اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأعراف (29) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الأعراف (29) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
ذكر الله عز وجل في هذه الآيات لنبيه قصص القرى الغابرة، وحالها مع أنبيائها، ابتداء من نوح ثم هود ثم صالح ثم لوط وشعيب، وكيف أنهم كذبوا الأنبياء، فكان جزاؤهم أن طبع الله على قلوبهم بسبب إصرارهم على المعاصي، ومواصلتهم اقتراف الجرائم والموبقات، وعدم وفائهم بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم، والمتمثل في عبادته سبحانه وتوحيده.
أهمية العقيدة الإسلامية وأركانها
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله، رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع سورة الأعراف المكية، بل هي أولى المكيات، هذه السورة العظيمة تعالج العقيدة؛ إذ العقيدة السليمة الصحيحة بمثابة الروح للإنسان، صاحبها حي وفاقدها ميت، ومن كانت له ولكنها مهزوزة ضعيفة، فيها الدخيل، فيها الزيادة والنقص؛ فهو بمثابة المريض، وهذا ظاهر العالم الإسلامي إلا من سلم الله، يقوى على أن يترك منكراً وما يقوى على آخر، يقوم بواجب ولا يقوم بالثاني، ما سبب هذا؟ ضعف عقيدته، ما سلمت ولا نقت ولا أصبحت كتلة من نور تدفعه كالطاقة النورانية.أعيد فأقول: العقيدة الإسلامية بمثابة وبمنزلة الروح سواء بسواء، هل إذا فقد الإنسان روحه يبقى حياً؟ فكذلك الإنسان -أبيض أو أصفر- إذا رزق هذه العقيدة كما أرادها الله من عباده وأنزل بها كتابه وبينها رسوله فهو حي يقدر على أن يسمع ويجيب، يأخذ ويعطي، يجاهد ويصوم، يتجنب الباطل والشر والسوء وهو قادر على ذلك، لكمال حياته، فإن ضعفت العقيدة أو داخلها زيغ أو غموض أو شك أو ارتياب فهو كالمريض، المريض يقدر أحياناً على أن يمشي وأحياناً لا يقدر، يستطيع أن يتكلم وأحياناً لا يتكلم.هذه العقيدة أركانها ستة يحفظها عندنا النساء والأطفال، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، على شرط أن يكون عالماً بما يعتقد ويقول.
 

القضايا العقدية الأربع المقررة في السور المكية
السور المكية تعالج أسمى هذه العقيدة، ألا وهو توحيد الله عز وجل؛ بحيث لو تقطع، لو تمزق، لو تحرق، لو تصلب لا تقدر على أن تشرك بالله شيئاً في عباداته، وهو معنى: لا إله إلا الله، تعلن في صراحة أنك لا تؤمن بوجود إله في الكون إلا الله، وبذلك لا تعبد غيره عز وجل، لا بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالدعاء، ولا بالنداء، ولا بالاستغاثة، ولا بالذبح، ولا بالنذر.. ولا بأية عبادة تعبد معه غيره فيها، وأنت تقول: لا إله إلا الله، بل تعلنها وتشهد بالنظر والاستدلال فتقول: أشهد على علم أنه لا إله إلا الله.ومن أين جاءتك هذه الشهادة؟ لأنك عرفت أنه لا يوجد خالق سوى الله، وهل سواه خالق يخلق ريشة في طائر؟ أو أصبعاً في إنسان؟ لا خالق إلا الله، إذاً: فلا إله إلا الله، أنا أشهد هذا، الذي ما خلق ولا دبر الكون ولا أوجد الحياة كيف نركع له ونسجد؟ كيف ندعوه ونستغيث به؟ فالأمر الأول: التوحيد: لا إله إلا الله. ثانياً: محمد رسول الله، قامت الأدلة والبراهين القاطعة على أنه أرسله رب العالمين للعالمين لهدايتهم وإصلاحهم، ولا تطلب الأدلة، عندك الأدلة، فلهذا تشهد أن محمداً رسول الله، لأنك تعرف أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وعاش أربعين سنة ما قال كلمة ولا ادعى شيئاً، ثم اصطفاه الله وأوحى إليه ورفعه إليه، وكلمه كفاحاً، وأنزل عليه وعلى أمته هذه الصلوات الخمس، أليس هذا دليلاً قطعياً؟وأقطع منه وأعظم برهاناً هذا الكتاب في مائة وأربع عشرة سورة، لو تجتمع البشرية كلها والجن معها على أن يأتوا بمثل هذا الكتاب ما استطاعوا، تحداهم الله فعجزوا، هذا الكتاب حوى علوم الأولين والآخرين، من الذرة إلى المجرة، كل الكائنات حواها هذا الكتاب، عالم الآخرة كعالم الدنيا، فهل هذا يصدر عن أمي؟ مستحيل.والسورة الواحدة تحدى الله بها العرب أرباب البيان والفصاحة، فطأطئوا رءوسهم وانهزموا وما قدروا، فكيف لا نشهد أنه رسول الله؟ أي دليل أو برهان أقوى من هذا؟أما آدابه، أما أخلاقه، أما كمالاته فلا تسأل عنها، فوق مستوى البشر، دل ذلك على أن الله اصطفاه واختاره واجتباه لهداية خلقه.ثالثاً: التقنين والتشريع حق الله؛ لأن الذي يقنن ويشرع لأجل إصلاح البشرية وهدايتها وإسعادها يجب أن يكون عليماً بالماضي والحاضر والمستقبل، عليماً بما يضر وما ينفع، هو خالق الضر والنفع، أما الذي لا يملك شيئاً من هذا فكيف يشرع يقول: هذا حلال وهذا حرام؟ من أين له؟ قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]. وهكذا هذه الحقيقة، اعتقد اعتقاداً جازماً أنه ليس من حق أحد سوى الله أن يقنن لعباده ويشرع، العقائد، والآداب، والعبادات، والقضاء والأحكام، السياسة في الحرب والسلم.. كل ذلك الله مولاه، وهو موجود في كتابه ومبين بلسان رسوله صلى الله عليه وسلم.رابعاً: عقيدة البعث الآخر والحياة الثانية، إذا انتهت هذه الحياة ننتقل إلى حياة أخرى، هذه موقوتة، محدودة الزمن بالدقائق واللحظات منذ أن بدأت إلى نهايتها، وأما تلك فهي حياة الخلد والبقاء.
