اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (14) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة النحل (14) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
يلزم الله عز وجل أهل الشرك بفساد ما هم عليه، وذلك عبر أسلوب قرآني عجيب، وهو ضرب الأمثال، فكما أن هؤلاء المشركين عندهم عبيد وخدم وهم يأنفون أن يشركوهم فيما اختصوا به من أموال، فكيف يأذنون لأنفسهم أن يشركوا مع الله غيره من الأنداد فيما اختص به سبحانه، فهذا جحود ظاهر لنعم الله تبارك وتعالى، فالله عز وجل هو الذي ساق إليهم أجل النعم وأدقها، فهو الذي جعل لهم أزواجاً من جنسهم ورزقهم الأولاد والحفدة من تلك الأزواج، وامتن عليهم بالطيبات، فهل بعد هذا يكفر به سبحانه ويعبد سواه ممن لا يرزق ولا يملك، فيكون نداً لله عز وجل وهو عارٍ عن أوصاف الكمال ومعاني الجلال، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
تفسير قوله تعالى: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ... )
الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:71-74].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:71] من هو الله يرحمكم الله؟ إنه خالقنا، رازقنا، محيينا، مميتنا، المالك لكل شيء والقادر على كل شيء، له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ومن أسمائه: الله، أي: الإله الحق المعبود الذي لا يعبد سواه.ماذا يقول تعالى؟يخبر فيقول: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:71] وهذه حقيقة لا ينكرها غير المجانين فقد فضّل بعضنا على بعض في الرزق، هذا يملك خيمة وهذا يملك عمارة، هذا في جيبه ريال وهذا في جيبه ألف، هذا له بيت وهذا يسكن تحت شجرة، فضّل بعضنا على بعض في الرزق حسب سنته في ذلك وتدبيره؛ إذ أنه العليم الحكيم.يغني ويفقر لحكمة، يعز ويذل لحكمة، والله لا يخرج شيء عن حكمة، ما أفقر فلانًا ولا أغنى فلانًا إلا لعلم وحكمة، خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] هذا المظهر من ينكره؟ أتستطيع الآلهة الباطلة المزعومة أن تفعل شيئاً من هذا؟ لا، من أغنى وأفقر سواه؟ كيف نجحده وننكره ولا نؤمن به؟ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:71] أي: فيما ترزقونه من طعام وشراب ولباس ومركب ومسكن.
 ذكر المثل المضروب للمشركين في سورة الروم
ومن سورة الروم يقول تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ [الروم:28]؟ الجواب: لا والله ما كان، هذا مثل عجيب، فكيف -إذاً- تجعلون لله آلهة يشاركونه في العبادة؟ أنتم ما ترضون أن يشارككم أحد في أموالكم، وترضون لله أن يشاركه ألف صنم يعبدون كما يُعبد؟! أين العقول؟ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم:28] ما هو؟ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ [الروم:28]؟ الجواب: لا، لماذا إذاً -والله هو الخالق الرازق المدبر الحكيم- بدل أن يُعبد وحده تعبدون معه آلهة متعددة، تجعلونها شركاء له؟! هذا لا يصح عقلاً.هذا معنى قوله جل وعلا: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [النحل:71] يا للعجب! يا للمنكر! يا للباطل! يجحدون نعمة الله عز وجل عليهم وهو خالقهم ورازقهم، بدل أن يحبوه وحده ويعظموه ويجلوه ويعبدوه يلتفتون إلى المخلوقات يعطونها قلوبهم ووجوههم، ينادونها ويستغيثون بها، ويذبحون لها، ويتقربون إليها.. أليس هذا أمرًا عجبًا؟! كيف يجحدون نعمة الله التي هي خلقهم ورزقهم، وخَلْق كل شيء من أجلهم؟
تفسير قوله تعالى: (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا ...)
