اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (11) للشيخ : أبوبكر الجزائري


تفسير سورة النحل (11) - (للشيخ : أبوبكر الجزائري)
يذكر الله من أخبار المشركين ما يثير الدهشة ويبعث على السخرية، فهم ينسبون لإلههم ما ينزهون أنفسهم عنه، فيدعون أن الملائكة بنات الله في حين أنهم يأنفون من أن يرزقوا بهن، بل ويدفنونهن وهن أحياء؛ لأنهم يرون أن إمساكهن يعتبر من الهوان والذلة، فرد الله عليهم بعد أن بين فساد حكمهم، وأخبر تعالى أنهم أهل لأن ينسب إليهم كل قبيح، وأنه سبحانه محل كل وصف كامل، فله الأسماء الحسنى والصفات العليا، ومن أعظم صفاته أنه عزيز حكيم، فهو الذي يمهل لحكمة ويأخذ لحكمة، وقد اقتضت حكمته أن يؤجل هؤلاء مع ظلمهم إلى أن يجمعهم ليوم يجازون فيه على قبيح صنيعهم وشنيع فعلهم.
تفسير قوله تعالى: (ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون)
الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، حقق اللهم رجاءنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك. آمين.وها نحن مع سورة النحل، ومع هذه الآيات المباركات الكريمات: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل:57-62]. معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57] عمن يتكلم الرب؟ من هم هؤلاء الذين يجعلون لله البنات سبحانه؟ هم قبيلة خزاعة وكنانة من قبائل العرب في هذه الجزيرة.يقولون: الملائكة بنات الله. ولذا عبدوهم لهذه النسبة؛ لأنهم ما داموا بنات له فإنهم أهل للعبادة، وهذا شرك وكفر ما فوقه كفر ولا شرك؛ لأنه افتراء وكذب محض، إذاً: هم قالوا: الملائكة بنات الله وسنعبدهم. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57] أي: من الذكران. فالذكور لهم وأما البنات فلله، كيف يصح هذا عقلاً فضلاً عن الشرع؟الله جل جلاله ذو القدرة التي لا يعجزها شيء، والعلم الذي أحاط بكل شيء، والحكمة التي لا يخلو منها شيء تنسب إليه البنات وأنت تتقزز من نسبتهن إليك؟ إنه الجهل وإغواء الشياطين، الشياطين التي تعمل ليلاً ونهاراً على إفساد بني آدم ليشاركوهم في العذاب الأخروي فيخلدوا معهم في جهنم. هم لا يرتاحون أبداً أن ندخل الجنة ويدخلوا النار، فلهذا إبليس وذريته وأولياؤه وأعوانه يعملون ما استطاعوا لأجل إفساد قلوب البشرية وإبعادها عن العبادة لله وحده، وذلك بعبادة الشيطان حتى يهلكوا، فلا عجب. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ [النحل:57] تقدس وتعالى وتعاظم وتكبر عن نسبة البنات إليه وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57].وفي سورة الصافات يقول تعالى: أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الصافات:153-155] هل اختار البنات على البنين؟ مع أن الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، فهم خلق آخر ليسوا كعالم الإنس والجن. وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57] ما الذي يشتهونه؟ الذكور.
 

تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم)
قال تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى [النحل:58] أي: إذا قيل لأحدهم: يا فلان! ولدت امرأتك بنتاً فإنه يسود وجهه ويتغير تماماً ثم يذهب بعيداً ولا يواجه الرجال في الطرقات والشوارع.إذاً: قوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى [النحل:58] معناه: إذا قيل لأحدهم: أبشر فقد ولدت امرأتك بنتاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58] أي: مملوءاً من الغم والكرب حتى أنه ما يستطيع أن ينطق -كالقربة إذا كظمتها وربطتها- من الهم؛ لأنهم اعتادوا هذه الصفة الرذيلة وعاشوا عليها ونشئوا، إذ كل من يقال له: امرأتك ولدت بنتًا يكرب ويحزن ويغتم. كيف إذاً تجعلون البنات لله وأنتم تكرهون البنات؟ أين إنصافكم مع ربكم لو كان هناك عقول؟ سيدك ومولاك وخالقك وربك الذي تؤمن بأنه خلقك ورزقك تنسب إليه العجز والبنات وتنزه أنت نفسك عن ذلك؟ والله إن هذا لمن وحي الشيطان وإملائه، فهو الذي قرره في نفوسهم. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ [النحل:58] طول النهار مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58] ما يستطيع أن ينطق من الهم والغم.
