اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التطبيق العملي للعقيدة للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


التطبيق العملي للعقيدة - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
الإسلام دين عقيدة وعمل، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، وحين ترك كثير من المسلمين تطبيق العقيدة عملياً، واكتفوا بالجانب النظري حصل الانفصام والخلل، وحصلت الفرقة، وحلت المصائب، ونزلت البلايا والرزايا، ولهذا كان لزاماً على كل مسلم أن يجمع بين التطبيق النظري والتطبيق العملي، فإن هذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
معنى التطبيق العملي للعقيدة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. أما بعد: أيها الإخوة! أشكر للإخوة المشرفين على هذا المركز أولاً الدعوة للقاء معكم في هذه الليلة. وثانياً: للاختيار الجيد الذي اختاروه ليكون عنواناً لهذا الدرس أو هذه المحاضرة، والذي هو: (التطبيق العملي للعقيدة). أيها الإخوة! التطبيق العملي للعقيدة هو الثمرة الحقيقية لتلك الأمور التي يؤمن بها الإنسان بدأً بالإيمان بالله تبارك وتعالى وانتهاءً بالتصديق بكل ما أخبرنا به ربنا وأخبرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن ثمَّ فلو سأل سائل قائلاً: ما هو الهدف من هذه العقيدة؛ والتي تشمل كل ما يعتقده الإنسان، ويؤمن به مما جاءت دلائله واضحة صريحة؟ لجاء الجواب: إنه التطبيق العملي. وهذا التطبيق العملي -أيها الإخوة- يبدأ مع الإنسان في هذه الحياة الدنيا في تطبيق مقتضيات تلك العقيدة، ثم ينتهي إلى تلك النتيجة العظيمة حقاً حين يُهدى إلى طريق الجنات؛ فلأن الله هداه في الدنيا فإنه يُهدى يوم القيامة إلى طريق الجنات؛ جنات النعيم عند رب العالمين، ينعم فيها ولا يبأس أبداً، ويخلد فيها فلا يموت أبداً، ويلقى فيها من ألوان النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.إذاً: هي نتيجة عملية في الدنيا ذات تطبيق عملي وذات أثر واقعي على حياة الإنسان في راحته النفسية وطمأنينته القلبية وفي معاشرته ومعاملته لجميع الناس، ثم هي أيضاً نتيجة واقعية عملية حين يلقى الإنسان ربه يوم القيامة بقلب سليم، أي: قلب مؤمن بالله سبحانه وتعالى عامل بمقتضى ذلك الإيمان.
 

ظاهرة الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي
إن من مصائبنا نحن المسلمين -وما أكثر مصائب المسلمين اليوم- هي ذلك الانفصام بين النظرية والتطبيق العملي في باب العقيدة، هذا الانفصام تجده مشاهداً على مستويات متفاوتة بين كثير من المسلمين، وهذا مما يؤُسف له؛ حيث تجد النظرية أحياناً جميلة، ممتازة، رقيقة، محبوبة .. إلى آخره، لكنك تلتفت إلى الواقع العملي فتجد الأمر مختلفاً. وهذه تعتبر من المصائب الكبرى التي إذا أصيبت بها الأمم والشعوب تحولت عقيدتها وإيمانها ودينها إلى نظريات فقط، وانقلبت حياتها العملية إلى حياة أخرى بعيدة جداً عن ذلك التطبيق العملي، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى وهو يعلم تلك العصبة المؤمنة التي نزل عليها القرآن أول مرة، ناداها تبارك وتعالى بذلك النداء الذي يحمل معاني ومعاني، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3]. وإذا كان هذا في باب القول فهو في باب الإيمان والاعتقاد من باب أولى، فإذا كنت تقول في نفسك: إنني أحب الله، وأخلص هذه المحبة لله، فلماذا عند التطبيق العملي تقدم محبة غير الله على محبة الله، وتقدم الهوى والنفس والشيطان والكسل، وتقدم أموراً تافهةً من أمور الدنيا فتحبها وتقدسها، وينشغل لها بالك ليل نهار، ولربما أخرت أو تركت طاعة لله سبحانه وتعالى من أجل ذلك الهوى وذاك الشيطان، وأنت تزعم وتقول: أنا عقيدتي صافية؛ وأنا أخلص المحبة لله سبحانه وتعالى؟! فلماذا اختلف الأمران؟! ولماذا اختلف اعتقادك النظري عن تطبيقك العملي؟! ولماذا تجاوزت التطبيق العملي في هذه المسألة؟! وهي مسألة واحدة من مسائل كثيرة من أمور الاعتقاد.