فجاء الصالح ليوقظ هذا الرجل، فقال له: يا فلان! قم.. يا فلان! قم.. يا فلان! قم، قال: سبحان الله! لماذا؟ قال: صلِّ الفجر، قال: ماذا؟ قال: صلِّ الفجر؟ قال: أنا لا أصلي، قال: أعوذ بالله! لا تصلِّ، قم صلِّ، قال: أنا لا أصلي منذ سنوات، قال: اتق الله، جرب الصلاة ولو مرة، قال: اذهب، فذهب الرجل، وجلس يفكر على الفراش (جرب الصلاة ولو مرة).. جرب الهداية.. جرب الالتزام، أنت فعلت كل شيء في الدنيا وما حصلت على السعادة والفرح الذي تريد، وما شعرت بالحلاوة التي تطلب، فقام من الفراش، واغتسل من الجنابة، وذهب إلى المسجد، فصلى، يقول: ولما سجد أحس بسعادة ما شعر بها منذ سنوات أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر:22] الصدر ينشرح أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22]. يقول: أحسست بسعادة ما شعرت بها منذ سنوات، ولما رجع إلى أخيه قال: يا أخي! تبت إلى الله.. رجعت إلى الله، فسافر إلى بلده، فطرق الباب، فإذا أمه تقول له: ما الذي جاء بك؟ لماذا رجعت مسرعاً؟ قال: يا أماه! حصلتُ على السعادة. قالت: كيف؟ قال: تبت إلى الله.. رجعت إلى الله، فقامت له أمه وأجلسته عندها، ومكث أياماً، ثم جاء إلى أمه فقال: يا أماه! أريد منك طلباً، قالت: وما هو؟ قال: أريد السفر، قالت: إلى أين؟ قال: للجهاد في سبيل الله، قالت: يا بني! كنت تسافر للمعصية ولم أمنعك، أفأمنعك أن تسافر للطاعة، اذهب يا بني على بركة الله، فسافر للجهاد، وفي أثناء الجهاد، وفي إحدى المعارك إذا بصاحبٍ عنده أصيب بشظية فحمل صاحبه ليسعفه ولينقذه، فإذا بصاحبه يموت بين يديه، فحفر له قبراً والشهيد لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن، إنما يُبعث عند الله، اللون لون الدم، والريح ريح المسك في المحشر، فإذا به يحفر لصاحبه قبراً، ويُنزل صاحبه في القبر، ويرفع يديه فيقول: اللهم إني أسألك ألا تغرب علي شمس هذا اليوم إلا وقد تقبلتني شهيداً في سبيلك، فأنزل صاحبه، فإذا بغارة أخرى، فيذهب للسلاح، وتشتد المعركة، ويحمي الوطيس، فإذا به يصاب، فتذهب نفسه، ويدفن مع صاحبه في ذلك القبر يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] .
 ابن عباس وتدبره لآيات الفراق والمصير
اسمع إلى ابن عباس وهو يقرأ قول الله جل وعلا: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] فبكى، ثم قيل له: [يـابن عباس! لماذا تبكي؟ قال: آخر العدد خروج نفسك.. آخر العدد فراق أهلك.. آخر العدد دخول قبرك].. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] ما يدريك أنك قد لا تخرج من هذا المجلس.. من يضمن لك أنك تصل إلى البيت؟ البعض منا وهو يستمع إلى هذه الكلمات يقول: إن شاء الله أتوب من الغد، وما يدريك أنك ترى الغد؛ بل من يضمن لك أنه إذا خرج منك النَّفَس أن يعود إليك؟! عبد الله! لا تكن طويل الأمل.عبد الله! إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.عبد الله! لا تضمن أنك تخرج من هذه الأبواب وأنت جالس تستمع إلي، اعزم على التوبة، وعلى ترك الذنوب والمعاصي، قلها صريحة من قلبك: رب تبتُ إليك.. اندم والندم يكون في القلب لا في اللسان، لينكسر القلب، وليخشع لله، ثم اعزم من القلب أنك لن تعود إلى المعاصي أبداً ما حييت؛ فإن غلبتك نفسك وعدت فعد مرة أخرى للتوبة، وكلما عدت عد مرة أخرى للتوبة. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أجمعها خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا لما أتت أبو الدرداء سكرات الموت قال كلمات -أرجو منك أن تحفظها قبل أن تخرج- عظيمات تكتب بماء الذهب، قال رضي الله عنه وهو ينصح هذه الأمة وكأنه يعنينا.. أمة غافلة.. أمة نائمة.. أمة قد ألهتها الشهوات.. أمة لا تعرف -إلا من رحم الله- إلا النوم على الأغاني والطرب والنساء.. أتعرف بم ينصحهم؟ يقول وهو يحتضر: [ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه].. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت [المؤمنون:99-100].عبد الله! لا تقل: من الغد، وما يدريك لعل هذا يكون هو النذير الأخير.
