اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (18) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة النحل (18) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
لا عجب أن تكون هذه الآية من أجمع آيات الكتاب العزيز، وذلك لما حوته في ثناياها من واجبات يكمل بها المسلم إذا التزمها، ومنهيات يتحرر بها الإنسان من عبودية الشيطان إن اجتنبها، فقد أمر الله عز وجل فيها بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبهذه الأمور الثلاثة تطيب حياة المسلم وينجح في علاقاته مع ربه ومع نفسه والناس أجمعين، ونهى الله عز وجل عن الفحشاء والمنكر والبغي التي هي عائق أمام الإنسان تحول بينه وبين الوصول إلى مولاه، ونيل رضاه، والظفر بجنة الخلد التي هي موعد كل من أطاع الله واتقاه، ومن هنا فإنه يحق لقائل أن يقول: إن هذه الآية هي أجمع آية في كتاب الله.
تفسير قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ...)
الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:90-93].
 حقيقة الفحشاء والمنكر والبغي
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نكمل الثلاثة المنهيات المحرمات التي يدعو الشيطان إليها ويغري الغافلين بها ويأخذهم إلى هذه الظلمة:الظلمة الأولى: الفحشاء، يا أبنائي .. يا إخواني! يجب علينا أن نبتعد عن الفحش ولا نقع فيه لا بالقول فنقول كلمة فاحشة أبداً، ولا بالنظر فننظر نظرة فاحشة أبداً، ولا بالسمع فنستمع إلى كلمة فاحشة أبداً، فضلاً عن إتيان الفاحشة وارتكابها، وأسفلها: فاحشة الزنا واللواط، وكل ما يؤدي إلى هذه الفاحشة، والبخل، والكذب والخيانة والسخرية والاستهزاء كل هذه فواحش.ثانيًا: المنكر، والمنكر: ما أنكر الله ورسوله ولم يعترفا به، ولم يقراه للعباد، سواء كان قولاً أو كان عملاً، نظرة، لباس، صوت، مشية.. كل ما أنكره الله وأنكره رسوله بمعنى: نهيا عنه وحرماه، وتوعد الله عليه بالعذاب؛ هذا هو المنكر، فيجب أن نتجنبه ولا نفعله أبداً، لماذا؟ لأن الله حرمه، نهى عن المنكر، فالمنكر: ما أنكره الشرع لم يحله ولم يأذن فيه، ما أنكرته الفطر والغرائز البشرية. فلو أتيت تمشي بين ناس عريانًا فهل يسكت عن ذلك أحد؟ ينكره كل أحد، ترفع صوتك فقط في المسجد فينكرون عليك ذلك.إذاً: أولياء الله لا يغشون منكراً لا في الزي واللباس، ولا في القول ولا في الأكل ولا في المشي، وكل ما أنكره الشارع وحرمه ونهى عنه بواسطة كتابه القرآن، أو بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو منهي عنه ومنكر، والذي أذن الله فيه قولاً أو فعلاً، أكلاً أو لبساً يجوز، وما هو بمنكر، لكن إذا نهى الله تعالى عن شيء إما في الكتاب القرآني أو على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فذلك منكر، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يرتكبه ويفعله. وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل:90]، ما هو البغي؟ الظلم، البغي: الظلم، بغى علي: ظلمني، بغيت عليه: ظلمته، والظلم حرمه الله عز وجل وجعله على عباده محرماً، إذ قال: ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً ).والظلم حقيقته: وضع الشيء في غير موضعه مطلقاً، فوضع الشيء في غير موضعه هو الظلم وهو البغي، وحرم الله تعالى البغي بين هذه الأمة، فلا يبغي بعضهم على بعض، لا سرقة ولا تطفيف ولا خداع ولا غش ولا كذب أبداً، بحيث لا ظلم، ونصبر على ذلك حتى تنتهي الحياة. إذا بغت أمة سلط الله عليها من يهينها ويذلها، كما فعلت أمتنا لما بغت وخرجت عن نظام الله سلط عليها أوروبا من بريطانيا إلى أسبانيا فداسوهم بالنعال.إذاً: معاشر المستمعين والمستمعات! خذوا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ [النحل:90] ربكم، ليس سواه فهو الذي يأمر وينهى، يعظكم ربكم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].هذه الآية يختم بها أئمة المساجد يوم الجمعة الخطبة ولا بد، لماذا؟ لأنها أجمع آية للخير والشر، ما أخذ بها مؤمن وزلت قدمه وسقط أبداً، ولهذا ما ننساها: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ [النحل:90]، هكذا، يعظكم ربكم آمرً ناهيًا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].والله تعالى أسأل أن يجعلنا من أهل هذه الآية، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (18) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net