اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , على الطريق [1، 2] للشيخ : علي عبد الخالق القرني


على الطريق [1، 2] - (للشيخ : علي عبد الخالق القرني)
إن الإنسان المؤمن لابد أن يعرف قدره ومنزلته في هذه الحياة الدنيا، وما هو مصيره ولماذا خلق.فإذا كانت هذه التساؤلات تحرك شعوره وإحساسه، فليعلم أن الله سبحانه وتعالى خلقه لغاية قصوى وعمل منشود وهو عبادته سبحانه، وأنه مسافر إليه، فليستعد للحساب حين اللقاء، وليأخذ أهبته للسفر، وليختر رفقته، ويتبين دليله ومنهاجه، ولابد له من إشارات وإرشادات وتوجيهات تعينه على الوصول إلى محطة النجاة والخلود.
ما يحتاجه المسافر في طريق الحياة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومَنْ لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خِيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، جعل الله الذُّل والصَّغار على من خالف أمره، وسدَّ إلى الجنة كل الطرق، فلم يفتحها لأحد إلا من طريقه، صلوات الله وسلامه على خاتم رسله، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره، واستمسك بهديه وسنته.اللهم إنا نسألك الثبات والهداية، ونعوذ بك من الخذْلان والغِوَاية، اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورًا، أو أغشى فجورًا، أو أن أكون بك مغرورًا.اللهم من كان سببًا في هذا اللقاء فأجزل مثوبته، وارفع درجته، إنك سميع الدعاء: يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] سلام لكم. وسلام عليكم.سلام لكم أهل العـلى من أظنكم خليقين أن تحيوا كراماً وتنصروا مضى زمن التَّنويم يا قوم وانقضى ففي الحي أيقاظٌ على الحي تَسهر صَحَوتم وأدركتم وبانت نفوسكم من العيش إلا في ذُرَا العز تسخر رجال العُلى الميمون إنَّا بحاجةٍ إلى أذنٍ تُصْغِي وقلبٍ يبصَّر شَباب العُلى الميمون إنَّا بحاجةٍ إلى عالمٍ يدعو وداعٍ يذكر كُهولَ العلى الميمون إنَّا بحاجةٍ إلى حكمةٍ تُمْلى وعقلٍ يُفكِرُ أهالي العُلى الميمون إنّي وإنني أُناشدكم بالله أن تتذكروا عليكم حقوقٌ للعباد أجلُّها تَعَهُدهم بالعلمِ فالرَّوض يقفر ولا تيئسُوا ما خاب أصحاب ملةٍ إذا ما تواصوا بينهم ثم شمروا وما ضاعَ حق لم ينم عنه أهله ولا ناله في العالمين مقصر إذا الله أحيا أمةً لن يردها إلى الموت قهارُ ولا متجبر قُصَارى مُنَى أمتكم أن ترى لكم يدًا تَجتني علمًا وتَنهى وتَأمرُ دعوتموني فأجبت ملبيًا فرحًا، وما حالي إلا كذلك القائل يوم قال:آهٍ لبرقٍ لمعا ماذا بقلبي صنعا جِسمي معي لكن قلبي عند أَخيار العلى أُشْهِد الله على حب الصالحين، ولا أحسبكم إلا أولئك الصالحين، حشرنا الله في زُمرَة النَّبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين، وهو ولي المؤمنين:إنَّا على البعاد والتفرق لنلتقي بالذكر إن لم نلتق يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: أنفع الناس لك من مكَّنك من نفسه لتزرع فيها خيرًا.فأَسْأل الله أن يجعلكم من أنفع الناس للناس، الذين هم أحب الخلق إلى الله، وأسأله أن يجعلني أهلاً لزرع الخير في قلوب الخلق ابتغاء مرضاة الله.فما بقيت من اللـذات إلا مذاكرة الرجال ذوي العقول وإنْ كانوا إذا عُدُوا قـليلاً فقد أَضْحوا أقـلَّ من القليل وإنَّي أرجو أن يُبارك الله في القليل.أحبتي في الله: قيل لأحد الحكماء: ما لك تُدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض ؟ فقال: حملت العصا لا الضَّعف أوجبَ حمْلَها عليَّ ولا أنَّي تحنيت من كـبر و لكنني ألزمت نفسيَ حمْلها لأعلمها أن المقيم على سـفر لا زلنا -إخوتي- على الطريق الذي سبق؛ هُتِف عليه من قبل أن: "اقصد البحر وخلِّ القنوات"، ثم هُمِس عليه من بعد ذلك أن: "تأمل". واليوم مع "إشارات على ذاك الطريق"، تتراوح بين الإغراء والتحـذير، جمعتها من كتب أهل العلم، ثم صغتها ليعلم الجميع أن المقيم على سفر فلا يَرْكن، ويَسْلك الطريق المستقيم فلا يُجتال، ويعلم حاجته للزاد والعدة، فمن أراد الخروج أعد له عُدة، وحَدا حَادِيه كقول الحادي يوم قال:أوانًا في بيوت البدو رحلي وآونة على قـتب البعـير إنها كلمات في إشارات، هي جهد المقل المعترف بالتقصير دوماً وأبداً والحال معها: لا خيل عندك تهديهــا ولا مـال فليسـعد النطق إن لم يسـعد الحال ومن جهلت نفسه قدره، رأى غيره منه ما لا يرى، أرجو الله أن تُؤْتِيَ أُكُلَها، وأن يُخَلِصها لقائلها ومُستمعها وسامعها، وأن يسوقها لأهلها الذين إن وجدوا خيرًا به عملوا، وبالأجر للقائل دعوا، وإن وجدوا خللاً أصلحوا ونصحوا ودفنوا، كما أسأله أن يصلح بها المتربصين، الذين إن رأوا هفوة صرخوا وصاحوا كشيطان العقبة ، وطاروا بها وفرحوا.وعلى الله وحده اعتمادي، وإليه وِجْهَتي واستنادي، فهو المستعان وعليه التُكْلان، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.يقول ابن القيم رحمه الله: لم يزل الناس مُذْ خُلقوا مسافرين، وليس لهم حط لرحالهم إلا في الجنة دار النعيم، أو في النار دار الجحيم.والعاقل يعلم بطبعه أن السفر مَبْنِيٌّ على المشقة والأخطار، بل هو قطعة من العذاب واللأواء، ومن المحال عادة أن يُطلب في السفر النعيم والراحة، واللذة والهناء، فكلُّ وَطْأَةِ قدم أو أَنَّة من أنات المسافر بحساب، وكل لحظة ووقت من أوقات السفر غير واقفة، والمسافر غير واقف، فإذا ما نزل المسافر أو نام أو استراح فهو على قدم الاستعداد للسير في قطع المَفَاوِزِ والقِفَار، السفر مِضْمار السباق، وقد انعقد المضمار وخفي السابق، والناس في المضمار هذا بين فارس وبين راجل، وبين أصحاب حُمُرٍ معقرة:سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار؟ وفاز بالسبق من قد جد وانقشعت عن أفقه ظلمات الليل والسحب إن السـلاح جميع الناس تحمله وليس كل ذوات المخلب السبع هَلْكَى هذا السفر كثير وكثير، والناجون فيه قليل، الناجي فيه واحد من ألف وكفى. لا تعجب لهالك كيف هلك، ولكن اعجب لناج كيف نجا. البعض في هذا السفر كإبلٍ سائِبَة لا تكاد تجد فيها راحلة، والبعض الآخر كإبلٍ نَجِيْبَة صابرة نادرة، وأَنْعِم بها من راحلة، النجائب في المقدمة، وحاملات الزاد في المُؤَخِرة.رفعت لنا في السَّـير أعلام السعا دة والهدى يا ذلة الحــيران فتسابق الأبطال وابتدروا لهـا كتسابق الفرسـان يوم رهـان وأخو الهوينى في الديـار مخلف مع شكله يا خيبة الكسلان إلى كم ذا التخلف والتواني وكم هذا التمادي في التمادي وشغل النفس عن طلب المعالي ببيع الشِّعر في سُوق الكساد لا بد للمسافر من رِفقةٍ ومن عُدةٍ وعتادٍ، ودليلٍ ومِنْهاجٍ واستعدادٍ بِزَاد، وهَدَفٍ وَوِجْهة، ومحطات استراحة ووسائل مثبِّتَة، وإشارات مرشدة.
 عدة المسافر وزاده
أما عُدَّةُ المُسَافِر وزاده فإيمان وعمل صالح: إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا [الكهف:30].. إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا [الكهف:107].. إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم:96].أين النفوس ترامى غير هائبةٍ أين العزائم تمضي ما بها خور العـلم بالحقِّ والإيمان يصحبه أساس دينك فابن الدين مكتملا لا تبن إلا إذا أسَّست راسخةً من القواعدِ واستكملتها عملا لا يرفع السقف ما لم يبن حامله ولا بنـاء لمن لـم يرس ما حمـلا ومن الزاد إخلاص لله، وقصد بالعمل وجه الله لا سواه: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5].. فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3].فالفضل عند الله ليس بصورة الأعمال بـل بحقـائق الإيمــان والله لا يـرضى بكـثرة فعــلنا لكن بأحســنه مـع الإيمــان لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا [الملك:2] وَحَسْب نفسِك إخلاصٌ يُزَكِيها.ومن الزاد: متابعة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عنه قوله: {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى} ويقول الله جل وعلا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر:7] فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]. فيأيها المسافر: من عُمْدة عُدَّتك اتباعه، فلتذر مع قول الرسول وفِعْله نفيًا وإثباتًا بلا رَوَغَان، ورحم الله الحكمي يوم قال:شرط قبول السعي أن يجتمعا فيه إصابة وإخلاص معا لله رب العرش لا سواه موافق الشرع الذي ارتضاه وكل ما خالف للوَحْيين فإنه ردٌ بغير مين وجماعُ الزَّاد هذا كلِّه تقوى الله جل وعلا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197] إنها العز والنسب والسبب والفخر والكرم.ألا إنمـا التقوى هي العـز والكرم فلا تترك التقـوى اتكالا على النسب فقـد رفع الإسـلام سلمان فارس وقـد وضع الشركُ النَّسـيب أبا لهب فتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ!فالزاد -إذًا- إيمان، وعمل صالح في إخلاص، ومتابعة في تقوى، فهي إذا اجتمعت في نفس حرة بلغت من العلياء كل مكان.