وهكذا يقول الإنسان: إنني أخاف الله، وأفرده بالخوف؛ لأنه وحده هو الذي بيده الأمر كله؛ بيده الحياة والموت، وبيده الرزق، وبيده سبحانه وتعالى كل شيء، فلا أخاف إلا الله؛ لأن البشر لا يملكون من الأمر شيئاً، ثم تأتي إلى هذا الإنسان في واقعه العملي فتجده يخاف من غير الله، فيخاف من سلطان، أو يخاف من جن، أو يخاف من ساحر، أو يخاف من عدو في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فنأتي ونقول له: لماذا انفصل الأمران عندك؟ فإذا كنت معتقداً تلك العقيدة على وجه صافٍ صحيح مؤصل، فلماذا تخاف من غير الله تبارك وتعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تبارك وتعالى؟!وهكذا أيها الإخوة! إذا جئت إلى أي جانب من جوانب العقيدة فستجد أن مصيبة الأمة الإسلامية هي: أنها انفصلت عندها النظريات عن التطبيق العملي، أو بالأصح انفصل التطبيق العملي عن تلك النظريات التي يؤمنون بها ويصدقونها.
 

منهج الرسل عليهم السلام في الدعوة إلى الله عز وجل
ومن هنا أيها الإخوة في الله! فإنني سأتحدث معكم عن جوانب من هذا الموضوع، وأقول لكم: إن ما سأتحدث عنه ما هو إلا الحلقة الأولى في هذا الموضوع الكبير؛ لأنني وجدت أنني لن أستطيع أن أوفيه حقه في جلسة واحدة؛ فسأبدأ معكم في الحلقة الأولى، ولعل الله أن يهيئ مناسبة أخرى لنكمل هذا الموضوع المهم، فأقول:أولاً: ما هو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟إن الله تبارك وتعالى رحمة بالبشر أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وهؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت منطلقاتهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وفي تربية أممهم قائمة على توازن النظرية والتطبيق، حيث يأمرونهم بالحقيقة العلمية المثبتة لوجود الله ولأحقيته بالعبادة وحده لا شريك له، ثم ينقلونهم إلى واقع عملي؛ لتخلص تلك العبادة لله سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، ولهذا فإن دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام تضمنت أصولاً كبرى على رأسها الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادة الله وحده لا شريك له هي أمر عملي، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى؛ لأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى له جانبان:الجانب الأول: جانب نظري، والجانب النظري هو ما يقتضي الإيمان بالله وبوجوده وأسمائه وصفاته الذي يُسمى عند كثير من العلماء بتوحيد المعرفة والإثبات الذي هو التوحيد القولي، بمعنى: أن يؤمن الإنسان ويصدق بأن الله موجود، وأنه واحد، وأنه متصف بصفات الكمال، لكن القسم الثاني من التوحيد هو توحيد العبادة، توحيد الألوهية، وهذا الجانب الثاني، وهو التطبيق العملي للجانب الأول، ولهذا نرى أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21]، فأمرهم بالعبادة، والعبادة أمر عملي، لكن عبادة لمن؟ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً.. [البقرة:21-22] إلى آخر الآية. إذاً: الرسل عليهم الصلاة والسلام دعوا أول ما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتلك هي القضية الكبرى التي دعا إليها جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكل رسول كان يدعو قومه يقول لهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)، هذه العبادة هي التطبيق العملي الواقعي الأولي لكل إنسان ينتقل من الكفر إلى الإيمان، ولهذا صار أساساً ومنطلقاً لدعوة كل رسول من الرسل عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.