اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وجوب تحقيق التوحيد وأثره للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود


وجوب تحقيق التوحيد وأثره - (للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود)
أعظم ما أمر الله به عباده هو توحيده سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة له سبحانه، ولذلك فالواجب على العباد تحقيق هذا الأمر على أكمل وجه، ومن تمام ذلك: البعد عن جميع الطرق والسبل التي تؤثر على التوحيد، سواء كان ذلك بنقصه أو بنقضه من أساسه، ومن ذلك: الوقوع في الشرك الأكبر والأصغر بجميع أنواعه وصوره، وكذلك تعليق التمائم، وتعاطي السحر، أو الذهاب إلى السحرة لأجل العلاج ونحوه، وكذلك تعظيم التماثيل والنصب التذكارية؛ فإن جميع ذلك إما شرك أكبر أو أصغر، وهو ينقض التوحيد من أساسه، أو يذهب بكثير منه.
الأسباب الداعية إلى طرق موضوع التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد هو موضع خطير ومهم جداً في حياة المسلم، وفي حياة الأمة كلها.ومن ثم فإننا حينما نطرق هذا الموضوع المتعلق بتحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى فإنما نطرقه لأسباب، منها:أولاً: أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الحياة، وتبنى عليه أعمال الإنسان، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العبد حين يقدم عليه -ولابد من أن يقدم- أي عمل وأي ثواب وأي أمر قدمه في هذه الدنيا يبتغي به وجه الله لا يقبل منه ذلك إلا إذا كان مبنياً على هذا الأساس المتين توحيد الله سبحانه وتعالى.ولما كان الأمر كذلك كان الحرص من جانب المؤمن ومن جانب الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى في كل زمان ومكان على هذا الأمر لابد منه، ولابد من أن يراقب الإنسان نفسه دائماً لخطورة هذا الموضوع.ثانياً: لأن مجتمعاتنا بدأت تظهر فيها ظواهر خطيرة، يجب على الدعاة أن يقفوا عندها ليعالجوها، ومن ذلك:تعلق النفوس بغير الله سبحانه وتعالى توكلاً ومحبة، وغير ذلك، وهذا أمر خطير جداً، ولقد شاهدنا أمثالاً لذلك من خلال ما يمر بمجتمعات المسلمين من أزمات.ومنها أيضاً كثرة السحرة والكهنة، وتعلق النفوس بهم، وكون بعض الناس يظن أن هؤلاء لهم سيطرة ولهم قدرات، وأن هؤلاء بيدهم الشفاء، ولا شفاء إلا بأيديهم، وهذا أمر خطير يجب أن ينتبه له.ومن ذلك أيضاً التوسع في أبواب الرقى لتشمل رقىً غير مشروعة، وتلك الرقى غير المشروعة حينما تكثر ربما تؤدي إلى أنواع من السحر والكهانة والشعوذة، وذلك كله مما يصادم أصل العقيدة أو كمالها.لهذه الأسباب كان لابد من طرق هذا الموضوع (تحقيق التوحيد وأهميته ووجوبه)، ومن هنا فإننا نعرض أولاً لقضية مهمة جداً، ألا وهي: ما معنى تحقيق التوحيد؟ وتحقيق التوحيد الذي يعلمه الجميع -والحمد لله- مقتضاه أن يحقق الإنسان شهادة أن (لا إله إلا الله)، بأركانها وشروطها، فكون الإنسان ينطق بهذه الكلمة ويقول: لا إله إلا الله، وكون هذا الإنسان يعود من كفر ومن شرك ومن انحراف وإلحاد ومن جاهلية بمجرد أن يعلن إسلامه وينطق بكلمة التوحيد نقول: إن هذه النقلة لها مقتضى عظيم جدا، وليست مجرد كلمة تقال باللسان.
 