رفقاء المسافر وصفاتهم
ولابد للمسافر من رِفْقَةٍ وصُحْبة: (فالراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم.والمسافر مهما تكمن مواهبه، ومهما يكن عطاؤه، ومهما تكن قدراته؛ فإنه يبقى محدود الطاقة والقدرة، ما لم يكن له أعوان، َيشُدون أزره، ويُقَوُّون أمره، يُذَكِّرونه حين ينسى، ويعلمونه حين يجهل، فالمرء قليل بنفسه كثيرٌ بإخوانه، ضعيفٌ بنفسه قويٌ بإخوانه. وما المــرء إلا بإخوانه كما تقبض الكفُّ بالمعـصمِ ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خير في السَّاعد الأجْذَمِ موسى صلوات الله وسلامه عليه، وهو المُلَقَّب بالقوي الأمين في كتاب الله، يوم كلَّفه الله بالرسالة احتاج إلى المعين والوزير، فقال: وَاجْعَل لي وَزِيرًا منْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وأشركه فيَ أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:29-35].ماذا قال الله تعالى؟ قال: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36] وفي سورة القصص يقول الله: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص:35].فالصاحب ضرورة ولا بد، لكن له صفات تُحَدده وتُمَيِّزه، لعلنا نقف عندها باختصار منها:
 رفيق المسافر لابد أن يكون عدلاً حسن الخلق
وأن يكون عدلاً غير فاسقٍ، أقول ذلك لئلا يَجُرَّك إلى فِسْقه، ودَّ صاحبُ الفسق والمعصية لو فسق الناس جميعًا؛ لئلا يصبح نشازًا بينهم.وأن يكون غير مبتدعٍ، لئلا يلقي عليك الشُّبه فيتشربها قلبك، والقلوب ضعيفة، والشُّبه خَطَّافة كما يقول العلماء.وأن يكون حسن الخلق غير حريص على الدنيا، وصدق من قال: شَبِيهُ الشَّيءِ مُنْجَذب إليه وخير الكلام كلام الله تعالى: رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ [النور:37].إن لم يكن رِفْقَتك بهذه الأوصاف فإنِّي لأخشى ألا تبلغ وِجْهَتَك في سفرك، وأن تكون-أجارك الله- ممن يقول حين لا ينفع ذلك القول: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلا [الفرقان:28]قد تفـسد المرعى على أَخواتها شـاةٌ تند عن القطيع وتمـرق
محطات المسافر وهدفه ووجهته
أما محطات الاستراحة: فإن المسافر بطبعه يَكل ويَنْصَب ويَتْعَبُ ويَمل، وراحته وأمنه وسكينته في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. من لا يعرفها فحاله كقول القائل:إن مات مات بلا فقدٍ ولا أسف أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خُلقِ
 الدعوة إلى الله وسيلة تثبيت واتزان
وعلى الطريق وسيلة تثبيت واتزان؛ إنها الدعوة إلى الكبير المتعال، على علم وبصيرة، لأنك في هذا السفر ستجد دعاة على الطريق يريدون أن يجتالوك عن الطريق بالباطل، فإنْ لم تدعُهم إلى الحق الذي تحمله، دعوك إلى الباطل، إنْ لم تَغزُهم بالحق، غزوك بالباطل، إن لم تَعرض عليهم الحق، عَرضُوا عليك الباطل في صورة الحق، فارفع على الطريق: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ [يوسف:108].لا لدنيـا أو هوى أو عصبة دون خزي أو نفاق أو خطل إنها صدق وإخلاص لمن هو يجزي وحده عز وجل فارفع على الطريق هذا الشعار، واعلم أن العمل الدَّعويَّ -كما هو معلوم- ميدان واسع، ومجال التحرك فيه بحر لا نهاية له، إطاره الأرض -مُطلق الأرض- وميدانه الإنسان، من غير حد للون ولا لجنس ولا للغة، إنَّها جمع وتأليف على ساحة الإسلام من غير دخل.والعمل لهذه السعة يحتاج إلى رسم خطط دقيقة.. إلى دراسات متأنية.. إلى نَبذٍ للفَوضَوية ولو بحسن نية؛ فالارتجال والفوضى خلل ووهن وجهل واضطراب في التصور؛ لأن الأمة في حاجة ماسة إلى جيل مصلح منقذ، يمارس خدمة الإسلام بأرقى أساليب الإدارة والتوجيه، جيل يتجاوز العشوائية، ويكفر بالغوغائية، ويحتكم إلى حقائق الكتاب والسُّنّة، لا إلى الوهم، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنَّه واقف على الأرض؛ فلا يجري وراء الخيال والأحلام والأماني، ولا يسبح في غير ماء، ولا يطير بغير جناح، جيل واقعي لا يسبح في البَر، ولا يحرُث في البحر، ولا يبذُر في الصخر، كما يقول صاحب: جيل النصر لا ينسج خيوطًا من الخيال، ولا يبني قصورًا في الرمال، ولا ييئس من رَوح الله، ولا يقنَط من رحمة الله، لكنه يعرف حدود قدراته وإمكاناته، فيأخذ بالأسباب، ويدرس مشروعية الوسائل قبل أن يُقدِم على الأحداث.ولسنا بِدعًا في ذلك يوم ندعو إلى ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الأسوة والقدوة- لما هاجر إلى المدينة ، خرج بطريقة مدروسة، منظمة، عجيبة، اتخذ فيها كل الأسباب متوكِّلا على ربه. ويظهر ذلك من خلال ما يلي:أولاً: الاتصال بالأنصار الذي تمت من خلاله بيعة العقبة الأولى.ثانيًا: َبعْث النبي صلى الله عليه وسلم لـمصعب بن عمير إلى الأنصار، ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دين الله. ثالثًا : بيعة العقبة الثانية، التي هي شدٌّ للوثاق والعهد على النصرة في المَنشَط والمَكرَه والعُسر واليُسر، بعد أن استوعب النبي صلى الله عليه وسلم درس الطائف قبل ذلك. رابعًا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة، حتى لم يبق بـمكة إلا محبوس أو مفتون.خامسًا: استبقاء عليٍّ رضي الله عنه في مكة ؛ لحاجته إليه في تأدية الودائع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولمهمَّة تأتي فيما بعد. سادسًا: اتخاذ الصاحب وهو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.سابعًا: انتظار الإذن بالهجرة منه صلوات الله وسلامه عليه. ثامنًا : إعداد الرواحل ودفعها إلى خريت من قِبل أبي بكر ومُواعدته الغَار بعد ثلاث ليال. تاسعًا: ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت غير معهود منه، وطلبه من أبي بكر إخراج من عنده، ليخبره بإذن الخروج؛ حتى قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: إنما هم أهلك يا رسول الله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنه قد أُذِن له بالهجرة. عاشرًا: تكليف علي رضي الله عنه بالمبيت في فراشه صلى الله عليه وسلم يوم أحاط به المشركون ليقتلوه تَعْمِية عليهم.حادي عشر: اتجاهه إلى الجنوب المعاكس لطريق المدينة ، وذلك لتضليل المشركين، مع مكوثهم في الغار ثلاثًا.ثاني عشر: تكليف صاحبه أبي بكر لـأسماء ابنته ذات النطاقين رضي الله عنها بنقل الزاد إلى الغار للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبيها. ثالث عشر: تكليف أخيها عبد الله بنقل المعلومات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أولاً بأول. رابع عشر: تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه بالمرور بغنمه مساءً على الغار ليسقي النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الغنم، وليطمس آثار الأقدام التي تتردد إلى الغار، حتى لا يكتشف المشركون بواسطة القافة من يتردد إلى الغار. إنَّ الهجرة -أيها الأحبة- أشبه بعملية احتشاد، ومرحلة استنفار، وقاعدة حماية، أخذ فيها المصطفىصلى الله عليه وسلم بكل الأسباب، متوكلاً على ربه، قبل أن يُعلن النفير، وتدق ساعة الصفر كما يقال، ولا غرو، فهو القائل صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود بإسناد حسن: {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم}.كل هذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم للانضباط في جميع شئون الحياة؛ من سفر وإقامة، مع نبذٍ للفوضوية والارتجال والتخبط ولو حسنت معه النية، والله عز وجل يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].بهداه أيها الداعي اقتده وابتغ الأخرى وأخلص في العمل فأحزم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الوِرد حتى يعرف الصدرا
إرادة الخير
كأني بك بعد هذا كله، قد حددت وِجهتك، وعرفت طريقك، وأخذت عدَّتك وأُهبتك، واخترت رفقتك، وأخذت بكل أسباب نجاتك في سفرك؛ فدونك هذه الإشارات التي لابد منها، لعلها تغريك بالمسير في الطريق، وتحذرك العقبات التي تصد عن بلوغ الغاية في المسير.انوِ الخير، واعمل بمقتضى هذه النية؛ فبالنية يتحدد السفر، وتتضح الوجهة، وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة، فهي أساس الأمر ورأسه وعموده وأصله، بل هي روح العمل وقائده وسائقه، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، يُستجلب التوفيق بها، ويحصَّل الخذلان بعدمها، وبحسب النية تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، وكل المناهل غير الصدق آسنة.وسنة الله اقتضت أن من نوى الخير وعمل بمقتضى تلك النية، يوفق ويسدد ويؤيد، ويبلغ من الخير ما يريد، وفوق ما يريد بإذن ربه، يقول الله جل وعلا: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ [النساء:100].. مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى:20].. وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مشْكُورًا [الإسراء:19].ومن نوى الشر وعمل بمقتضى تلك النية، حُرِم التوفيق، وحالفه الخذلان والهوان، وإنْ بدا غير ذلك فإنما هو سراب أو أحلام، لا تلبث أن تنقشع فيظهر المستور، يقول الله جل وعلا: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء:20] مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].. وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:145].فانْوِ الخير واعمل بمقتضى تلك النية، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). والقصد وجه الله بالأقوال والـ أعمال والطاعات والشكران وبذاك ينجو العبد من إشراكه ويصـير حقا عابد الرحمن
 الدعوة إلى الله وسيلة تثبيت واتزان
وعلى الطريق وسيلة تثبيت واتزان؛ إنها الدعوة إلى الكبير المتعال، على علم وبصيرة، لأنك في هذا السفر ستجد دعاة على الطريق يريدون أن يجتالوك عن الطريق بالباطل، فإنْ لم تدعُهم إلى الحق الذي تحمله، دعوك إلى الباطل، إنْ لم تَغزُهم بالحق، غزوك بالباطل، إن لم تَعرض عليهم الحق، عَرضُوا عليك الباطل في صورة الحق، فارفع على الطريق: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ [يوسف:108].لا لدنيـا أو هوى أو عصبة دون خزي أو نفاق أو خطل إنها صدق وإخلاص لمن هو يجزي وحده عز وجل فارفع على الطريق هذا الشعار، واعلم أن العمل الدَّعويَّ -كما هو معلوم- ميدان واسع، ومجال التحرك فيه بحر لا نهاية له، إطاره الأرض -مُطلق الأرض- وميدانه الإنسان، من غير حد للون ولا لجنس ولا للغة، إنَّها جمع وتأليف على ساحة الإسلام من غير دخل.والعمل لهذه السعة يحتاج إلى رسم خطط دقيقة.. إلى دراسات متأنية.. إلى نَبذٍ للفَوضَوية ولو بحسن نية؛ فالارتجال والفوضى خلل ووهن وجهل واضطراب في التصور؛ لأن الأمة في حاجة ماسة إلى جيل مصلح منقذ، يمارس خدمة الإسلام بأرقى أساليب الإدارة والتوجيه، جيل يتجاوز العشوائية، ويكفر بالغوغائية، ويحتكم إلى حقائق الكتاب والسُّنّة، لا إلى الوهم، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنَّه واقف على الأرض؛ فلا يجري وراء الخيال والأحلام والأماني، ولا يسبح في غير ماء، ولا يطير بغير جناح، جيل واقعي لا يسبح في البَر، ولا يحرُث في البحر، ولا يبذُر في الصخر، كما يقول صاحب: جيل النصر لا ينسج خيوطًا من الخيال، ولا يبني قصورًا في الرمال، ولا ييئس من رَوح الله، ولا يقنَط من رحمة الله، لكنه يعرف حدود قدراته وإمكاناته، فيأخذ بالأسباب، ويدرس مشروعية الوسائل قبل أن يُقدِم على الأحداث.ولسنا بِدعًا في ذلك يوم ندعو إلى ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الأسوة والقدوة- لما هاجر إلى المدينة ، خرج بطريقة مدروسة، منظمة، عجيبة، اتخذ فيها كل الأسباب متوكِّلا على ربه. ويظهر ذلك من خلال ما يلي:أولاً: الاتصال بالأنصار الذي تمت من خلاله بيعة العقبة الأولى.ثانيًا: َبعْث النبي صلى الله عليه وسلم لـمصعب بن عمير إلى الأنصار، ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دين الله. ثالثًا : بيعة العقبة الثانية، التي هي شدٌّ للوثاق والعهد على النصرة في المَنشَط والمَكرَه والعُسر واليُسر، بعد أن استوعب النبي صلى الله عليه وسلم درس الطائف قبل ذلك. رابعًا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة، حتى لم يبق بـمكة إلا محبوس أو مفتون.خامسًا: استبقاء عليٍّ رضي الله عنه في مكة ؛ لحاجته إليه في تأدية الودائع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولمهمَّة تأتي فيما بعد. سادسًا: اتخاذ الصاحب وهو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.سابعًا: انتظار الإذن بالهجرة منه صلوات الله وسلامه عليه. ثامنًا : إعداد الرواحل ودفعها إلى خريت من قِبل أبي بكر ومُواعدته الغَار بعد ثلاث ليال. تاسعًا: ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت غير معهود منه، وطلبه من أبي بكر إخراج من عنده، ليخبره بإذن الخروج؛ حتى قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: إنما هم أهلك يا رسول الله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنه قد أُذِن له بالهجرة. عاشرًا: تكليف علي رضي الله عنه بالمبيت في فراشه صلى الله عليه وسلم يوم أحاط به المشركون ليقتلوه تَعْمِية عليهم.حادي عشر: اتجاهه إلى الجنوب المعاكس لطريق المدينة ، وذلك لتضليل المشركين، مع مكوثهم في الغار ثلاثًا.ثاني عشر: تكليف صاحبه أبي بكر لـأسماء ابنته ذات النطاقين رضي الله عنها بنقل الزاد إلى الغار للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبيها. ثالث عشر: تكليف أخيها عبد الله بنقل المعلومات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أولاً بأول. رابع عشر: تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه بالمرور بغنمه مساءً على الغار ليسقي النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الغنم، وليطمس آثار الأقدام التي تتردد إلى الغار، حتى لا يكتشف المشركون بواسطة القافة من يتردد إلى الغار. إنَّ الهجرة -أيها الأحبة- أشبه بعملية احتشاد، ومرحلة استنفار، وقاعدة حماية، أخذ فيها المصطفىصلى الله عليه وسلم بكل الأسباب، متوكلاً على ربه، قبل أن يُعلن النفير، وتدق ساعة الصفر كما يقال، ولا غرو، فهو القائل صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود بإسناد حسن: {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم}.كل هذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم للانضباط في جميع شئون الحياة؛ من سفر وإقامة، مع نبذٍ للفوضوية والارتجال والتخبط ولو حسنت معه النية، والله عز وجل يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].بهداه أيها الداعي اقتده وابتغ الأخرى وأخلص في العمل فأحزم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الوِرد حتى يعرف الصدرا
الإخلاص
الثانية: وهي تابعة (خليج صاف أنفع من بحر كَدِر)؛ بمعنى آخر: النوع الثمين لا الكم المهين؛ بمعنى ثالث: من لا يخلص فلا يتعب؛ فهو كالذي يحشو جراب العمل رملاً يثقله ولا ينفعه. إن من سلك الطريق بلا إخلاص، كالذي يريد كسر الجَوز بالعِهن، أو كمن يحدو وما له بعير، يمد القوس وما لها وتر، يتجشأ من غير شِبع، كالوحشيِّ بلا جبل، لا شك أنه لهدفه لن يصل.العمل صورة والإخلاص روح، عمل المُرائي بصلة كلها قشور، لباس المرائي نظيف لكن قلبه نجس، الإخلاص مسك والرياء جِيفة. فاحذر كمائن نفسك اللاتي متى خرجت عليك كسرت كسر مهان لما أخذ دود القزِّ ينسج الحرير، أقبلت العنكبوت تتشبه وتنسج، ثم نسجت وقالت: يا دودة القز! لي نسج ولك نسج، فلا فرق بين النسيجين، قالت دودة القز: نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس النسيجين يتبين الفرق. لَيسَ التَّكحُّلُ في العَينينِ كالكَحَلِ، ومَا كُلُّ دَامٍ جَبِينُهُ عَابِدُ، وفِي عُنُقِ الحسناء يُستَحسَنُ العِقْدُ، والنَّفيسُ نَفِيسٌ أينَما كَان.ورب كئيب ليس تندى جفونه ورب كثير الدمع غير كئيب إِذا اشتبهت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكــى فأما من بكى فيذوب شوقـا وينطق بالهوى من قد تباكى جماع هذه الإشارة: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].
