اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة آل عمران (36) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة آل عمران (36) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
لما أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام كفر به أهل الكتاب وأعرضوا عن دعوته رغم علمهم بصدقه وتحقق بشارات كتبهم فيه، ولكن حملهم الحسد على ذلك، وهم لم يكتفوا بذلك ولكنهم زادوا عليه بأن حاولوا صد من آمن بالله عن دينه، لذلك فقد حذر الله عباده المؤمنين أشد التحذير من اتباع أهل الكتاب، لما في اتباعهم من النكوص عن الدين القويم إلى ظلمات الكفر والضلال.
تفسير قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في هذه الليلة ندرس كتاب ربنا عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده )، اللهم حقق لنا رجاءنا بك يا ولينا! إنه لا ولي لنا سواك.وها نحن مع سورة آل عمران عليهم السلام، وانتهى بنا الدرس إلى هذه الآيات الثلاث، وتلاوتها بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:98-101].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!تقدم لنا ما بينه تعالى من شأن أهل الكتاب اليهود والنصارى وبخاصة اليهود، إذ زعموا أن بيت المقدس قد بني قبل الكعبة، وزعموا أن إبراهيم عليه السلام لم يبن البيت، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت تدعي أنك على ملة إبراهيم وفي نفس الوقت لا تستقبل قبلته التي كان يستقبلها! فرد الله تعالى عليهم أباطيلهم رداً حاسماً، وها هو تعالى يوبخهم ويبكتهم بهذه الآيات الكريمة. ‏
 معنى قوله تعالى: (والله شهيد على ما تعملون)
ثم قال: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98] فهم يعملون المكر .. الكيد .. الدس .. الخديعة .. التحريف .. التأويل، وفي هذه الجملة التهديد لهم بالانتقام منهم، وإنزال البلاء والشقاء بهم وعليهم.فقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98] أي: من المكر والخداع والغش والتضليل.
تفسير قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ...)
قال تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ أي: قل يا رسولنا لهم، أما أنا فلا أناديهم ولا أكلمهم، فما هم أهل لأن يكلمهم الله عز وجل، فقد هبطوا إلى الحضيض بالشرك والكفر والنفاق والخداع والتضليل.فقوله: قُلْ أي: يا رسولنا! يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ [آل عمران:99] به، فلم تصرفون المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب؟ فإذا أسلم أنصاري أوسياً أو خزرجياً يأتون إلى بيته، ويأخذون في فتنته، وإذا أسلم أحدهم عادوه وأعلنوا الحرب عليه، فلم تصدون عن سبيل الله وتصرفون الناس عن طريق يسعد أهله السالكين له والقائمين عليه؟ فهذا توبيخ وتأنيب وتبكيت.ثم قال: تَبْغُونَهَا عِوَجًا [آل عمران:99]أي: تريدون سبيل الله معوجة، وسبيل الله مستقيمة لا تنتهي بالسالكين إلا إلى رضا الله ودار السلام، فلم تطلبونها معوجة منحرفة، يقولون: نحن نعرف أنه رسول، ولكن رسول العرب ما هو رسولنا نحن. فيصرفون إخوانهم عن الإسلام، وإلى الآن ما زال حالهم هكذا.قال: وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ [آل عمران:99] أي: على ما تعلمونه من صحة هذه الدعوة، وصحة نبوة صاحبها وأنها دين الله الحق الذي لا دين سواه.إذاً: خواصهم والله كانوا عالمين وعارفين، ومنعهم من الدخول في الإسلام مراكزهم ومناصبهم، وحتى يبقوا في نظرهم شرف بني إسرائيل، وحتى لا يذوبوا في الإسلام والمسلمين، أما عوامهم فإنهم يقودونهم كالبهائم، فرؤساؤهم يحرفون يؤولون، ويفعلون ما شاءوا من أجل أن تبقى هذه الزمرة اليهودية، لكن يقول تعالى بعد ذلك: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران:99].إذاً أهل الكتاب يبغون سبيل الله معوجة منحرفة، لا تقود إلى دار السلام وإلى رضا الله، فيحرفون شريعة الله، ويريدونها معوجة لا مستقيمة، وأنتم شهداء على هذا الذي تعملونه وتعترفون وتقرون به، والله ليعرفون أن محمداً رسول الله، وألا دين إلا الإسلام.ولا تعجب! فقد وجد من المسلمين من غرته الحياة الدنيا، وهو يعرف الحق ويعدل عنه، إلا أن هذه الطائفة والعياذ بالله تعالى واجهت رسول الله والمؤمنين.