وجوب تحقيق أركان كلمة التوحيد و شروطها
و(لا إله إلا الله) تقتضي أول ما تقتضي أمرين متلازمين لابد منهما:أما أحدهما فهو أن ينفي الإنسان أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادة، سواء أكانت صلاة أم نذراً أم حباً أم خوفاً، أم توكلاً أم دعاءً أم استغاثة أم استعاذة أم توسلاً أم غير ذلك، لا يصرف أي نوع من هذه الأنواع لأي مخلوق من المخلوقات، سواء كان ذلك المخلوق ملكاً، أم نبياً، أم ولياً، أم رجلاً صالحاً، أم نجماً، أم حجراً، أم شجراً، أم غير ذلك.وهذا الأمر لا يتم إلا بالأمر الثاني، ألا وهو أن يصرف أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له، فهما ركنان دلت عليهما هذه الكلمة (لا إله إلا الله) (لا إله) نفي. (إلا الله) إثبات، فهي تنفي صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، ثم تثبت تلك الأنواع كلها لله وحده لا شريك له.ومن هنا فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:104-107].(أقم وجهك للدين حنيفا) بعبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة والبعد من الشرك وأهله.ومن هنا فإن هذه الكلمة تقتضي ما ذكرناه سابقاً، وذلك بهذين الركنين العظيمين مع لوازم وشروط (لا إله إلا الله) المعروفة. علم يقين وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها هذه الشروط السبعة إذا تكاملت عند المؤمن علماً وعملا فإنه -والحالة هذه- يكون قد حقق هذا التوحيد العظيم.ولكن ينبغي أن نعلم أن مقتضى شهادة التوحيد (لا إله إلا الله) الذي ذكرناه سابقاً يلزم منه أمر مهم جداً، ألا وهو البعد عن الشرك بجميع أنواعه، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ [النحل:36] أي: وحده لا شريك له وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] أي: بجميع أشكاله وصوره.
 

الشرك أعظم الذنوب
وهذا يشمل أن يجتنب الإنسان الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ومن هنا فإننا نفرد للكلام عن الشرك فقرة خاصة، فنقول: إن هذا الشرك ينبغي أن يُعلم أنه أعظم الذنوب، كما ذكر ذلك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأسباب، منها:أن الله سبحانه وتعالى لا يغفره إذا مات عليه الإنسان، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... [النساء:48]، فمن كان عاصياً وتاب إلى الله فإن الله يتوب عليه، ومن كان مشركاً ثم تاب من شركه فالله سبحانه وتعالى يتوب عليه.لكن إذا مات الإنسان على هذا الشرك انقطع الأمل، فمغفرته تبارك وتعالى للشرك إنما تكون إذا وقعت التوبة منه في الدنيا، أما في الآخرة فلا يغفر لصاحبه أبداً.ثانياً: أن صاحبه مخلد في نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-، ونحن نعلم أن من الأمور القاطعة في عقيدتنا، والتي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتي لا يشك فيها مؤمن أبداً أن الناس في يوم القيامة لابد أن يفترقوا إلى فريقين لا ثالث لهما أبداً، فريق في الجنة وفريق في السعير، فمن كان من أهل التوحيد فهو في الجنة، ومن كان من أهل الكفر فهو في النار خالداً مخلداً فيها أبداً، ولهذا فإن من أعظم عقوبات الشرك بالله أن صاحبه مخلد في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.الأمر الثالث: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال الصالحة، فالكافر إذا عمل أعمالاً صالحة في الدنيا يجازى عليها في الدنيا، لكن إذا جاء يوم القيامة بتلك الأعمال الصالحة لا تقبل منه، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].لكن المؤمن الموحد يأتي يوم القيامة بالأعمال الصالحة التي أخلص فيها لربه سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يثيبه عليها.من هنا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تحقيقاً لهذا التوحيد وحماية له حذر من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.
 