 الدعوة إلى الله وسيلة تثبيت واتزان
وعلى الطريق وسيلة تثبيت واتزان؛ إنها الدعوة إلى الكبير المتعال، على علم وبصيرة، لأنك في هذا السفر ستجد دعاة على الطريق يريدون أن يجتالوك عن الطريق بالباطل، فإنْ لم تدعُهم إلى الحق الذي تحمله، دعوك إلى الباطل، إنْ لم تَغزُهم بالحق، غزوك بالباطل، إن لم تَعرض عليهم الحق، عَرضُوا عليك الباطل في صورة الحق، فارفع على الطريق: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ [يوسف:108].لا لدنيـا أو هوى أو عصبة دون خزي أو نفاق أو خطل إنها صدق وإخلاص لمن هو يجزي وحده عز وجل فارفع على الطريق هذا الشعار، واعلم أن العمل الدَّعويَّ -كما هو معلوم- ميدان واسع، ومجال التحرك فيه بحر لا نهاية له، إطاره الأرض -مُطلق الأرض- وميدانه الإنسان، من غير حد للون ولا لجنس ولا للغة، إنَّها جمع وتأليف على ساحة الإسلام من غير دخل.والعمل لهذه السعة يحتاج إلى رسم خطط دقيقة.. إلى دراسات متأنية.. إلى نَبذٍ للفَوضَوية ولو بحسن نية؛ فالارتجال والفوضى خلل ووهن وجهل واضطراب في التصور؛ لأن الأمة في حاجة ماسة إلى جيل مصلح منقذ، يمارس خدمة الإسلام بأرقى أساليب الإدارة والتوجيه، جيل يتجاوز العشوائية، ويكفر بالغوغائية، ويحتكم إلى حقائق الكتاب والسُّنّة، لا إلى الوهم، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنَّه واقف على الأرض؛ فلا يجري وراء الخيال والأحلام والأماني، ولا يسبح في غير ماء، ولا يطير بغير جناح، جيل واقعي لا يسبح في البَر، ولا يحرُث في البحر، ولا يبذُر في الصخر، كما يقول صاحب: جيل النصر لا ينسج خيوطًا من الخيال، ولا يبني قصورًا في الرمال، ولا ييئس من رَوح الله، ولا يقنَط من رحمة الله، لكنه يعرف حدود قدراته وإمكاناته، فيأخذ بالأسباب، ويدرس مشروعية الوسائل قبل أن يُقدِم على الأحداث.ولسنا بِدعًا في ذلك يوم ندعو إلى ذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الأسوة والقدوة- لما هاجر إلى المدينة ، خرج بطريقة مدروسة، منظمة، عجيبة، اتخذ فيها كل الأسباب متوكِّلا على ربه. ويظهر ذلك من خلال ما يلي:أولاً: الاتصال بالأنصار الذي تمت من خلاله بيعة العقبة الأولى.ثانيًا: َبعْث النبي صلى الله عليه وسلم لـمصعب بن عمير إلى الأنصار، ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دين الله. ثالثًا : بيعة العقبة الثانية، التي هي شدٌّ للوثاق والعهد على النصرة في المَنشَط والمَكرَه والعُسر واليُسر، بعد أن استوعب النبي صلى الله عليه وسلم درس الطائف قبل ذلك. رابعًا: أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالهجرة، حتى لم يبق بـمكة إلا محبوس أو مفتون.خامسًا: استبقاء عليٍّ رضي الله عنه في مكة ؛ لحاجته إليه في تأدية الودائع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولمهمَّة تأتي فيما بعد. سادسًا: اتخاذ الصاحب وهو أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.سابعًا: انتظار الإذن بالهجرة منه صلوات الله وسلامه عليه. ثامنًا : إعداد الرواحل ودفعها إلى خريت من قِبل أبي بكر ومُواعدته الغَار بعد ثلاث ليال. تاسعًا: ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت غير معهود منه، وطلبه من أبي بكر إخراج من عنده، ليخبره بإذن الخروج؛ حتى قال أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه: إنما هم أهلك يا رسول الله، فأخبره صلى الله عليه وسلم بأنه قد أُذِن له بالهجرة. عاشرًا: تكليف علي رضي الله عنه بالمبيت في فراشه صلى الله عليه وسلم يوم أحاط به المشركون ليقتلوه تَعْمِية عليهم.حادي عشر: اتجاهه إلى الجنوب المعاكس لطريق المدينة ، وذلك لتضليل المشركين، مع مكوثهم في الغار ثلاثًا.ثاني عشر: تكليف صاحبه أبي بكر لـأسماء ابنته ذات النطاقين رضي الله عنها بنقل الزاد إلى الغار للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبيها. ثالث عشر: تكليف أخيها عبد الله بنقل المعلومات إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أولاً بأول. رابع عشر: تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه بالمرور بغنمه مساءً على الغار ليسقي النبي صلى الله عليه وسلم من لبن الغنم، وليطمس آثار الأقدام التي تتردد إلى الغار، حتى لا يكتشف المشركون بواسطة القافة من يتردد إلى الغار. إنَّ الهجرة -أيها الأحبة- أشبه بعملية احتشاد، ومرحلة استنفار، وقاعدة حماية، أخذ فيها المصطفىصلى الله عليه وسلم بكل الأسباب، متوكلاً على ربه، قبل أن يُعلن النفير، وتدق ساعة الصفر كما يقال، ولا غرو، فهو القائل صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود بإسناد حسن: {إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم}.كل هذا تعليم منه صلى الله عليه وسلم للانضباط في جميع شئون الحياة؛ من سفر وإقامة، مع نبذٍ للفوضوية والارتجال والتخبط ولو حسنت معه النية، والله عز وجل يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].بهداه أيها الداعي اقتده وابتغ الأخرى وأخلص في العمل فأحزم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الوِرد حتى يعرف الصدرا
طلب العلم والعمل به
الثالثة: العلم الشرعي والعمل به ضرورة للمسافر، به يعرف السهل من الطريق والوعر، به يميز إشارات الطريق وعوائقه، به يعرف الله ويعبد ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد، به يعرف الحلال من الحرام، به توصل الأرحام؛ فهو أساس السفر ولابد، بل هو أشرف مطلوب، وأفضل مرغوب، وأنفع زاد يقتنى لمسافر مكدود: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر:9] كلا!لا يكونُ العَليُّ مثل الدَّنيِّ لا ولا ذو الذكاءِ مثل الغَبِيِّ من تدرع بالعلم حفظ ومنع، وحاز قصب السبق، وارتفع وبرع، ولما كان المجاهد لا يَنْكأُ عدوًا إلا بسلاح وعُدة، فكذلك المعلم والمتعلم والعالم لا يصنع أمة، ولا يكشف غمة، ولا يزيل ظلمة إلا بعلم وعمل، من أثر أو سنة، لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.ومن لا يربيه الرسول ويسقه لبانا له قد در من ثدي وحيه فذاك لقيط ما له أي نسـبة ولا يتعدى طور أبناء جنسه العلم وسيلة، والعمل ثمرة، العلم أساس البناء، والعمل ثمرة الغراس، والبناء من غير أسس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى، فاعلم أخي ولا تنس: فلا تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام
 لا تبرر قعودك
فإن لم يحرك فيك ما مضى ساكنًا، فلا تبرر قعودك، ولا تبرر ضعفك، ولا تبرر خَوَرَك؛ فإن ذلك أقبح من ضعفك، وأشنع من خورك وقعودك، لكن سلِ الله أن يرفع ما بك؛ فهو خير لك.يجلس بعض المتخاذلين عن تبليغ دين الله ونَشْرِه شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما طلب منه نصرة دينه -ولو بكلمة- أو كُلِّف بأبسط مهمة لخدمة دينه، انبرى يتهرب من المسئولية، ويورد لك الأدلة الصحيحة التي تدل على أن واقع المسلمين سيكون ضعيفًا وسيئًا في المستقبل ولابد من العزلة، فيوقعها على حاله، فإذا به ينبري ويقول: في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن}، ويقول صلى الله عليه وسلم -كما ثبت في صحيح البخاري -: {ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم}، وهكذا دواليك، يبرر قعوده ولا يعمل بمقتضى الحديث الذي لا ينطبق على زمانه حقًا، ولم يفهمه في ضوء النصوص الأخرى؛ فأول ما يجني عليه اجتهاده، تعود نقض العزائم فحيل بينه وبين الغنائم.ويجلس الآخر شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما عاتبته في التخاذل عن تبليغ دين الله واستغراقه في اللهو والترف، انطلق كالقذيفة مرددًا: {يا حنظلة ! ساعة وساعة} وكأنه لا يعرف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم غير هذا:ما لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن إن الذين لا تغلي دماؤهم، ولا تلتهب نفوسهم، ولا تهتز مشاعرهم لخدمة هذا الدين، لا يُعقد عليهم أمل، ولا يُناط بهم رجاء: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل:21]، والميت لا يحس بالأوجاع: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21].إن النائم يوقظ، والغافل يُذكَّر، ومن لم يُجْدِ فيه التذكير ولا التنبيه فهو ميْت، إنما تنفع الموعظة من أقبل عليها بقلبه: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَن يُنِيبُ [غافر:13].
بذل الجهد واستفراغ الوسع
الرابعة: إنما عليك الجهد، افعل وسعك وطاقتك وما تستطيع الدوام عليه؛ لئلا تنقطع في الطريق: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا [البقرة:286] وإذا صلحت المقاصد لم يخب القاصد.على المرء أن يسعى إلى الخير جاهدا وليسَ عليه أن تتم المقـاصد
 لا تبرر قعودك
فإن لم يحرك فيك ما مضى ساكنًا، فلا تبرر قعودك، ولا تبرر ضعفك، ولا تبرر خَوَرَك؛ فإن ذلك أقبح من ضعفك، وأشنع من خورك وقعودك، لكن سلِ الله أن يرفع ما بك؛ فهو خير لك.يجلس بعض المتخاذلين عن تبليغ دين الله ونَشْرِه شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما طلب منه نصرة دينه -ولو بكلمة- أو كُلِّف بأبسط مهمة لخدمة دينه، انبرى يتهرب من المسئولية، ويورد لك الأدلة الصحيحة التي تدل على أن واقع المسلمين سيكون ضعيفًا وسيئًا في المستقبل ولابد من العزلة، فيوقعها على حاله، فإذا به ينبري ويقول: في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن}، ويقول صلى الله عليه وسلم -كما ثبت في صحيح البخاري -: {ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم}، وهكذا دواليك، يبرر قعوده ولا يعمل بمقتضى الحديث الذي لا ينطبق على زمانه حقًا، ولم يفهمه في ضوء النصوص الأخرى؛ فأول ما يجني عليه اجتهاده، تعود نقض العزائم فحيل بينه وبين الغنائم.ويجلس الآخر شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما عاتبته في التخاذل عن تبليغ دين الله واستغراقه في اللهو والترف، انطلق كالقذيفة مرددًا: {يا حنظلة ! ساعة وساعة} وكأنه لا يعرف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم غير هذا:ما لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن إن الذين لا تغلي دماؤهم، ولا تلتهب نفوسهم، ولا تهتز مشاعرهم لخدمة هذا الدين، لا يُعقد عليهم أمل، ولا يُناط بهم رجاء: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل:21]، والميت لا يحس بالأوجاع: وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:21].إن النائم يوقظ، والغافل يُذكَّر، ومن لم يُجْدِ فيه التذكير ولا التنبيه فهو ميْت، إنما تنفع الموعظة من أقبل عليها بقلبه: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَن يُنِيبُ [غافر:13].
التعاون على الخير والاستفادة من الطاقات
الخامسة: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقَوَى [المائدة:2] المؤمنون جماعة واحدة، ويد واحدة، وجسم واحد، وبنيان واحد، والجميع مسئولون عن تبليغ دين الله على سبيل التعاون والتآزر والتضامن، مع السعي الجاد إلى تغيير واقع الأمة، ونقلها من مجرد الإحساس إلى الوعي بأسباب الواقع والطريق إلى إخراجها من ذلك الواقع.التعاون من أجل تمكين منهج الله -عز وجل- في الأرض قاطبة مطلب وضرورة، تجعل كل فرد يضاف إلى الآخر، ثم تُستثمر كافة العقول والسواعد والدقائق: (والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وكل يستفيد من الآخر، وإذا عنَّ بحر لا يجوز التيمم، والخيط الواهي إذا انضم إليه مثله، أضحى حبلا متينًا يجر الأثقال.
 تعاون الجم الغفير في صنع رغيف الخبز
يقول صاحب: " شخصية المسلم ": رغيف الخبز على الرغم من صغر حجمه، لا يصل إلى الإنسان إلا بعد عمل عشرات بل مئات من البشر، تعاونت على تجهيزه وإعداده وتقديمه، ومن كان في شك من ذلك، فليسأل نفسه: من حرث الأرض؟ ومن بذر الحَب؟ ومن سقاه بالماء؟ ومن نظف الحشائش عنه؟ ومن حرثه؟ ومن حصده؟ ومن نقله إلى الجرن؟ ومن طحنه؟ ومن خبزه؟ ومن بالنار سواه؟ ومن إلينا حمله؟ ومن قدمه؟ ومن... ومن... أسئلة كثيرة، هذا الجهد في أمر رغيف خبز؛ فكيف بالأمر في خدمة دين الله، والتمكين له في بناء النفوس، وفي صنع الرجال، في كشف الظلم، في إنارة البصائر؟إنه يحتاج إلى تضافر طاقات وقدرات، مع صبر ومصابرة وثبات: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ [التوبة:71] فهيا إلى التلاحم، وهيا إلى التعاون، وهيا إلى التآزر.فالنصر لم ينزل على متخاذل والرزق لم يُبعث إلى متواكل ولنترك اللوم والتوبيخ؛ فاللوم لا يحرك ولا يجمع، والتفتيش عن الثغرات التي يدخل منها الداء أولى، وعند كلٍ من الهموم ما يكفيه، وليس بحاجة إلى مُعكرٍ إضافي، فليحوِّل كل منا أخاه إلى داعية معه، يحمل هَمَّ الدعوة ويتبنى أفكارها، وحاله يهتف ويقول: أمتي في كل أرضٍ أنتم خـير الأمــم فاجمعوا أشتات أنها ركم في غمر يم تنشروا الخير الأعم تبلغوا العـمر الأشم وتكونوا سادة الدنيا وفرسان القمـم وما ذلك على الله بعزيز.
المداومة والاستمرار في العطاء
السادسة: إنما السيل اجتماع النقط؛ بمعنى داوِم ولو على القليل "قليل دائم خير من كثير منقطع"، والديمومة والاستمرار في العطاء تجعل العمل -وإن كان ضئيلاً- أصيلاً مستطاعًا مذللاً، يُقام به في غير ما عَنَتٍ، ليس المهم قدر العمل بقدر الاستمرار في أدائه؛ فالقطرة الدائمة تصبح سيلاً عظيماً.