 معنى قوله تعالى: (والله شهيد على ما تعملون)
ثم قال: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98] فهم يعملون المكر .. الكيد .. الدس .. الخديعة .. التحريف .. التأويل، وفي هذه الجملة التهديد لهم بالانتقام منهم، وإنزال البلاء والشقاء بهم وعليهم.فقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98] أي: من المكر والخداع والغش والتضليل.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب ...)

 التحذير من طاعة فريق من أهل الكتاب
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذه نصيحة إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:100] وهنا يدخل النصارى، فإن تطيعوا فريقاً مختصاً، وهم أهل المكر والخديعة والتضليل والفتنة، والعياذ بالله يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] فلما أطاعوهم وخرجوا إلى الحرة لولا أن الله أنقذهم بالرسول صلى الله عليه وسلم لعادت الجاهلية من جديد؟ والرسول بأعلى صوته يقول: ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! ) أي: ما مت بعد!وهنا كررنا هذا القول مئات المرات والله شاهد، وقلنا: يا معشر المؤمنين! أيها المسئولون! يا آباء البنين اسمعوا! إنكم تضعون أبناءكم بأيدي المعلمين من أهل الكتاب! فيجلسون بين أيديهم السنوات فكيف يعودون إليكم ربانيين مؤمنين صالحين؟ أما تجب طاعة المعلم؟ بلى. تجب!وأنا إذا كان معلمي يهودياً أو نصرانياً، قساً أو حَبراً من الأحبار، فإني سأجلس بين يديه يعلمني أربع سنوات إلى خمس سنوات وينفث في نفسي روح الكفر؟!وللأسف أن الوزارات في العالم الإسلامي عرباً وعجماً يتولاها أولئك الخريجين، وخمسة وسبعين في المائة هم من خريجي جامعات أوروبا وروسيا والبلاد الشيوعية، فهؤلاء الوزراء في المال .. في الاقتصاد .. في الحرب .. في السلم .. في كذا .. معصومون؟ كيف يتحركون؟ يتحركون بغير ما علموه وعرفوه؟الجواب: والله إلا من عصم الله، لا يتحركون إلا بما فهموه وعلموه، ومن هنا حقروا الإسلام والمسلمين، وأعرضوا عن كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وقالوا في أهله: خرافيون ورجعيون وكذا وكذا.هذا هو السر، واسمع الحكيم العليم يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]، ومن يقول: لا يا رب! لا يردوننا؟ أيقول هذا عاقل؟!والواقع شاهد، فلم تعطلت شريعة الإسلام وأبعد القرآن وهجرت السنة، وترك الحكم بكتاب الله وسنة رسوله؟ لم؟ وما سبب ذلك؟والله إنه للجهل المركب الذي تلقاه أبناؤنا ورجالنا من معلميهم، سواء الذين يعلمونهم الفيزياء أو الهندسة أو الديمقراطية أو قل ما شئت، فينفثون فيهم سمومهم، وإن أنفقوا عليهم الأموال فلا ينفقونها ليتعلمون حب الله ورسوله والمؤمنين، وكره الكفر والكافرين.وهذه الآية عجب فكأنها نزلت الآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا وما قال: إن تطيعوا أهل الكتاب إنما قال: إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا أي: مختصاً، وهم الذين يثيرون الفتن ويحرضون على الباطل والشر من أجل هبوط هذه الأمة وعدم صعودها ورقيها، وقد أطعناهم والواقع شاهد، فلِمَ يستقل الإقليم ولا يطالب السلطان عبد العزيز بأن يبعث لهم قضاة ورجالاً يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ بل ما إن يستقل حتى يعلن عن دولته وقانونه بعيداً عن الإسلام والمسلمين!أعيد القول وسوف تسألون يوم القيامة: من أوجد دولة عبد العزيز ؟الضلال الذين يكرهون التوحيد يقولون: بريطانيا!