 

سر خلق الدنيا والآخرة
وقد علمنا سر هذه الحياة وتلك، فسر هذه الحياة أن نعمل بأن نعبد الله عز وجل بذكره وشكره، فلو سألت: يا رب! لم خلقت هذه الحياة وخلقتنا فيها؟ فتسمع الجواب: من أجل أن تعبدوني، للعبادة فقط: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ [الذاريات:56] لشيء من الأشياء، اللهم إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فقط، والحديث القدسي: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك، وخلقتك من أجلي )، فماذا يصنع الله بك يا أحمر أو أبيض، ماذا يصنع بك؟ ماذا يريد منك؟ يريد أن تذكره بقلبك ولسانك، وتشكره بطاعته.والأخرى ما سرها؟ ما علة وجودها؟ إنه -والله- الجزاء على العمل في هذه الدنيا، هذه دار عمل وتلك دار جزاء، إما في النعيم المقيم في الملكوت الأعلى، وإما في العذاب المهين في الملكوت الأسفل، ولا وراء ذلك شيء.هل عرفت البشرية هذه الحقيقة؟ هل تطمئن إليها النفوس؟ من تدبر وتفكر والله لا يعجزه أن يؤمن بهذا أبداً، والواقع كله يشهد بهذا.
 

حياة المؤمن عبادة
وإن قلت: ها نحن نبني ونهدم ونزرع ونحصد ونصنع وننشئ مصانع، فأين العبادة؟ فالجواب: المؤمن الموحد إذا رأيته يبني منزلاً فهو لله، لماذا؟ ليكن فيه نفسه وامرأته وأولاده من الحر والبرد، أو من الحيوانات واللصوص، إذاً: هذا العمل لله، رأيت آخر يهدم في بيت: لم تهدم؟ لله عز وجل؛ خشيت أن يسقط علينا هذا البيت. جاءك يشكي فقال: طلقت امرأتي، قل له: لم طلقت؟ قال: طلقتها لوجه الله؛ لأنها اشتكت وتألمت عامين أو ثلاثة ما صلحت معي، فما أحببت أن تبقى شقية معي، طلقتها لوجه الله، وهذا تزوج الليلة، لماذا تزوج؟ لله، إما أنه خاف على نفسه وغريزته، وإما أنه أراد أن ينجب البنين والبنات ليعبدوا الله، أو وجد مؤمنة فقيرة أو مريضة أراد أن يؤويها لله، فتزوجها، فزواجه كله لله، ومن هنا يتحقق معنى أننا ما خلقنا إلا للعبادة، وها نحن عابدون.فالسور المكية تعالج أمهات العقائد وهي هذه الأربع: التوحيد، النبوة، التشريع، البعث الآخر والحياة الثانية.يجب على كل مستمع ومستمعة أن يعي هذا ويتحدث به ليستقر في نفسه، كيف تحصل على العلم إذا لم تقبله؟ هذه عقائد إن تبحث في الشرق والغرب فلن تجدها ولن تظفر بها إلا في كتاب الله عز وجل.
 

تفسير قوله تعالى: (تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ...)