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ [النحل:72] أيضاً جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72]، من فعل بكم هذا؟ سيدي عبد القادر أو عيسى؟ ليس إلا الله، وَاللَّهُ [النحل:72] جل جلاله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72]، والغافلون ما يشعرون بهذه النعمة أبداً، خلق لك من نفسك زوجك، لو زوجك حيواناً أو خلق لك جنية وزوجك فكيف ستعيش معها؟ لو خلق لك زوجة رأسها بين رجليها وأذناها في قفاها كيف ستسعد معها؟ هم ما يشعرون بهذه النعمة أبداً، من خلق لك هذه الزوجة: أمك أو أبوك؟ الله الذي خلقها لك، من نفسك، آدمية مثلك، خلق الله حواء من آدم ثم تناسلا وأصبحت الدنيا ملئًا بأولاد آدم رجالاً ونساء، هل يفعل هذا عبد القادر أو عيسى بن مريم، أو سيدي فلان أو فلان فضلاً عن اللات والعزى وسائر الأصنام والأحجار؟ من يفعل هذا سوى الله؟ لم لا يقبل عليه؟ لم لا يُعبد؟ لم لا يطاع؟ لم لا يسأل عنه في الشرق والغرب حتى يحب ويعظم ويبجل؟ لم هذه الغفلة؟ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72] والأزواج: جمع زوج، والزوج ما به يثنى الشيء، يصبح اثنين، أنت زوج والمرأة زوج أيضاً؛ إذ بك تصير هي زوجًا وبها تصير أنت زوجًا أيضاً، فلهذا ليس في كلمة (زوج) تاء إلا نادراً عند الغفلة أو عدم البصيرة.
 معنى قوله تعالى: (أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون)
ثم قال لنا: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] هذا الرب الخلاق العليم الحكيم الواهب النعم ينكرونه، يتجاهلونه ويعبدون الأصنام والأحجار والرجال والنساء: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ [النحل:72] يا للعجب! وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] ويجحدون كأن الله ما أعطاهم ولا رزقهم، مع أن كل شيء بين أيديهم الله خالقه وواهبه، من قطرات المطر النازلة من السماء إلى النباتات التي تنبت في الأرض.. كل هذا بفعل الله عز وجل. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72] قولوا: الحمد لله .. الحمد لله.. الحمد لله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72] الحمد لله.. الحمد لله وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72] الحمد لله.. الحمد لله أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ [النحل:72] يا للأسف هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] والعياذ بالله تعالى، من هؤلاء؟ إنهم الكافرون المشركون، عبدة الأصنام، عبدة الصليب، البلاشفة الحمر، اليابان.. كل كافر على الأرض، استثن فقط الجماعة المؤمنة، وأما البقية فكلهم مشركون كافرون، عميان ضلال ما يعرفون شيئاً، مع أنهم يعرفون الدنيا بما فيها، يعرفون كيف يأكلون ويشربون وينكحون، ولكن هل يسألون عن الله؟ لا أبداً، هل يسألون عمن خلقهم؟ لا يسألون، والسر في ذلك هو أن الشيطان أعماهم وأصمهم حتى يبقوا مسخرين عبيداً له، يعبدونه ويوالونه؛ لأنه إذا آمن الواحد بالله فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تهيأ لأن يغتسل بالماء البارد في الليلة الباردة، تهيأ لأن يخرج نقوده من جيبه، تهيأ لأن يموت في سبيل ربه، تهيأ لأن يذكر الله طول الليل والنهار ويشكره، فهم يخافون من أن يندمجوا في أنوار العبادة فتتعطل الشهوات والأهواء والأطماع الدنيوية فيكفرون، فيقولون: الأسهل ألا نؤمن، فلا إله! لعنة الله عليهم. أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] الآن يقدسون هذه الآلات تقديساً عجباً، هذه الآلات المعاصرة من التلفاز إلى الفيديو، ونسوا من خلق الذي صنع هذه، فمن قاده وساقه إلى صنعها؟ أليس الله؟ لم لا يقولون: ربنا الله، ولا إله إلا الله؟ لأن هؤلاء بنعمة الله يكفرون، وبالباطل يؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا ولا يستطيعون)
ثم قال تعالى وقوله الحق: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73] هذا يتناول المشركين الذين يعبدون الأنبياء والأولياء والصلحاء ويمثلونهم في أحجار وتماثيل وأصنام وصلبان، هؤلاء المشركون يقول تعالى عنهم: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النحل:73] أي: من غير الله مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73]، لو كان هناك قبر من القبور عند عامة المسلمين -سيدي فلان أو فلان- ثم وقفنا أمامه وقلنا: يا سيدنا! الغوث، فنزل المطر، فنحن إذًا مضطرون إلى أن نأتي هكذا، أو جاء قحط أو جدب فوقفنا عليه وناديناه ففعل، أو عمنا مرض فاستغثنا فزال الداء؛ حينئذ نقول: نحن معذورون، لكن الواقع أنه -والله- لا يملك أحد شيئاً في الكون إلا الله، لا يحيي ولا يميت ولا يعطي ولا يمنع ولا يعز ولا يذل إلا الله، وما عدا ذلك مخلوقات خلقها هو يدبر أمرها ويتصرف فيها، يعطي ويمنع ويرفع ويضع، لكن الشياطين هي التي حملت البشر وحملت أيضاً الجن على أن يعبدوا غير الله من أجل أن يفسقوا ويفجروا ويتهيئوا لغضب الرب وسخطه، وبالتالي إلى عذابه الخالد في دار الشقاء جهنم وبئس القرار. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ [النحل:73] كالمطر وَالأَرْضِ [النحل:73] كالنباتات والعشب وما إلى ذلك شَيْئًا [النحل:73] ولو قل وَلا يَسْتَطِيعُونَ [النحل:73] أبداً، ولا يقدرون بحال من الأحوال.
