اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة المائدة (46) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة المائدة (46) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نحافظ على زكاة أنفسنا وطهارتها، ثم أخبرنا أننا متى ما فعلنا ذلك واهتدينا إلى طريقه المستقيم، فلا يضرنا من ضل عن الطريق وتنكب السبيل، المهم أن نحافظ على هدايتنا ونوفر أسبابها كما بينها لنا رسول الله، وهي التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، فإذا تحققت الهداية للمؤمنين والضلالة للمنحرفين كان مرجعهم جميعاً إلى رب العالمين، لينبئهم بما كانوا يعلمون، ويجازي أهل الهداية بما يستحقون، ويجازي أهل الضلالة بما يستقحون.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).وها نحن مع سورة المائدة المدنية، المباركة، الميمونة، ومعنا الليلة آية واحدة من أجل الآيات وأعظمها، فيها نتلوها ونكرر تلاوتها رجاء أن نحفظها عن ظهر قلب.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105]. هذا النداء أحد نداءات الرحمن لأهل الإيمان، ينادينا خالقنا ورازقنا ومدبر حياتنا، ينادينا معبودنا وإلهنا الحق الذي لا إله لنا سواه، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:105]، أي: يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، يا من آمنتم بالله ولقائه ووعده ووعيده، يا من آمنتم بكل ما أمركم مولاكم أن تؤمنوا به من الغيب والشهادة، أنتم أيها المؤمنون الأحياء، والحي يسمع النداء، والحي يفعل إن أمر أن يفعل، ويترك إن أمر أن يترك؛ ولذلك لكمال حياته. وقد علمنا: أن الإيمان الحق بمثابة الروح للبدن، فالمؤمن الإيمان الصحيح الذي إذا عرضناه على القرآن والسنة وافقا عليه، صاحب هذا الإيمان -والله- حي، وحسبه شرفاً أن يناديه الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:105]، فجوابنا: لبيك اللهم لبيك، مر نفعل، انه ننته، بشر نستبشر، أنذر نحذر، علم نتعلم، عبيدك بين يديك، هذه حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم.
 توقف الهداية على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
معاشر المستمعين! اسمعوا الآية من جديد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، قالت العلماء: لن تتم هدايتنا إلا إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، قال ذلك الحبيب صلى الله عليه وسلم، لا تتم هدايتنا ونطمئن إلى أننا مهتدون حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؛ لأننا لو رأينا المنكر يرتكب بيننا وما نهينا عنه، ورأينا المعروف ضائعاً وما أمرنا به ولا فعلناه فهل نهتدي؟ كلا. بل ننتكس، إذا انتشر الباطل في قرية أو مدينة أو في بيت فلا تتم هداية حقة إلا إذا أمرنا ونهينا عن المنكر.وإليكم حديث الحبيب صلى الله عليه وسلم، روى أبو داود والترمذي وغيرهما -والحديث حسنه الترمذي وقال: حسن غريب، ولا تضر غرابته- عن أبي أمية الشعباني من التابعين، قال: ( أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ )، وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105]، ويجزيكم الخير بالخير والشر بالشر. ( فقال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم )، أنا خبير، فكيف حصلت لي هذه الخبرة؟ قال: سألت أنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر )، (ائتمروا) أي: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، و(تناهوا) أي: لينه بعضكم بعضاً عن المنكر.كنت أفكر في الآية وأمامنا مصلون بينهم أحد الإخوان ثوبه يسحب في الأرض، فقلت: هل أقول لأحد: امش إليه وقل له: تعال إلي؟ قد لا يحصل، فهل أسكت وأنا الآن في الدرس؟ فكيف نعمل؟ فتوكلت على الله ومشيت إليه، وأخذته من ذراعه وسلمت عليه، وقلت له: يا بني! ثوبك طويل، لا يصح هذا، فقصره. ففرح والحمد لله. فكل من رأى بينكم منكراً فليغيره، ابدأ بالبيت الذي أنت فيه، زوجتك وأولادك، أمك وأبوك، موضع تلاقيك بإخوانك في عملك أو في سفرك، وهكذا، مره بالمعروف إن ترك معروفاً، ولكن بالكلمة الطيبة والوجه الباش الهاش، لا تعنف ولا تغلظ وتشدد فما يقبل منك حتى ولو كان من كان، وإذا رأيت أيضاً معروفاً متروكاً فقل: يا فلان! افعل كذا فهو خير لك، فتنجو وتسعد وتكمل، وهكذا، فإذا أمرنا بالمعروف وتناهينا عن المنكر ما يشيع فينا الباطل والمنكر ولا نضل، لكن إذا اهتدينا ثم سكتنا وظهر الباطل والمنكر وترك المعروف كذا يوماً فسنتحول إلى ضلال، من كان لا يكذب فإنه يصبح يكذب.