 نماذج من السلف في المثابرة على الخير
يقال لـابن المبارك : إلى متى تطلب العلم؟قال: حتى الممات إن شاء الله.وقال له آخر: إلى متى تكتب العلم؟قال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تكتب بعد.والأعمش يروي عنه وكيع أنه لم تفُتْه تكبيرة الإحرام مع الإمام سبعين سنة، ويقول: اختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة.من منا يلقى الله، وقد أدرك التكبيرة الأولى مع الإمام أربعين يومًا، مع أن له براءتين؛ براءة من النفاق، وبراءة من النار؟! فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!روى الجماعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتيْن إلا ووصيته مكتوبة عنده، يقول ابن عمر : والله ما مرت عليَّ ليلة مذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي}.إذا فعلوا فخير الناس فعلاً وإن قالوا فأكرمهم مقالا ترى جداً ولست ترى عليهم ولوعًا بالصغائر واشتغالا ويُروى أن حمدون بن حماد بن مجاهد الكلبي رحمه الله كان يقول: كتبت بيدي هذه ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب، ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم يُكتب بعد.لعل هذا مما يعين على المداومة على العمل، كلما عملت عملاً قلت: لعل هذا لا يبلغني الجنة؛ فإلى آخر وإلى آخر، حتى تلقى الله على ذلك، فربك أغفر وأرحم سبحانه! فجاهد نفسك وداوم على العمل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].
الصبر واليقين
السابعة: إنما الأخطار أثمان المعالي ربما الأجسام صحت بالهـزال بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].والعبقرية حرمان وتضحية وليس ينبغ إلا كل صبـار إن حمل الدعوة إلى الناس وجعلهم يؤمنون بها ويثقون ويتأثرون عملية صعبة شاقة تحتاج إلى صبر وثبات، وإن المضي في طريق الدعوة ليس بأمر هيِّن، ولا طريق ميسور؛ بل لابد من عزم وقوة وصبر وثبات، لا يُؤْتَاه إلا من نذر نفسه لله غير مبالٍ بما سواه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ [آل عمران:142].والصبر يوجد إن باء له كُسِرت لكنه بسكون الباء موضوع والله عز وجل قد وجَّه نبيه صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية إلى الصبر والجلد وقوة التحمل، فقال: وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا [المزمل:10] وقال: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُؤْقِنُونَ [الروم:60].الصبر تفاؤل دائم، حتى لو ضربت الجاهلية أطناب الأرض؛ فلا يسوغ بحال الانسحاب من الميدان؛ إذ يخلو الجو للشيطان، يَكِر الجراد على الحَرث فيلتَهمه، وقد تُغِير اللصوص عليه فينتهبونه؛ فلابد من صبر وصمود وثبات حتى ينبت ويثمر العود.ولست بخالعٍ درعي وسيفي إلى أن يخلع الليل النهـارا كل لذة منقطعة عند أول غمسة في جهنم، وكل بؤس وشقاء ينقطع عند أول غمسة في الجنة، وللباطل جولة ثم يذهب هباءً، والحق له صولة وهو أنفع، وله البقاء.فإذا ادلهم الخطب، واشتد الظلام، فارتقب بزوغ الفجر، وتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، ثم اصبر وصابر؛ فإن العاقبة للمتقين، وخاب المُبْطِلون، وبشِّر الصابرين، واصبر على ما يقولون.لا يفزعنك هول خطب دامس فلعـل في طياته ما يسعد لو لم يمد الليل جنح ظلامه في الخافقـين لما أضاء الفرقـد
 نماذج من السلف في المثابرة على الخير
يقال لـابن المبارك : إلى متى تطلب العلم؟قال: حتى الممات إن شاء الله.وقال له آخر: إلى متى تكتب العلم؟قال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تكتب بعد.والأعمش يروي عنه وكيع أنه لم تفُتْه تكبيرة الإحرام مع الإمام سبعين سنة، ويقول: اختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة.من منا يلقى الله، وقد أدرك التكبيرة الأولى مع الإمام أربعين يومًا، مع أن له براءتين؛ براءة من النفاق، وبراءة من النار؟! فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!روى الجماعة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتيْن إلا ووصيته مكتوبة عنده، يقول ابن عمر : والله ما مرت عليَّ ليلة مذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي}.إذا فعلوا فخير الناس فعلاً وإن قالوا فأكرمهم مقالا ترى جداً ولست ترى عليهم ولوعًا بالصغائر واشتغالا ويُروى أن حمدون بن حماد بن مجاهد الكلبي رحمه الله كان يقول: كتبت بيدي هذه ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب، ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم يُكتب بعد.لعل هذا مما يعين على المداومة على العمل، كلما عملت عملاً قلت: لعل هذا لا يبلغني الجنة؛ فإلى آخر وإلى آخر، حتى تلقى الله على ذلك، فربك أغفر وأرحم سبحانه! فجاهد نفسك وداوم على العمل: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].
التمهل وعدم العجلة
الثامنة: تمهَّل ولا تعجل في دعوةٍ أو حكم يوشك أن تصل، إن من سنن الله في النفس أنها لا تضحي ولا تبذل، إلا إذَا عُولِجت من داخلها، وتجردت من حظوظها، وأدركت فائدة التضحية والبذل، وذلك لا يتم إلا في وقت طويل وجهد وتكاليف وكدح دائب في أناة ليس يعروها ملل فليعلم.
 كن متمهلاً كالأحنف
ليكن حالك -أحياناً- حال الأحنف بن قيس رحمه الله يوم جاءه رجل، فلطم وجهه، فقال: باسم الله يا بن أخي ما دعاك إلى هذا؟قال: آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم.قال: فبِرّ بيمينك؛ فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة .ليست الأحلام في حال الرضا إنما الأحلام في حال الغضب فذهب الرجل إلى حارثة ، فلطمه، فقام إليه، واخترط السيف، وقطع يمينه، ولسان حاله:وسيفي كان في الهيجا طبيبًا يداوي رأس من يشكو الصداعا فلما بلغ الأحنف ما حصل لهذا الأحمق قال: أنا -والله- قطعتها. ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي العاقل لا يفعل أمرًا إلا إذا نظر في عواقبه، وتبصَّر أبعاده ومراميه، لا يتعجل الخطى، ولا يستبق الأحداث، ولا يتسرع بالحكم على الأمور؛ بل يزن الأشياء بميزان دقيق، ويقدر المواقف، وينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة والساعة الحاضرة، بنظرة ثاقبة فاحصة، وخطوة متأنية تحسب كل حساب؛ فكن أفضل من أن تَخدع، وأعقل من أن تُخدع. لا خب ولا الخب يخدعك:ولترقَ شيئًا فشيئًا صاعدًا درجًا من البناء رصينًا واحذر العجلا فكم عجول كبا من ضعف رؤيته وذي أناة أصاب الرشد والأملا
كن أحزم من قرلى
التاسعة: كن أحزم من قرلى؛ والقرلى: طائر مائي ذو حزم لا يُرى إلا حذراً على وجه الماء؛ عين في الماء طمعًا، وعين في السماء حذرًا، ولذلك تقول العرب في المثل: كن أحزم من قرلى؛ إن رأى خيرًا تدلى، وإن رأى شرًا تولى.ومن الحزم ترويض النفس على الخير حتى تعتاده وتألفه، ومن الحزم منع النفس هواها وعدم الرضا بالدون دون علاها وما يزكيها؛ فإن في النفس -كما يقول ابن القيم - من أخلاق البهائم حرص الغراب، وشَرَه الكلب، ورعونة الطاوس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، ووثوب الفهد، غير أن الحازم بالمجاهدة يُذهب ذلك كله بإذن ربه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] ليس من الحزم بيع الوعد بالنقد، وليس من الحزم جزع من صبر ساعة مع احتمال ذل الأبد.إن من يشتري الخسيس بالنفيس، ويبيع العظيم بالحقير، إنما هو سفيه لا يعرف الحزم، ولا الحزم يعرفه، عينه عين هوى، وعين الهوى عين عمياء. إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهَها تاقت إلى كل مطلب بعضنا أكبر همه ومبلغ علمه لقمة وشربة ولباس ومركب؛ مطعم شهي، وملبس دفي، ومركب وطي، قد رفع راية:إنما العيش سماع وندامى ومدام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام هوان لا يعرف الحزم، وذلة لا تعرف العز، عار ينكره الحر والأسد، ويألفه الحمار والوتد. إن الهوان حمار البيت يألفه والحر ينكره والفيل والأسد ولا يقيم بدار الذل يألفها إلا الذليلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يُشج فما يأوي له أحد
 أبو مسلم الخولاني والحزم مع النفس
كان أبو مسلم الخولاني رحمه الله حازمًا مع نفسه، قد علق سوطًا في بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا إلى الله حتى يكون الكَلَل منك لا مني؛ فإذا فتر وكَلَّ وتعب تناول سوطه وضرب ساقه، ثم قال: أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا؟! كلا! والله لنـزاحمنَّهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم خلفوا وراءهم رجالاً. هم الرجال وعيب أن يقال لمن لم يكن في زيهم رجل حالهم:عباس عباس إذا احتدم الوغى و الفضل فضل والربيع ربيع
ترك التحسر على الماضي والاستفادة من المستقبل
العاشرة: عَوِّض ما فاتك، من الناس من يتحسر على ما مضى من تقصيره، ويسرف في ذلك حتى يضيع حاضره، ويقطع عليه مستقبله؛ فيأتي عليه زمان يتحسر فيه على الزمن الذي ضيَّعه في الحزن والتحسر.إن تعويض ما فات لا يكون بالندم على ما فات فحسب، ولا باجترار أحزان الماضي؛ إنما يكون بالجد والعمل واغتنام كل فرصة قادمة ليتقدم بها خطوة، وهذا دليل الكيس، وآية علو الهمة.ابن عقيل الحنبلي رحمه الله، وهو في الثمانين يقول:ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا ولائي ولاديني ولا كرمي وإنما اعتاد شعري غير صبغته والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم فإن كنت ترجو معالي الأمور فأعدد لها همة أكبرا تلك النفوس الغالبات على العلا والحق يغلبها على شهواتها ألا فليحمد الله من ضيع وقصر على إمهاله له، وليعوض؛ فأيام العافية غنيمة باردة، وأوقات الإمهال فائدة؛ فتناول وعوض ما دامت عندك المائدة، فليست الساعات بعائدة:فإن تك بالأمس اقترفت إساءةً فبادر بإحسان وأنت حميد ولا تُبقِ فعل الصالحات إلى غدٍ لعل غدًا يأتي وأنت فقيد
 عكرمة وتعويض ما سلف
عكرمة رضي الله عنه أسلم عام الفتح، وشعر بما قد فاته من سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يقول: {والذي نجَّاني يوم بدر -يا رسول الله- لا أدع نفقة أنفقتها بالصد عن سبيل الله إلا أنفقت أضعافها في سبيل الله، ولا قتال قاتلته في الصد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله} ويبر بقسمه؛ فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه إلا خاضها معهم، ولا خرجوا إلا كان في طليعتهم، وفي يوم اليرموك ، وما يوم اليرموك ؟ أقبل عكرمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في اليوم القائظ، لما اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، وأوغل في صفوف الروم، فبادره خالد بن الوليد قائلاً: لا تفعل يا عكرمة ! إن قتلك على المسلمين سيكون شديدًا، قال: إليك عني يا خالد لقد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، أما أنا وأبي أبو جهل ، فقد كنا أشد الناس عداوة على رسول الله، دعني أُكَفِّر عما سلف مني، أأقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أفر اليوم من الروم؟! والله لا يكون أبدًا.فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ولو مات زندي ما بكته الأنامل ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من المجاهدين في سبيل الله، فقاتلوا حتى نصر الله المسلمين نصرًا مؤزرًا، ولقي الله عكرمة مُثخنًا بجراحه، ولسان حاله: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84] فرضي الله عنه وأرضاه:بذل النفس فداءً ورضا وقضى العمر وأقصى السفرا همة أخرجت حظ الدنيا من نفوسهم؛ فتاقوا إلى تعويض ما فات من ساعات في خدمة دينهم، فاقتحموا المكاره بغية المكارم، وعقدوا لله على أنفسهم عقدًا؛ فما نكثوا، وما نقضوا؛ فبادر -أخي- قبل العوائق، واستدرك ما فات؛ فلعلك بالأخيار لاحق؛ إن كنت على طريقهم، فما أسرع اللحاق بهم!إذا استدرك الإنسان ما فات من علا إلى الحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب
العدل والإنصاف
الحادية عشرة والأخيرة: العدل العدل! فبه قامت السماوات والأرض، القلوب جُبلت على حب من يعدل فيها، ويحنو عليها، وتمنح ودَّها لكل من يعدل فيها، ويحسن إليها، ومن يحيف عليها، ثم يحاول إجبارها على حبه إنما يكلفها ضد طباعها. ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار إعطاء كل ذي حق حقه عين العدل، مدح من يستحق المدح في غير ما خشية الفتنة عليه عدل، تأنيب من يستحق التأنيب عدل، الاعتراف بجهود الآخرين عدل، الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه عدل، قبول النصح عدل، إسداء النصح عدل، التربية على العدل عدل، والله -تعالى وتقدس وتبارك- يأمر بالعدل: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].
