اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الإسراء (24) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الإسراء (24) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
مع كل ما جاء به محمداً صلى الله عليه وسلم مشركي قريش من الآيات البينات، الشاهدة على صدق نبوته ورسالته، إلا أنهم استمروا على إعراضهم وعنادهم، بل وطالبوه بمعجزات إضافية دالة على صدق ما أتاهم به، فطلبوا منه أن يفجر لهم ينبوعاً من الأرض، ومرة طلبوا منه أن يأتيهم بجنة فيها الأنهار الجارية، أو يكون له بيت من زخرف، أو يرقى في السماء فيأتيهم بكتاب يقرءونه، فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه أن يخبر هؤلاء الناس أن ما يطلبونه منه لا يكون إلا بأمر الله؛ فما هو إلا بشر أرسله ربه ليهدي به من يشاء ويضل من يشاء.
ما تعالجه السور المكية من قضايا العقيدة
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).فما زلنا مع سورة الإسراء، فهيا بنا لنستمع تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس.وها نحن مع سورة الإسراء، ويا لها من سورة، وهنيئاً للمؤمنين بهذه السورة المباركة، نتلو الآيات، ثم نتدارسها لنقف على أسرار هذه الآيات وأحكامها الشرعية. وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:90-95].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!هذه السورة المعروفة بسورة الإسراء أو بني إسرائيل، وفاتحتها: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، هذه السورة مكية، ومعنى مكية: نزلت بمكة، وتوجد سور أخرى مدنية نزلت بالمدينة، فاعرفوا هذه الحقيقة، والمصاحف كلها تكتب في أول السورة مكية أو مدنية، فلنعلم أن السور المكية تعالج العقيدة، ليس فيها بيان الحلال والحرام، ولا بيان أنواع العبادات، وإنما هي فقط من أجل أن توجد في الإنسان عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله والبعث الآخر، تقرير التوحيد والنبوة والبعث الآخر، أي: والإيمان بيوم القيامة.وكثيراً ما أوجه المستمعين والمستمعات إلى أن تقوية عقيدتنا بهذه الثلاثة لأن لها شأنها، فالذي اعتقد أنه لا إله إلا الله لا يمكنه أن يعبد غير الله، ولو بطأطأة رأسه هكذا أو بكلمة يقولها؛ إذ هو آمن واعتقد جازماً أن لا يعبد إلا الله، فمن هنا هو لا يعبد غير الله أبداً، ومن لا يعرف هذه الحقيقة ويقول كما يقول الناس: لا إله إلا الله، فهو يعبد الصالحين، وشاهدناهم بأعيننا يدعونهم، يستغيثون بهم، يذبحون لهم، يحلفون بهم، يعكفون حول قبورهم؛ لأنهم والله ما عرفوا معنى لا إله إلا الله، وإلا كيف يفهم أنه لا يوجد على الإطلاق في الملكوت كله علوه وسفله من يستحق العبادة إلا الله؛ لأنه هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، ويسمع قول الله عز وجل في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، كل الذنوب تحت نظر الله إن شاء غفر وإن شاء لا، اللهم إلا الشرك، فقد أعلن الرب تعالى أنه لا يغفره لأهله إذا ماتوا عليه، فلهذا لا نحلف بغير الله أبداً، لماذا؟ لأن الحلف تعظيم للمحلوف به وإجلال وإكبار، معناه عبادة له، وإلا كيف تحلف به، وعلى المنبر هذا كان يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، ومرة قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، ومرة قال: ( من حلف بغير الله فقد كفر ) أي: كفر الله وغطاه وستره ولم يؤمن به، وإلا كيف يحلف بمخلوق من مخلوقاته؟!إذاً: العقيدة كلها تحت كلمة: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله مؤمناً بأنه حقاً، لا يوجد من يستحق أن يعبد لا في السماء ولا في الأرض إلا الله، ما يستطيع أن يعبد غير الله ولو بإشارة برأسه أبداً، ومن آمن بأن محمداً رسول الله ونبيه وعرف أنه رسوله والله لا يمشي إلا وراءه، ولا يخالفه لا في قول ولا في عمل، لا يتقدمه ولا يمشي عن يمينه ولا شماله -أي: أن يوازيه- بل يمشي وراءه، يقول ما يقول، ويتوضأ كما يتوضأ، ويصلي كما يصلي الرسول، ويحسن كما يحسن الرسول، ولا يتقدمه أبداً، بل يمشي وراءه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1].فعلينا يا معشر من آمن بأن محمداً رسول الله ألا نخرج أبداً عن طاعته في حدود قدرتنا وطاقتنا؛ فإن عجزنا فالله ولينا، أما أن نخالف هدي رسول الله وسنة رسول الله عمداً، والله ما نقدر على هذا وما نستطيعه، وإلا كيف آمنا بأنه رسول يقودنا إلى الجنة دار السلام، يقودنا إلى الجنة متى؟ إذا زكت نفوسنا، إذا طابت أرواحنا، إذا طهرت قلوبنا.وقد أقسم الجبار بقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، ثم قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، أفلح وفاز ونجا من النار ودخل الجنة دار الأبرار، عبد أبيض أو أسود في الأولين أو الآخرين زكى نفسه طيبها وطهرها، لا بالماء والصابون، ولكن بالإيمان وصالح الأعمال، وأبعدها عما يخبثها ويدنسها ويلوثها من أنواع الشرك والذنوب والمعاصي. هذا الذي يمشي وراء رسول الله إلى دار السلام.والإيمان بالبعث الآخر؛ فالذي يؤمن أنه سيدخل القبر حتماً، وسيسأل ويستنطق وسيرى مكانه في الجنة أو النار، هذا المؤمن ما يمكن أن يبيت على الفجور والذنوب والآثام، الذي آمن أنه سيقف بين يدي الله في ساحة فصل القضاء ويسأله لا يقدر على أن يبيت ويموت على معصية الله، بمجرد ما تزل القدم ويشعر بأنه أذنب يقول: أستغفر الله وأتوب إليه ويقلع عن المعصية ولا يلازمها أبداً. آمن بالبعث الآخر.هذه الأركان الثلاثة المهمة للعقيدة: التوحيد، النبوة، البعث الآخر.والسورة المكية كلها تعالج هذه، من قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] إلى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1].
 