الأساس الثاني المرتبط بالجانب العملي في منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام هو: الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله تبارك وتعالى إنما هو التطبيق العملي في حياة الإنسان، وانتبهوا إلى قضية ارتباط التطبيق العملي في جانب العقيدة، فلا يأتي الإنسان ويقول: أنا أؤمن وأصدق، وفكري نظيف .. إلى آخره، نقول له: لا يكفي إيمانك وتصديقك القلبي وفكرك النظيف وفهمك، ما لم يتحول إلى واقع عملي، وهذه من القضايا الكبار في باب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فالأمر الثاني هو الامتثال لشرع الله سبحانه وتعالى، والامتثال لشرع الله في منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُني على أمور:الأمر الأول: طاعة كل رسول أرسل إلى قومه، ولهذا كان كل نبي يدعو قومه قائلاً لهم: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3]، فقوله: (اعبدوا الله واتقوه) هذه عقيدة عملية، ثم يأتي ويقول: (وأطيعون)، أي: في كل ما أمر به هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.ومن هنا -أيها الإخوة- كانت طاعة الرسول قرينة لطاعة الله تبارك وتعالى.الأمر الثاني مما يأمر به الرسول مما يتعلق بالامتثال لشرعه هو: ترك المنكرات الظاهرة والتخلي عنها، فالرسول إذا أرسله الله إلى قوم يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم بطاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه، ثم يركز على أمر اشتهر وانتشر عند هؤلاء القوم، فيطلب منهم التخلي عنه فوراً، كما أمر شعيب عليه الصلاة والسلام قومه بألا يبخسوا المكاييل والموازين، كما حكى الله عنه أنه قال: وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ [هود:84]، لأن بخس المكاييل والموازين ونقصها عند قوم شعيب كان ظاهرة عامة، يمكن أن نسميه في مصطلحنا الحديث: قانوناً معترفاً به عندهم، أو قانوناً ملزماً يعمل به الجميع، ولا ينكره أحد، فالرسول شعيب عليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى أن يتخلوا عن هذا المنكر الظاهر، وقال لهم: يجب أن يتحول هذا إلى أن يكون بالنسبة لكم معصية، ولا يقع فيه الإنسان إلا كان مرتكباً لمعصية من المعاصي.وكذلك أيضاً لما أرسل الله تبارك وتعالى نبي الله لوطاً عليه الصلاة والسلام إلى قومه كانت تلك الفاحشة القذرة المنتنة منتشرة في أولئك القوم، فدعاهم إلى ترك هذه الفاحشة، وأمرهم بأن يعبدوا الله، وأن يطيعوه، وأمرهم بأن يتركوا هذه الفاحشة، فصارت أصلاً من أصول العقيدة؛ لأنها بالنسبة لقوم لوط تحولت إلى منهج ونظام معترف به لدى الجميع، فلوط عليه الصلاة والسلام يقول: استجيبوا واتركوها؛ بحيث تصبح بالنسبة لكم جريمة، وإذا وقعت من واحد منكم يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، لكن أن تتحول عندكم إلى نظام وقانون عام فلا، فهذه الجريمة البشعة المنتشرة لا يجوز أن تبقى عندكم هكذا.ومن هنا كان منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام مبنياً على هذا.ثم -أيضاً- قام منهاج الرسل عليهم الصلاة والسلام بالدعوة إلى الكفر بالطاغوت، وكل نبي - كما في الآية السابقة- دعا قومه إلى عبادة الله تبارك وتعالى، وأن يجتنبوا الطاغوت.وهذا الطاغوت ليس نوعاً واحداً؛ وإنما هو أنواع متعددة، ولقد أجملها بعض الأئمة رحمهم الله تعالى بأنه: كل ما عبد من دون الله من معبود أو متبوع أو مطاع. من معبود: كالأصنام والسحرة والكهنة والجن وغيرهم، أو متبوع: أن يتبعها على غير منهج الله، أو مطاع: في معصية الله تبارك وتعالى تحليلاً وتحريماً وهم يعلمون، فكل من كان على مثل ذلك فهو طاغوت، فكان كل نبي يدعو قومه إلى الكفر بهذا الطاغوت، والكفر بالطاغوت يتحول إلى واقع عملي.هذه إلمامة سريعة مختصرة بمنهاج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله، ومنها يتبين أن كل نبي لما أرسله الله إلى قومه لم يدعهم إلى نظريات فقط، وإنما دعاهم إلى إيمان ومعرفة يتبعها تطبيق عملي، ونقلة عملية ينتقل بها الفرد، وتنتقل بها الأمة بكاملها من عبادة الطاغوت إلى عبادة الله وحده لا شريك له، من عبادة الهوى والنفس والشيطان إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ومن طاعة الكهان وطاعة الفساق وطاعة المشرعين بغير ما أنزل الله، إلى طاعة هذا النبي الكريم الذي أرسله الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء القوم.