 

تفسير قوله تعالى: (يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ...)
قال تعالى: يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل:59] فما يستطيع أن يواجه إخوانه في الشوارع ولا في الطرقات، وإذا وجد فلانًا فإنه يطأطئ رأسه ويستتر بشجرة أو بنخلة أو بجدار، يتوارى مم؟ من سوء ما بشر به من الهم والغم الذي أصابه حين ولدت له بنت.
 أسباب قتل المشركين أولادهم
ويعللون لذلك بعلل، منها: أنه إذا أصاب البلاد قحط أو جدب فقلت الأمطار وانقطع الطعام والشراب، وهم يعرفون هذا من أول السنة، لأنه إذا ما كان هناك أمطار في شهر المطر فمعناه أن العام عام سيئ، فيبدءون في قتل الأولاد ذكوراً وإناثاً عند البعض. وعند البعض الآخر تقتل البنت فقط لأنها تحمل العار: فحين يأخذها شخص آخر يذل ويهان والدها لأن ابنته عند فلان أخذها، وهذه تجعل في قلوبهم كراهية البنت. ثالثاً: يجعلونها للآلهة: يا هبل .. يا فلان! إذا ولد لي ولد فهو لك. فيجعلونها لآلهتهم، وقد جاء في سورة الأنعام قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ [الأنعام:137] وهم الشياطين الذين زينوا لهم قتل أولادهم إما خوفًا من الفقر أو خوفًا من العار، وإما أن ينذروهم لآلهتهم نذراً والعياذ بالله، فها هو ذا تعالى يفضحهم ويبين ما أعطاهم ليعالجهم بهذه الأنوار القرآنية الكريمة. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ [النحل:58-59] أيمسك المولود وهو بنت. الذي بشر به أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ [النحل:59] على إهانة وذلة وصغار في بيته، أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل:59] أي: يدفنه حياً أو ميتاً. أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59] (ألا ساء) أي: قبح واشتد قبح ما يحكمون به، حين ينسبون لله البنات وهم يكرهونها لأنفسهم، وهذه ثمرة الجهل والعياذ بالله، ولذا لما جاء نور الله وبعث فيهم رسوله عاد جلهم إلى الحق وتاب وعبد الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم)
ثم قال تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60]. ‏
 معنى قوله تعالى: (ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم)
قوله تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60] وهو: الصفات العلى، كالعزة والقدرة والكمال والحكمة، وأنه يحيي ويميت، ويعطي ويمنع، فالكمال كله لله، وأمّا صفة النقص فهي للذين لا يؤمنون باليوم الآخر، هؤلاء لهم (مثل السوء) أي: وصف السوء: كالجهل والظلم والخبث والشر والفساد.ثم قال تعالى وقوله الحق: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60] أي: من صفاته المثلى: العزة والحكمة، فالله عزيز بمعنى: غالب قاهر لا يعجزه شيء، حكيم يضع كل شيء في موضعه ولا يخطئ أبداً، فالحكمة: وضع الشيء في موضعه، أليس كذلك؟ نعم، وإليكم ما يوضح ذلك:فمثلاً: الآن هل هذا المقام مقام أكل وشرب؟ بالطبع لا ولو أخذ واحد يأكل ويشرب فقد أساء؛ لأنه ليس في ساعة أكل وشرب، وهو بذلك غير حكيم، كذلك لو قال: تزحزحوا لأنام الآن ثم نام بينكم؛ فهل الحكمة تقتضي هذا؟ لا يصح أبداً؛ لأن الحكمة الآن هي الإصغاء والتفهم والتدبر فيما نسمعه من كتاب الله. فالحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه، والله عز وجل هو العزيز الحكيم، يعز من يشاء ويرحم من يشاء وكل ذلك بحكمه، فيعذب من أراد تعذيبه لأنه كفر به ووصفه بالنقص والضعف ومثل السوء، ويعلي شأن من أراد ويرحمه لأنه أعظم الله وكبره ووصفه بالكمال.
