اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحج (3) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الحج (3) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
إن الذين كفروا حينما يجادلون في الله عز وجل فإنما يجادلون جدال الجاهل الذي يجادل بلا علم ولا دليل ولا حجة، وقد توعد الله عز وجل من كان هذا حاله بالخزي والمهانة في الحياة الدنيا، وبعذاب الحريق في الآخرة، ويشارك هؤلاء في هذا المصير من يظهر عبادة الله من أجل مصلحة دنيوية أو متاع عاجل، وكذلك من يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، بل ما ضرره أقرب من نفعه؛ لأنه مخلوق لا حول له من دون الله.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع سورة الحج المكية المدنية، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:8-13].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [الحج:8]، قد تقدم مثل هذا السياق في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [الحج:3]، وقد ذكر أهل التفسير ومنهم ابن جرير أنها نزلت في النضر بن الحارث وغيره، والصواب أنها نزلت في أبي جهل عمرو بن هشام عدو الله ورسوله والمؤمنين، إذ هذه الصفات في الآية تتفق مع صفاته بالحرف الواحد. وَمِنَ النَّاسِ [الحج:8]، أي: إنسان يجادل في الله بغير علم، وقد عرفتم أن الجدال في الله بغير علم مثل من يحاجون الرسول ويقولون له: لله زوجة! له ولد! له ملائكة نعبدها! له شريك يعبد معه! كما قد علمتم أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يتكلم في الله إلا بعلم، وما لم يعلم فلا يقل، إذ قد يصف الله عز وجل بما هو منزه عنه من تلك الصفات، ولذلك نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ونقول عنه ما قال هو عن نفسه وقاله عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي نفس الوقت الآية تؤدبنا ولا تبيح لأحدنا أن يجادل بغير علم، وذلك في أي قضية من القضايا، أو في أي مسألة من المسائل، وإنما أولاً اعلم ثم جادل، أما أن تقول بدون علم فهذا عار وعيب ولا يقبله العقلاء، فكيف يقبله المؤمنون؟ فاعلم ثم قل، أما أن تقول بالحلال والحرام، والجائز والممنوع وأنت لا تدري ولا تعلم، والله لا يصح هذا ولا يجوز، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، من لم يكن يعلم فليسأل حتى يعلم، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، الآية. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى [الحج:8]، يهتدي به فيمشي وراءه، وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [الحج:8]، كالتوراة أو الإنجيل أو الزبور أو القرآن أو صحف إبراهيم.
 

تفسير قوله تعالى: (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله...)
قال تعالى: ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:9]. ثَانِيَ عِطْفِهِ [الحج:9]، وعطف الإنسان هو أحد الجانبين، وتناول الميلان إليه، وهذه صورة الجبار المتكبر، إذ إنه يمشي بين الناس ينكسر عن يمينه أو شماله في تبختر وتعالٍ وتكبر، وهكذا كل من الرجلين النضر وأبي جهل والعياذ بالله تعالى، وفي هذه الآية تأديب لنا، إذ لا يحل لغنينا ولا لبطلنا ولا لشريفنا ولا لعالمنا ولا لولينا أن يمشي مشية المتكبرين بيننا، إذ الكبرياء رداء الله تعالى، ومن نازع الله في كبريائه قصم ظهره ولا يبالي، فإياكم والتكبر، فالكبرياء لله تعالى ليس لعباده، وها هو ذا تعالى يصف هذا الطاغية ويذكر ما له من جزاء، ثَانِيَ عِطْفِهِ [الحج:9]، أي: مائل إلى جنبه متكبراً رافع رأسه عن الرسول والمؤمنين، كيف يسمع كلام هذا الساحر أو هذا الشاعر أو هذا المجنون؟