التوبة التوبة! قبل حلول الأجل
عبد الله! أطلب منك في هذه الكلمات ألا تؤجِّل، أو تسوِّف، فإذا ضعف الإيمان فقِسْ نفسك، وراجعها مع كلام الله جل وعلا.. اقرأ القرآن.. تدبر يا عبد الله! يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6] تدبر يا عبد الله ولو صغار السور.. ألا تتدبر قوله جل وعلا: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11] .عبد الله! ارجع في هذه الليلة إلى البيت؛ إن كنت تملك أشرطة أو بعض الصور أو بعض الأفلام، فاحرقها ومزقها وقطعها لله جل وعلا، وقل: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84] عجلت إليك يا رب! رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.عبد الله! أتعلم أنك لو تصلي ركعتين فتحسن فيهما ولا تحدث بهما نفسك، وتعلنها في الركعتين توبة صادقة لله، فإنك لا تنتهي من الركعتين إلا وقد بدل الله سيئاتك حسنات.عبد الله! هذا رجل كبير في السن يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على عصا، حاجباه قد سقطا على عيناه من كبر سنه، فيقول: (أي محمد.. أي محمد.. أي محمد! فيُدَل على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فيقول: ما تريد؟ قال: إن لي ذنوباً وخطايا لو وزعت على أهل الأرض لأهْلَكَتْهم...) ذنوبي لو يتقاسمها كل أهل الأرض لأهلكتهم، تخيل ماذا فعل؟ وماذا أحدث هذا في دنياه؟ كل هذا العمر المديد.. كل هذه الذنوب والمعاصي والشرك والكفر- فيقول: (هل لي من توبة؟ فيقول له عليه الصلاة والسلام: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله! قال: إذاً تعمل الخيرات، وتترك السيئات -تبدأ الآن تصلح، وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً [الفرقان:70]- يبدلها الله لك حسنات -لكن الرجل لم يصدق- قال: وغَدَراتي وفَجَراتي؟ -يعني: ذنوبي كثيرة- قال: يبدلها الله لك حسنات، ثم تولى الرجل وهو يقول: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً [الفرقان:68] ما هي اللذة؟ يقف ساعة فقط؛ لكن انظر للإثم: يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الفرقان:69] ضيق الدنيا، وضنك في الدنيا، ووحشة وحسرة وألم في الدنيا، ثم ضيق في القبر، ثم يضاعف له العذاب يوم القيامة، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً [الفرقان:69-70].مَنْ تَابَ [الفرقان:70]: يعلنها الآن صادقة من قلبه.وَآمَنَ [الفرقان:70]: صدَّق بوعود الله .ثم عَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً [الفرقان:70] هجر هذه المجالس إلى مجالس الخير، ترك هذه الأفلام لأفلام الخير، كسر تلك الأشرطة إلى القرآن والمواعظ والدروس والخير، ترك أولئك الفسقة الفجرة إلى هؤلاء الصالحين الطيبين إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:70] . دخل الحسن البصري على أهله، فقالوا له: يا أبا سعيد! العشاء فلا يجيب، يا أبا سعيد! العشاء فلا يجيب، فيقول لأهله: كلوا عشاءكم أتعرف لماذا يا عبد الله؟ لأنه رأى رجلاً يحتضر ويموت أمامه، فقال لأهله: لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقى الله.أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 ابن عباس وتدبره لآيات الفراق والمصير