تفسير قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ...)
ثم قال تعالى -وهذه حقيقة-: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61]لو أن قائلاً يقول لي: لماذا يسمح الله لهم بالبقاء وهم يكفرون به ويشركون به وينسبون إليه الباطل؟ لم ما قضى عليهم وأبادهم؟ فالجواب في الآية: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61] لا إنسان ولا حيوان، هذا خبر الله أم لا؟ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61] تدب على وجه الأرض؛ فمثلاً: لو أخذ الله تعالى عبد الله بن عبد المطلب وأهلكه أيولد محمد صلى الله عليه وسلم؟ كذلك آزر الكافر الطاغية المشرك لو أهلكه الله من أين يأتي إبراهيم؟ من يلده؟ فتأملوا. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ [النحل:61] ما بقي على وجه الأرض أحد، لو يمنع الأمطار فقط لماتت البهائم والنباتات وما يبقى دابة تدب على الأرض.
 معنى قوله تعالى: (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)
قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61] بالدقيقة باللحظة، هي آجالهم، والأجل العام يوم القيامة. فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [النحل:61] الأجل الوقت المحدد المعين فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:61] أخرى، إذا دقت ساعة أجل العبد والله لا تتقدم بساعة ولا تتأخر بأخرى، لا بد من الوقت بالضبط، ونهاية هذه الحياة لها ساعة أيضاً والله لا يستطيع أحد تقديمها ولا تأخيرها.
تفسير قوله تعالى: (ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ...)
قال تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ [النحل:62] عدنا إلى المشركين: خزاعة وكنانة، وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ [النحل:62] كيف يجعلون لله ما يكرهون؟ قالوا: الملائكة بنات الله، ونحن نعبدهم لأنهم بنات ربنا، جعلوا لله ما يكرهون لأنهم يكرهون البنت ما يريدونها في بيوتهم. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل:58-59]، وهم وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل:57]. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى [النحل:62] قالوا: الجنة نحن أهلها، الحسنى هي الجنة، قالوا: نحن أهل الجنة.
 معنى قوله تعالى: (لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون)
قال تعالى: لا جَرَمَ [النحل:62] أي: حقاً أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل:62] مفرَطون: مسبوقون، ومفرِطون: سابقون كل واحد، قرئ في السبع (مفرطون) باسم الفاعل، و(مفرطون) باسم المفعول.يقال: أفرط يفرط: إذا تقدم. يسبقون الناس إلى النار والعياذ بالله، لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل:62] إليها، و(مفرطون) متركون فيها أيضاً. قراءتان سبعيتان، سبحان الله.ماذا يقول تعالى عنهم؟ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ [النحل:62] ما الذي يكرهونه؟ البنات، فقالوا: الملائكة بنات الله. وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى [النحل:62] الجنة، يقولون: الجنة لنا لن يدخلها أحد غيرنا. قال تعالى: لا جَرَمَ [النحل:62] أي: حقاً حقاً أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل:62] وهم فيها مفرطون هالكون متروكون إلى الأبد بلا نهاية.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

 هداية الآيات