ثم قال تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، أي: فعله هذا كله من أجل أن يصرف الناس عن الإسلام في مكة، وأيضاً ذاك الجدال والمعاندة والمكابرة حتى لا يؤمن الناس برسول الله ويتبعوه، حتى المؤمنون الضعاف قد يرجعون، وهذه همته وقصده، وهذا الذي يريده، لِيُضِلَّ [الحج:9]، الناس، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، ما جادل ولا تعالى ولا تكبر إلا من أجل أن يصرف المؤمنين عن الإيمان، لِيُضِلَّ [الحج:9]، الناس، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]، وسبيل الله هو الطريق الموصلة إلى رضاه، أو الطريق الذي إذا سلكته وصل بك إلى رضا الله عز وجل، وحينئذٍ هو الإسلام دين الله، فهو الطريق الموصل إلى رضوان الله، وهو الطريق الموصل إلى جوار الله تعالى؛ لأن المؤمنين أولياء الله ينزلون الجنة في جوار ربهم، ويزيل الحجاب على نفسه ويسلم عليهم ويحييهم، فلمَ هذا التكبر وهذا التعالي وهذا الجدال؟ قال: العلة في ذلك من أجل أن يصرف الناس عن الإسلام، وقد يوجد هذا النوع الآن وقبل الآن وبعد الآن، فقد يوجد طغاة وظلمة يتكبرون ويترفعون ويجادلون ليصرفوا الناس عن الإسلام، ولا يخلو زمان من ذلك، والله تعالى أسأل أن يحفظنا من هذا البلاء. لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ [الحج:9]، أي: له في الحياة الدنيا خزي، والله لقد أخزاه الله تعالى، فهذه الآيات مكية، ومع هذا فقد أخبرت عما يقع في المدينة، فهذا النضر بن الحارث قد وضع الحبل في يديه وعنقه وحبس حتى مات، وهذا عبد الله بن مسعود القصير القامة، والذي كان يسخر منه أبو جهل، صعد على صدره وأمسك بلحيته وفصل رأسه من جسمه، فأخزاه الله في الدنيا، فأين ذاك التعالي والتكبر في مكة؟ أذله الله فأصبح أذل الخلق في بدر حتى ذبح وفصل رأسه عن جسده، وما وقع هذا لغيره، وصدق الله العظيم، لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ [الحج:9]، وفي الآخرة ماذا؟ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:9]، بالنار، وَنُذِيقُهُ إذاقة خاصة، لشخص خاص، عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:9]، والله أعلم كيف يكون هذا؟ومن الأدعية الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أعوذ بك من خزي الدنيا وعذاب الآخرة )، فمن يطيق خزي الدنيا؟ إنه الإذلال والإهانة، ولذا فاحفظوا هذه الدعوة وادعوا الله بها في صلاتكم ودعواتكم، وهذه الدعوة تستجاب إذا كنا مؤمنين موقنين موحدين، أما إذا كنا نسلك مسلك أبي جهل من التكالب على الدنيا والشهوات والأطماع والفسق والفجور فأنى يستجاب لنا؟!
 

تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد)
قال تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:10]. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ [الحج:10]، هذا الخطاب لـأبي جهل أو للنضر أو لكليهما، أي: ذلك الذي سمعت ووعدت به من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، بسبب بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ [الحج:10]، أي: بسبب عملك، إذ العمل عادة يعود بماذا باليدين، ويكون باللسان وبالرجل وبالفرج وبكل شيء، لكن الغالب أن العمل يكون باليدين، ذلك بسبب ما قدمت يداك، أي: من الكفر والشرك والظلم والخبث والكبر والشر والفساد.وأخيراً التعقيب: وَأَنَّ اللَّهَ [الحج:10]، أي: وسبب ذلك لأن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:10]، أبداً، فلهذا أخزاه في الدنيا وعذبه في الآخرة، وما ظلمه الله تعالى، وحاشا لله تعالى أن يظلم، وإنما هذا بسبب شركه وكفره وظلمه؛ لأن الله مبرأ من الظلم، إذ ليس بظلام لعبيده، سواء أبيضهم وأسودهم، أولهم وآخرهم، وإنما يعذب من كفر به وفسق عن أمره وترك طاعته فخبثت نفسه، فيلقيه في أتون الجحيم مع أهل الشقاء أبداً، وما ظلمه الله تعالى، فإن الله ليس بظلام للعبيد.فهل عرفتم هذه الشخصية؟ أعيد لكم الآيات التي نزلت فيها: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:8-9]، ثم يقال له: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:10]، فما عذبه الله ظلماً له، ولكن بسبب ما قدمته يداه من الكفر والظلم والشر والفساد.
 

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف...)
