اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام (47) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة الأنعام (47) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
أمر الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يتلو على المشركين ما حرم الله عليهم وعلى سائر عباده، فبدأ بذكر الشرك بالله في ربوبيته وألوهيته، وأنه مما حرم الله على عباده، ثم ذكر الوالدين وما يلزم في حقهما من الإحسان والبر، والأولاد وحرمة قتلهم خشية الفقر والعوز، وحرمة إتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن من اجتنب هذه المحرمات كان على صراط مستقيم.
تأكيد تقرير سورة الأنعام للقواعد الشرعية العقدية الأربع
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) . وها نحن مع سورة الأنعام المكية المباركة الميمونة، تلكم السورة التي زفت بسبعين ألف ملك ولهم زجل وتسبيح، تلكم السورة التي تقرر ما يلي: أولاً: تقرير (لا إله إلا الله) بالحجج القطعية والبراهين الساطعة، وكل ذي عقل يسمع تلك الحجج والبراهين لا يسعه إلا أن يقول: لا إله إلا الله، ويقبل على عبادة الله فيعبده وحده بما شرع من العبادات. ثانياً: تقرير النبوة المحمدية بالحجج القطعية والبراهين الساطعة والأدلة العجب، فأيما ذو عقل يستعرض تلك الحجج والبراهين إلا قال: أشهد أن محمداً رسول الله. ثالثاً: تقرير مبدأ البعث الآخر والحياة الفانية حياة الجزاء على الكسب في هذه الدنيا، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فزكت نفوسهم وطابت أرواحهم وطهرت جزاؤهم مجاورة ربهم في دار السلام مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ومن أعرض عن الإيمان متكبراً أو معانداً محارباً ولم يعمل من الصالحات شيئاً فخبثت نفسه وتدست وأصبحت أهلاً لسخط الله وغضبه؛ فإنه يجزى بالخسران الأبدي حيث يلقى في عالم الشقاء فلا يخرج منه أبداً. رابعاً: بيان ما شرع الله لعباده أن يعبدوه به، بيان ما أحل الله وما حرم، فهذه السورة بينت ما حرم الله وما أحل، وأغلقت الباب في وجه من يريد أن يحلل أو يحرم؛ لأن هذا اعتداء على منصب الرب جل جلاله وعظم سلطانه، وردت على أولئك المشركين الذين حللوا وحرموا وقننوا وشرعوا ولا حق لهم في ذلك، وإنما الشيطان زين لهم الباطل وحسنه في قلوبهم فأصبحوا يحللون ويحرمون. والتحليل والتحريم من حق الله العليم الحكيم، عبيده يشرع لهم ما شاء، يحل لهم ما يشاء ويحرم عليهم ما يشاء لأنه مالكهم وسيدهم، وقبل ذلك أنه وليهم فيشرع لهم ما يكملون به ويسعدون عليه. وها نحن مع هذه الآيات الثلاث فاسمعوها، ثم نأخذ في شرحها وبيانها.
 

تفسير قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً ...)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام:151] هذه الآية الأولى. الثانية: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:152-153].
 الوصية الرابعة: النهي عن قربان الفواحش ما ظهر منها وما بطن
وقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151] هذا المحرم الرابع: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ [الأنعام:151] لا تدنو منها، والفواحش: جمع فاحشة، كل قول أو فعل قبح واشتد قبحه فهو فاحشة، ويدخل أول ما يدخل في هذا اللفظ الزنا واللواط والعياذ بالله تعالى. وكل قول وكل عمل وكل تصرف قبيح شديد القبح تنفر منه الطباع السليمة فهو فاحشة، وما قال: لا تفعلوا. بل قال: (لا تقربوا). وكان العرب في الجاهلية لا يزنون الزنا العلني، وكانوا يتخذون الأخدان وهو الزنا السري، مودة وصحبة بين إنسان وامرأة ويستحي أن يعلم الناس به، فلهذا قال تعالى: مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151]. كان الإماء الرقيقات يتخذن دوراً للزنا وعلى الدور علامات في الجاهلية، أما الحرائر فما يزنين والأحرار ما يزنون أيضاً إلا في حالات سرية خاصة، فلهذا حرم تعالى الفواحش ما ظهر منها وما بطن لا فرق بين الظاهر والخفي. فالفواحش: جمع فاحشة، الكلمة القبيحة فاحشة، كل خصلة ذميمة شديدة القبح فهي فاحشة، ومنه فحش القول يتكلم بالكلام السيء، فحرم الله تعالى علينا القول الفحش والعمل الفحش، وكل عمل فيه قبح وسوء محرم علينا بهذه الآية الكريمة: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151]. معاشر المستمعين! نعيد تلاوة الآية على أننا عازمون على حفظ الآيات الثلاث وفهم معناها والعمل بما فيها وإن جلسنا أسبوعاً أو أسبوعين: الآية الأولى التي بدأنا فيها قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151]. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة الأنعام (47) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net