 بين علي وعمر في مجلس القضاء
شكا رجل علياً رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال لـعلي: ساوِ خصمك يا أبا الحسن ، فتغير وجه علي رضي الله عنه، ثم قضى عمر في الدعوى، وذهب الخصم، فالْتفت عمر إلى علي ، وقال له: أأغضبتك -يا أبا الحسن - إذ سويت بينك وبين خصمك؟قال علي : كلا. قد غضبت لأنك لم تسوِّ بيني وبينه يا أمير المؤمنين، لقد أكرمتني، ودعوتني بكنيتي -يا أبا الحسن- ولم تنادِ خصمي بكنيته؛ فذلك الذي أغضبني، فقبَّل عمر رأس علي ، وقال: [[لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن]]. حكموا فكان العدل شرعة حكمهم ما الحكم ما السلطان إن لم يعدل سارت مبادئهم وسارت خلفها أفعالهم في موكب مُتمثَّلِ شادوا من التقوى أصح مواقف وبنوا من الحسنات خير قلاع ونتجاوز بعض الإشارات وأحسب أني بذلت وسعي أن أخرج من هذا اللقاء بفائدة تنفع المسافر أو بإشارة توقظه، وقد تكاثرت الإشارات ولم نأتِ إلا على بعضها، وذا يؤكد أن الموضوع لا زال واسعاً قابلا للزيادة؛ يسَّرها الله بمنِّه وكرمه.هذه كلمتي لقد قاسمتني بعض نفسي وفكرتي وشبابي ما على العاجزين مثلي سوى القو ل فذي عدتي وهذا جرابي أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بهذه الكلمات المسلمين والمسلمات، وأن يسلك بنا وبكم سبيل المؤمنين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين، اللهم فرِّج همَّهم، اللهم نفِّس كربهم، اللهم ارفع درجتهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء! يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
الإكثار من ذكر الله وفضائل ذلك
الحمد لله الملك القهار، العزيز الجبار، الرحيم الغفار، مقلب القلوب والأبصار، مقدر الأمور كما يشاء ويختار، مُكَوِّر الليل على النهار، خلق الشَّمس والقمر بحسبان ومقدار، وجعلهما مواقيت في هذه الدار، حكمة بالغة من عليم ذي اقتدار، أحمده وأشكره، وفضله على من شكره مِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُقَدِّرُ الأقدار، شهادة تبوئ قائلها دار القرار.وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البدر جبينه إذا سُرَّ استنار,واليمُّ يمينه إذا سئل أعطى عطاء من لا يخشى الإقتار، الحَنِيفيَّة دينه الدين القَيِّم المختار، رفع الله ببعثته عن أمته الأغلال والآصار، وكشف بدعوته أذى البصائر وقذى الأبصار، وفرق بشرعته بين المتقين والفجار، حتى امتاز أهل اليمين عن أهل اليسار، فتح الله به القلوب فانشرحت بالعلم والوقار، والآذان فزال عنها ثقل الأوقار، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه الأخيارما ناض برق وما هب النسيم وما مس الحجيج لبيت الله أركانا أو قهقه الرعد في هدباء مدجنة أو ناح طير على الأغصان أزمانا والآل والصحب ثم التابعين لهم على المحجة إيماناً وإحسانا ما هبَّ نشر صباً واهتز نبت ربىً وفاح طيب شذاً في نسمة السحر معشر المؤمنين: أحييكم بأسمى وأجلِّ وأجمل تحية، تحية هذا الدين؛ الذي نظم الله به عقد أمتنا بعد انفراط، ووحدها بعد فرقة، وجمعها بعد شتات، صقل به نفوسها، وهذَّب طباعها، وشحذ عزائمها، وشذَّب أخلاقها، حتى جعلها خير أمة أخرجت للناس، مُتآلفة القلوب، مُتآخية الأرواح: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63].فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أهل وصحب وإخوان.أنى التقينا التقى في كل مجتمع أهل بأهل وإخوان بإخوان حسبت نفسي نزيلاً بينكم فإذا أهلي وصحبي وأحبابي وإخواني من كل أبلج سامي الطرف مضطلع بالخطب مبتهج بالذكر جذلان يمشي إلى الذكر بساماً ومنشرحاً كأنه حين يبدو عـود مران يا أهل ينبع قد طوقتم عنقي بمنةٍ خرجت عن طوق تبيان قد قلتها غبطة لله دركم ليس الفلاح لوان غير يقظان لي موطنٌ في رحاب البيت أعظمه ولي هنا في حماكم موطن ثانِ لا أوحش الله ربعا من زيارتكم يا من أثاروا بقلبي جل أشجاني إنَّ من سوابغ نعم الله عليَّ أن ألتقي بمثل هذه الوجوه التي لا أحسبها إلا بالإيمان مشرقة، والبصائر التي لا أظنُّها إلا باليقين متفتحة، والقلوب التي لا أحجوها إلا بالصدق عامرة، والآذان التي لا أُراها إلا للخير سامعة واعية، فلله الحمد في الأولى والآخرة. كل من تلقاه أو يحدِّثُك يأخذ منك ويعطيك، ويترك في نفسك أثراً حسناً أو سيئاً مؤقتاً أو باقياً، ومن تلتقي بهم في دروب الحياة على أصناف ثلاثة -كما يقول الحكيم- فمنهم من يمر مرور السَّيل العَرَمْرَم الدَّفَّاع يدمر العمران، ويقتل الحيوان، ويؤذي الإنسان، ومنهم من يمر مرور ماء النهر على الصخر لا يترك أثراً، فلا يُنبت زهراً، ولا يُخرج ثمراً، ومنهم من يمر مرور الماء على الأرض البِكر تكون قبله قاحلات مُمْحلات، وتصير بعده جنات وبساتين مُمْرعات، مبارك أينما كان.درة كيفما أديرت أضاءت ومشم من حيثما شم فاحا أينما وَقَع نَفَع:كالغيث من كبد السحاب هطوله يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا كالبدر من حيث التفتَّ رأيته يُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا فأرجو الله بمَنِّه وكرمه أن نكون من هذا الصنف المبارك.مثل فرع بدوحة العز تأوي تحت أفنانه عفاة الديار يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الناس في هذه الدار على جناح سفر، وكلٌ مسافر ظَاعِن إلى مقصده، ونازلٌ على من يسر بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى الله في حال سفره، ونازل عليه عند القدوم عليه.وللمسافر غايات يؤمِّلها لا شيء يشغله عنها فيحصيها معاشر الإخوة! لا زلنا على الطريق، نغري ونحذر، نرغب ونرهب، نشير ونصرح، نوري ونلمح.إن تردد العقل بين حق وباطل كانت دعوتنا على الطريق إلى الحق، إن تردد الطبع بين فضيلة ورذيلة كانت دعوتنا على الطريق إلى الفضيلة، إن ترددت النفس بين الشهوة والواجب كانت دعوتنا على الطريق إلى الواجب، إنه طريق شاق ولا شك؛ لِمَ؟ لأن الانحدار مع الهوى سهل، والصعود إلى المثل الأعلى صعب وحزن، الماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، لكنه لا يصعد إلى الأعلى إلا بالمضخات والجهد العاتي.من الناس من شغلتهم على الطريق توافه الحياة عن مقصد الحياة، وألهتهم مناظر الطريق عن غاية السفر، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، يعملون ليومهم وحده كالسوائم، لا يرون إلا ما بين أقدامهم، صفوف معوجة منشقة، وقلوب خاوية حائرة، سجدة خامدة لا حرارة ولا شوق فيها جامدة، انطفأت من القلب شعلته، وخمدت في الفؤاد جمرته؛ لذا كان لابد على الطريق من إشارات تحدو من سلك، وتغري من قعد وتسمو به، تدعو إلى مد البصر إلى الأمام، والنظر إلى البعيد والعمل لليوم والغد ولليوم الآخر، في صفوف موحدة وقلوب عامرة.وقد سبق عرض إحدى عشرة إشارة في محاضرة سابقة، واليوم نعرض للجزء الثاني منها، والذي ما هو إلا حصيلة جهد مقل؛ لك غنمه أيها المستمع وعلى القائل غرمه، لك ثمرته وعليه عائده، فإن عدم منك حمداً وشكراً فلا يعدم منك عذراً، فإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح، والله المسئول أن يجعلها لوجهه خالصة وأن ينفع بها قائلها وسامعها ومستمعها في الدنيا والآخرة، هو حسبنا ونعم الوكيل.فسهل يا إلهي كل صعب فمن غير الرءوف لنا يسهل وأهلا بالدليل إلى المعالي ألا سر يا دليل ونحن نسري الإشارة الثانية عشرة: لا تكن بيتاً بلا سقف.بمعنى: لا يزال لسانك رطباً على الطريق بذِكر رب العالمين، فلا تكن من الغافلين، إن بيتاً بلا سقف حَرِيٌّ أن يكون مَرتعاً للغُبَار والقاذورات، ومأوى للهوَامِّ والحشرات، كذلك إن بيتاً لا يُذْكر الله فيه لا سَقْف له، خراب بَلْقَع لا داعي به ولا مجيب، و(مَثَلُ البيت الذي يُذْكر الله فيه والبيت الذي لا يُذْكر الله فيه مثل الحي والميت) كما في صحيح مسلم رحمه الله، إن إنسانا لا يَذكر الله لا سقف له، حَيٌ بعَظْم مَيْت.إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت و(مَثَل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحيِّ والمَيْت) كما ثبت عند البخاري رحمه الله.والناس صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا فلم أَر غير حكم الله حكماً ولم أر دون ذكر الله بابا خذ ما يسر ودع شيئاً تضر به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل إنَّ جَمعًا لا يُذكر الله فيه لا سقف له، مضطرِب أَرِق قَلِق.كريشة في مهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق (والدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذِكر الله وما وَالاه، وعالِماً أو متعلِّماً).في الزهد لـابن المبارك رحمه الله: أنَّ أبا مسلم الخولاني رحمه الله دخل مسجداً، فرأى فيه حلقة، ظنَّهم في ذِكر، فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال: سبحان الله! هل تدرون -يا هؤلاء- ما مثلي ومثلكم؟ مثلي ومثلكم كمثل رجل أصابه مطر غزير، فالتفَت فإذا هو بمِصرَاعين عظيمين، فقال: لو دخلتُ هذا البيت حتى يذهب عني المطر، فدخل فإذا هو ببيت بلا سقف، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وذِكر، فإذا أنتم أصحاب دنيا. كم حديث يظنه المرء نفعا وبه لو درى يطول البلاء
 إنما يذكِّر الناس ويؤثر فيهم الذاكرون
إنَّ المسلم بصفة عامة، وطالب العلم بصفة خاصة، جدير بأن يُذكِّر الناس بالله، حتى إذا ما رُئِي ذكر الله تعالى، فكيف به إن كان غافلاً؟! أيكون جديراً بالتذكير؟! كلا والله! إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه.هل يطلب الماء ممن يشتكي عطشاً هل يطلب الثوب ممن جسمه عَاري يا بانياً بالماء حائط بيته فوق العباب أَرى البناء مهيلا أرأيت قبلك عارياً يبغي نزال الدارعين كلا. إنَّ بحر الحياة الدعوية ليست السباحة فيه بالخَطْب اليسير، فخير للإنسان أن يأوي إلى سفينة مأمونة الغرق، ألا وهي سفينة الإيمان والاطمئنان بذكر الرحمن، كثير ممن يحسنون السباحة غرقوا في هذا البحر، وما رأينا سفينة الإيمان وذكر الرحمن تغرق فيه أبداً.وعلى الطريق سبق المفرِّدون، إنَّ القلب بذِكر الرحمن بلد عامر مأمون، وحصن مُحكَم محصون، وروضة مباركة لا يكاد ينفد نعيمها، ولا ينضب معينها، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، الذِكر مِسك، والغَفلة رماد، الذكر جواد، والغَفلة حمار، فليكن لسان الحال على الطريق: ما كنتُ لأتخطى المسك إلى الرماد، ولا أمتطي الحمار بعد الجواد.وإنما يتيمَّم من لم يجد الماء، ويرعى الهشيم من عَدِم الجَمِيم، ويركب الصعب من لا ذَلول له، أمَّا لسان المقال: فالعزِّ داري وظهر العزم راحلتي والذكر أنسي ومن والاه إخواني فيا قدمي لا سرت بي لمذلـة ولم ترتقي إلا إلى العزِّ سلما
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
الثالثة عشرة: من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه:قل خيراً تغنم، أو اسكتْ عن سوء تَسْلم، إنَّ من شأن الساعي إلى الكمال على الطريق أن يُقبِل على كل أمر ينفعه، وأن يسلك السُّبُل المُفضية إلى ما رامه وأمّله، ويجتنب كل أمر يعوقه ويقطع سيره، ويتأبَّى بنفسه عن كل ما مِن شأنه أن يُنزِل قدره، ويقضي على وقته وحياته ورأس ماله، فتراه مترفِّعاً عن اللهو واللغو، قد شغل نفسه بما يفيدها في آخرتها ودنياها، في حدود ما أذن الله له به. فإذا عَرَض له في حياته أمر من اللغو أعرض عنه، وأكرم نفسه عنه؛ إذ زمنه عنده ثمين، فلا متسع عنده للغو أو لهو مَهين.