أنواع الشرك الأكبر
الشرك الأكبر أنواعه كثيرة، وأهمها أربعة أنواع:النوع الأول من الشرك الأكبر: شرك الدعوة، وذلك بأن يدعو الإنسان غير الله سبحانه وتعالى، وهذا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- منتشر كثيراً في كثير من بلاد المسلمين، تتعلق القلوب بولي، أو تتعلق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو تتعلق بقبر من القبور، فيؤدي هذا التعلق إلى دعائها من دون الله سبحانه وتعالى، فإذا دعاها من دون الله تبارك وتعالى وقع هذا الداعي في الشرك الأكبر.النوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: شرك الإرادة والقصد، وذلك بأن يقصد غير الله سبحانه وتعالى بنوع من أنواع العبادة، كالمحبة، أو التوكل، أو الاستغاثة أو غير ذلك، فإذا وجه هذا النوع من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى فقد أشرك مع الله غيره.النوع الثالث: شرك الطاعة، وذلك بأن يطيع غير الله سبحانه وتعالى في معصية الله سبحانه وتعالى، وهذا باب خطير جداً، فشرك الطاعة أن يأتي المشرعون من دون الله وواضعوا القوانين المخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، فيشرعون هذه الشرائع، ويضعون هذه النظم والقوانين، ثم يأتي هؤلاء الأتباع فيطيعونهم فيها من دون الله تعالى، ويتبعونهم عليها مع علمهم أنهم مغيرون للشريعة. فهذا سماه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى شركاً أكبر حين علق على حديث عدي بن حاتم حين دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31].فقال عدي -وكان يعرف أحوال النصارى-: يا رسول الله! إنهم لا يعبدونهم -يعني: لا يعبدون الأحبار والرهبان؛ فلا يسجدون لهم ولا يركعون- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أليسوا يحلون الحرام فيحلونه، ويحرمون الحلال فيحرمونه؟ قال: بلى. قال: فتلك عبادتهم)، وهذا حديث حسن.ومن ثم فإن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: وهذا الاتباع نوعان: النوع الأول: قوم اتبعوهم على تبديلهم، يعني: علموا أنهم مغيرون لشرع الله واتبعوهم على ذلك، فهؤلاء مثلهم.والنوع الثاني: أناس علموا شرع الله الحق، ولكنهم اتبعوا أولئك معصية، أي أنهم فعلوا ما يخالف الشرع من باب المعصية، فهؤلاء فساق عصاة، وليسوا بكفار.أما بالنسبة للأحبار والرهبان أنفسهم المغيرين لشرع الله تعالى فهؤلاء لاشك في أنهم واقعون في الشرك الأكبر الذي هو شرك الطاعة.النوع الرابع من أنواع الشرك الأكبر: شرك المحبة، وذلك بأن يحب غير الله كمحبة الله سبحانه وتعالى، وهذا يقع فيه بعض الناس حينما تتعلق قلوبهم بغير الله، فيجعلون محبة أولئك مقدمة على محبة الله أو مساوية لمحبة الله، وهذا يختلف عن المحبة الطبيعية، والمحبة في الله هي جزء من الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
 

أقسام الشرك الأصغر
القسم الثاني من أنواع الشرك: الشرك الأصغر، والشرك الأصغر قسمان:القسم الأول منه: شرك في الأعمال، وهذا الشرك في الأعمال هو الشرك الخفي، وهو الرياء الذي حذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وهو الرياء، وهذا الرياء شرك أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لكنه -ولا حول ولا قوة إلا بالله- قد يمتد خطره فيؤدي إما إلى أن يرقى بصاحبه إلى الشرك الأكبر، وإما -وهذا على أقل تقدير- أن يحبط عمله.فليحذر المسلم وهو في عباداته، وهو في أعماله الخيرية، وهو في صلاته، وهو في صيامه، وهو في أمره بالمعروف وفي نهيه عن المنكر، وفي دعوته إلى الله سبحانه وتعالى يحذر من هذا المدخل الشيطاني الخفي. النوع الثاني من الشرك الأصغر: هو شرك الأقوال، كالحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت) وقول (لولا فلان ما حدث كذا) وغير ذلك من الألفاظ التي يتساهل فيها بعض الناس، وهي من الأمور التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حماية للتوحيد وتحقيقاً له.ولما جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما شاء الله وشئت غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، ونهى عن الحلف بغير الله، وغير ذلك.
 

أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله
بعد تلك الفقرات المتعلقة بمعنى تحقيق التوحيد، ومعنى (لا إله إلا الله)، ومعنى الشرك وأنواعه باختصار، ننتقل إلى الموضوع الثالث المتعلق بموضوعنا، ألا وهو (أمور تنافي حقيقة التوحيد أو كماله) ابتلي فيها كثير من الناس، ومن ذلك:التمائم فإن مما اشتهر عند بعض الناس -خاصة في بعض البلاد الإسلامية- تعليق التمائم التي يضن أن تعليقها يحمي هذا الإنسان، أو هذا الطفل من العين أو من الجن أو من المرض أو غير ذلك، ولهذا ورد عن عقبة بن عامر الجهمي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت التسعة وتركت هذا؟ قال عليه الصلاة والسلام: إن عليه تميمة) فهجره صلى الله عليه وسلم ولم يبايعه.قال الراوي: (فأدخل يده فقطعها فبايعه، فقال عليه الصلاة والسلام: من علق تميمة فقد أشرك) رواه الإمام أحمد ، والحديث صحيح.والتمائم خرزات أو نحوها تعلق على صدور الأولاد أو في أكتافهم أو في أيديهم يتقون بها العين، ويدخل في هذه التمائم بعض الخرزات التي يضعها بعض السائقين على المرآة في السيارة ونحوها، ويظنون أنها تقيهم الصدام أو الحوادث أو غير ذلك.وبعضهم قد يضع نعلاً في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها لهذا السبب، وبعضهم -كما أخبرني بعض الإخوة- يعلق شيئاً من ذلك في دكانه يطلب به الرزق، أو يتقي به عين الذي يمر عليه.ومن ذلك أيضاً اعتقاد بعض الناس أنه إذا أمسك عنده ذئباً أو قطعة من جلده أو نحو ذلك أن هذا يمنع الجن عنه، فهذه من الأمور التي اشتهرت عند كثير من الناس، وبعضهم يتساهل فيها، وهي إما أن تكون من الشرك الأكبر إن اعتقد فيها أنها هي التي تنفع وتضر من دون الله تبارك وتعالى، أو أنها تكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد أنها سبب.ولهذا انتشر هذا الأمر حتى عند كثير من الصوفية، وما أكثر الشركيات عند كثير من الصوفية، حتى يقول صاحب (دلائل الخيرات) وهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول في سجعه: اللهم! صل على محمد وعلى آله محمد ما سجعت الحمائم، وحامت الحوائم، وسرحت البهائم، ونفعت التمائم!فكأن قضية نفع التمائم تنفع كل يوم وكل دقيقة مثلما تسرح البهائم أو مثلما تسجع الحمائم وغير ذلك، وكأن هذا الأمر مسلم عنده.
 

حكم تعليق التمائم من القرآن
وهنا قد يقول قائل: وإذا علقت تميمة من القرآن كما يفعل بعض الناس حينما يكتبون آيات من القرآن ويخيطونها بقطعة قماش أو نحو ذلك ويعلقونها على صدر الطفل أو في كتفه أو في غير ذلك فما الحكم؟والذي يظهر -وإن كان في المسألة خلاف- أن مثل هذا الأمر لا يجوز، لعدة أمور:الأمر الأول: أنه بدعة فلم يفعله السلف رحمهم الله تعالى.الأمر الثاني: أنه ذريعة إلى الوقوع في المحرم؛ لأن تعلق النفس بهذا الأمر فقط يبعد التوكل على الله سبحانه وتعالى، وربما لو حدث لهذا الطفل مرض لقيل: ما نفعته، ائتونا بتميمة أخرى. وهكذا، وما أضعف نفسي الوالدين أمام مرض ابنهم -خاصة الأم-، فلربما أدى بهم إلى أن يقعوا فيما هو محرم صراحة.الأمر الثالث: أن وجود الآيات القرآنية على كتف الصبي أو في صدره أو نحو ذلك يؤدي إلى امتهان القرآن، فإنه يدخل دورات المياه، وإذا تعلقت النفوس بهذه التميمة فإن الأم لا تستطيع أن تفكها ولو للحظات؛ لأنها ظنت أنها لو أزالت هذه التميمة التي هي من القرآن عن ابنها وهو داخل الحمام فلربما أدى به إلى أن يصاب بأذى، فتضطر إلى أن تدخل التميمة التي فيها كلام الله سبحانه وتعالى إلى الأماكن التي يجب أن ينزه القرآن منها، ولهذه الأسباب فإن مثل هذا الأمر لا يجوز.
 