 

مظاهر التطبيق العملي للعقيدة في المرحلة المكية
ثانياً: منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك.أقول: منهج النبي صلى الله عليه وسلم هو خلاصة عملية تطبيقية عجيبة فريدة لتلك العقيدة، ولقد تمثل ذلك في عدد من القضايا، ومن ثمَّ فإنني أشير إلى بعض منها، فأقول: أولاً: فيما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: كانت دعوته عليه الصلاة والسلام امتداداً لدعوة الأنبياء من قبله عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، فمنهج الأنبياء جميعاً واحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلف منهجه عن منهج من سبقه، ولقد كان عليه الصلاة والسلام يضرب دائماً الأمثال لأصحابه مما وقع للأنبياء من قبله؛ بل ومما وقع لأتباع الأنبياء من قبله، وكل ذلك لبيان ارتباط تلك السلسلة العظيمة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام التي ابتدأت بآدم عليه السلام إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليهم أجمعين، وهذه السلسلة العظيمة هي سلسلة ذات منهج واحد واضح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صدق هذا.ثانياً: لدينا جوانب تفصيلية من حياة هذا النبي الكريم يمكن أن نقف عندها وقفات قد تكون أكثر تفصيلاً من وقفاتنا مع الأنبياء الآخرين الذين وردت قصصهم في كتاب الله تبارك وتعالى، أو أشارت إليها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا أقول: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً في مكة في تأسيس العقيدة، ولم يكن ذلك التأسيس نظرياً، وإنما كان عملياً قام على عدد من الأسس، وانتبهوا لهذه القضية! فكثير ممن يتدارسون منهج الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يقولون: الرسول مكث ثلاثة عشر عاماً يؤسس العقيدة، ثم انتقل إلى المدينة ليطبق الجوانب العملية والتشريعية للأمة الإسلامية، فقد يظن الظان أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان في مكة ثلاثة عشر عاماً يربي ويعلمهم نظرياً، فنقول: لا، بل تلك الفترة المكية كانت فترة تأسيس العقيدة، وكان تأسيساً نظرياً وعملياً في آنٍ واحد لتلك العصبة المؤمنة، وتعالوا نحدد بعض الملامح من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في مكة:
 نقل الدعوة خارج نطاق مكة
ثم بعد ذلك من التطبيق العملي في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة: نقل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى خارج نطاق مكة: وهذا منهج عملي واضح جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخذ ينشر دعوته بين القبائل، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم تحرك هو نفسه عملياً لنقل الدعوة؛ فذهب إلى الطائف، وتعرفون ما جرى له عليه الصلاة والسلام في الطائف، ثم إنه أيضاً نقل الدعوة إلى المدينة النبوية؛ وذلك حينما استجاب بعض الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، ثم إرسال مصعب بن عمير وغيره من الصحابة للدعوة إلى الله تبارك وتعالى في المدينة النبوية؛ حتى انتشر الإسلام هناك، وصارت مقر هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.إذاً: الخلاصة أيها الإخوة! أن الرسول صلى الله عليه وسلم في تطبيقه العملي لما كان في مكة يؤسس العقيدة لم يكن يؤسسها نظرياً، إنما كان يؤسسها عملياً، فكان يقوم بتربية النفوس بالقرآن، وبالصلاة، وبالعبادة، وبالطاعة لله ولرسوله، وبالولاء بين المؤمنين، وبالبراءة والمعاداة للكافرين، وبالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى؛ بحيث تنقل هذه الدعوة إلى أي مكان وفي أية فرصة، هكذا كان واقع الدعوة العملي، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يؤسس هذه العقيدة.