والآن مع شخصية أخرى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11]، والعياذ بالله، وهذه الآية مدنية نزلت في أهل المدينة، وإن نزلت بمكة أيضاً فلا حرج كما نزلت في مكة أحداث أبي جهل في بدر، لكن هذه في المنافقين والبدو من الأعراب من ناحية المدينة، وذلك لما ظهر الإسلام كانوا يأتون المدينة ليكسبوا مالاً أو مصلحة، فإذا حصلوا على خير ومال، كأن ولدت نساؤهم الذكور، وولدت خيلهم، قالوا: البركة كلها في الإسلام، ويفرحون بالإسلام ويبقون فيه، وإذا أصيبوا بفتنة أو محنة، كأن ماتت زوجته، أو ولدت بنتاً، أو مات فرسه، أو ما حصل على صدقة، أو أصابته حمى المدينة، انتكس وقال: هذا هو الشر كله، كفرنا به، نعود إلى ديننا والعياذ بالله.ولذلك نخشى أن يقع هذا لبعض اليهود أو النصارى أو المشركين الآن، فيدخل أحدهم في الإسلام، ثم لما يفقد الوظيفة أو المال يرجع إلى ملته الباطلة، ولهذا يجب على المؤمنين أن يشجعوا المسلمين الجدد وينصرونهم ويتعاونوا معهم، وذلك حتى يثبتوا على الدين ولا ينتكسوا وينقلبوا، إذ إن ذلك سنة بشرية، فالأعراب حول المدينة كان يدخل في الإسلام بالطمع، فلما يجد الخير يفرح ويتأصل الإسلام في نفسه، لكن إذا وجد ما لا يليق به انتكس وعاد إلى الكفر والعياذ بالله. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرفٍ [الحج:11]، شك، إذ لا يدخل في الإسلام على يقين، وإنما يدخل في الإسلام من أجل الفائدة والمصلحة، وذلك لعله يرزق مالاً أو أي شيء، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ [الحج:11]، مال أو ذرية، اطْمَأَنَّ [الحج:11]، وسكنت نفسه واستراح وفرح بالإسلام، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [الحج:11]، في ماله أو في نفسه، انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11]، أي: عاد إلى الشرك والكفر، وانقلب على وجهه يمشي هارباً، وقد خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11]. وَمِنَ النَّاسِ [الحج:11]، رجال يعبدون الله على حرف وشك لا على يقين، فإن أصابهم خير اطمأنوا بالإسلام والإيمان وثبتوا عليه، وإن أصابهم فتنة امتحاناً لهم انقلبوا على وجوههم، فحالهم أنهم خسروا الدنيا والآخرة، فالدنيا في فسق وكفر وفجور، وأما في الآخرة فلا تسل عن مصيرهم والعياذ بالله. ثم قال تعالى تعقيباً على هذا الحكم: ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]، والله العظيم، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]، فالذي خسر الدنيا والآخرة هل بقي خسران أعظم من هذا؟ إن هذا لخسران واضح بين وعظيم، إذ لو خسر الدنيا فقط لقلنا: هان عليه الأمر، أو لو خسر الآخرة فقط أخف، لكن خسر الدنيا والآخرة فهذا هو الخسران المبين. مرة أخرى اسمعوا عن البدو وعن بعض المنافقين في كل زمان ومكان: يدخلون في الإسلام طمعاً ورغبة فيما فيه من الخير، لكن لما لا يجدون ذلك ينتكسون ويعودون إلى كفرهم وشركهم والعياذ بالله، وهنا أنصح للمؤمن فأقول: يا عبد الله! أنت الآن مستقيم تصوم وتصلي وتعبد الله عز وجل، لكن احذر إذا امتحنت فزالت الوظيفة أو قل الراتب أو ماتت الزوجة أو فقدت كذا، هل تصبر وتبقى على طاعة الله طالباً رضاه أو تنتكس؟ قد يقع هذا، أما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]؟ فلابد وأن يفتن العبد ولو أسبوعاً أو عاماً حتى لا يقع في هذه المحنة التي وقع فيها بعض الأعراب وبعض المنافقين في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [الحج:11]، أي: بالإسلام وبالعبادة، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11]، ولم يقل: على رأسه، وإنما على وجهه والعياذ بالله، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11]، فلا خسران أوضح وأعظم من أن يخسر الإنسان الدنيا والآخرة معاً، إذ لو خسر الدنيا فقط ما ضره ذلك الخسران إذا ربح الآخرة وفاز بها.