الرقية الشرعية وشروطها
وينبغي أن نعلم أن هذه المسألة كثر في هذه الأيام الحديث عنها، ما هي الرقية الشرعية؟ وما الرأي في هؤلاء القراء الذين صاروا ينتشرون في كل مكان؟ وهذا الأمر يحتاج منا إلى وقفة. فأقول: يجب أن يعلم أولاً أن الرقية الشرعية لا تصح إلا بشروط: منها: أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.وأن تكون -وهذا الشرط الثاني- باللسان العربي.والثالث: أن يعتقد أن الرقى لا تؤثر بذاتها، بل هي سبب من الأسباب، والنافع الضار الشافي هو الله سبحانه وتعالى.ومن هنا فإن من المهم جداً أن أُذكر بعدة أمور:أولها: كثير من الناس يغفل عن الرقية الشرعية التي يقوم بها الإنسان نفسه حين يرقي نفسه أو أحداً من أهل بيته، وهذا يجب أن يتنبه له الجميع، فإذا كان عند الإنسان مريض فعليه أن يرقيه بنفسه، وأن يخلص في رقيته وفي دعائه، فإن الله سبحانه وتعالى قد يجعل مثل هذه الرقى سبباً في الشفاء.فإذا مرض الإنسان فعليه أن يرقي نفسه، أو يرقيه من حوله، أما ما يفعله كثير من الناس، وهو أنه إذا وجد عندهم المريض رأساً يتجهون إلى غير الله سبحانه وتعالى، سواء أكانوا قراء أم أطباء، فيجب على الأسرة أن تكون صابرة محتسبة، ويجب عليها أن تبذل الوسائل الشرعية، ولا مانع من فعل الأسباب.الأمر الثاني: ليس كل من قيل عنه: إنه يقرأ يُذهب إليه مباشرة، بل يجب عليك أن تبحث عن القارئ الذي تعرف عنه الصلاح والتقوى، فإذا عرفت من حال القارئ أنه من أهل الصلاة وأنه من أهل الصلاح فحينئذ لا مانع من أن تذهب إليه.لكن ما نجده اليوم من انتشار كثير من القراء، وبعضهم لا يعرف حاله، وبعضهم يستراب في أمره، ومع ذلك فإن الناس يقبلون إليهم زرافات ووحدانا، بل جماعات، نقول: إن مثل هذا الأمر مما يجب أن يحتاط له وأن ينتبه له.لقد تعلقت النفوس بغير الله سبحانه وتعالى، وأصاب الناس كثير من الوهن والضعف، فلنحذر من هذا الأمر، وإذا ما احتجنا وأردنا أن نطلب من أحد أن يقرأ فعلينا أن نبحث عن القارئ الذي نعرف صلاحه وتقواه، ويجب أن نتقي الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر العظيم.
 

