اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 17 للشيخ : أبوبكر الجزائري


هذا الحبيب يا محب 17 - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
بعد أن نزل الملك على نبينا في غار حراء بالأمر الأول انقطع عنه قرابة أربعين يوماً، ثم بعد ذلك أنزل الله عليه سورة المدثر، ثم تتابع نزول الوحي عليه، وكان ينزل في صور عدة؛ وهي الرؤيا الصالحة الصادقة في المنام، والإلقاء في الروع والنفث فيه، وأن يأتيه في صورة صلصلة جرس، وأن يأتيه الملك في صورة رجل فيوحي إليه ما شاء الله، وأن يخاطبه ربه كفاحاً من وراء حجاب.
فتور الوحي وعودته
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:قد انتهى بنا الدرس إلى المقطوعة [فتور الوحي وعودته] على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [إنه بعد تلك المفاجأة السارة له صلى الله عليه وسلم] أية مفاجأة هذه؟ إنها مفاجأة جبريل له صلى الله عليه وسلم في غار حراء [ولـخديجة رضي الله عنها وورقة بن نوفل -غفر الله له- فتر الوحي] بعد تلك المفاجأة السارة التي كانت له ولـخديجة ولـورقة بن نوفل -غفر الله له- لأنه مات قبل النبوة فتر الوحي [وانقطع قرابة الأربعين يوماً، ومات ورقة ] غفر الله له، فقد مات قبل عودة الوحي.[واشتد الألم النفسي بالحبيب صلى الله عليه وسلم حتى صرح] بوضوح [لـخديجة بأنه خائف على نفسه، بل كان كالهائم على وجهه في جبال مكة وشعابها] لتلك الرؤيا التي رآها ثم وقفت وانقطعت [وكان كلما اشتد به الحزن تبدّى له جبريل] أي ظهر له جبريل في الأفق [يقول له: يا محمد! إنك رسول الله حقاً، فيخف عنه حزنه ويقل ألمه، وتمضي الأيام وفجأة -وهو يمشي- يسمع صوتاً من السماء فيرفع بصره، فإذا الملك الذي جاءه بغار حراء قاعد على رفرف بين السماء والأرض، فرعب منه أشد الرعب، ورجع إلى أهله يقول: ( زملوني زملوني )] أي غطوني؛ لأن به شبه حمى من الفزع [فأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:1-7]] وليس هناك فرق بين زملوني ودثروني، فالدثار والشعار ثياب يلبسها المرء ليستدفئ بها، تقيه الحر والبرد.
 

نتائج وعبر من مقطوعة: (فتور الوحي وعودته)
قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نلخصها فيما يلي:أولاً: تشويق الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الوحي بانقطاعه عنه مدة من الزمن، الأمر الذي تألم له رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الألم.ثانياً: لطف الله تعالى ورحمته بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يرسل إليه جبريل يناديه ويطمئنه ويبشره بأنه رسول الله حقاً.ثالثاً: بيان أول ما أرسل به صلى الله عليه وسلم وهو النذارة، والبشارة لازمة لمن قَبِل النذارة فآمن ووحد الله في عبادته، وتابع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به] فلا تقولن إذاً: ليس بمبشر ولكنه منذر فقط، فإن الله يقول: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فالبشارة تابعة للنذارة، ولأي غرض هو ينذر؟ ينذر الناس حتى لا يهلكوا، إذاً: الذين آمنوا وعملوا الصالحات بشرهم -يا محمد- بالجنة دار السلام؛ لأن الإيمان يحمل على الطاعة والاستقامة، والطاعة هي فعل المأمور واجتناب المنهي عنه، وفعل المأمور يولد النور والحسنات، وبها تزكو النفس وتطهر وتطيب، والبعد عن المحرمات يبقي الزكاة والطهرة كما هي نامية زائدة، وبذلك يكون المرء من أهل الجنة؛ إذ لا يدخل الجنة إلا زكي النفس طيبها.أخبرنا بهذا رب العزة عز وجل، قال الله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] هذا هو حكم الله الذي أقسم عليه بعدة أيمان. ومن الذي أفلح؟ أبيض أم أسود، عربي أم أعجمي، فقير أم غني، وضيع أم شريف؟ أفلح من زكى نفسه، وهل للإنسان أن يزكي نفسه؟ وكيف يزكيها؟لقد وضع الحكيم -جل جلاله وعظم سلطانه- لتزكية النفس البشرية أدوات للتزكية، من استعملها مؤمناً موقناً مخلصاً كما شرعها الله -والله- لتزكون نفسه، وتُشاهد زكاتها كما يُشاهد الناس الكواكب في السماء وهم يمشون في الشوارع.إن صاحب النفس الزكية لا يلعن أباه ولا أمه، ولا يقول الفجور ولا ينطق بالباطل والسوء، ولا يشرب السموم، ولا يحاول أن يعبث بالناس؛ لأنه يعيش في نور، أليس هذا أوضح من الليل والنهار؟!