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ...)
قال الله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [الإسراء:90] يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لقد قال لك المشركون أعداؤك وخصومك: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [الإسراء:90]، لن نتبعك، لن نصدقك فيما تقول، لن نمشي وراءك أبداً حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء:90]، من القائلون؟ عتبة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل وأمية بن خلف والنضر بن الحارث .. هؤلاء الطغاة وغيرهم، اجتمعوا في ليلة من الليالي حول الكعبة، وبعثوا لرسول الله من يأتي به للتفاهم معه، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا معه بما تكلموا، ثم طلبوا منه تحقيق هذه المطلوبات الستة؛ فإن تحققت لنا آمنا بك واتبعناك، ستة مطالب باستعجال:المطلب الأول: أن يفجر لهم من الأرض ينبوعاً، عين تسير مياهها دائماً.المطلب الثاني: أن تكون له بساتين وجنات فيها عنب ويفجر الأنهار خلال نخيلها وأشجارها.المطلب الثالث: أو تسقط السماء كاملة قطعة قطعة كما زعمت.المطلب الرابع: أو تأتي بالله والملائكة هكذا نشاهدهم قبيلاً.المطلب الخامس: أو يكون لك بيت من زخرف، أي: دار من ذهب، كل جدرها وسقفها من ذهب.المطلب السادس: أن ترقى في السماء.ثم قالوا: إذا استطعت أن تأتينا بهذه آمنا لك واتبعناك؛ لأنهم كلهم ماتوا على الشرك والكفر، والعياذ بالله!هيا مع الآيات: وَقَالُوا [الإسراء:90] أي: المشركون في مكة من طغاتهم ورؤسائهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [الإسراء:90]، هذه لن الزمخشرية، لن تفكر أبداً في أننا نمشي وراءك، إلى متى؟ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ [الإسراء:90] أرض مكة وما حولها يَنْبُوعًا [الإسراء:90]، ينبوع عين تسيل أبداً كما هي في الشام وفي غيرها، هذا طلب.ثانياً: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ [الإسراء:91] والبستان يقال له جنة إذا كانت أشجاره اجتنت وغطت من دخل تحتها من كثرة زهورها وأغصانها، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ [الإسراء:91]، النخل موجود في المدينة والعنب في المدينة ويعرفونه، فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ [الإسراء:91] خلال تلك الأنهار والأشجار والنخيل تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ [الإسراء:91-92] وخوفتنا وهددتنا كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا [الإسراء:92] أي: قطعاً قطعاً، أو تأتي بالله جل جلاله والملائكة معه ونشاهدهم قبالة وجوهنا، معناه: لن نؤمن، لماذا؟ لأنه يريد منا أن نمشي وراءه ونتخلى عن عاداتنا ومبادئنا وحياتنا، وندور فيما جاء به، لن يكون هذا.والآن لو يوجد من يدعو هذه الدعوة نيابة عن رسول الله في أمريكا والصين واليابان وأوروبا وغيرها والله لوجد من يقول له هذا الكلام أو أكثر؛ إذ البشر هم البشر، يقولون هذا، فقط ما وجدوا من يواجههم بأن يؤمنوا بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [الإسراء:93]، الزخرف في لغة القرآن والعرب الذهب، مادمت رسوله لم لا يبني لك بيتاً من ذهب؟ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ [الإسراء:93]، أو شيء ثاني: تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:93]، وها أنت ادعيت أنك رقيت: أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:93]، ولن نؤمن لدعواك أنك رقيت حتى تأتي بكتاب ينزل عليك.. تأتي بكتاب معك، أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء:93] وصعودك وطلوعك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:93] ستة طلبات، معناها: ما نؤمن لك أبداً؛ إذ هذه الطلبات ليس في استطاعة الرسول أن يأتي بها أو يقدر عليها، وهم يعرفون هذا.ثم قال الله جل جلاله لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي) عجباً لهذه القلوب الميتة والأرواح الخبيثة والأفكار الهابطة، عجباً، قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:93]، ما أنا إلا آدمي، رجل ذو لسان وشفتين ويدين ورجلين، لكني رسول أرسلني ربي إليكم، أما ذاتي وواقعي وحقيقتي فأنا ما خالفتكم حتى تطلبوا هذه المطالب مني.. أنا بشر فقط لا أملك هذا الذي تطالبون به، بشراً رسولاً، هكذا علم الله تعالى رسوله أن يرد عليهم تلك الأباطيل بقوله: سبحان الله! هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:93].