خطورة السحر وانتشاره
الأمر الآخر انتشار السحر والكهانة في كثير من بلاد المسلمين، وهؤلاء السحرة والكهنة والعرافون الذين يدعون علم الغيب ويقولون: إنهم يعالجون الناس بأنواع من العلاجات هؤلاء كثروا لا كثرهم الله تعالى. وينبغي أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] هذه الآية جاءت خبراً عن الناس في الجاهلية، فإن العرب كانوا في الجاهلية يخافون من الجن خوفاً شديداً، حتى إن الواحد منهم إذا نزل وادياً وهو في سفر خاف من الجن في هذا الوادي، فإنه يتعوذ من سفهاء هذا الوادي بسيد هذا الوادي من الجن، فإذا نزل قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فلما رأت الشياطين أن هؤلاء يخافون منهم هذا الخوف تسلطوا عليهم فزادوهم رهقاً وتعباً وطغياناً.وانظر إلى الحالة اليوم، فالناس لما ضعف إيمانهم تعلقت نفوسهم بغير الله سبحانه وتعالى، وصاروا يخافون من غير الله تبارك وتعالى، فتسلطت الشياطين، وتسلط السحرة وكثروا، وصاروا يفتنون الناس، وزادوهم تعباً ومشقة ورهقاً، وهذا أمر خطير جداً يجب أن ينتبه له الجميع.والواجب في مثل هؤلاء السحرة أن يقام فيهم حكم الله سبحانه وتعالى، وهو تكفيرهم على القول الراجح؛ لأن الله تعالى يقول: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [البقرة:102].وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن نعلم أن هؤلاء يجب أن يحذر منهم الحذر الشديد، فهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، وادعاؤهم لعلم الغيب ادعاء كاذب؛ لأن الله تعالى يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فلا يعلم الغيب إلا الله وحده لا شريك له.وما يخبرون به إنما هو عن طريق الشياطين، حينما يأتي ضعيف من ضعفاء النفوس وعنده مريض فيقال له: هناك رجل يعالج في المكان الفلاني اذهب إليه. وهذا الرجل ساحر، فتأتي الشياطين إلى ذلك الساحر وتخبره، وتقول له: سيأتيك رجل اسمه فلان بن فلان، وأمه اسمها فلانة، وخالته اسمها فلانة، وجرى له قبل عشرة أيام كذا، وقبل سنة كذا، وهذه من الأمور المعلومة.فيدخل هذا المسكين على هذا الساحر، فإذا دخل عليه وجلس بين يديه قال: أنت اسمك فلان بن فلان، وجرى لك كذا، وجدك اسمه كذا، وجرى لكم كذا، فإذا بهذا الإنسان يدهش ويسقط بين يديه، ويظن أن هذا الساحر قد امتلك قدرة عظيمة منها علم هذه المغيبات؛ لأنه قد يخبره بأشياء لا يعلمها أقرب الناس إليه، بل حتى جيرانه وبعض أقاربه لا يعلمها، فكيف علمها هذا الرجل الذي يعيش في تلك البلدة؟!ولقد حدثني أحدهم -وكان عنده مرض- يقول: ذهبت للعلاج في إيطاليا، فدخلت على طبيب فأخبرني من أسرار أسرتنا ما لا يعلمه أحد، أخبرني عن أمور خاصة جداً فمن الذي أخبر هذا الساحر الكاهن في روما؟ أخبرته الشياطين.فهؤلاء السحرة يدعون علم الغيب، ثم إن هؤلاء السحرة يستعينون بالشياطين، ولا يعينونهم إلا حينما يقعون في الشرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.ومن ثم فإنك تجدهم أحياناً يطلبون من الشخص أن يذبح ذبيحة، ولا يذكر اسم الله عليها لتكون ذبيحة لغير الله، وهذا هو الشرك.فينبغي أن ننتبه لهذه القضية، وأن هؤلاء السحرة الذين انتشروا وبلي الناس بهم يجب أن يقام فيهم حكم الله سبحانه وتعالى، يجب أولاً أن يحذر منهم، وأن يحذر كل إنسان من يلتقي به من هؤلاء، ثم يجب ثانياً أن يردعوا عملياً وأن يقام فيهم حكم الله سبحانه وتعالى، فإذا أقيم فيهم حكم الله وهو القتل فإنهم يرتدعون ويسلم الناس من شرهم.أما إذا تركوا يعبثون بعقائد الناس وبأمورهم وتتعلق النفوس بهم فهذا لا يجوز السكوت عنه أبداً، ومن المحزن حقاً أن من هؤلاء السحرة من لهم نفوذ، حتى يقال: إن كثيراً من زعماء العالم لهم كهان وسحرة يخبرونهم عما يجري، وعما يمكن أن يجري ويقع، وتتعلق نفوس هؤلاء الكبار بهؤلاء السحرة، ويؤدي هذا إلى حمايتهم. والواجب أن نحذر من ذلك حذراً شديداً، وكثير من الناس يقع في شيء من هذا، ومن ذلك أن بعض الناس يذبح للجن خوفاً منهم، أو تقرباً إليهم، حتى إنني سمعت من ذلك نماذج غريبة جداً، فبعضهم يذبح للمزارات، وقد أخبرني أحد الإخوة أنه سمع إحدى الإذاعات العربية تقول: ذهب أمير المنطقة الفلانية إلى مزار سيدي فلان، وكانت معه الأبقار، وذبحوها عند قبر السيد. وكأنه خبر إسلامي، وكأن هذا الخبر من الأمور المسلمة عندهم! وهذا أمر خطير.ومن ذلك أيضاً أنني أخبرت أن بعض الناس إذا أراد أن ينزل منزلاً جديداً يذبح ذبيحة وينثر دمها على أسوار البيت، وأحياناً ينثر دمها على أسوار البيت من الداخل، ويظن أنه إذا سكن البيت دون أن يذبح هذه الذبيحة ربما أصيب هو أو أولاده، وذلك لأنه يخاف من الجن، وهذه ظواهر وأمور خطيرة جداً ينبغي أن ننتبه لها.
 