 

صور الوحي المحمدي
قال المؤلف غفر الله لكم وله ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [صور الوحي المحمدي] إن الوحي المحمدي له عدة صور، فهيا نشاهد تلك الصور، فهي أصح لنا ألف مليون مرة من مشاهدة شاشة التلفاز والفيديو ..[إن الوحي هو الإعلام السريع الخفي] أوحى يوحي بكذا .. أعلم بسرعة وخفاء. يقول الشاعر:أشارت بطرف العين خيفة أهلهاإشارة محزون ولم تتكلمإذاً: هو الإعلام السريع الخفي، مثل الهاتف، فالوحي مصدر أوحى يوحي وحياً، أو اسم مصدر معناه: الإعلام السريع الخفي، فإن كان غير سريع فليس بوحي، وإذا كان علنياً يراه الناس ويسمعونه فليس وحياً وإنما خطبة.إذاً: الإعلام السريع الخفي، ذلكم هو الوحي.[وله] أي هذا الوحي [مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صور] جمع صورة [ذُكر بعضها في قول الله تعالى من سورة الشورى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51]] من هو العلي الحكيم؟ إنه الله جل جلاله.هذه الآية تضمنت صوراً للوحي، يقول تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أبيض أو أسود أو عربي .. فكلمة (بشر) هنا نكرة، يدخل فيها كل آدمي، ولِم سمي الآدمي بالبشر؟ لأن بشرته مكشوفة ليس عليها ريش ولا صوف ولا شعر .. فلهذا سمي بالبشري، نسبة إلى البشرة. أما البعير والثور والدجاجة فليس ببشري [وبيان تلك الصور كالتالي] فهيا بنا نستعرض تلك الصور من الوحي المحمدي صورة بعد صورة؛ لترتسم في أذهاننا وتحفظ في قلوبنا، فنصبح وقد كسبنا علماً. ‏
 خامساً: أن يخاطبه الرب تبارك وتعالى كفاحاً من وراء حجاب
قال: [خامساً: أن يخاطبه الرب تبارك وتعالى] وهذه أرقى صور الوحي، أن يخاطبه الله تعالى ويُسمعه كلامه [كفاحاً من وراء حجاب] أي: وجهاً لوجه هذا معنى الكفاح، فليس ثمة واسطة، ولكن من وراء حجاب؛ لأن العبد لا يقوى على رؤية الرب تعالى، وإذا أردت أن تتأكد فتعال معنا في الضحى وانظر إلى الشمس، ستجد أن بصرك محدود لا قدرة له، فأنت محدود البصر ولا عجب. لكن نراه يوم أن يخلقنا الله خلقاً جديداً في دار المعاد يوم القيامة يوم تكون أبصارنا لا تفنى ولا تمرض، أما هذه اللحيمات المنتنة أنى لها أن ترى الله، والملائكة معنا فهل رآهم أحد؟ والله إنهم لمعنا، ولكن لا نراهم لضعف أبصارنا، وكذلك الجراثيم قبل وجود مكبرات الرؤية ما كانوا يرونها.[كما تم ذلك له صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج حيث فرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس، وتردد عليه في ذلك عدة مرات؛ يسأله التخفيف] لأنه الرب عز وجل قال: خمسون صلاة، ثم أخذ محمد صلى الله عليه وسلم يراجع موسى فيقول: يا محمد ارجع، واسأل ربك التخفيف، فقد امتحنت قبلك ببني إسرائيل، وإن خمسين صلاة لا يستطيعونها، حتى أصبحت بعد الخمسين خمسة. فهل استطاعوها؟ وهي موزعة توزيعاً عجباً تعجز البشرية عن مثله، فصلاة الصبح مع انبلاج الفجر، وصلاة الظهر بعد الزوال، وصلاة العصر عندما يصبح ظل الشيء مثله، والمغرب لغروب الشمس، والعشاء بعد غياب الشفق الأحمر، فهي في الليل والنهار.[وكان ذلك بإرشاد موسى عليه السلام] لقد قدم لنا موسى معروفاً وهو في الملكوت الأعلى، فصلوا عليه وسلموا تسليماً [وكما تم لموسى عليه السلام] أي الكلام من وراء الحجاب [بجبل الطور عدة مرات، فكان يسمع كلامه ولا يرى وجهه] وقد طمع فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] فلما تجلى الرحمن له تحلل الجبل وتبخر، وما إن رأى موسى الجبل يتبخر حتى صعق، فلما أفاق قال: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:143-144] أي: لا تطلب أكثر من هذا.