 مقارنة بين حالنا وحال السلف في الكلام فيما لا ينفع
إن واقعنا حديثٌ بلا فائدة، وأسئلةٌ بلا نهاية، وتفصيل لا يفيد متحدثاً، ولا ينفع مستمعاً، ولا يُزَكِّي نَفْساً؛ تضيع الطاقات والأعمار سُدَى، وتلك داهيةٌ والله، وأدهى من ذلك من لا يكتفي بتضييع وقته في اللغو واللهو، حتى يشتريه بماله ويُضِل به ويَضِل، إنَّها الفاقرة، ونسأل الله العافية! لقد خلق الله هذه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تقف أبداً ولا تسكن، فلابد لها من شيء تطحنه -كما يقول ابن القيم رحمه الله- فإِنْ وُضِعَ فيها حب طحنته، وإن وُضِع فيها تراب أو حصى طحنته، ولن تَبقى الرحى معطلة أبداً، بل لابد لها من شيء يُوضَع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتِبْناً، فإذا جاء وقت العجين والخبز تبين له حقيقة طحنه. وكلُ ما يزرع الإنسان يَحصده فأَحْسِن الزرع يحسن حين يُحتصد ورحم الله ابن بشار يوم قال -متحدثًا بنعمة الله عليه-: منذ ثلاثين سنة ما تكلمتُ بكلمة أحتاج أن أَعْتَذر عنها.واسمع أخي لأحد السلف رحمه الله يوم أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له: ما يسوءك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك، فقيل له: لِمَ طلَّقتها؟ قال: ما لي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه}.مجالسهم مثل الرياض أنيقة لقد طاب منها اللون والريح والطعم كيف لو خطر ببال أحدنا أن يسجل ما يتحدث به في مجلس واحد؟! إنه لا شك سيرى كمّاً هائلاً من الأوراق، ولو حاسب نفسه مُنْصفاً لوجد كثيراً من الزَّلات والسقطات، فنسأل الله الثبات والعفو والصفح عن الزلات. إن نسيت فلا أنسى أن أنبه على أن مما يعنيك -بل يجب عليك- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله -عز وجل- على بصيرة، ولو كَرِه ذلك الفُسَّاق والمجرمون، وقالوا: {من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه} فإن المقياس ليس هواهم، بل شرع ربنا ومولاهم. وما على العنبر الفواح من حرج إن مات من شمه الزبال والجعل دع أخي ما لا يعنيك ولو كان مباحاً؛ فإنه تضييع لزمانك، واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير، وكم من كلمةٍ بُنِيَ بها قصر في الجنة، بل هي كنز من كنوز الجنة، وكم من أخرى باعدت بينك وبين السبل المفضية إلى الجنة، رزقنا الله وإياك الجنة بمنِّه.لا يضع يومك في التيه كما ضيعت أمسك
الحكمة في التربية الدعوية
الرابعة عشر: كُن طبيبًا رفيقًا يضع دواه حيث ينفع؛ بمعنى: لا تضع العلم عند غير أهله فتُجهَّل، ولا تمنع العلم أهله فتَأْثم؛ من الناس من يطلب العلم لشرٍ كامن، ومكرٍ باطن، فيستعمله في شُبَهٍ دينية، وتَلْبِيس دنيء، وحيلٍ فِقهية، فلا يعان على إمضاء مكره، وإكمال شره، بل مُهان غيْرُ مُكَرم يُحْرم، ومنهم من هو بليد الذهن، بعيد الفِطنة، فلا يُحمل عليه بكثير العلم فيُظْلَم، ولا يُمنع من اليسير فيُحرم، وإنما يَنفع سَمعُ الآذان إذا قَوِيَ فهم القلوب في الأبدان، وقد صَدَق القائلُ ونصح يوم قال: لا تؤتين العلم إلا امرأ يعين باللب على درسه ويُمنع من كثيره -أيضاً- السُّفهاء، الذين إنْ سكتَّ لم يسألوك، وإنْ تكلمت لم يَعُوا عنك، وإنْ رأوا حَسَناً دفنُوه، وإنْ رأوا سيِّئاً أذاعوه.إنْ يعلموا الخير أخفوه وإنْ علموا شرّاً أذاعوا وإنْ لم يعلموا كذبوا وإنْ حاورتهم شتموا، جاهلون كحمار السوق، إنْ أشبعته رَمَحَ الناس، وإنْ جاع نهَق.فإذا حَمَلتَ إلى سفيه حِكمةً فلقد حَمَلتَ بضاعة لا تنفق وهذا كله يحتاج إلى فِراسة ومُمارسة ومِران واختبار، من خلاله يُتوسَّم المتعلم حقاً من غيره، كفِراسة ابن عباس رضي الله عنهما يوم قال: [[ما سألني سائل إلا عرفت أفَقِيهٌ هو أم غير فَقِيه]]. أو كفراسة الأعمش رحمه الله يوم رأى شعبة رحمه الله يحدِّث قوماً يرى أنهم غير أهل للحديث، فقال: ويْحك يا شعبة ! تُعَلِّقُ اللؤلؤ على الخنازير!فإن عناء أن تفهم جاهلاً يظن اقتئاتاً أنَه منك أفهم متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم فلا تحدِّث بالحكمة عند السُّفهاء فيكذبوك، ولا تحدِّث بالباطل عند الحكماء فيَمقتوك، إنَّ واضع العلم في غير أهله كمقلِّد الخنازير اللؤلؤ والجوهر، فلِكلِّ تربة غَرْس، ولِكلِّ بناء أُس. فجرد السيف في وقتٍ يفيد به فإن للسيف يوماً ثم ينصرم
 التعليم بحسب استعداد المتعلم
فعلى الطريق أخي: ضعْ العلم في أهله على تفاوت، فالذكي يحتاج إلى الزيادة، والبليد يكتفي بالقليل، والسفِيه يُمنع ويُزجر، وذو الشر يُذل ويُحرم، ولا يُعانُ ولا يُكرَّم، والجميع يُذكَّر ويُوعَظ، كِلْ على الطريق لكل سالك بمعيار عقله، وزِن له بميزان فهمه؛ حتى تَسلم منه وينتفع بك؛ وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، ولكل ثوب لابس، ولكل علم قابس.فلا تكونوا كمن ألقى رِحَالته على الحمار وَخَلَّىصهوة الفرس وقفة جانبيه على الطريق: عَرِّضْ ولا تُصرِّحْ، فالحال ناطقة: أقول وستر الدجى مسبل كما قال حين شكا الضفدع كلامي إن قلته ضائع وفي الصمت حتفي فما أصنع
الحرص على الحكمة فهي ضالة المؤمن
الخامسة عشرة: كُلِ البَقْل، ولا تسَل عن المِبقَلة، بمعنى: خُذها مِن أي وعاء خرج: (الحكمة ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحق بها) فلا تَحقِر على الطريق أحداً أن تأخذ منه الحكمة؛ فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر. ................... والدر در ثمين أينما كانا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأُسوة والقُدوة قد أقرَّ أبا هريرة رضي الله عنه على أن يأخذ ما فيه نفعه من أخبث مخلوق؛ ألا وهو إبليس، الذي كان يسرق من التمر الموكل بحفظه أبو هريرة ، ثم افتدى نفسه من أبي هريرة بتعليمه آية الكرسي كحافظ له من الشيطان حتى يصبح، فلما أَخبرَ أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: (صَدَقَكَ وهو كَذُوب) فالحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا يَنتفِعُ بها، وتُؤخذ عنه ويُنتفع بها، والكذَّاب قد يَصدُق، فَاعلمْ وَحَقِّقْ.لا تحقرن الرأي وهو موافقٌ حكم الصواب إذا أتى من ناقص فالدر وهو أعز شيء يقتنى ما حط قيمته هوان الغائص
 التعليم بحسب استعداد المتعلم
فعلى الطريق أخي: ضعْ العلم في أهله على تفاوت، فالذكي يحتاج إلى الزيادة، والبليد يكتفي بالقليل، والسفِيه يُمنع ويُزجر، وذو الشر يُذل ويُحرم، ولا يُعانُ ولا يُكرَّم، والجميع يُذكَّر ويُوعَظ، كِلْ على الطريق لكل سالك بمعيار عقله، وزِن له بميزان فهمه؛ حتى تَسلم منه وينتفع بك؛ وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، ولكل ثوب لابس، ولكل علم قابس.فلا تكونوا كمن ألقى رِحَالته على الحمار وَخَلَّىصهوة الفرس وقفة جانبيه على الطريق: عَرِّضْ ولا تُصرِّحْ، فالحال ناطقة: أقول وستر الدجى مسبل كما قال حين شكا الضفدع كلامي إن قلته ضائع وفي الصمت حتفي فما أصنع
احترام الحقيقة وتجنب المبالغة
السادسة عشرة: احترِم الحقيقة، وتجنَّب الإغراق في المبالغة؛ فهي قبيحة تشوِّه الحقيقة، تَقرِّب البعيد، وتُبعِد القريب، وتُظهِر غبشاً في الرؤية على الطريق، إنها سماجة واستخفاف بعقل السامع، وسخرية من وجدانه -كما يقول صاحب زغل الدعاة - تهويل وتزييف للواقع، شَطَطٌ وتفخيم وتضخيم ضد الحقيقة، بل عجز عن رؤية الواقع على ما هو عليه، وضَعف في النفس مشين؛ حتَّى يُرَى سيئاً مَا لَيس بالسوء ويرى حَسَناً مَا لَيس بِالحَسَنِ.الإغراق في المبالغة سلبية في حياة عامة الناس، وهي ظاهرة في سلوك المجتمع والأسرة والفرد، وقد تُعالَج بمثلها؛ داءٌ بداء فأين الدواء؟! في كتاب: السلوك المثالي للطفل المسلم ما فحواه: يقول : جاء طفل مسرعاً نحو أمه قائلاً: لقد وجدت في الحمام فأراً يا أمَّاه مثل الفيل، فردَّت عليه الأم مؤنِّبة له: قلت لك مليون مرة: لا تُبالغ. فقل لي بالله: أيُّهم أكثر مبالغة؟ ألَيْس الطفل معذوراً فيما أخبر به أُمَّه؟! بلى، وحاله: محضتني النصح لكن لست تعمله فأنت أولى بذا مني على خجل هذا على مستوى الأسرة والعامة، وتلك -والله- فاقرة، وقبيحة، وقاصمة، لكنها في حق طلاب العلم والأخيار ثَغرة كبيرة في جدران بنيانهم التربوي لا تكاد تُسدُّ.فكل كسوف في الدراري شنيعة ولكنه في الشمس والبدر أشنع إنها تظهر جليَّة مَشينة بالحكم على الآخرين؛ قَدحاً ومدحاً، فهذا يمدح ممدوحه حتى يوصِلَهُ ذرى الجبال، فلا تزال تَسمعُ ما يلي: فلان ابن تيمية عصره، وابن حَجَر زمانه، وبُخارِي أوانه، ليس له مثال، عَلاَّمة فَهَّامَة، حتى إذا ما حصل أمر أيُّ أمرٍ تغيَّر، وتبدَّل، وصار الأنف ذَنَبَاً، نُصِبت له المجانيق، وأُرسِلت الصواعق، وسُلَّت السيوف، ورُفِعت المَعَاول، ومن قمم الجبال إلى حضيض الإهمال، فإذا هو مارِد خرج من قُمقُمِه، فإيَّاك وإيَّاك! لا تتَّبِع أقواله؛ إنه غَاوٍ، مُضِل، مَارِق، مُعانِد، خَائِن، فاسِد العقيدة، أشر على الإسلام من اليهود والنصارى.حَيْفٌ، وظلم، وشَطَط، وجور، وعدم اتِّزَان، وتدمير جَنَان.يا عين سحي يا قلوب تفطري يا نفس رقي يا مروءة نادي إن دام هذا ولم يحدث له غير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود يا معشر القراء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد رحم الله القائل-يوم قال-: والله إنَّ الأُمَّة لن تأخذ مَوضعها بين الأمم؛ حتى تضع الكلمة في موضعها.كيف تحيا أمة قد ودعت كلمة العدل ولم تدكِرِ
 خطر المبالغة
فهيا أخي: أقبل بقلبك وقالَبك، واسمع إلى صاحب كيف تحاور وهو يخاطبك قائلاً: لتبتعد عن تهوين ما لا يعجبك، وتهويل ما يعجبك؛ فإنَّك إن اشتهرت بذلك، فسيضطر صاحبك لتفحُّص عينيك عند سماع جديد الأخبار منك. إنَّ الحقيقة غالية عند أصحاب النفوس القويمة، والعقول المستقيمة، ولو كانت في غير صالحهم، فهي على مرارتها ثمينة، أمَّا غيرهم فيخدع نفسه، ويخدع غيره.فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفَي قصد الأمور ذميم بالملح نصلح ما نخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير صور العمى شتى وأقبحها إذا نظرت بغير عيونهن الهام دواؤك منك ولا تشعر وداؤك فيك ولا تبصر
الأصل في المسلم السلامة
السابعة عشرة: الأصل في المسلم السلامة: من المبادئ المهمة في التعامل على الطريق بين المسلمين: إحسان الظن بهم، وخَلع المنظار الأسود عند النظر إلى مواقفهم وأعمالهم، فكيف بنيَّاتهم، والحكم على سرائرهم، التي علمها عند من لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر وعلانية؟ الأصل في المسلم الستر والصيانة حتى تظهر منه الخيانة، لكن من الناس من مِنظاره أسود، أفهام الناس عنده سقيمة، ومقاصدهم سيئة، كلما سمع من إنسان خيراً كذَّبه، وكلما ذُكر عنده أحد بخير طَعَنَ فيه وجَرحه.هم الشوك والورد أقرانهم وليس لدى الشوك غير الإبر فكنت كذئب السوء لما رأى دما بصاحبه يوما أحال على الدم يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ولو ظفروا بي ساعة قتلوني مُبدع، لكنه إبداع سلبي، مُبدع في تحطيم ما بيْنه وبين الناس من جسور الثقة، والذي يريد هداية الناس يبني جسور الثقة بينه وبين الناس؛ ليكسَب القلوب، فيزرع فيها خوف وحب علاَّم الغيوب.