خطورة الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن الأمور التي تتعلق بهذا الموضوع -أقصد موضوع تحقيق التوحيد ووجوبه- الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم.فإن الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر في هذه الأيام، وتعلقت به النفوس؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة محبته، بل يجب على الإنسان أن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أشد من محبته لنفسه وولده ووالده والناس أجمعين.فجاء بعض الناس وزعم أن هذه المحبة لا تتحقق إلا بأن يُتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع كثير من هؤلاء في الشرك، وهذا أمر خطير يحتاج إلى تفصيل مستقل، لكنني أذكر به في معرض هذه الفتنة التي وجدت عند بعض المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 

خطورة تعظيم التماثيل والنصب التذكارية
ومن ذلك أيضاً تعظيم التماثيل والنصب التذكارية وغيرها، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التصوير؛ لأنه من وسائل الشرك؛ فإن التصوير الذي يؤدي إلى وجود تماثيل أو غيرها يُعد وسيلة من وسائل الشرك، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن قوم نوح وكيف وقع فيهم الشرك كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.وتعظيم التماثيل من الأمور التي يجب أن ينتبه لها؛ لأن كثيراً من الناس يدخلها في باب الآثار، وباب الآثار باب عريض، فقد تدخل فيه الآثار التي يعد الاهتمام بها أمراً مباحاً، لكن كثيراً ما تدخل فيها بعض الآثار التي تعظم وتقدس، ويؤدي تعظيمها إلى أنواع من التعلق بها.وتعلم ما يجري، فترى لوحة عبث فيها ملحد أو نصراني أو غيرهما فخطها قبل ثلاثين سنة أو مائة سنة أو مائة وخمسين سنة تجدها تباع بملايين الدولارات، ولو عثر على صنم هبل الآن وقد كسر وقيل: هذا جزء من حجر هبل والله لبيع بالملايين! فتعظيم الآثار -خاصة آثار الرسول صلى الله عليه وسلم- يؤدي أحياناً إلى أنواع من التعلق بها والشرك بالله تعالى، وهذا مدخل خطير يجب أن نحذر منه جميعاً.أيها الأخ المسلم! ينبغي أن نعلم أن تحقيق التوحيد ضروري لبناء الإيمان، وإن من أعظم الأمور التي لابد منها في تحقيق هذا التوحيد هو الحذر من الشرك الأكبر والأصغر بجميع أشكاله وصوره، ولنعلم أن الأمر خطير، وأنه مدخل من المداخل الخطيرة.أسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيني وإياكم شرها، وأن يرزقني وإياكم تحقيق التوحيد، وأن يجعلنا ممن يموت على كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) غير واقع في شرك ولا في غيره مما يضاد هذا التوحيد.
 

الأسئلة

 أفضل شروح الطحاوية
السؤال: ما أفضل الشروح للعقيدة الطحاوية، خاصة من ناحية التصحيح والتعليق والتخريج؟الجواب: أفضل الشروح هو شرح ابن أبي العز الحنفي ، أما عن التعليق فأقول: هما طبعتان هما من أفضل الطبعات: الطبعة الأولى الطبعة المشهورة طبعة المكتبة الإسلامية، وعليها تعليقات المحدث الشيخ الألباني ، والطبعة الثانية هي الطبعة الأخيرة التي بتحقيق الشيخ عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط ، وهذه الطبعة ظهرت منها الآن طبعة جديدة في مجلد واحد، فلعله استدرك فيها ما كانت عليها من ملحوظات.وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , وجوب تحقيق التوحيد وأثره للشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

http://audio.islamweb.net