اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دعوة للتأمل للشيخ : علي عبد الخالق القرني


دعوة للتأمل - (للشيخ : علي عبد الخالق القرني)
هذه دعوة للتأمل في آيات الله، والتجول في صفحات هذا الكون وآياته ومعرفة عظمة الخالق.. فله في كل شيء آية يُعرف منها العظمة، والقدرة والتفرد والكمال.الماء والهواء، والليل والنهار، والشمس والقمر، والحيوان والنبات واختلاف الألسنة والألوان كلها آيات تلهج بذكر الله، وتدل على وحدانيته، فهل من معتبر ؟!
الحث على التفكر في آيات الله في الكون
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ.الحمد لله، أصبحت له الوجوه ذليلة عَانِيَة، وحَذِرتَه النُّفوس مجدّة ومتوانية، ذمَّ الدنيا إذ هي حقيرة فانية، وشوَّق لجنة قطوفها دانية، وخوَّف صرعى الهوى أن يُسقوا من عينٍ آنية.أحمده على تقويم شانيه، وأستعينه وأستعيذه من شر كل شان وشانية، وأحصِّن بتحقيق التوحيد إيمانيه، أحمده وهو العليم العالم بالسِّر والعلانية، فالسر عنده علانية. فهو العليم أحاط علماً بالـذي في الكون من سر ومن إعلان وهو العليم بما يوسوس عبـده في نفسه من غير نطق لسان بل يستوي في علمه الداني مع الـ ـقاصي وذو الإصرار والإعلان فهو العليم بما يكون غداً ومـا قد كان والمعلوم في ذا الآن وبكل شي لم يكن لو كان كيف يكون موجوداً لذي الأعيان فهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سرٍ ومن إعلان فلكل صوت منه سمع حاضر فالسر والإعلان مستويان والسمع منه واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والدَّاني ويري دبيب النمل في غسق الدُّجى ويرى كذاك تقلُّب الأجفان لهو البصير يرى دبيب النملة السوداء تحت الصَّخر والصَّوَّان ويرى مجاري القوت في أعضائها ويرى نِيَاطَ عروقها بعيان ويرى خيانات العيون بِلَحْظِها إي والذي برأ الورى وبَرَانِي فهو الحميد بكل حمدٍ واقع أو كان مفروضاً على الأزمان هو أهله سبحانه وبحمده كل المحامد وصف ذي الإحسان فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني ولك المحامد ربنا حمًدا كما يرضيك لا يفنى على الأزمان ملء السماوات العلى والأرض والموجود بعد ومنتهى الإمكان مما تشاء وراء ذلك كله حمداً بغير نهاية بزمان وعلى رسولك أفضل الصلوات والتسليم منك وأكمل الرضوان صلى الإله على النبي محمد ما ناح قُمْرِيٌ على الأغصان وعلى جميع بناته ونسائه وعلى جميع الصَّحب والإخوان وعلى صحابته جميعاً والأُلَى تبعوهم من بعد بالإحسان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]أما بعد:أحبتي في الله: إنها دعوة؛ دعوة إلى التأمل، دعوة موجَّهة إلى القلوب الذاكرة العابدة الخاشعة، دعوة إلى من يتفكرون، ويسمعون، ويعقلون، ويؤمنون، ويفقهون.. إلى أولي الألباب.. إلى أولي الأبصار.. إلى أولي الأحلام والنُّهَى.. إلى من يتأملون، ويتدبرون فينتفعون، فلا عند حدود النظر المشهود للعيان يقفون، بل إلى قدرة القادر في خلقه ينظرون، ولسان حالهم ومقالهم: لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإليه تُرْجَعُونَ [القصص:70] ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم وكذلك يفعلون. وهي كذلك دعوة إلى الغافلين، السَّاهين، اللاهين، المعْرِضين، إلى من لهم عيون بها لا يبصرون، وآذان بها لا يسمعون، وقلوب بها لا يفقهون. إلى من هم كالأنعام يأكلون ويشربون ويتمتعون ولم يحققوا معنى: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].