 معنى قوله تعالى: (أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون)
ثم قال لنا: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] هذا الرب الخلاق العليم الحكيم الواهب النعم ينكرونه، يتجاهلونه ويعبدون الأصنام والأحجار والرجال والنساء: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ [النحل:72] يا للعجب! وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] ويجحدون كأن الله ما أعطاهم ولا رزقهم، مع أن كل شيء بين أيديهم الله خالقه وواهبه، من قطرات المطر النازلة من السماء إلى النباتات التي تنبت في الأرض.. كل هذا بفعل الله عز وجل. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [النحل:72] قولوا: الحمد لله .. الحمد لله.. الحمد لله وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل:72] الحمد لله.. الحمد لله وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72] الحمد لله.. الحمد لله أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ [النحل:72] يا للأسف هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] والعياذ بالله تعالى، من هؤلاء؟ إنهم الكافرون المشركون، عبدة الأصنام، عبدة الصليب، البلاشفة الحمر، اليابان.. كل كافر على الأرض، استثن فقط الجماعة المؤمنة، وأما البقية فكلهم مشركون كافرون، عميان ضلال ما يعرفون شيئاً، مع أنهم يعرفون الدنيا بما فيها، يعرفون كيف يأكلون ويشربون وينكحون، ولكن هل يسألون عن الله؟ لا أبداً، هل يسألون عمن خلقهم؟ لا يسألون، والسر في ذلك هو أن الشيطان أعماهم وأصمهم حتى يبقوا مسخرين عبيداً له، يعبدونه ويوالونه؛ لأنه إذا آمن الواحد بالله فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تهيأ لأن يغتسل بالماء البارد في الليلة الباردة، تهيأ لأن يخرج نقوده من جيبه، تهيأ لأن يموت في سبيل ربه، تهيأ لأن يذكر الله طول الليل والنهار ويشكره، فهم يخافون من أن يندمجوا في أنوار العبادة فتتعطل الشهوات والأهواء والأطماع الدنيوية فيكفرون، فيقولون: الأسهل ألا نؤمن، فلا إله! لعنة الله عليهم. أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل:72] الآن يقدسون هذه الآلات تقديساً عجباً، هذه الآلات المعاصرة من التلفاز إلى الفيديو، ونسوا من خلق الذي صنع هذه، فمن قاده وساقه إلى صنعها؟ أليس الله؟ لم لا يقولون: ربنا الله، ولا إله إلا الله؟ لأن هؤلاء بنعمة الله يكفرون، وبالباطل يؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون)
ثم قال تعالى معلماً مربياً: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] أي لا تجعلوا آلهة في الأرض مثيلة له في الصفات، فتنسبون إليه البنات، وتنسبون من صفاته إلى هذه الأحجار وتقولون: نعبدها ونتوسل بها، فالأمثال -الصفات- لا تكون منها لله عز وجل إلا صفات الكمال والعزة، أما نسبة الملائكة إليه بأنهن بنات، وأن عيسى وأمه إلهان.. وما إلى ذلك، كل هذا محرم وباطل ودعوى باطلة.يقول تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74]، لو كان هناك من يستحق أن يُعبد في الكون لعلمه الله عز وجل وأمر بعبادته.فالله يعلم ونحن لا نعلم، علم أنه لا يعطينا ولا يمنعنا بحق ولا يعز ولا يذل إلا الله، لا يحيي ولا يميت إلا الله، فكيف نلتفت بوجوهنا وقلوبنا إلى مخلوقات مصنوعات صنعها الله، وندعوها ونستغيث بها، ونحلف بها ونعظمها؟