اسمع إلى ابن عباس وهو يقرأ قول الله جل وعلا: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] فبكى، ثم قيل له: [يـابن عباس! لماذا تبكي؟ قال: آخر العدد خروج نفسك.. آخر العدد فراق أهلك.. آخر العدد دخول قبرك].. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً [مريم:84] ما يدريك أنك قد لا تخرج من هذا المجلس.. من يضمن لك أنك تصل إلى البيت؟ البعض منا وهو يستمع إلى هذه الكلمات يقول: إن شاء الله أتوب من الغد، وما يدريك أنك ترى الغد؛ بل من يضمن لك أنه إذا خرج منك النَّفَس أن يعود إليك؟! عبد الله! لا تكن طويل الأمل.عبد الله! إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.عبد الله! لا تضمن أنك تخرج من هذه الأبواب وأنت جالس تستمع إلي، اعزم على التوبة، وعلى ترك الذنوب والمعاصي، قلها صريحة من قلبك: رب تبتُ إليك.. اندم والندم يكون في القلب لا في اللسان، لينكسر القلب، وليخشع لله، ثم اعزم من القلب أنك لن تعود إلى المعاصي أبداً ما حييت؛ فإن غلبتك نفسك وعدت فعد مرة أخرى للتوبة، وكلما عدت عد مرة أخرى للتوبة. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس مالي وللأموال أجمعها خلفي وأخرج من دنياي عريانا أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا لما أتت أبو الدرداء سكرات الموت قال كلمات -أرجو منك أن تحفظها قبل أن تخرج- عظيمات تكتب بماء الذهب، قال رضي الله عنه وهو ينصح هذه الأمة وكأنه يعنينا.. أمة غافلة.. أمة نائمة.. أمة قد ألهتها الشهوات.. أمة لا تعرف -إلا من رحم الله- إلا النوم على الأغاني والطرب والنساء.. أتعرف بم ينصحهم؟ يقول وهو يحتضر: [ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه].. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْت [المؤمنون:99-100].عبد الله! لا تقل: من الغد، وما يدريك لعل هذا يكون هو النذير الأخير.
الأسئلة
نشكر فضيلة الشيخ على ما قدم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياه لما يحبه ويرضاه.هناك مجموعة من الأسئلة:
 الأسباب المعينة على صلاة الفجر.. ونصيحة للنساء
السؤال: نرجو منكم حثنا على أسباب تعين المسلم على صلاة الفجر، وقد ذكرتم في محاضرتكم أن البعض ينام على الأغاني، فهل يجوز لنا أن نذهب للنوم ونحن نستمع إلى القرآن من جهاز التسجيل؟ثم ختاماً نرجو أن توجه كلمة تنصح بها النساء؟الجواب: كل ما قيل في المحاضرة للرجال فهو للنساء أيضاً؛ ولكن نخص النساء بنصيحة لنفسي أولاً ثم لأخواتي النساء ثانياً:أيتها الأخوات: لعلنا عندما تكلمنا عن تربية الأولاد نعلم -ونحن صادقون- أن أكثر من يجلس مع الأولاد ويربيهم هن النساء، فلهذا دورهن في تربية الأولاد أكبر من الآباء؛ لأن الأب -كما نعلم- يكدح ويعمل ويشقى؛ لأن يأتي ببعض لقيمات لأولاده وأهل بيته، أما الأم فهي التي تربي وتعلم وتدرس.