 العز بن عبد السلام وسلامة صدره
هاهو الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله لقي من صنوف الأذَى على يدي الأشرف موسى ما لقي، ثم رجع الأشرف إلى الحق بعد ما تبيَّن له، وأحبَّ الشيخ حُباً جَمّاً، وقدَّمه على غيره، وعمل بفتاواه، ولمَّا مرض الأشرف قال: يا عز ؛ اجعلني في حِلٍّ، وَادْعُ لي، فقال الشيخ: أما مُحَالَلَتُك، فإنِّي كل ليلة أُحَالِلُ الخلق، وأَبِيتُ وليس عندي لأحد مَظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله، لا على عباد الله؛ عملاً بقول الله: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]. صفوحٍ عن الإجرام حتى كأنه من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالي أن يكون به الأذى إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما ثم أوصاه الشيخ بالصلح مع أخيه فتمَّ له ذلك، ثم ذَكَّره بمنع المنكرات، وإبطال ما يمارس العُمَّال من المُوبِقات مِن إباحة الفُروج وإدمان الخمور وارتكاب الفُجور، وقال له: إنَّ أفضل ما تَلقى الله به أن تُبطل ذلك في مملكتك، فأَمَر بإبطال ذلك كله، وقال للشيخ: جزاك الله خيراً، وجمع بيني وبينك في الجنة بمَنِّه وكرمه، ولَقي الله، فرحمه الله!هكذا أخي يجب أن نكون من حسن الظن بالمسلمين، حتى نَصِل بدعوتنا إلى سُوَيْدَاء قلوب المدعوين. فمن وجد الإحسان قيدا تقيدا وعلنا أنْ نَطَّرِحَ سوء الظن واتباع الهوى، فاتباع الهوى يُفرِّق ويشتت ويمزق؛ لأن الحق واحد، والأهواء بعدد رءوس الخلق، ومن أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هُدى من الله؟!تراه كدود القز ينسج دائماً ويهلك غماً وسط ما هو ناسجُ فخير لك -إن أردت النجاة على الطريق- أنْ تسيء الظن بنفسك لا بالمسلمين؛ لأنَّ حُسن الظن بالنفس يمنع كمال التفتيش عن عيوبها، ويُلبِّس عليك مثالبها، فترى المساوِئ محاسن، والعيوب كمالاً.وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فلا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو أجهل الناس بنفسه.ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال إذا رأيت الهوى في أمة حكماً فاحكم هنالك أن العقل قد ذهبا
البشر عرضة للخطأ
الثامنة عشرة: من ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟ ما مِنَّا أحد إلا وَلهُ زلَّة وخطأ وسَقطة، ورأي قد يكون فيه كَبوة، وزلَّة المسلم إمَّا أنْ تُعرف، وُتشاع، وتُذاع، فيستمرئها صاحبها وينسلخ عنه الحياء ويصعب عليه الرجوع -كما يقول صاحب ضوابط العمل - وإمَّا أنْ تكون زلته حبيسة في صدره، لا يعلمها إلا الله وحده، فهذا رجوعه أسرع بإذن الله وأقرب، فلا يكن أحدنا عوناً للشيطان على أخيه، فَلَيسَ الذِّئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئب.ولا يجُوز الباب إلا عاقل مؤمن، يختار رضوان الله العلي الكبير، إنَّ العامل يتعرض لعَثرات، وقد يحصل منه هَفَوات، ثم ينبري له مَن سِلْمُه حَرْب، وذَلُولُه صعب، يشيع ويذيع، لا يَقرُّ له قرار، ولا ينعَم له بال، كأنما يتقلب على حَسَك السَّعْدَان، أو يَتَلَوَّى على جمر الغضا، ينحب وينبح ويلهث، يَنكَأ جروحاً، ويُثير أشجاناً، يرفع عقِيرته، لا يعجبه أحد، ولا يرتاح لبُرُوز أحد، إرضاؤه لا يُدرَك، أَطْيَش من ذُباب لو وُزِنت أحلامه الخِفافا على الميزان ما وزنت ذبابا جليد، بليد................ وما على الكلب أن يعتاده السعر ..............ومن العجا ئب أن مثل لسانه لم يبتر فمطالب بإعادة، ومطالب بزيادة، ومهلل، ومصفق كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة وإن ينل شبعا ينبحك من أشر ............. فيا عجبا من زائر وهو ثعلبُ يخال سكوت الليث وهنا فيعتدي غرورا وينسى بأسه حين يغضب فالتعامل معه كالآتي: لا يُلتفت إلى ما في كلامه من طعن، ويُؤخذ ما فيه من حق -إنْ وُجد-فإنَّ الحق هو الحق، وللداعية خيرُه، وعلى الطَّاعِن شَرُّه.فما الأسد الضرغام يوماً بعاكس صريمته إن أَن أو بصبص الكلب
 لا ينبغي الطعن في الآخرين بمجرد الاختلاف معهم
واعجباً لمسلم قبل أن يتعلم مسألة من مسائل الدين، يتعلم كيف يقع في إخوانه المسلمين، ثم يريد أن ينجح ويفلح، متى يفلح؟ متى يفلح مَن يطعن في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من سنين؟ متى يفلح من يشفي صدور قوم كافرين بالوقوع في إخوانه المسلمين؟! تعشى عيون في النهار فلا ترى وترى عيون في الظلام وترقب ويسير ذو جهلٍ بحكمة غيره ويتيه ذو العقل السديد ويسلب فيا معاشِر الموحدين! إنَّ أي إنسان يستطيع أن يرمي غيره بكل نقيصة، لكنه لا يستطيع أن يُثبت دعواه إلا إذا كان صادقاً!وكم على الأرض أشجار مورقة وليس يرجم إلا من به ثمر كل يصيد الليث وهو مقيد ويعز صيد الضيغم المفكوك واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، ولو أنه كلما اختلف اثنان تهاجرا وتقاطعا ما بقي بين المسلمين أُخوَّة؛ فَلْيتَّقِ الله امرؤٌ في إخوانه، وليتسع صدره لوِجهات نظرهم، فلا تذهب معه المروءة والمحبة، والمؤمن يستر وينصح، لا يهتك ولا يفضح.أمنا التقوى وقد أرضعتنا من هواها ونحن نأبى الفطاما فاشرب من الماء القراح منعماً فلكم وردت الماء غير قراح وهات حديثاً كقطر الندى يجدد في النفس ما بددا فيضحي لآمالنا منعشاً ويمسي لآلامنا مرقدا وقفة جانبية أخرى على الطريق: تقول: لا تسل لئيماً؛ فأذل من اللئيم سائله. من كان يأمل أن يرى من ساقط نيلاً سنيا فلقد رجا أن يجتني من عوسج رطباً جنيا
الاعتناء بالحقائق وعدم الاغترار بالمظاهر
التاسعة عشرة: ما كل عُود ناضر بنُضار: ما كل مَن حَسُن منظره حسن مَخبَره، فلا تُغَلب المظاهر على الحقائق على الطريق: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] وابلُه تَقْلِه أو تحببه.فما الحسن في وجه الفتى شرف له إذا لم يكن في فعله والخلائق إنَّ من عباد الله على الطريق من تشرئب إليه الأعناق، ويسترعي الانتباه، لكنه خائر بائر لا خير فيه، فلا يُغتَرُّ به .لهم منظرٌ في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع فمردودٌ بهاؤهم عليهم كما رد النكاح بلا ولي ومِن عباد الله على الطريق من لا تشرئب إليه الأعناق، ولا يسترعي الانتباه، لكنْ يجري الله على يديه الخير الكثير.متبذل في القوم وهو مبجل متواضع في الحي وهو مكرم ثبت أنه مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا؟ قال: رجل من أشراف الناس، حَرِيٌّ -والله- إن خَطَبَ أنْ يُنكح، وإنْ شَفَعَ أن يُشَفَّع، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال صلى الله عليه وسلم للرجل: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، حَرِي إنْ خَطَبَ ألا يُنكَح، وإنْ شَفَعَ ألا يُشَفَّع، وإنْ قال ألا يُسمَع لقوله، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا).وبعض الناس ماء رباب مزنٍ وبعض الناس من سبخ الملاح والسيف ما لم يلف فيه صيقلٌ من طبعه لم ينتفع بصقال والسيف ليس بضائرٍ إذا صح نصل السيف ما لقي الغمد ولا ينفع الأصل من هاشمٍ إذا كانت النفس من باهلة دخل أعرابي رث الهيئة في عباءة خَلِقَة على معاوية رضي الله عنه وأرضاه فاقتحمته عينه، وغدا ينظر إلى عباءته الخَلِقَة، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها.وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث أنفذته يبري فإن تكن الأيام أزرت ببزتي فكم من حسامٍ في غلافٍ مكسر فأدناه وقربه، وعلم أن في العباءة ما فيها. عجبت لمن ثوبه لامع ولكنما القلب كالفحمة مظاهر براقة تحتها بحار من الزيف والظلمة وتكلم آخر مُحتقر، عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب، حتى خُلِب به لب عبد الملك وأُعجب به، فقال له: ابن من أنت؟ فقال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي توصلتُ بها إليك، وأهلتني لأن أتكلم بين يديك فأَخْلِب لُبَّك، أبى الله أن أسمو بجد ولا أب.فما أنا إلا السيفُ يأكل جفنه له حليةٌ من نفسه وهْو عاطلُ وليست رغوتي من فوق مذق ولا جمري كَمِين في الرمادِ قال: صدقتفما الفخر بالعظم الرميم وإنما فخار الذي يبغي الفخار بنفسه
 التجمل أمر مشروع لكنه ليس مقياساً للتفاضل
إنَّ من أحوال المسلم أن يَحْتفي ويَنْتعل، ويمتشط ويدع ذلك، ويلبس اللباس الجميل والحذاء الحسن، ومع هذا لا تتحكم هذه المظهرية فيه، ولا يوزن بها، ولا تأسر شخصيته، فهو يحكمها ويأسرها، خلافاً لموازين معكوسة جعلت المظهرية هي الميزان.قيمةُ المرءِ عندهم بين ثوبٍ باهرٍ لونُه وبين حذاءِ ماذا لو خرج العالم حافيًا بين الناس؟ أينقص علمه وقدره؟ ماذا لو انتعل الغبي الجاهل أحسن النعال، أيصبح عالماً فقيهاً؟ ماذا لو لبس المعتوه أحسن الثياب وأجملها، أيغْدُو ذا لبٍ؟ إن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غِمْده والحمائلُ إنَّ الاكتفاء في المقاييس بارتداء الملابس والامتشاطات الساحرة والعطور المنعشة مع عدم النظر إلى التقوى والعلم، والرأي حَيف ونكسة.رب ذي مظهرٍ جميلٍ توارى خلف أثوابه فؤاد خئون إن اللباس الحسن والترجل والتطيب من الأمور المشروعة ومن زينة الحياة، لكن ليست هي الأصل، وليست هي المقياس في الحكم على الناس، إن التراب مكمن الذهب، فلا يغرنَّك حسن المظهر وحسن الهيئة وجمال الهندام والبزة، فكم ممَّن ارتداها وهو يحمل بينها نخاعاً ضامراً، وفكراً بائراً، وقلباً حائراً، فهل يقدم مثل هذا؟ كلا. وهل تروق دفيناً جودة الكفن {رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرَّه}كما ثبت في صحيح مسلم رحمه الله. لا يغرنك البهاء والصور تسعة أعشار من تراهم بقر ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فالعبرة كل العبرة بصلاح القلوب والأعمال لا بالصور والأموال، ولا بالمظاهر والأشكال، وإنما تُنْصر الأمة بضعيفها، بصلاته ودعائه، فلا تَغرنَّك المظاهر؛ وابْلُ الرجال تحبهم أو تُبغضهم، ومن ثمارهم تعرفونهم.وعلى الفتى لطباعه سِمة تَلُوح على جبينه لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير يُصرفه الصغير بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير فإن كنت في شك من السيف فابله فإما تنفيه وإما تعده
التحذير من العجب
العشرون: بقدر الصُعود يكون الهبوط؛ بمعنى: احذر العُجْب والتَّعالي والغرور؛ فهو دليل السَّفه، ونقص العقل، ودُنُوِّ النفس، لا يزال الشيطان بالإنسان إلى أن ينظر إلى نفسه وعمله نظرة إعجاب وغرور وإكبار، فيقول له: أنت فعلت وفعلت، حتى يُلْقِي في روْعه أنَّه لا مثيل له ولا نظير، فيعجب بنفسه ويغتر، فيهلك وهو لا يشعر، ثم يتوقف عن العمل فيشقى؛ لأنَّ السعادة إنَّما تُدرك بالسعي والطلب، والمُعْجَب يرى أنه وصل فلا حاجة للسعي، فيقضي العمر كله وهو يراوح مكانه، لا يتقدم لِمَكْرُمةٍ، ولا يرْتَقِي لمنزلةٍ، ولولا السعي لم تكن المساعي.فما خير برق لاح في غير وقته وواد غدا ملآن قبل أَوانه عند ذلك يرفض الحق، ويحتقر الخَلْق، ويُدَاوم تَزْكية النَّفس أمام الخلق، ويفرح بعيوب أقرانه من الخلق، ثم يَسْتعصي على النصح، ولا يعترف بجهود الآخرين، يُداوم الحديث عما ينجزه من أعمال، ويرفض الرجوع عن الخطأ، بل يُحاول تبرير الخطأ، يَسْتَبِد بِرأْيه؛ فرأيه صواب لا خطأ فيه، لا يستشير أهل التجارب العقلاء، ولا يستنير بآراء الأكياس الفُطَناء، يَهْتَم بشواذِّ المسائل وغريبها، ويُهمل العمل بأصول المسائل، ثم يرفض الجلوس للتَّعلم في حلقات العلم.ألج لجاجاً من الخنفساء وأزهى إذا ما مشى من غراب هو الغريق فما يخشى من البلل جذ السنام له وجذ الغارب فحاله يا له من حال! كالصخرة الصماء الضخمة على القمة والسفح، تغادرها خيرات السماء حتى تجتمع في الأرض المنخفضة، أو كالبرغوث يحيا ما دام جائعاً، فإذا شبع مات، أو كراكب أراق ماءه لرؤية السَّراب، ثم ندم حيث لا ينفع ندم ولا حسرة، أو كرجل في قمة جبل يرى الناس في السَّهل كالنمل، ويراه الناس في القمة كالذر وهو لا يشعر.مثل المعجب في إعجابه مثل الواقف في رأس الجبل يبصر الناس صغاراً وهو في أعين الناس صغيراً لم يزل أو كالسُّنْبلة الفارغة من الحب بين السنابل المملوءة بالحب، تجدها رافعة رأسها تتعالى على صديقاتها وصُوَيْحباتها، مع أنها لا تصلح إلا علفاً للحيوان، والمملوءة حباً مثقلة بالخير، قد انحنت برأسها ككريم الأصل كلما ازداد من خير تواضع وانحنى العجب باختصار كلبٌ ينبح في قلب صاحبه، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أو كلب. فتنةٌ تضحك أَرْباب النُّهى من مخازيها وتُبْكي البشرا
 عـلاج العجب