 

تفسير قوله تعالى: (يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه)
قال تعالى: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12]. ‏
 معنى قوله تعالى: (ذلك هو الضلال البعيد)
ثم يقول تعالى: ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12]، أي: هذا هو الضلال البعيد، يعرض عن الله ويغمض عينيه ويلتفت إلى غيره، ويترك السميع العليم الذي يضر وينفع، ويدفع الضر ويعطي النفع، ويعرض عنه ويدعو غيره معه! فأي ضلال أبعد من هذا الضلال؟ هذا أقصى الدنيا، ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12]، هذا هو الضلال البعيد لا غيره.
تفسير قوله تعالى: (يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه ...)
قال تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13].ثالثاً: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الحج:13]، يدعو ذاتاً أو شخصاً أو صنماً، وضره أقرب إليه من نفعه! فأين العقل إذاً؟ يا عاقل! تدعو من ضره أقرب إليك من نفعه؟! كيف تدعوه؟! إذاً، لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13] هذا، ثم أي ولاية هذه؟ أهذا ولي الله تعالى؟ أعوذ بالله! عبد القادر يقول: ادعوني، اذبحوا لي، استغيثوا بي؟ هل هذا يكون ولياً لله تعالى؟ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13]، والعشير هو الصاحب الملازم للعبد الذي يظل معه، فهم ملازمون للقبور عاكفون عليها، ووالله لقد رأيتهم بعيني ملتفين حول القبر رجالاً ونساءً، وذلك وفي الشرق والغرب. أسمعكم الآيات مرة أخرى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:8-13].
 معنى قوله تعالى: (ذلك هو الضلال البعيد)
ثم يقول تعالى: ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12]، أي: هذا هو الضلال البعيد، يعرض عن الله ويغمض عينيه ويلتفت إلى غيره، ويترك السميع العليم الذي يضر وينفع، ويدفع الضر ويعطي النفع، ويعرض عنه ويدعو غيره معه! فأي ضلال أبعد من هذا الضلال؟ هذا أقصى الدنيا، ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12]، هذا هو الضلال البعيد لا غيره.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
إن هداية الآيات مأخوذة من الآيات، قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: قبح جدال الجاهل فيما ليس له به علم ]، فلا يحل لأحد لا علم عنده أن يجادل بالجهل، أما إذا عندك علم في مسألة ما فلا بأس أن تجادل فيها، أما بدون علم فيها فلا يحل أبداً، لاسيما إذا كانت المسألة دينية، حتى الدنيوية ما عندك علم فلا تجادل فيها.قال: [ ثانياً: ذم الكبر والخيلاء، سواء من كافر أو من مؤمن ]، فالخيلاء والكبر مذمومان، سواء من كافر أو من مؤمن، والكبرياء هو أن يميل ويرفع رأسه يميناً وشمالاً تكبراً.قال: [ ثالثاً: عدم جدوى -أي: نفع- عِبَاَدةٍ صاحبُها شاك في نفعها ]، كالذين يدخلون الإسلام لغرض ما، فلما لم يحصلوا عليه يعودون إلى الكفر والعياذ بالله، قال: [ عدم جدوى عبادة صاحبها شاك في نفعلها غير مؤمن بوجوبها ومشروعيتها ]، مثل: بعض أهل البادية والمنافقين، وقد يوجد الآن في كل مكان أيضاً، وقد نبهت إلى أن الذين يدخلون في الإسلام نخشى أن ينتكسوا بسبب فقده لوظيفته، أو تخرج عليه امرأته، أو يلعنه أولاده، فعلى المسلمين أن يؤووهم وينصروهم ويشجعوهم حتى لا ينتكسوا ويرجعوا إلى الوراء والعياذ بالله تعالى.قال: [ رابعاً: لا يصح دين مع الشك ]، لا دين مع الشك، فأنت تقول: دخلت في الإسلام وأنا شاك، والله ما هو بدين، بل لابد من اليقين الجازم، فلما تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لو تمزق وتحرق ما تستطيع أن تكذب وتقول: يوجد إله مع الله، أو أن محمداً ليس برسول الله، وإنما دخلت في الإسلام لأنك عرفت أنه الدين الحق، ولا دين لله ينفع في هذه الحياة إلا هو.قال: [ خامساً: تقرير التوحيد والتنديد بالشرك والمشركين ]، أما قال تعالى: لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13]؟وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الحج (3) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net