اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحشر (4) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الحشر (4) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
النفاق مرض عضال يظهر خسة صاحبه ودناءة خلقه، وقد كان هذا الطابور موجوداً في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله حالهم هنا مع يهود، وأنهم كانوا يعدون قبائلهم من بني النضير وبني قريظة بأنهم سيقفون معهم في حربهم ضد رسول الله، وأنهم لن يطيعوا فيهم أحداً، حتى أنهم لو أخرجوا من المدينة فسيخرجون معهم، فكان آخر الأمر أن أخرج النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة ولم تنفعهم وعود المنافقين ولم تغن عنهم شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع سورة الحشر المدنية، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ * لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر:11-14].
 خلف الوعد آية النفاق وعلامته البارزة
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ [الحشر:11] يعلم، إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:11]، والله ما ينصرونهم، وبالفعل هل نصروهم لما حاصرهم الرسول نصف شهر وهم يصرخون وراء جدرانهم؟ كذبوا والله، وهذا الكلام قالوه لليهود قبل أن يحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم...)
قال تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [الحشر:12]، أي: على فرض أنهم لو دخلوا معهم المعركة وقاتلوا فإنهم سينهزمون؛ لأنهم منافقون لا إيمان عندهم ولا وعي ولا بصيرة، وبالتالي فكيف ينتصرون؟!
 خلف الوعد آية النفاق وعلامته البارزة
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ [الحشر:11] يعلم، إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الحشر:11]، والله ما ينصرونهم، وبالفعل هل نصروهم لما حاصرهم الرسول نصف شهر وهم يصرخون وراء جدرانهم؟ كذبوا والله، وهذا الكلام قالوه لليهود قبل أن يحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله...)
قال تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر:13].
 بيان العلة والحكمة في خوف اليهود من الناس
ثم قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر:13]، أي: هذا هو السر، وهذه هي العلة، وهذه هي الحكمة، إذ لو كانوا يفهمون ويعقلون ويفهمون لما كانوا يخافون المخلوقين ويتركون الخالق فلا يخافونه ويعصونه، وهذا هو شأن من لا يعرف الله عز وجل، إذ لو عرفوا الله ما وقفوا هذا الموقف، ولذا فهم يخافون العدو ولا يخافون الله عز وجل، وسبب ذلك وعلته: أنه لا فقه لهم ولا فهم ولا علم ولا بصيرة، وإنما يغطيهم الجهل المركب والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر...)
قال تعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ [الحشر:14]. ‏
 بيان علامات النفاق
وهنا أريد أن أذكر السامعين والسامعات بأن علامة النفاق أربع جاءت في الحديث الشريف، وأول هذه العلامات: إذا حدث كذب، أي: إذا حدث المنافق والله يكذب، فلا تثق في ما يقول لك، ومن هنا فالمؤمن ولي الله لا يكذب أبداً، إذ يحدثك الساعة والساعات فلا يكذب فيها كذبة واحدة.ثانياً: إذا وعد أخلف، أي: أن المنافق لمرضه ولظلمة قلبه ولما هو عليه من هبوط إذا وعد يخلف الوعد ولا يبالي بذلك، قد يتركك تنتظره الساعة والساعات، أو اليوم والليلة ولا يحضر، فعلى المؤمن ألا يخلف ما يعد به، فإن عجز يعلن عن عجزه وضعفه فيقول: ما استطعت، سامحني، اعف عني، وعدتك وما قدرت أن أحضر، أما أن يعد ويخلف فهذا ليس من صفات المؤمنين، بل هذا من صفات المنافقين. ثالثاً: وإذا اؤتمن خان، أي: أن المنافق الذي كفر بالله ورسوله، وآمن بالشيطان وأعوانه الكافرين إذا اؤتمن خان، فإن ائتمنته على الريال فقط يخونك فيه، أو تأتمنه على زوجتك وأولادك يخونك فيهم، أو تأتمنه على سيارتك أو بستانك يخونك، وهذا هو طبعهم والعياذ بالله. رابعاً: وإذا خاصم فجر، أي: إذا خاصم لا يعتدل ولا يمشي مع الحق ولا يقول الحق، بل يفجر ويكذب ويقول الباطل.