علاج العجب: وبعد هذا كله فإني أعرض عليك نقاطاً عدة لعل فيها العلاج لمن أُصِيب بهذا الداء، عافاني الله وإياكم منه.أولاً: العلم واليقين بأن المِنَة لله عز وجل فيما أُعْطِيت من مواهب وقدرات، والله قادر على أن يَسْلبها ما بين غَمْضَة عين وانْتِبَاهتها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].. وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53].ثانياً: دوام حضور مجالس العلم تلميذاً؛ فإن في ذلك تطهيراً للنفس من ذلك الداء وتعريفاً لها بقدرها؛ وذلك هو الدواء.ثالثاً: خدمة من هم دونك مرتبةً وعلماً وقدراً، ومجالستهم ومؤاكلتهم، وشعارك: مسكين بين ظهراني مساكين، فمن وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره. رابعاً: النظر إلى من هم فوقك علماً ومنزلةً وعملاً ورأياً وتفكيراً، إن أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ، وإن أُعْجِبت برأيك، فتفكر في سقطاتك فاحفظها، ثم انظر إلى من هو أعلى منك رأياً، إن أعجبت بعلمك فاعلم أنه موهبة من الله، وانظر إلى من هو أعلم منك: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].خامساً: تأمل عيوب النفس، ثم جد في محاسبتها أولاً بأول، وأنت أعرف بنفسك، كلٌ منا يصف أواني بيته ومحتوياته، ورَبُّ البيت أدرى بما فيه، وأهل مكة أدرى بِشِعَابها، والصيرفي أعرف بنقد الدينار، فإن خفيت على المرء عيوبه حتى ظن أن لا عيب فيه؛ فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصاً، وأعظمهم عيوباً، وأضعفهم تمييزاً، كما يقول ابن حزم : فالعاقل مَنْ ميَّز عيوب نفسه فجَاهَدَهَا، وَسَعى في قمعها، والأحمق من جهل عيوب نفسه، وأحمق منه من يرى عيوبه خصالاً يعجب بها.من أنت إلا عبد مُكَلف موعود بالعذاب إن قَصَّر، مَرْجو بالثواب إن ائتمر، مُؤَلَّف من أقدار، مشحون بأوضار، سائر إلى جنة إن أطاع وإلا إلى نار، أجارك الله من سامع من النار.كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه وهو منه وإليه وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحش بصغر فيطيعه لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر العجب شبان ولا شيب هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة وهو ببضع من الآفات مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرمصة والثغر ملعوب يا بن التراب ومأكول التراب غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب وأتم الناس أعرفهم بنقصه كما قيل. سادساً: اجلس حيث ينتهي بك المجلس، فذلك أدعى لكسر نخوة النفس وعجبها، واتباع للسنة، وأَنْعِم بها من خُلَّة.إذا لم يكن صَدرُ المجالس سيداً فلا خير في مَنْ صَدَّرته المجالس سابعاً: إنَّ التعويل على رحمة الله لا على العمل فحسب، يقول صلى الله عليه وسلم كما في البخاري : {لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته}.ثامناً: تعويد النفس على حب الفرار من الشرف حتى تعتاد، فمن فرَّ منه وهب له، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه. يقول المدائني : رأيت رجلاً من باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة في تيه وعجب، ثم رأيته سافراً راجلاً متعباً مُنْهكاً يحمل متاعه على ظهره، فقلت له: أراجل في هذا الموضع، وأنت من يطوف بالبغلة بين الصفا والمروة ؟ قال: نعم، ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقاً على الله أن أمشي حيث يركب الناس، ومن تواضع لله رفعه. تاسعاً: الاستعانة بالله، واللجوء إلى الله أن يطهرك من هذه الآفات، ومن استعان بالله أعانه الله.فسل العياذ من التكبر والهوى فهما لكل الشر جامعتان وهما يصدان الفتى عن كل طر ق الخير إذ في قلبه يلجان والله لو جردت نفسك منهما لأتت إليك وفود كل تهاني عاشراً: المُجَاهدة: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]. حادي عشر: إذا أُعْجِبت بمدح إخوانك، فَفَكِّر في ذَم أعدائك إيَّاك، فإن لم يكن لك عدو، فوالله لا خير فيك، فلا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله عنده نعمة يُحسد عليها، عافانا الله وإياكم كما يقول ابن حزم رحمه الله.ثاني عشر: التدبُّر والنظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم، ففيهما لمن تدبر عظة وذكرى، ثَبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم -وهو سيد ولد آدم، وخير من دبَّ على الثرى، وهو الأسوة- أنَّه كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويَعْتَقِل الشَّاة، ويُجِيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، ويقول: {إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد} ويقف بين يديه رجل يرعد كما تَرْعَد السَّعفة فيقول: {هوِّن عليك؛ فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد} يمر بالصبيان فيسلم عليهم.قُسِمَ التَّواضع في الأنام جميعهم فذهبت أنت فَقُدتَه بِزِمَامه صلوات ربي وسلامه عليه، يقول أنس : {إن كانت الأَمَة من إِماء المدينة لتأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاءت}.{كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة}.{كان يَخِيطُ ثوبه، ويَخْصِفُ نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم}.{إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده}.لا يأنف صلى الله عليه وسلم أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة.وكان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم ويعود مرضاهم، يشهد جنائزهم، يدعونه إلى خبز الشعير فما يردهم. فكلُّ فعلٍ كريم كان فاعله يحيي القُلوب ويحيي ميِّت الهِمَمِ صلوات الله وسلامه عليه.يلين لكل ذي ضعفٍ وعجز وكم لان لذي جهل فَلانا رسول يحمل الأطفال لطفاً ويجعل عاتقيه لهم حصانا ويختصر القراءة حين يبكي صبيٌّ والموفق من ألانا يلاطف أهله أَكْرِم بزوجٍ يعفُّ الأهل يغمرهم حنانا يقاسمهم متاعبهم معيناً ................... فكم خصف النِّعال وخاط ثوباً وكم من شاته ملأ الجفانا زعيم القوم خادمهم فطوبى لمن خدم الرعية أو أعانا تشبه بالرسول تفز بدنيا وأخرى والشقي من استهانا فأخلاق الرسول لنا كتاب وجدنا فيه أقصى مبتغانا وعزتنا بغير الدين ذل وقدوتنا شمائل مصطفانا صلوات الله وسلامه عليه.ويأتي من بعده كوكبةٌ من أتباعه الذين رباهم صلى الله عليه وسلم، ليَنْهَجوا نهجه، ويَسْتَنُّوا بسنته، فإذا أنت بخير من دب على الثرى بعد الأنبياء والمرسلين؛ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يبعث وينفذ جيش أسامة ضارباً بكل مثبط عرض الحائط، ليخرج في وداعه ماشياً وأسامة راكباً، يقول أسامة : [[يا خليفة رسول الله؛ لتركبن أو لأنزلن. فيقول: والله لا ركبتُ ولا نزلتَ، وما عليَّ أن أُغَبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة، وإن شئت أن تُعينني بـابن الخطاب فافعل]]. ثم يقولها أخرى: [[لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب]].عَضْبُ العزيمة في المكارم لم يدع في يومه شرفاً يطالبه غدا ورُوِى عن الفاروق : أنه لقيه أحد الصحابة وهو يحمل قربة على عاتقه، فقال له: [[يا أمير المؤمنين! أغناك الله وأرضاك، وخَوَّلَك الله وأعطاك، فما يَحْمِلُك على ما أنت فيه؟ قال: إن ما تقوله حق، لكن لما جاءت الوفود سامعة مطيعة، دخلتني نخوة، فأردتُ أن أَكْسِر تلك النخوة في قلبي، ثم مال بالقربة إلى حجرة أرملة من الأنصار، فأفرغها في جرارها]].فمن يباري أبا حفص وسيرته ومن يُحاول للفاروق تشبيها ثم ينادي عمر يوماً: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس وكثروا، وقالوا: الأمر خطب وعظيم، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: [[أيُّها الناس؛ لقد رأيتني وأنا أرعى غنيمات لخالات لي من بني مخزوم على قبضة من تمر، أو قبضة من زبيب، فأظل يومي وأي يوم، وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل من على المنبر. فقال ابن عوف رضي الله عنه: وَيْحَك يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمئت نفسك وعبتها أمام الرعية، فقال: ويحك يـابن عوف ! لقد خلوت بنفسي فحدثتني فقالت: أنت أمير المؤمنين، من ذا أفضل منك، فأردت أن أُذِلَّها وأُعَرِّفَها قدرها]].كذلك أخلاقه كانت وما عُهِدَت بعد أبي بكر أخلاقٌ تُحاكيها لعل في أمة الإسلام نابتة تجلو لحاضرها مرآة ماضيها وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: [[رأيت عثمان رضي الله عنه نائماً في المسجد في ملحفةٍ له، ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين]].ظهر الحيا وانهل ذاك البارق ونداك فياح ومجدك سابق وتقسم الناس الحياء مجزءاً فذهبت أنت برأسه وسنامه رضي الله عن عثمان ، وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويُخْرِج ابن عساكر عن زادان أنَّ علياً رضي الله عنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضَّال، وينشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبيَّاع والبقَّال، فيفتح عليه القرآن. ويرد في صفوة الأخبار : أنه اشترى لحماً بدرهم فحمله في ملحفة ، فقال له رجلٌ: أحمل عنك يا أمير المؤمنين. قال: [[لا. أبو العيال أحق أن يحمله]] ما تواضع أحد لله إلا رفعه.فَرع سَما في سماء العز مُتخذاً أصلاً ثوى في قرار المجد مغروسا و خالد ما خالد ؟ أعني ابن الوليد رضي الله عنه وأرضاه ما هُزم في جاهلية ولا إسلام، وهو في أوج انتصاراته، يأتيه خبر عزله من قبل أمير المؤمنين عمر عن قيادة الجيش لمصلحة يراها أمير المؤمنين، فيقول خالد: [[والله لو وَلَّى علىَّ أمير المؤمنين عبداً أسود اللون لسمعت له وأطعت، ما دام يقودني بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم]].لانت مَهزَّته فعز وإنما يشتد بأس الرمح حين يلين وقيل لـعمر بن عبد العزيز رحمه الله: لو أوصيت بدفنك بجوار عمر رضي الله عنه في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والله لأَن أَلْقى الله بكل ذنبٍ غير الشرك أحبُ إليَّ من أن أراني أهلاً لتلك المنزلة، اللهم إن عمر ليس أهلاً لأن يَنال رحمتك، لكن رحمتك أهلٌ أن تنال عمر".ينسى صنائعه والله يظهرها إن الكريم إذا أخفيته ظهرا ويأتيك الإمام مالك يَبْرق في ثوب التواضع يَرْفُل عزاً، فيقول: ما رأيت مسلماً إلا وظننت أنه خير مني. وكذا السحائب قلما تدعو إلى معروفها الرواد إن لم تبرق واسمع إلى ابن القيم وهو يُحَدِّث عن شيخه ابن تيمية رحمه الله فيقول: كان كثيراً ما يردد: ما لي شيء، ما منى شيء ولا فِيَّ شيء.أنا المُكَدِّي وابن المُكَدِّي وهكذا كان أبي وجدي ويكتب بخط يده: أنا الفقير إلى رب البَرِيَّات أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظَلُوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ ولا عن النفس لي دفع المَضَرَّات والفقر لي وصفُ ذات لازمٌ أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعِهم وكلهم عنده عبداً له آتي يُثْنى عليه في وجهه فيقول: والله إني لإلى الآن أجدد إسلامي في كلِّ وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً. رحمه الله! كأن القائل يعنيه يوم قال: فَصَعَدت في دَرج العُلا حتى إذا جِئْت النُّجوم نزلت فوق الفَرْقَد على هذا سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحون من بعدهم، لم يتسلل العُجْب إلى نفوسهم، ولم يدخل الغرور إلى قلوبهم، تواضعوا لله فرفعهم الله، وفي الدنيا والآخرة يكرمهم بإذنه: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].بتنا نعيش على كرام فعالهم هيهات ليس الحر كالمستعبدِ أين الجبال من التلال أو الربى ين القوي من الضعيف القعددِ لا القوم منا لا ولا أنا منهم إن لم أفقهم في العلا والسؤددِ إن عد أهل التقى كانوا أئِمتهم أو قِيل من خير أهل الأرض قِيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزِمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم إلى من عَمِي في شمس نهاره، وعَثُر في ذيل اغتراره، وسقط سقوط الذُبَاب على الشَّراب، وتَهَافت تهافُت الفَراش على الشِّهاب، إن العُجْب أَكْذب، ومعرفة النفس أَصْوب، ولا شيء -والله- أنفع لها من الافتقار إلى بارئها. بقدر الصُعود يكون الهُبُوط فإيَّاك والَّنفخة العاتية وكن في مكان إذا ما وقعت تقوم ورجلاك في عافية
الإيمان بأن المستقبل لهذا الدين
الحادية والعشرون: لا تكن يائساً.فالمستقبل لدين الله، والعزة لأولياء الله، منا من رأى تَفَشِّي الشر والمُنْكر وانْتِشاره واستفحاله، رأى العدو تَبَجَّح وتَقَوَّى؛ وتحت ظِل هذه الرؤية رأى أنه مهما عملنا فلن نغير من الواقع شيئاً، ولن نَجْنِي سوى التعب والمشقة، فليس إذاً في السعي فائدة، فإذا بك تنظر إليه مُتَجَهِّم الوجه، عاقد الحاجبين، مُقَطِّب الجبين، رافعاً راية: لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر .يحسب يوم الجمعة الخميس، مُردداً حين يُطْلب منه خدمة دينه ولو بكلمة: (أنت تُؤَذِّن في خرابة، لا أحد حولك، وتنفخ في قرب مقطوعة) وغيرها من العبارات. تصدا بها الأفهام بعد صقالها وترد ذكران العقول إناثا هَلَك النَّاس في نظره، وقد هلك.وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه النفسية وصفاً دقيقاً في قوله ما ثبت عند مسلم: ( إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم).
 إنما يأتي النصر لمن يستحقه
إن المستقبل لهذا الدين بلا منازع، لكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية، وإنما هو بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من مُنْطَلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة ، ووعد الله لن يتخلف، ولكنه لن يتحقق أبداً على أيدي أقوام لا يستحقونه، ولا يفهمون سننه، ولا يضحون من أجله. فإذا حاولت في الأفق منى فاركب البرق ولا ترض الغمام وما السيف إلا زبرة لو تركته على الخِلقة الأولى لما كان يقطع ألا إنني لا أركب اليأس مركبا ولا أكبِر البأساء حين تغير نفسي برغم الحادثات فتية عودِي على رغمِ الكوارثِ مورِق أيها اليائس مت قبل الممات أو إذا شِئت حياة فالرجا لا يضِق ذرعك عند الأزمات إن هي اشتدت وأمل فرجا البيض تصدأ في الجفون إذا ثوت والماء يأسن إن أقام طويلا صانع السيف كمن يشهره في سبيل الله بين الجحفل حقق الله لنا آمالنا وعلى الله بلوغ الأمل هذا مجمل ما أردت قوله، وأرجو الله ألا أكون ممن تخدعه الشمس بطول ظله، أو تغره النفس بكثرة وقله، إن هي إلا إشارات؛ بعضها متمنى فات، وبعضها لا يزال في بطون المؤلفات، لم آت فيها على آخر فرادة، ولا أزعم أني أوفيت على الغاية في الإفادة، قد قلت بمقدار ما اجتهدت، وما شهدت إلا بما علمت، ومن جعل أنفه في قفاه؛ فإنما السوءة أن يفتح فاه، على أنني كنت قد عجزت، ووعدت بالكلام أكثر فما أنجزت، لكن لا ضير أن أصف النجم في سراه، وإن لم أستقر في ذراه، إن هي إلا لبنة على الطريق، وأرجو أن تكون بقدر الياقوت والعقيق، وما أُراني بعد قد شفيت غُلة النفس، وبلغت بها أمنيتها؛ فإنها تنظر إلى كثير وكثير، وأما أنا فإني أشد فقراً إلى عون الله وتثبيت وتوفيق.أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفع بهذه الإشارات القليلة، وأن يتقبل منا ومنكم ويصلح السريرة، ويحسن الطوية؛ هو ولي ذلك والقادر عليه.سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , على الطريق [1، 2] للشيخ : علي عبد الخالق القرني

http://audio.islamweb.net