مظاهر التطبيق العملي للعقيدة بعد الهجرة إلى المدينة
مما يتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم: الناحية العملية بعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة:فالرسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة النبوية وأمر الصحابة بالهجرة، تحولت الحياة هناك إلى تطبيق عملي واقعي للعقيدة الإسلامية.أيها الإخوة في الله! إن من المهم جداً أن تعرفوا أن العقيدة والإيمان والتصديق القلبي بحاجة ماسة إلى أن تتمثل في حياة الإنسان العملية، وأن تعرفوا كيف أن الرسول عليه الصلاة والسلام طبق تلك العقيدة الصافية بين المؤمنين في تلك الأماكن وفي تلك البقاع حين هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة النبوية.
 إيجاد النموذج العملي للعقيدة
أيضاً من الجانب العملي لمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة: إيجاد النموذج العملي للعقيدة: فقد كان الواحد من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم تطبيقاً عملياً لكل ما يؤمن به، حيث كان ذا طاعة تامة وامتثال مباشر، وهذه هي الحقيقة الإيمانية.فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر كان بعضهم جالساً يشرب الخمر، فيأتيه الأمر من الله سبحانه وتعالى بتحريم الخمر؛ فيقلع عنه خلال لحظات.والمرأة المسلمة يأتيها الأمر من الله تبارك وتعالى بالحجاب فتبادر بامتثال هذا الأمر الرباني، فتحتجب، وتصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم أول صلاة وهي محتجبة، ولقد كانت الصحابيات كأنهن الغربان حين صلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأمر بالحجاب.فالرسول كان يأمر فينفذ أمره، والرسول يقول فيُسمع ويُطاع قوله، أما نحن اليوم فمن مصيبتنا أننا نؤمن نظرياً؛ ثم إذا جئنا إلى الجوانب العملية نجد التنفيذ قليلاً أو ضعيفاً أو أحياناً لا يوجد تنفيذ، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يربي؛ ولهذا كان كل صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تجده في معاملته وخلقه وسلوكه وأموره كلها تطبيقاً عملياً لهذه العقيدة، حتى إن الواحد منهم كان لا يكذب ولا يغدر، حتى على الكفار. فهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه لما أسر وذُهب به إلى مكة سجن، ولما حدد موعد القتل ليشهده الطغاة والكفار في مكة لتنفيذ الإعدام والقتل لهذا الصحابي الجليل سجنوه في أحد البيوت، ومع هذا فإنه رضي الله عنه وأرضاه لم يغدر، حيث إن المرأة أرسلت لـخبيب الموسى حتى ينظف نفسه؛ ليستعد للقاء الله سبحانه وتعالى والشهادة في سبيله؛ كما يستعد المحرم عندما يحرم بالحج أو العمرة؛ فإنه يتنظف ويزيل عنه شعثه وغبره وشعره الزائد استعداداً للإحرام، كذلك أيضاً فعل خبيب ؛ لأنه يعلم أن المشركين حددوا ذلك الوقت ليقتلوه، فأخذ يستعد للقاء الله سبحانه وتعالى، فطلب الموسى حتى يستحد، وحتى يهيئ نفسه؛ ليكون نظيفاً طاهراً في ثيابه وفي جسده الظاهر، كما أنه نظيف طاهر في قلبه وإيمانه رضي الله عنه. فأرسلت المرأة التي كان خبيب يسكن عندها الموسى مع طفلها، فذهب هذا الطفل ليعطيه إياه، فلما مرت عليها لحظات تذكرت أنها وقعت في ورطة، وقالت: أرسلت طفلي بالموسى لرجل ينتظر القتل بعد سويعات، فما يؤمنني لعله أن ينتقم من المشركين بأن يقتل هذا الطفل في آخر لحظة، حتى يؤدب أبا هذا الطفل وغيره ممن تعاونوا على قتله! وفعلاً ذهب الطفل وأعطى خبيباً الموسى، وبعد أن يعطيه الموسى إذا بالأم تأتي هلعة مذعورة، خوفاً على ابنها، فقال لها خبيب: (هل تخافين عليه مني؟! ما كنت لأفعل).إنه خلق الإيمان منه رضي الله عنه وأرضاه! وهكذا يتحول المؤمن في كل مكان إلى واقع وتطبيق عملي لهذه العقيدة، فلا يكذب على إخوانه المؤمنين، ولا على غيرهم، ولا يغدر حتى ولو على الكفار، إلا إذا كان وقت المعركة والحرب مع من لا ذمة له، فالحرب خدعة، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن من خلق المؤمن أنه لا يستبيح أموال ولا دماء ولا أعراض الكفار إلا إذا كانوا محاربين.إذاً: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد رُبوا على أن تكون حياتهم تطبيقاً عملياً لتلك العقيدة.