إذاً: هذه أربع علامات من علامات النفاق، فمن كن فيه كان منافقاً كاملاً، ومن كانت فيه خصلة من الأربع كانت فيه خصلة من النفاق: فأولاً: إذا حدث كذب، وثانياً: إذا واعد أخلف، وثالثاً: إذا اؤتمن خان، ورابعاً: إذا خاصم فجر. معشر المؤمنين والمؤمنات! نربي أنفسنا على ألا نكون من المنافقين الذين يظهرون الإسلام بألسنتهم فيصلون مع المصلين ويخرجون حتى للجهاد معهم وهم لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، وإنما هم كفار بالله وتوحيده وبلقائه وبيوم القيامة، فنبرأ إلى الله من النفاق والمنافقين، ونعمل على ألا نتصف بصفة من صفاتهم أبداً طول الحياة، ومن أصيب بشيء من هذا فليتب إلى الله وليستغفره وليرجع إليه فيمحو الله ما كتب عليه.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: تقرير حقيقة وهي أن الكفر ملة واحدة، وأن الكافرين إخوان ]، من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: تقرير أن الكفر ملة واحدة، وهم إخوان في باب الكفر، فلهذا لا يعول عليهم ولا يوثق فيهم ولا يؤمّن لهم، سواء يهودي أو نصراني أو بوذي أو مجوسي، إذ كلهم كفار مهما كان اللقب، وهم كلهم أعداء لله ورسوله والمؤمنين في كل زمان ومكان. قال: [ ثانياً: خلف الوعد آية من آيات النفاق وعلامة من علاماته البارزة ]، من هداية الآيات: خلف الوعد من النفاق، وعلامة من علامات المنافق، وقد عرفتم أنها أربع، وقد بينها لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم، فالواحدة علامة على النفاق، وأربع صاحبها منافق كامل والعياذ بالله، والآن المنافقون أخلفوا وعدهم لبني النضير، إذ إنهم ما قاتلوا معهم ولا وقفوا معهم، وإذا أرادوا مع بني قريظة فكذلك. قال: [ ثالثاً: الجبن والخوف صفة من صفات اليهود اللازمة لهم والتي لا تنفك عنهم ]، من هداية الآيات: الخوف والجبن صفة من صفات اليهود في كل زمان ومكان، وهي لازمة لهم لا تفارقهم أبداً إلى يوم القيامة، فلنحذر هذا، ولنعرف هذا، فهاهم ذا يقاتلوننا لأن الله تعالى سلطهم علينا، وكل ذلك لأننا فسقنا وفجرنا وخرجنا عن طاعة الله تعالى، وآية ذلك أين الخلافة الإسلامية؟ إننا الآن دويلات في الشرق والغرب، بل ولا دولة تطبق شرع الله ولا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر إلا هذه البقعة فقط، فأي فسق وأي فجور أعظم من هذا؟ وبالتالي كيف لا يسلط علينا الجبناء فيذلوننا؟ لقد أراد الله أن يذلنا، وإن قلت: كيف تقول هذا يا شيخ؟ فأقول: لما فسقنا وفجرنا وهبطنا وأشركنا وعبدنا القبور سلط الله علينا أوروبا بكاملها من إسبانيا إلى بلجيكا إلى هولندا فأدبونا، والآن هذه حفنة من اليهود تتحكم فينا! بل لو نرسل أبناءنا فقط لأخرجوهم، لكن الله يذلنا يبين لنا أنه غير راض عنا، ولهذا أقول: والله! لو يجتمع أهل فلسطين حول إمام واحد ويعبدون الله، ويطبقون شرعه كما كان على عهد رسول الله، والله لرهبهم اليهود وخافوا ورحلوا، وذلك لما يشاهدوا آيات الله وأنوار الإيمان في تلك الأمة التي تعبد الله تعالى، فيخافون ويرحلون قبل قتالهم.قال: [ رابعاً: عامة الكفار يبدون متحدين ضد الإسلام ]، أي: يظهر أنهم متحدون ضد الإسلام، لكن في الحقيقة لا اتحاد ولا اتفاق فيما بينهم، والواقع يشهد بذلك، قال: [ وهم كذلك، ولكنهم فيما بينهم تمزقهم العداوات وتقطعهم الأطماع وسوء الأغراض والنيات ].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحشر (4) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net