إلى من هاجموا التوحيد ولم يفهموه، وهاجموا الإسلام ولم يعرفوه، ونقدوا القرآن ولم يقرءوه.إلى من يمرُّون على آيات الله وهم عنها معرضون، إليهم هذه الدعوة؛ علَّهم يستيقظون، ويفقهون، ويعقلون، فيقدرون الله حقَّ قدره، لا إله إلا هو فأنى يؤفكون: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [الزمر:6].إنها باختصار دعوة إلى العلم بالله علماً يقود إلى خشيته ومحبته، فمن كان به أعلم كان له أخشى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] وهي أيضاً دعوى إلى تعبد الله بمقتضى ذلك العلم، في تمام خضوع وذل ومحبة من طريقين اثنين:الأول: التدبر في آيات الله الشرعية المتلوة في كتابه العزيز.والثاني: النظر في مخلوقات الله، وآياته الكونية المشهودة: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:190-191].هي دعوة إلى التأمل في بديع صنع الله، وخلقه وبيان ما في هذا الكون من إبداع ينطق بعظمة الخالق جل وعلا، ووحدانيته في ربوبيَّته، وألوهيته وأسمائه وصفاته.كيف والكون كتاب مفتوح يُقرأ بكل لغة، ويُدرك بكل وسيلة، يطالعه ساكن الخيمة، وساكن الكوخ، وساكن العمارة والقصر، كل يطالعه فيجد فيه زاداً من الحق إن أراد التطلع إلى الحق.إنه كتاب قائم مفتوح في كل زمان ومكان، تبصرة وذكرى لكل عبدٍ خضع وأناب.يأخذك كتاب الله إن تأمَّلته في جولات وجولات، ترتاد آفاق السماء، وتجول في جنبات الأرض والأحياء، يقف بك عند زهرات الحقول، ويصعد بك إلى مدارات الكواكب والنجوم.يفتح بصرك وبصيرتك إلى غاية إحكام وإتقان ليس له مثيل، قد وضع كل شيء في موضع مناسب، وخُلِق بمقدار مناسب.يُرِيك عظمة الله، وقدرة الله، وتقديره في المخلوقات، ثم يكشف لك أسرار الخلق والتكوين، ويهديك إلى الحكمة من الخلق والتصوير، ثم يقرع الفؤاد بقوله: أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:63].إن نظرت إليه بعين البصيرة طالعك بوحدانية الله في الربوبية مستدلاً بها على وحدانيته في العبادة والألوهية، ذلَّت لعزة وجهه الثَّقلان.وفي نهاية الآيات، يقرع القلوب، ويطرق الآذان، ويصكُّ المشاعر والأحاسيس بذلك التعقيب الإلهي العظيم: (لعلهم يذكَّرون).. (لعلهم يتفكرون).. (لعلهم يتَّقون).. (لعلهم يرجعون).. كل هذا، وهناك من هم عنه معرضون: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ [الفرقان:44].إنه حديث طويل، يطالعك في طوال السور وقصارها، لكنه مع ذلك شائق جميل، تسكن له النفس، ويتلذَّذ به السمع، وتتحرك له الأحاسيس والمشاعر، تستجيب له الفِطَر السليمة المستقيمة، ومع ذا ينبِّه الغافل، ويدمغ المجادل المكابر؛ إذ هو حق، والحق يسطع ويقطع. والحق شمس والعيون نواظر لا يختفي إلا على العميان والشرع والقرآن أكبر عُدَّة فهما لقطع لجاجهم سيفان
 

جولة في صفحات الكون الدالة على توحيد الله
فتعالَ معي أخي لجولة أرجو ألا يستطيلها مَلُول، وألا يستكثرها مشغول، نرتاد فيها هذا الكون بسماواته وأرضه وأحيائه، متأملين متدبِّرين: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164].فاللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزن إذا شئت سهلاً.تأمل في الوجود بعين فكر ترى الدنيا الدنيئة كالخيال ومن فيها جميعاً سوف يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال تأمَّل واطعن برمح الحق كل معاندٍ واركب جواد العزم في الجولان واجعل كتاب الله درعاً سابغاً والشرع سيفك وابْدُ في الميدان السماء بغير عمدٍ ترونها، من رفعها؟ بل الكواكب من زيَّنها؟ الجبال: من نصبها؟ الأرض: من سطحها وذلَّلها وقال: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]؟ الطبيب: من أرداه وقد كان يرجى بإذن ربه شفاه؟ المريض وقد يُئِس منه: من عافاه؟ الصحيح: من بالمنايا رماه؟ البصير: في الحفرة من أهواه؟ والأعمى في الزِّحام: من يقود خُطَاه؟ الجنين في ظلماتٍ ثلاثٍ: من يرعاه؟ الوليد: من أبكاه؟ الثعبان: من أحياه والسُّم يملأ فاه؟! الشَّهد: من حلاَّه؟ اللبن: من بين فرث ودم من صفَّاه؟ الهواء تحسُّه الأيدي ولا تراه الأعين: من أخفاه؟ النَّبت في الصحراء: من أرْبَاه؟ البدر: من أتمَّه وأسراه؟ النخل: من شقَّ نواه؟ الجبل: من أرساه؟ الصخر: من فجَّر منه المياه؟ النهر: من أجراه؟ البحر: من أطغاه؟ الليل: من حاك دُجَاه؟ الصُّبح: من أسفره وصاغ ضحاه؟ النوم: من جعله وفاة، واليقظة منه بعثاً وحياة؟ العقل: من منحه وأعطاه؟ النحل: من هداه؟ الطير في جو السماء: من أمسكه ورعاه؟ في أوكاره من غذَّاه ونمَّاه؟الجبار: من يقصمه؟ المضطَّر: من يجيبه؟ الملهوف: من يغيثه؟ الضال: من يهديه؟ الحيران: من يرشده؟ العاري: من يكسوه؟ الجائع: من يشبعه؟ الكسير: من يجبره؟ الفقير: من يغنيه؟أنت أنت: مَنْ خلقك؟ من صوَّرك؟ من شق سمعك وبصرك؟ من سوَّاك فعَدَلَك؟ من رزقك؟ من أطعمك؟ من آواك ونصرك؟ من جعل ملايين الكائنات ترتادُ وأنت لا تشعر فَمَك؛ ولو اختفت لاختلت وظائف فمك؟ من هداك؟إنه الله الذي أحسن كل شيء خلقه.لا إله إلا هو! أنت من آياته، والكون من آياته، والآفاق من آياته تشهد بوحدانيته.إن تأملت ذلك عرفت حقاً كونه موحداً خالقاً وكونك عبداً مخلوقاً.الكون كتاب مسطور ينطق تسبيحاً وتوحيداً، وذراته تهتف تمجيداً: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [لقمان:11].
  آيات الله في النمل
تأمل تلك النملة الضعيفة، وما أعطيت من فطنة وحيلة في جمع القوت وادخاره، وحفظه ودفع الآفة عنه، ترى عبراً وآيات باهرات تنطق بقدرة رب الأرض والسماوات وتقول : (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ) [النمل:62].انظر إليها تخرج من أسرابها طالبة أقواتها، فإذا ظفرت بها شرعت في نقلها على فرقتين اثنتين، فرقة تحملها إلى بيوتها ذاهبة، وأخرى خارجة من بيوتها إلى القوت، لا تخالط فرقة أخرى كخيطين أو جماعتين من الناس، الذاهبون في طريق والراجعون في أخرى في تناسق عجيب.ثم إذا ثقل عليها حمل شيء، استغاثت بأخواتها فتعاونت معها على حملها، ثم خلوا بينها وبينه، وبلا أجرة، تنقل الحب إلى مساكنها ثم تكسره اثنتين أو أربعة، لئلا ينبت إذا أصابه بلل، وإذا خافت عليه العفن، أخرجته إلى الشمس حتى يجف، ثم ترده إلى بيوتها، ولعلك قد مررت يوماً عليها وعلى أبواب مساكنها حب مكسر، ثم تعود عن قريب فلا ترى منه حبة واحدة.والنمل مع ذلك يعتني بالزراعة وفلاحة الأرض، فقد شاهد أحد العلماء في إحدى الغابات قطعة من الأرض قد نما فيها أرز قصير من نوع بري مساحة القطعة خمسة أقدام في ثلاثة، ويترائى للناظر إلى هذه البقعة من الأرض أن أحداً لا بد أن يعتني بها، الطينة مشققة، والأعشاب مستأصلة والغريب أنه ليس هناك مناطق أرز حول ذلك المكان.ولاحظ ذلك العالم أن طوائف من النمل تأتي إلى هذه المزرعة الصغيرة وتذهب، فانبطح على الأرض ذات يوم ليراقب ماذا يصنع النمل، فإذا به يفاجأ أن النمل هو صاحب المزرعة، وإنه اتخذ الزراعة مهنة تشغل كل وقته، فبعضه يشق الأرض ويحرث، والبعض يزيل الأعشاب الضارة وينظف، وطال الأرز واستوى ونضج، وبدأ موسم الحصاد، وهذا لا زال بمناظيره يراقب، فيشاهد صفاً من النمل وهو في وقت الحصاد متسلقاً شجر الأرز، إلى أن يصل إلى الحبوب فتنزع كل نملة حبة من تلك الحبوب، ثم تهبط سريعاً إلى الأرض، ثم تذهب بها إلى مخازن تحت الأرض لتخزنها ثم تعودَ.