 أهمية الاجتماع على مدارسة القرآن الكريم وفهم معانيه
وأخيراً يقول تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:74] إي والله، يعلم ونحن ما نعلم، فلهذا يجب أن نتعلم عن الله ما يسعدنا ويكرمنا، ونتجنب ما يشقينا ويذلنا، لا بد من كتاب الله. لو أن أهل قرية من قرى العالم الإسلامي عرباً وعجماً تعهدوا كتاب الله، وأخذوا يجتمعون على دراسته كل ليلة -نساؤهم وأطفالهم ورجالهم- ما بين المغرب والعشاء فقط، طول النهار في المزارع والمصانع يشتغلون، وبين المغرب والعشاء وقت راحة ما فيه عمل، فأين يكونون؟ في بيوت الرب يقرءون كتاب الله ويشرحونه بسنة رسول الله، كل ليلة يستفيدون علماً وحكمة، لو فعلوا ذلك طول العام فوالله ما يبقى زان، ولا لوطي، ولا مجرم، ولا كاذب، ولا عار، ولا مسكين يمد يده أبداً، يصبحون كجسم واحد، أمة واحدة، والمثل تقدم في القرون الذهبية الثلاثة، أما الإعراض عن كتاب الله فكيف سنعرف معه، وكيف سنعلم، وإذا لم نعلم فكيف سنعبد الله تعالى؟يجب على أهل القرية، أهل الحي في المدينة إذا دقت الساعة السادسة مساء أن يتوقف العمل، ويُغلق باب الدكان والمقهى، وتُلقى المسحاة من يد الفلاح، ثم يتوضئون، ويأتون بنسائهم وأطفالهم إلى بيت الرب جل جلاله وعظم سلطانه، يصلون المغرب ثم يجلس لهم عالم -وما أكثر العلماء اليوم بالكتاب والسنة- يعلمهم ليلة آية، وليلة حديثاً، هكذا طول العام، ثم سلوني كيف يصبحون بعد سنة؟ لا شك أنهم يصبحون وكلهم طهر، كلهم صفاء وصدق ووفاء ورحمة وعزة وكرامة، وتنتهي مظاهر الفقر والبؤس والشقاء والتلصص والإجرام، ما هناك حيلة والله إلا هذه، أن نصدق ربنا فيما نقول، ونجتمع على كتابه وهدي رسوله في صدق فنتعلم ونعمل، فالإعراض نتائجه معروفة: الذل والخزي والعار والشنار والعياذ بالله تعالى.أسمعكم تلاوة الآيات مرة ثانية: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:71-74].
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
قال: [ من هداية الآيات:أولاً: قطع دابر الشرك في المثل الذي حوته الآية الأولى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل:71] ]، هذه قطع بها دابر الشرك وقطعت أوصاله، وما بقي يشرك من يؤمن بهذه الآية.[ ثانياً: وجوب شكر الله تعالى على نعمه، وذلك بذكره وشكره وإخلاص ذلك له ] كما هي حياتنا: نحمد الله عند الأكل والشرب والركوب والنزول، دائماً: الحمد لله.. الحمد لله.[ ثالثاً: قبح كفر النعم وتجاهل المنعم بترك شكره عليها.رابعاً: التنديد بمن يضربون لله الأمثال وهم لا يعلمون باتخاذ وسائط له تشبيهاً لله تعالى بعباده، فهم يتوسطون بالأولياء والأنبياء ] كما نتوسل بالشفعاء للحاكم يتوسلون لله بالأولياء، هذا هو المثل لله وهو حرام: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74] الله ما يحتاج إلى أنك تقول: يا فلان! توسط لي عند الله. ادعه يسمعك، ولا ترفع صوتك ووجه قلبك ووجهك إليه يعرفك ويعطيك، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74].[ التنديد بمن يضربون لله الأمثال وهم لا يعلمون باتخاذ وسائط له تشبيهاً لله تعالى بعباده، فهم يتوسطون بالأولياء والأنبياء، بدعائهم والاستغاثة بهم، بوصفهم مقربين إلى الله تعالى يستجيب لهم ولا يستجيب لغيرهم] تعالى الله.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (14) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net