نتائج وعبر من مقطوعة: (صور الوحي المحمدي)
قال: [نتائج وعبر: إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نذكرها فيما يلي.أولاً: تقرير الوحي المحمدي وإثباته] تقرر عندنا الوحي المحمدي وثبت، وبم يثبت ويتقرر إذا لم يثبت بما سمعنا؟[ثانياً: بيان صور الوحي التي كان ينزل بها] وهي خمس صور:أولاها: الرؤيا الصالحة. وقد كانت ستة أشهر، بدأت من ربيع الأول وختمت برمضان.والصورة الثانية هي الإلقاء في الروع، وهي: أن يلقى الوحي في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، فيفهم عن الله ويحفظ.والصورة الثالثة هي أن يأتي الوحي فيكون كصلصلة الجرس من شدته على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا يحتاج الرسول إلى أن يذوب أو يكاد حتى يتلقى عن النوراني.والصورة الرابعة هي أن يأتي الملك في صورة إنسان جميل كامل طيب. وقد كان يأتي جبريل في صورة دحية بن خليفة الكلبي الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.وأخيراً: يخاطبه الرب كفاحاً، أي: مباشرة، ولكن بدون رؤية وجه الله الكريم.[ثالثاً: تقرير أن الرؤيا الصالحة من الوحي] الرؤيا الصالحة من الوحي إلى يوم القيامة، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة.[رابعاً: ذم الحرص من عبد يؤمن بالقضاء والقدر] هل الحرص مذموم من اليهود والنصارى والكفار والملاحدة..؟ لا. بل مذموم ممن يؤمن بقضاء الله وقدره، لِم العجلة والحرص؟ حتى الصلاة تجده لا يحسنها من العجلة والحرص، أتريد أن تنال ما لم يكتبه الله لك؟ والله لن تحصل عليه، أتريد أن تحصل على الرزق بالكذب والخيانة والغش؟ هل تستطيع أن تظفر بما لم يكتبه الله لك؟ فلم إذاً هذا الحرص الذي يؤدي بك إلى أن تترك طاعة الله ورسوله؟هذا الحرص المذموم صاحبه لا يحسن صلاته، تجده يدخل يصلي لا يعي ولا يفهم ولا يرتل قراءة، وإنما صلى بالاسم فقط، لِم هذا الحرص؟ ماذا سيفوته؟ هل سيفوته الذي كتب الله له؟ والله لن يفوته، هل سيحصل بحرصه على ما لم يكتبه الله؟ والله لن يحصل على شيء من ذلك. فلم هذا إذاً؟! ( فاتقوا الله وأجملوا في الطلب )، إن طلب الرزق والمال يكون بالصور الجميلة الحسنة لا القبيحة كالحرص وما إلى ذلك.[خامساً: بيان حقيقة، وهي أن ما عند الله ينبغي أن يطلب بطاعته تعالى لا بمعصيته] إن الملك بيد الله، إذاً يطلب بطاعته، والرزق وكأس الماء والثوب للستر بيد الله، فهل يطلب بمعصية الله؟ هذا جنون! ولكن يطلب بطاعة من بيده هذا، ومن هنا تنكشف عورات الناس، تجدهم يعرفون أن أشياء الله هو الذي يملكها، ويطلبونها بمعاداته! هؤلاء مجانين، يجب أن يطلب ما عند الله بطاعته، عليك أن تتملق وتتزلف إليه بالذكر والصلاة والدعاء، لعله أن يعطيك ويهيئ لك، أما بمعصيته فوالله لا تحصل إلا على ما كتب.[سادساً: تقرير سنة، وهي أن التجانس ضروري لحصول التفاهم بين المتخاطبين] فلو تكلمت مع فارسي أو بريطاني تحتاج إلى من يترجم، وإن كان هناك تجانس في البشرية، لكن اللغة اختلفت، ولكن تستطيع -أيضاً- أن تفهم عنه ويفهم عنك بالإشارة، فلو كانت عطشاناً -مثلاً- أو تريد أن تصلي فإنه يفهم عنك بالإشارة؛ لوجود التجانس، أو كنت جائعاً -مثلاً- ومسست بطنك فقط فيفهم أنك جائع.[سابعاً: بيان شرف دحية بن خليفة الأنصاري ؛ إذ كان جبريل يأتي في صورته] ودحية هذا لو كان من نوعنا لانتفخ وانتفش وتكبر، بل لعله يرى نفسه أعظم من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن جبريل يأتي في صورته؟! لكن -والله- ما زاده ذلك إلا تواضعاً، وأنتم تشاهدون من إخواننا من كان عسكرياً ثم أصبح عقيداً كيف ينتفخ، أو من كان راتبه ألف ريال ثم صار خمسة كيف يتكبر؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، وأين هم الصالحون؟ ذهبوا منذ كذا، لكن لا يمنع أن يكون هناك من هو أصلح منك، لتآخه وتمش وراءه وتأخذ عنه. أما الذين يعيشون كالحيوانات ولا يجلسون في مجالس العلم والتربية فماذا تطلب منهم؟ احمد الله على أنهم ما ذبحوك، ومع هذا لو جاءوا لذبحوك وأكلوك.[ثامناً: أكمل صور الوحي ما كان كفاحاً مع الله عز وجل بلا واسطة] يكلمه الله عز وجل ويفهم عنه كلامه ويبلغه للناس.معاشر المستمعين والمستمعات هنيئاً لكم بما علمتم، فاحفظوه وتجملوا به وتحسنوا، والله أسأل أن يغفر لي ولكم.كما أن هناك أخ لكم من أهل الدرس مريض، قال لإخوانه يدعو الله له بالشفاء، فأنا سأدعو وأنتم أمنوا ..اللهم يا حي يا قيوم، يا مالك الملك يا ذا الجلال والإكرام، يا من يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، إن عبدك صادق قد مرض وأنت تعلم به، وأنت الذي أمرضته فاشفه يا رب.اللهم اشفه بشفائك الذي لا يغادر سقماً، واشف مرضانا ومرضى المؤمنين والمؤمنات الحاضرين والغائبين يا رحمن يا رحمن يا رحيم! اشف مرضانا ومرضى المسلمين، إنك على كل شيء قدير.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
 خامساً: أن يخاطبه الرب تبارك وتعالى كفاحاً من وراء حجاب
قال: [خامساً: أن يخاطبه الرب تبارك وتعالى] وهذه أرقى صور الوحي، أن يخاطبه الله تعالى ويُسمعه كلامه [كفاحاً من وراء حجاب] أي: وجهاً لوجه هذا معنى الكفاح، فليس ثمة واسطة، ولكن من وراء حجاب؛ لأن العبد لا يقوى على رؤية الرب تعالى، وإذا أردت أن تتأكد فتعال معنا في الضحى وانظر إلى الشمس، ستجد أن بصرك محدود لا قدرة له، فأنت محدود البصر ولا عجب. لكن نراه يوم أن يخلقنا الله خلقاً جديداً في دار المعاد يوم القيامة يوم تكون أبصارنا لا تفنى ولا تمرض، أما هذه اللحيمات المنتنة أنى لها أن ترى الله، والملائكة معنا فهل رآهم أحد؟ والله إنهم لمعنا، ولكن لا نراهم لضعف أبصارنا، وكذلك الجراثيم قبل وجود مكبرات الرؤية ما كانوا يرونها.[كما تم ذلك له صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج حيث فرض عليه وعلى أمته الصلوات الخمس، وتردد عليه في ذلك عدة مرات؛ يسأله التخفيف] لأنه الرب عز وجل قال: خمسون صلاة، ثم أخذ محمد صلى الله عليه وسلم يراجع موسى فيقول: يا محمد ارجع، واسأل ربك التخفيف، فقد امتحنت قبلك ببني إسرائيل، وإن خمسين صلاة لا يستطيعونها، حتى أصبحت بعد الخمسين خمسة. فهل استطاعوها؟ وهي موزعة توزيعاً عجباً تعجز البشرية عن مثله، فصلاة الصبح مع انبلاج الفجر، وصلاة الظهر بعد الزوال، وصلاة العصر عندما يصبح ظل الشيء مثله، والمغرب لغروب الشمس، والعشاء بعد غياب الشفق الأحمر، فهي في الليل والنهار.[وكان ذلك بإرشاد موسى عليه السلام] لقد قدم لنا موسى معروفاً وهو في الملكوت الأعلى، فصلوا عليه وسلموا تسليماً [وكما تم لموسى عليه السلام] أي الكلام من وراء الحجاب [بجبل الطور عدة مرات، فكان يسمع كلامه ولا يرى وجهه] وقد طمع فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ [الأعراف:143] فلما تجلى الرحمن له تحلل الجبل وتبخر، وما إن رأى موسى الجبل يتبخر حتى صعق، فلما أفاق قال: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:143-144] أي: لا تطلب أكثر من هذا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , هذا الحبيب يا محب 17 للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net