 

تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً ...)
قال الله تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى [الإسراء:94]، كأنها سنة في البشر من عهد نوح ومن قبله، ما هي هذه السنة: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى [الإسراء:94] بواسطة نبي ورسول من رسل الله، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:94]، قالتها عاد لهود، وثمود لصالح، وقالوها لإبراهيم.. وهكذا السنة في البشر: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [الإسراء:94] ويصدقوا فيعبدوا الله وحده ليكملوا ويسعدوا، ما منعهم إذ جاءهم الهدى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء:94]لم لم يبعث الله ملكاً؟ أبعث الله رسولاً من البشر؟ قل لهم يا رسولنا: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ [الإسراء:95] على الأرض كبني آدم لو فرضنا.قل لهم: لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:95]، لكن أنتم بشر تمشون على الأرض مطمئنين ما ننزل ملكاً، ثم الملك كيف تتفاهمون معه، لسانه غير لسانكم، وحياته غير حياتكم، أين التجانس بينكم حتى تفهموا عن الملك، لا تستطيع أن تفهم عن بقرة أو بعير، أو هو يفهم عنك مع اختلاف الجنس، فكيف بملك تتفاهمون معه؟محمد عربي سيد شريف يتكلم بلسانكم، وقلتم: ما نتابعه، كيف لو بعث الله ملكاً، إذاً فقل لهم: لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ [الإسراء:95] على الأرض مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:95] يدعوهم إلى الله ليعبدوه ويوحدوه؛ ليكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة، فكيف إذا أنتم بشر نبعث إليكم ملكاً، والله لو بعث ملكاً لقالوا: ما نفهم عنه، ما نستطيع، لم ما يبعث رجلاً منا يفهمنا ونفهمه؟ والله لقالوا؛ لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا، فهذه الطلبات كلها من باب أننا لا نمشي وراءك، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [الإسراء:90].ومضت شهور وأعوام، وهؤلاء الطغاة كلهم هلكوا في بدر سبعون رجلاً من هؤلاء، منهم عتبة بن ربيعة ، أبو جهل كلهم هلكوا.هذا والله تعالى نسأل أن ينفعنا وإياكم بما نسمع.
