اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة هود (3) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة هود (3) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
الإنسان إذا لم يستنر قلبه بنور الإيمان، ولم يتحل بصالح الأعمال إذا أذاقه الله عز وجل رحمة منه برخاء وسعة عيش وصحة بدن، ثم نزعها منه لأمر أراده سبحانه، فإن هذا الإنسان يكثر يأسه وقنوطه، ويجحد ما سبق وأن أنعم به عليه ربه، وإذا أذاقه النعمة بعد الضراء، فإذا به يفخر ويتكبر، وهو في الحالين مسيء ومقصر، أما المؤمن الصادق فإنه يسلك السبيل القويم، فعند الابتلاء حمد وصبر، وعند النعمة شكر.
تفسير قوله تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن ما زلنا مع فاتحة سورة هود المكية، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود:9-11].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً [هود:9] من القائل هذا القول، من المتكلم؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه. أين وجدنا كلام ربنا؟ إنه في كتابه، أليس القرآن كلام الله؟ بلى، وهو كتابه المنزل على صفوة خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.يقول تعالى مخبراً بخبر صدق وحق، وكيف لا وهو الخالق العليم؟ يقول: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً [هود:9] والإنسان هنا جنس الناس أبيضهم وأسودهم، وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً [هود:9] عافية، صحة، غنى، مالاً، ولداً.. هذه هي الرحمة التي يتعارف عليها الناس، وفرة مال، كثرة أولاد، غنى، عز، سعادة في الدنيا، هذه هي الرحمة عند الناس.يقول تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ [هود:9] نزعناها منه بغير رضاه، وإن كان نزعها يتم بأسباب تقتضي نزعها، وهي: ذنوبه، إِنَّهُ [هود:9] في تلك الحال لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [هود:9] شديد اليأس والقنوط والكفر، فلا تعجبوا، هذا ما هو بالرجل المؤمن المسلم المحسن، هذا هو الكافر الفاجر الفاسق عن أمر الله، وتأملوا والواقع شاهد: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً [هود:9] ورحمة الدنيا معروفة: المال، والسعادة، والعز والكرامة، والترف، والصحة والعافية، ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ [هود:9] بسبب من الأسباب، إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [هود:9] اليئوس: كثير اليأس شديده، وهو القنوط وعدم الرجاء أبداً، ومع ذلك كفور شديد الكفر فيما بقي له من النعم، يكفر الله ويسترها، ولا يذكرها لله ولا يشكره عليها، هذا هو الإنسان الكافر الفاجر والعياذ بالله تعالى.
 

تفسير قوله تعالى: (ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور)
ثانياً: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ [هود:10]، إنسان أذقناه نعماء بعد ضراء، كان مريضاً سقيماً، ذليلاً، فقيراً، مهاناً فصببنا عليه النعم، فعادت إليه صحته وعافيته وماله وسلطانه بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ [هود:10]، كيف تكون حاله؟ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي [هود:10]، كل ما يسوؤني ذهب، أنا الآن في غنى وفي عافية وأمن، قال تعالى: إِنَّهُ [هود:10]، أي: هذا الإنسان لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود:10]، حين يغدق الله عليه النعمة بعد البلاء الذي أصابه تراه فرحاً فخوراً، الفرح، والمرح، والبطر، والفخر، والخيلاء كما تتصور، لماذا؟ لأنه كافر منطمس النور، لا هداية في قلبه ولا نور في قلبه ولا في بصره، هذا شأنه.
 

تفسير قوله تعالى: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير)
فلهذا استثنى تعالى الصالحين فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:11] فهؤلاء إذا مسهم الله برحمة شكروا، وإذا مسهم بسوء صبروا؛ لأنهم مؤمنون أتقياء، بررة صالحون. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود:11].
 إجمال الأدوية الثمانية في علاج النفس البشرية
مرة ثانية أقول: الإنسان بطبعه ظلم جهول، ظلوم كفار، هلوع: إذا مسه الشر كان جزوعاً، وإذا مسه الخير كان منوعاً، اللهم إلا إذا عولج وشفي بإذن الله، والعلاج وضعه الله عز وجل في سورة المعارج في ثمانية أرقام أعيد تلاوتها رقماً رقماً.يقول تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [المعارج:19] ما معنى هلوعاً؟ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا [المعارج:20-21].وهذا الوصف عجيب: إذا مسه الشر يصرخ، يجزع، ما يعرف الصبر ولا يحمد الله أبداً، وإذا مسه الخير يمنعه ويحرمه حتى أقاربه؛ لأنه مريض. إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:22-35] هذا الطابع الأخير: أُوْلَئِكَ [المعارج:35] السامون الأعلون فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج:35]. اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:[ هداية الآيات:من هداية الآيات: أولاً: إن الإنسان قبل أن يطهر بالإيمان والعمل الصالح يكون في غاية الضعف والانحطاط النفسي]، والآن أغمض عينيك وافتحهما وانظر إلى الكفار من عرب وعجم وبيض وسود، فإنهم -والله- لشر الخلق، ولا يؤمنون على شيء، ولا خير فيهم بالمرة، ومن شك في هذا شك في كلام الله، أليست هذه صفاتهم؟ هل استعملوا الأرقام الثمانية، هل آمنوا بالله ولقائه وعملوا الصالحات؟ الجواب: لا، فكيف حالهم؟ هم شر الخلق، والله! إنهم لشر البرية، أما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]؟ والبرية: الخليقة، وإلا فمن شر الخلق؟ يخلقهم ويرزقهم فيعبدون غيره، يخلقهم ويرزقهم فيكفرون به ويسبونه، يخلقهم ويرزقهم ويحفظهم فيتنكرون لدعوته ورسله وأوليائه، فكيف لا يكونون شر الخلق؟ شر الخلق هو من أصيب بالكفر والعياذ بالله تعالى.وعلمنا أن مؤمناً واحداً لو يوضع الكفار كلهم في كفة ميزان ومؤمن في كفة؛ فوالله! لرجحت كفة المؤمن، بهذا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زلنا نحبهم ونجري وراءهم![ ثانياً: ذم اليأس والقنوط وحرمتهما]، المؤمن لا ييأس ولا يقنط، ويحرم اليأس والقنوط على نفسه، فلا يأس ولا قنوط.[ ثالثاً: ذم الفرح بالدنيا والفخر بها]، المؤمنون الصالحون والله! لو ملكوا المدينة لا يفتخرون ولا يباهون ولا يترفعون ولا يتكبرون، بل يتواضعون أكثر مما كانوا.[ رابعاً: بيان كمال المؤمن الروحي المتمثل في الصبر والشكر، وبيان جزائه بالمغفرة والجنة دار النعيم]. اللهم حقق لنا ذلك؛ إنك ولي ذلك والقادر عليه.وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة هود (3) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net