معاشر المستمعين! إليكم هداية الآيات فتأملوا:[ أولاً: بيان الحالة الاجتماعية التي كان عليها المشركون ] قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم [ وهي كراهيتهم للبنات خوف العار ] وخوف الفقر، وينذرون أيضاً للآلهة حتى الذكور.وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عظم أجر من يحسن إلى البنات، وحدثت عائشة بهذا في مسلم ، فالذي يرزقه الله بنتين فيحسن إليهما ويربيهما يبعث مع رسول الله في الجنة، والذي يرزق بنات ويحسن إليهن بتربيتهن حتى يبلغن ثم يزوجهن، هذا العمل لا يوازيه عمل آخر، فلنحافظ إذاً على البنات.( عائشة ذكرت للرسول صلى الله عليه وسلم أن امرأة جاءت ومعها بنتان لها تستطعم عائشة ، وما عندها إلا ثلاث تمرات فأعطتهن إياها، كل بنت تأخذ تمرة، أعطت البنتين تمرة تمرة وبقيت واحدة في يدها، فلما رفعتها إلى فيها استطعمتها إياها ابنتاها، فرق قلبها وأعطتهما التي في يدها وما أكلتها، فأخبرت الرسول بهذا فقال: إن الله قد أوجب لها الجنة وأعتقها من النار ).ولكن إذا دفعتم بهن إلى المدارس يتعلمن لأجل الدنيا كيف تكون الحال؟ التعلم ينبغي أن يكون من أجل أن يعرف الله فيعبد، أما أن نتعلم من أجل الدينار والدرهم فهذا التعلم باطل حتى للذكور، فكيف بالإناث؟ نبعث بناتنا إلى المدارس من الابتدائية إلى الثانوية فالجامعة والهدف الوحيد الوظيفة.فهذا الموقف نسأل الله السلامة منه، والحمد لله أن نجانا الله منه، تسع بنات عند الشيخ ما تخرجت واحدة منهن من المدرسة في المدينة النبوية.إذا أردت أن تتعلم البنت لتعبد الله فعلمها، أما للوظيفة فتختلط بالرجال وتصبح كالرجل -والعياذ بالله- فلن تستفيد من حياتها شيئاً. [ ثانياً: بيان جهلهم بالرب تبارك وتعالى، فهم يؤمنون به ويجهلون صفاته حتى نسبوا إليه الولد والشريك ]، يؤمنون بالله حقاً (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ))[الزخرف:87]، ولكن مع هذا ينسبون لله تعالى الولد والشريك بسبب الجهل. ما علة هذا؟ والله إنها الجهل، فلهذا جاء الإسلام بالقرآن والسنة لإبعاد الجهل من نفوس البشر وقلوبهم. [ ثالثاً: بيان العلة في ترك الظلمة يتمادون زمناً في الظلم والشر والفساد ]، ما العلة؟ لأنه لو كان يؤاخذهم ما بقي أحد في الدنيا: (( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ))[النحل:61]، فهذا هو السر في أنه لا يؤاخذ الظلمة ويبيدهم، وقد ضربت لكم المثل بـآزر الذي ظلم أشد الظلم، لو أهلكه الله فمن أين يولد إبراهيم ولده؟ وهكذا.[ رابعاً: بيان سوء اعتقاد الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهو أنهم ينسبون إلى نفوسهم الحسنى ] أي: الجنة [ ويجعلون لله ما يكرهون من البنات والشركاء مع سبهم الرسل وامتهانهم ]، وسبب هذا كما قلت لكم عدم الإيمان بالآخرة، الذي ما تثبت عنده عقيدة الإيمان بالبعث الآخر والجزاء على العمل في الدنيا ما يستقيم، لا تعجب أن يفعل الشر ويقوله، إذا خلا القلب من الإيمان اليقيني بأنه سيسأل يوم القيامة عن كل ما قال وعمله فصاحب هذا القلب لا يستقيم أبداً، يفجر ويفسق ويظلم ويفعل ما شاء؛ لأنه ما هناك مانع يمنعه. فالإيمان بالله واليوم الآخر قوهما في صدرك وأكثر من ذكرهما حتى تصبح أهلاً لأن تستقيم بين الناس ولا تعوج ولا تنحرف يميناً ولا شمالاً. والله تعالى أسأل أن ينفعني وإياكم بما ندرس ونسمع.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النحل (11) للشيخ : أبوبكر الجزائري

http://audio.islamweb.net