 

دعوة للاجتماع على كتاب الله تعالى
أقول: لم لا تجتمعون يا أبناء الإسلام في بيوت ربكم اجتماعكم هذا، وتدرسون كتاب الله عز وجل، لم؟ من فرض علينا المقاهي والملاهي، من حرمنا من دخول المساجد، من نهانا عن الاجتماع على كتاب الله؟الجواب: لا. اللهم إلا أيام الشيوعية الروسية في بلاد الروس، ونحن الآن مستقلون أحرار، لم لا نجتمع لندرس كتاب الله؟ هذا العلم الذي سمعتموه ليس بالهين، لو تجتمع البشرية ما تأتي به، من آمن بكتاب الله وعرف يعبد غير الله؟ يذل ويهون لغير الله؟ ولكن الجهل، بم نزيح هذا الستار المظلم؟ بكتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، نجتمع في مسجد الحي يا أهل المدن، في مسجد القرية يا أهل القرى، إذا دقت الساعة السادسة ومالت الشمس إلى الغروب توضأنا وحملنا نساءنا وأطفالنا إلى بيت ربنا في عزة وكرامة، ليلة ندرس آية كما درسناها الليلة، ونفهم مراد الله منها، والليلة الثانية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن قال: ما نستطيع نفهم كتاب الله، فما أنت الذي تفهم، ولكن عالم أو طالب علم يعرف يقرأ ويكتب، وإذا قرأ يفهم.ومع هذا لتقوم الحجة لله علينا وفقني ربي لكتابة: كتاب المسجد وبيت المسلم، به ثلاثمائة وستون آية وحديثاً بمعدل ليلة حديث وليلة آية طول العالم، اثنا عشر شهراً، ونادينا وقلنا للمسافرين والمقيمين والحجاج والطلبة: لم لا تجمعوا أهل القرية على كتاب الله؛ ليفقهوا ويعلموا ويسودوا ويطهروا؟ وكأنما وزعنا الكتاب على القبور، لا إله إلا الله، ومع الأسف القرآن نجتمع عليه ليالي الموت، إذا مات فلان أو فلان يجتمع أهل القرآن ويقرءون على الميت لا على الحي، حتى لا يفهم الحي ويتوب إلى الله، لا. على الميت، انتكاسة أعوذ بالله منها شر انتكاسة، هل الرسول قال: اقرءوا القرآن على الموتى؟ هل أمر بذلك، هل وصى أصحابه، هل دعاكم إلى هذا؟ هذا الشافعي وأحمد وأبو حنيفة هاتوا كلمة منهم أنهم يتجمعون لقراءة القرآن على الميت.ولطيفة يعرفها إخواننا الجزائريون رويناها عن كبار السن: جاء حاكم جديد إلى مدينة وهران في بداية الاستعمار، فطوفوا به في المدينة، فمر بكتاتيب يقرئون القرآن فيه للأطفال، فقال: ما هذه الكتاتيب، هل الحكومة عجزت عن إنشاء مدارس تعلمهم؟ وأمر بإغلاق تلك الكتاتيب وأن يدرسوا في المدارس على فهمه، فجاء مؤمن وفقه الله، ولا تخلو الأرض من موفقين صالحين، وقال: يا مسيو! هؤلاء يقرءون القرآن تدري لماذا؟ ليقرءوه على الموتى، لكن في مدارس الحكومة ما في القرآن يقرأ على الموتى، فهم يحفظونه ليقرءوه على الموتى، قال: إذاً دعوهم مادام على الموتى، وإلى الآن حتى في المدينة يقرءونه على الموتى، وهذا شأن أي أمة إذا هبطت لا ينقذها ولا يرفعها إلا الله.ومن آيات الرفع: أن يجتمع المؤمنون في بيوت ربهم يبكون بين يديه ويصرخون كل ليلة من المغرب إلى العشاء، وقت ينتهي فيه العلم الدنيوي ويتعلمون كتاب الله في صدق وسنة رسول الله في صدق، ويطبقون ما يعلمون، والله ما هي إلا أيام فيرفع الله رأسهم إلى السماء.
 

قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيات ].هذه الآيات لها هدايات، ولكل آية لها هداية قطعاً، فلنسمع هداية الآيات.[ أولاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ].أولاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه نبي الله ورسوله، دلت عليه الآية: (قل) من أمره أن يقول؟ أليس الله؟ إذاً: هو عبد الله ورسوله.[ ثانياً: بيان شدة عناد مشركي قريش، وتصلبهم وتحزبهم إزاء دعوة التوحيد ].بيان تصلب وعناد رجالات قريش؛ لأنهم لا يريدون أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، واللات والعزى وهبل ماذا يصنعون بها؟! وهذه هداية الآية، أبطل الله تلك النعرات الكاذبة والعبادات الباطلة.[ ثالثاً: بيان سخف عقول المشركين برضاهم للألوهية بحجر، وإنكارهم الرسالة للبشر ].بيان سقوط عقول المشركين، فهم يعبدون الأصنام والأحجار ويعكفون عليها، ويتركون عبادة الرحمن خالق كل شيء ومليك كل شيء أين العقول، جاءهم من يعرفهم بربهم خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم وحياتهم ليعبدوه، أعرضوا وعكفوا على اللات والأصنام، كما عكف النصارى إلى اليوم على الصليب والمسيح.[ رابعاً وأخيراً: تقرير أن التفاهم حسب سنة الله لا يتم إلا بين المتجانسين، فإذا اختلفت الأجناس فلا تفاهم، إلا أن يشاء الله، فلا يتفاهم إنسان مع حيوان أو جان ].كما علمتم عند التفاهم بين اثنين لا بد وأن يكون من جنس واحد، ما هو إنسان وحيوان، ما هو بقرة وكلب، ما هو ذئب وثعبان مستحيل، لا بد من التجانس، فالبشر لا يمكن أن يتفاهموا إلا مع البشر، فلهذا يبعث الله الرسل من البشر، ما يبعث الملائكة، فهم جنس ونحن جنس، دل على هذا قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:95]، لا يبعث إليهم بإنسان لا يمكنهم أن يتفاهموا معه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الإسراء (24) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net