شرح حديث: (ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر)
لنسمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ( ائتمروا بالمعروف )، أي: ليأمر بعضكم بعضاً، المرأة تأمر الرجل، الخادم يأمر السيد، السيد يأمر الخادم، الجار يأمر جاره وهكذا؛ لأننا نفس واحدة: عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، فنفسي هي نفسك.قال صلى الله عليه وسلم: ( حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة )، نسأل الله ألا يوجدنا في وقت كهذا.
 التوجيه للمسلم حال ظهور الشح المطاع وغيره
يقول هنا: ( فعليك بخاصة نفسك )، انج، إن هبطت الأمة هل تهبط أنت؟ إذا رأيت هذه الأربعة ظاهرة ما أصبح يقبل منك معروف ولا منكر فماذا تصنع؟ عليك بخاصة نفسك، أقم صلاتك وأد زكاتك، واذكر ربك وتجنب ما حرم عليك، وإن خفت أن يلحقك أذى فارحل، اسكن في الجبال أو الشعاب أو الأودية، حتى تموت طاهراً نقياً، فتنجو وتسعد.قال: ( ودع عنك أمر العامة؛ فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر )، اللهم لا تحينا إليها، ( للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم )، أيها الأصحاب! للعامل في ذلك الزمان مثل أجر خمسين صحابي في البلاء الذي عم وانتشر وثبت هو وصبر، إن غنَّى الناس فوالله ما يغني، إن أدخلوا التلفاز والفيديو فوالله ما يدخله في بيته، إن ألبسوا أولادهم البرانيط فوالله ما يلبسها، إن وضعوا البنوك وأسسوها فوالله ما يفعل، إن كشفوا وجوه نسائهم وبناتهم فوالله ما يكشف، هذا له أجر خمسين صحابياً.
ملخص لما جاء في تفسير الآيات
إذاً: أعيد الآية ولا تنسوا ما سمعتموه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:105]، لبيك اللهم لبيك، عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ [المائدة:105]، هذبوها طهروها، احفظوها؛ حتى لا تضيع وتهلك، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، لا تتم هداية أمة إلا إذا أمرت بالمعروف وتناهت عن المنكر؛ لأنها إذا سكتت يعمها المنكر ويغشاها الباطل وما يبقى فيها من ينجو إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ [المائدة:105]، وهل هناك غير الله نرجع إليه فينبئنا بما كنا نعمل ويجزينا به؟اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
 التوجيه للمسلم حال ظهور الشح المطاع وغيره
يقول هنا: ( فعليك بخاصة نفسك )، انج، إن هبطت الأمة هل تهبط أنت؟ إذا رأيت هذه الأربعة ظاهرة ما أصبح يقبل منك معروف ولا منكر فماذا تصنع؟ عليك بخاصة نفسك، أقم صلاتك وأد زكاتك، واذكر ربك وتجنب ما حرم عليك، وإن خفت أن يلحقك أذى فارحل، اسكن في الجبال أو الشعاب أو الأودية، حتى تموت طاهراً نقياً، فتنجو وتسعد.قال: ( ودع عنك أمر العامة؛ فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر )، اللهم لا تحينا إليها، ( للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم )، أيها الأصحاب! للعامل في ذلك الزمان مثل أجر خمسين صحابي في البلاء الذي عم وانتشر وثبت هو وصبر، إن غنَّى الناس فوالله ما يغني، إن أدخلوا التلفاز والفيديو فوالله ما يدخله في بيته، إن ألبسوا أولادهم البرانيط فوالله ما يلبسها، إن وضعوا البنوك وأسسوها فوالله ما يفعل، إن كشفوا وجوه نسائهم وبناتهم فوالله ما يكشف، هذا له أجر خمسين صحابياً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة المائدة (46) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net