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من أمور متعلقة بالعقيدة
وننتقل إلى الأمر الرابع المتعلق بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، ألا وهو: جوانب من التحذير حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها تؤدي إلى واقع عملي فيما يتعلق بالعقيدة وأثرها، ومن ذلك ما يلي:
 تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة القبور والبناء عليها
أيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله سبحانه وتعالى، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.
وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم
أيضاً من الأمور التي ركز عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جانب عملي: محبة الرسول صلى الله عليه وسلم: ومن أعظم مقتضياتها طاعته عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران:31]، فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم دليل محبة الله ودليل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالواجب أن يقدم الإنسان محبة الرسول على النفس والولد والناس أجمعين.ومن هنا أيها الإخوة! فإن محبة الرسول لا تبقى نظرية، وإنما لها أدلتها وواقعها العملي، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما يأمر بتقديم محبته على محبة النفس وغيرها، إنما يبني عند الإنسان وفي قلب الإنسان أن تتحول حياته وأموره كلها إلى طاعة هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والحرص على سنته، والحرص على أن يكون الإنسان ممن يُوفق للشرب من حوضه يوم العرصات، وممن يُوفق إلى أن يكون معه في الجنة، وهذه كلها لا تنال بالأماني والنظريات، وإنما تُنال بالمتابعة العملية لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.وهكذا أيها الإخوة! هناك جوانب كثيرة جداً في منهج الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على ذلك، أكتفي بهذا فيما يتعلق بهذا الموضوع، وبقي علينا موضوعات أخرى تتعلق بالتطبيق العملي للعقيدة، ومنها منهج القرآن الكريم في ذلك، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك، وقضايا أخرى أتركها لمناسبة أخرى.أسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا أن نوضحها بإذن الله تبارك وتعالى.
 تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من عبادة القبور والبناء عليها
أيضاً من الأمور التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها تطبيق عملي: التحذير من عبادة القبور والبناء عليها وتقديسها ونحو ذلك: ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)؛ لأن البناء على القبور وتجصيصها ونحو ذلك طريق عملي للشرك بالله سبحانه وتعالى، وينقل الإنسان نقلة خطيرة في حياته؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر من ذلك؛ لأجل أن تكون العقيدة صافية؛ ولأجل ألا يكون هناك بديل عن العقيدة القائمة على الإيمان بالله وعبادته وحده لا شريك له، فإذا ما عملت الأمة الإسلامية بهذا، وحذرت من ذلك، ومنعت من عبادة القبور والبناء عليها وغير ذلك؛ فإنها -والحالة هذه- تؤسس التأسيس الصحيح لبناء عقيدة سليمة.
الأسئلة

 الفرق بين المداهنة والمداراة
السؤال: ما الفرق بين المداهنة والمداراة في مجال الدعوة؟ الجواب: المداهنة: أن تداهن في دينك، والمداراة: أن تداري فيما تستطيع من مالك ونحوه، فالمداهنة أن تتخلى شيئاً فشيئاً عن الدين من أجل فلان أو علان، فهذه مداهنة لا تجوز، وإذا سكت عن معصية ظاهرة فهذه مداهنة. لكن المداراة أن تداريه وتبتسم له كفاً لشره، وتبذل شيئاً من مالك لجارك أو لغيره بالإحسان أو نحو ذلك، هذا كله من باب المداراة، لكن المداهنة تكون على حساب الدين، وهذا لا يجوز. هذا باختصار شديد؛ والمسألة فيها تفصيل. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , التطبيق العملي للعقيدة للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net