والآن مع هذه الآيات الثلاث، ولنستمع إلى تلاوتها مرتلة مجودة ونحن نتدبر ونتأمل، ثم نأخذ في شرحها وبيان ما فيها إن شاء الله.أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ * وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:101-103].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا [الأعراف:101] الله يخاطب من بهذا الكلام؟ يخاطب رسول الله، هذه آية نبوته، هذه علامة وجود الله، لو كان الله غير موجود فكيف يكلم وهو غير موجود؟ لو كان محمد غير رسول فكيف يكلمه الله؟ ‏
 عاقبة الإيغال في المعاصي
فقوله تعالى: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [الأعراف:101]، هنا نقول معاشر المستمعين: الذي يعمل السيئة ويضيف إليها أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، يوماً بعد يوم يصبح قلبه قد أحيطت به الذنوب، أُغلق فلا يدخله الإيمان، فالذين واصلوا الجرائم والموبقات حين تريد أن تعظ أحدهم يسخر منك ويضحك، والمؤمن إذا وعظته بكى، وهذا تعظه فيعربد، وضربنا لذلك أمثلة تقريبية: مؤمنة متحجبة أمها كذلك، وجدتها، وسوس لها الشيطان وزين لها أن تكشف عن وجهها لتخرج للشارع، فإذا مر بها مؤمن فقال: يا أمة الله! اتقي الله، غطي وجهك؛ فإنها تغطي وجهها وتبكي وتعود إلى بيتها، والتي عاشت ربع قرن وشعرها ورأسها وجسمها كله في الشمس والهواء بين الرجال قل لها: اتق الله، غطي وجهك، فكيف تسمع؟ كيف تقابلك؟ تقول: أمجنون أنت، أنت رجعي، أنت أحمق؛ لأن الطبع حصل، توالت الجريمة يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام فأصبحت ختماً كاملاً على دائرة القلب، فلا ينفذ إليه الإيمان ولا كلمة الرحمن، هكذا يطبع الله على قلوب الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين)
ثم قال تعالى: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [الأعراف:102] اطمئن يا رسول الله ولتسكن نفسك، هذا ربك يقول لك: وما وجدنا لأكثر الناس في الأولين من عهدٍ، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين.ما العهد هذا؟ ستأتي الآية من السورة في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] مسح الله ظهر آدم في عرفات لما نزل من الجنة، واستخرج ذريته كما قدمنا، وأخذ عليهم العهد ألا يكفروا بالله ولا يشركوا به، فهذا هو العهد. قال تعالى: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [الأعراف:102] نقضوا ذلك العهد، وهو كذلك، ما من فاسق، ولا مجرم، ولا ظالم، ولا كافر، ولا مشرك إلا أعطى لله عهده أنه يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وبعد ذلك نكث.أعيد الآية الكريمة: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف:172-173]، هذا حجاج يقع يوم القيامة. هذا هو القرآن، أسألكم بالله: أهذا القرآن يُهجر كما هجره المؤمنون؟ لا تجد أبداً في مئات البلاد جماعة تتلو كتاب الله وتدرسه، هذا القرآن يقرأ على الموتى، يحول إلى الموتى ويقرأ عليهم، من مكر بنا هذه المكرة؟ الثالوث: المجوس واليهود والنصارى، فلم نستجيب لهم والرسول يبشر: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة )، قف وانظر هل تجد فوضى بيننا أهل هذه الحلقة، هل تجد سباً أو شتماً؟ لو كنا في مقهى فهل سيكون هكذا السكون؟ من أنزل هذا السكون؟ الله.( وغشيتهم الرحمة ) الآن الرحمة كلها في قلوب السامعين والسامعات، والملائكة -والله- تحف بنا فرحاً بنا وتسمع كلامنا، وفوق ذلك يذكرنا الله بين ملائكته: انظروا إلى عبيدي في بيتي.هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم دائماً بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 عاقبة الإيغال في المعاصي
فقوله تعالى: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ [الأعراف:101]، هنا نقول معاشر المستمعين: الذي يعمل السيئة ويضيف إليها أخرى وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة، يوماً بعد يوم يصبح قلبه قد أحيطت به الذنوب، أُغلق فلا يدخله الإيمان، فالذين واصلوا الجرائم والموبقات حين تريد أن تعظ أحدهم يسخر منك ويضحك، والمؤمن إذا وعظته بكى، وهذا تعظه فيعربد، وضربنا لذلك أمثلة تقريبية: مؤمنة متحجبة أمها كذلك، وجدتها، وسوس لها الشيطان وزين لها أن تكشف عن وجهها لتخرج للشارع، فإذا مر بها مؤمن فقال: يا أمة الله! اتقي الله، غطي وجهك؛ فإنها تغطي وجهها وتبكي وتعود إلى بيتها، والتي عاشت ربع قرن وشعرها ورأسها وجسمها كله في الشمس والهواء بين الرجال قل لها: اتق الله، غطي وجهك، فكيف تسمع؟ كيف تقابلك؟ تقول: أمجنون أنت، أنت رجعي، أنت أحمق؛ لأن الطبع حصل، توالت الجريمة يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام فأصبحت ختماً كاملاً على دائرة القلب، فلا ينفذ إليه الإيمان ولا كلمة الرحمن، هكذا يطبع الله على قلوب الكافرين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأعراف (29) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net