والله ما أوجدها إلا الله، وتعلموا هذا إن كنتم تعقلون، فلما خفتت أنوار الإسلام، ووضع الغرب قدميه العفنتين على صدور المسلمين من إندونيسيا إلى موريتانيا، فالعرب والعجم الكل تحت أقدام الاستعمار، وصفق اليهود والنصارى والضلال والغافلون، فما بقي للإسلام شأن لا قرآن ولا سنة ولا دعوة، فأيس الناس كيف يعود القرآن يحكم من جديد؟ فجاء الله عز وجل بهذه الدولة، وأسباب مجيئها ليست بشيء، ولكن الله أراد، وحكم عبد العزيز بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعالم يشاهد وينظر، والجاهلون يصفقون للعالمين، والعالمون يكرهون التوحيد والإسلام والمسلمين! وشاهدوا بأم أعينهم الأمن الذي تحقق في هذه البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وشاهدوا الطهر والصفاء اللذين تحققا بحكم الله عز وجل، ولا ينكر هذا إلا مغرض أو جاهل مسحور يتكلم بما لا يعلم.فظهرت آيات الله، وأخذ الله عز وجل يحرر المسلمين بعد أن أذاقهم مر العذاب بالهون والدون لفسقهم وفجورهم وجهلهم وإعراضهم عن الله.وأول إقليم تحرر وقد عاصرناهم إقليماً بعد إقليم، وكان الواجب على أهل ذلك الإقليم ما إن تسلموا زمام الحكم وخرجت فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا كان الواجب أن يرسلوا وفداً إلى عبد العزيز أو من خلفه، ويقولون: هذا الإقليم استقل وتحرر، وهذه مفاتيحه فعين والياً عاماً، فهذا إقليم من أقاليم الدولة الإسلامية، وابعث قضاة يطبقون قال الله قال رسول الله، ويبقى البلد له خيراته وبركاته، ولكن تطبق فيه شريعة الله، فيؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتجبى فيه الزكوات، وتقام فيه الصلاة إجبارياً، وتغلق أبواب المخامر، وتدمر المصانع، والحمد لله ستتسع رقعة البلاد الإسلامية، فينتقل إلى الإقليم الثاني والثالث والرابع والخامس، فمن ثم تكون الخلافة الإسلامية قائمة، وأمة الإسلام أمة واحدة، وأمرهم واحد.لكن لم أعرض المسلمون عن هذا؟خوفاً من الله!والآن يبكون ويبكون، وماذا يجدي البكاء فقد مزقتنا خلافتنا بأيدينا، وأعرضنا عنها.ونعود إلى: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] فأكثر الوزراء والمسئولون في الدول العربية والإسلامية بعد استقلالها وأيام استقلالها هل هم بدو من أصحاب الكتاتيب؟ من حفاظ القرآن؟!إن حفظة القرآن يقرءونه على الموتى، ولا وظيفة ولا مال، والله العظيم! أما الذين ساسوا وقادوا البلاد فهم خريجو جامعات بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا.إذاً: ماذا ترجون من هؤلاء والله يقول: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] صدق الله العظيم.أما تبكون على المسلمين وأمورهم؟ أين الإسلام؟و( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم )! وها نحن نشاهد الفتن تنتقل من بلد إلى بلد والمسلمون يحترقون.
تفسير قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله ...)

 الاعتصام بالله بوابة الهداية
قال تعالى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] ألا وهو الطريق الموصل إلى الجنة دار السلام.لكن كيف يعتصم بالله؟ الجواب: يستمسك بحبل الله النازل من السماء.وما هو حبل الله؟ حبل الله هو القرآن الكريم، كتاب الله عز وجل.والله تعالى أسأل أن يهدينا والمؤمنين إلى أن نعود إلى ربنا، فتنشرح صدورنا وتطيب نفوسنا، ونجد لذة الأنس بذكر ربنا. فاللهم حقق لنا ذلك، إنك ولينا وولي المؤمنين.وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة آل عمران (36) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net