أمة الله! فرق بين أم تعلم أولادها منذ الصغر على الأفلام والمسلسلات والمصارعات والأغاني والطرب، وبين أم تربي أولادها أول ما ينطق الولد، يقول: سبحان الله، والحمد لله، وإذا أكل قال: باسم الله، وإذا انتهى من الطعام قال: الحمد لله. أعرف -أيها الإخوة وأسأل الله أن يبارك في مثل هؤلاء الأولاد- أولاداً أعمارهم ثلاث سنوات، لا يأكلون الطعام إلا ويقولون: باسم الله! ولا يدخلون الخلاء إلا ويقولون: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ولا ينتهي من الطعام إلا يقول: الحمد لله، وإذا سمع الأغاني والموسيقى إلا ويذهب يغلق التلفاز والمسجل، وأعرف بعض الإخوة له ولد -أسأل الله أن يبارك فيه- لو كان في الشارع وبجانب الشارع سيارة قد فتحت الموسيقى يناديه -عمره ما أكمل أربع سنوات- ويقول: أما تدري أن الموسيقى حرام؟! أغلق الموسيقى.عبد الله! هلا ربينا أولادنا على هذا؟!اسمع لهذا الشاب، وأختم بهذه القصة لأولئك النساء:رجل حث على الجهاد في سبيل الله، فإذا به بعد الخطبة جاءته امرأة، فقالت له: يا شيخ! ولم يلتفت إليها، قالت له: يا شيخ! فأعطته صُرَّة وقالت له: يا شيخ! ليس عندي إلا هذا أتصدق به للجهاد في سبيل الله، امرأة تجاهد بمالها في سبيل الله، انظروا مَن مِن النساء، الآن تجد بعض النساء لو أراد الزوج أن ينفق شيئاً من المعاش في سبيل الله لقالت له زوجته: لا. عندنا أثاث، وأريد ذهباً مثل فلانة؟ ولم لا تذهب بي إلى هذه المطاعم؟ ولم لا نسافر إلى بلد كذا وكذا؟ قال: يا فلانة! أريد أن أتصدق ببعض المال قالت: لِمَ نتصدق؟ وليس الأمر واجباً، إنما ندفع الزكاة وكفى.. مثبطة عن طاعة الله، لكن بعض النساء تصدقت بصُرَّة، ولما فتح الشيخ هذه الصُّرَّة فإذا فيها ضفيرتان، ما عندها إلا جسمها، قصت شعرها وتصدقت به في سبيل الله؛ لأن أغلى ما عند المرأة هو شعرها، قصته وأعطته لذلك الشيخ، وقالت: أسألك يا شيخ أن تجعله رباطاً لفرسك في سبيل الله، فربطه الشيخ لفرسه في سبيل الله، وأراد أن يذهب للمعركة فناداه صبي صغير، فقال له: يا شيخ! قال: ماذا تريد؟قال: أن تحملني معك للجهاد، قال: أنت صبي صغير وعذرك الله، قال: أقسم عليك بالله لتحملني معك في الجهاد، قال: أنت صبي صغير، قال: أقسمت عليك بالله، فقال له: بشرط، قال: ما هو الشرط؟ قال: إذا مت وبعثك الله فاشفع لي عند الله يوم القيامة، قال: لك ذلك الشرط، فحمله معه على الفرس، وذهب إلى الجهاد، وبدأت المعركة، وحَمِي الوطيس، فإذا بهذا الشاب الصغير يقول للشيخ: يا شيخ! أعطني سهماً ولا يرد عليه الشيخ، والمعركة قد حميت، فقال له: أعطني سهماً، فأعطاه ثلاثة أسهم، فقال: باسم الله! ورمى سهماً، فأصاب به نصرانياً فقتله، والثاني قتل آخر، والثالث قتل آخر، فقتل ثلاثة بثلاثة أسهم، ثم وهو في المعركة أصيب بسهم فسقط من على الفرس، فنزل الشيخ ومسح الدم عن وجه هذا الصبي، فقال للشيخ: يا شيخ! أعطِ هذه الخرقة لأمي، قال: يا بني! ومن أمك؟ قال: أمي صاحبة الضفيرتين ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران:34] فأخذ الصُّرَّة ودفن الولد، ثم رجع إلى البيت وطرق الباب، فخرجت بنت صغيرة، فقال لها الشيخ: أين أمك؟ قالت: وأين فلان أخي؟ قال: أبشركم بأنه مات في سبيل الله، فهلل أهل البيت وكبروا، ثم قالوا: مات أبوه فاحتسبناه في سبيل الله، ومات أخوه الكبير فاحتسبناه في سبيل الله، والآن مات أخونا الصغير فنحتسبه عند الله، الله أكبر! هذه التربية؛ ليست تربية مطاعم الوجبات السريعة إلى منتصف الليل والولد عند المطاعم متى يأتي؟ آخر الليل، أين ذهب؟ لا ندري، الأم عند فلانة وفلانة، الأم لا تعرف إلا الأفلام والمسلسلات، ثم إذا انتهت الأفلام والمسلسلات رفعت سماعة الهاتف ساعة وساعتين تكلم فلانة.. أين الأولاد؟ لا تدري.. أين البنات؟ لا تردي.. ماذا يستمعون؟ لا تدري، والله إنها مسئولة عند الله -جل وعلا- عن هؤلاء الأولاد. إنها جريمة في حق الأولاد إذا فعلنا بهم هذه الأفعال؛ بل حتى الأب -يا عبد الله- ولستَ أنت أيضاً بمبرأ عن هذا الكلام، فأنت مسئول عن ابنك أين توصله؟ وأين ترسله؟ ومع من يجلس؟ وماذا يرى؟ وماذا يستمع؟ وماذا يلعب؟ وهل يصلي أم لا يصلي؟عبد الله! أنت مسئول عن الأولاد، وليس الأمر فقط إنجاب الأولاد ثم رميهم في الشوارع! لا، تسأل عنهم واحداً واحداً يوم القيامة.ثم يا عبد الله! إن لم نحسن تربية الأولاد أتعرف ما الذي سوف يحصل؟ سوف تجد الثمار في الدنيا قبل الآخرة.. أتعرف كيف؟استمع لهذه القصة:قبل أيام نَشرت عندنا في الكويت في جريدة الوطن، نَشرت هذه القصة وهي غيظ من فيض، وما خفي أعظم:أم عجوز طردها ابنها من البيت، فذهبت إلى دور العجزة -دور الرعاية- فاتصلوا على ابنها يأتي ليعمل الإجراءات الرسمية ليدخل أمه، فقال: أنا مشغول وغير مستعد، قالوا له: يا فلان! أما تستحِ؟! أمك عندنا. قال: افعلوا ما تفعلون لست مستعداً أن آتي إليها، فذهبت هذه الأم في الشوارع تبحث عن لقمة عيش، فما وجدت إلا المستشفى تدخله فتسقط فيه أياماً وقد آلامها المرض، فإذا بها تشتكي في الجرائد والمجلات تشتكي إلى الله جل وعلا من عقوق الأبناء.أتعرف يا عبد الله من هو المسئول؟ أولاً: أنت إذا لم تحسن تربية الأولاد فإنك سوف تجني ثمرة العقوق قبل أن تموت وقبل أن تلقى الله جل وعلا.عبد الله وأمة الله! عليكم واجبات في تربية الأبناء والبنات، وفي إصلاح البيوت.. الواحد منا إذا رجع إلى البيت: هذه الصور لماذا هي معلقة؟ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أين البركة؟ لماذا الصور تُعَلَّق يا عبد الله؟ أنزل الصور، لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو صورة، الموسيقى لا نريد أن نسمعها في البيت. عبد الله! لم لا تجعل مسجلاً، هناك أشرطة إسلامية؛ مواعظ.. قرآن.. أذكار.. تجعلها في البيت.. إذاعة القرآن أو غيرها، تشتري بعض الكتيبات وتضعها في البيت.. في الصالة؛ لتقرأ الأم والأخت، ويقرأ الأولاد.هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه آجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , كيف تقوي إيمانك؟ (1) للشيخ : نبيل العوضي

http://audio.islamweb.net