وطائفة أخرى أعجب من ذلك تتسلق مجموعة كبيرة منها أعواد الأرز، فتلقط الحب وتلقي به فبينما هي كذلك، إذ بمجموعة أخرى تحتها تتلقى هذا الحب وتذهب به إلى المخازن.ويعيش النمل هناك عيشة مدنية في بيوت، بل في شقق وأدوار، أجزاء منها تحت الأرض، وأجزاء أخرى فوقها، له حراس وخدم وعبيد وهناك ممرضات تعنى بالمرضى ليلاً ونهاراً، وقسم آخر يرفع جثث الموتى ويشيعها ليدفنها، كل هذا يتم بغريزة أودعها الله في هذا القلب، فتبارك الله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38].عالم النمل عالم عجيب، من تأمله ازداد إيماناً ويقيناً بأن وراء ذلك التنظيم المحكم حكيماً خبيراً، بإفراد العبادة له جديراً لا شريك له.إنها تعرف ربها، وتعرف أنه فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بيده كل شيء يوم ضل من ضل، روى الإمام أحمد في الزهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه قال: {خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تدعو ربها، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم}.للنمل مدافن جماعية يدفن فيها موتاه كالإنسان، والنمل ذكي جد ذكي، ويصطاد بطريقة ذكية، يأتي إلى شجرة فينقسم إلى قسمين، قسم يرابط تحت الشجرة قرب جذعها، وآخر يتسلق جذعها لمهاجمة الحشرات التي تكون عليها، وبذلك يحكم الطوق على كل حشرة لا تطير، فتسقط التي تنجو من النمل المتسلق فتقع في شباك النمل المتربص بها عند قاعدتها، من هداها؟ من هيأ لها رزقها؟ إنه القائل: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6] ألا له الخلق والأمر، لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
آيات الله في الحيوانات
وقفة ولعلها استراحة مع عجائب الأحياء ، يذكر صاحب من الثوابت العلمية في القرآن من بعض التصرفات الذكية الألمعية عند الحيوان، ما يلقي الضوء على معنى قول الله: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى طه:50].يذْكَرُ أن طبيباً وجد في طريقه كلباً كسرت إحدى قوائمه، فأخذه إلى عيادته واهتم بها وقومها وجبرها، واعتنى به حتى شفي تماماً، ثم أطلق سراحه، وبعد ذلك بزمن سمع الطبيب قرعاً لطيفاً على باب عيادته فوجد الكلب نفسه مصطحباً معه كلباً آخر مكسور الرجل، جاء به إلى المعاينة والعلاج، فسبحان الله ولا إله إلا الله!هذه عجائب طالما أخذت بهـا عيناك وانفتحت بها أذنك والأعجب من ذلك قصة هرٍ اعتاد أن يجد طعامه اليومي أمام بيت أحد المهتمين به فيأكله، وفي أحد الأيام لاحظ رب البيت أن الهر لم يعد يكتفي بالقليل مما كان يقدم له من قبل، بل أصبح يسرق غير ذلك، فقام رب البيت يرصده ويراقبه فوجده يذهب بالطعام إلى هرٍ أعمى فيضع الطعام أمامه، فتبارك الله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] ومَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هود:56].
 آيات الله في النحل
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله وما فيها من العبر والآيات الباهرات، ألم تر أقراص شمعها السداسية في دقتها الحسابية وإتقان بنائها وإحكام صنعها، الذي أدهش وما زال يدهش علماء النحل والحساب؟ما هي آلات الحساب والمقاييس التي سمحت لهذا المخلوق بالوصول إلى هذا العمل الهندسي الدقيق؟ هل هذا بواسطة قرنين استشعار والفكين الذين يدعي علماء الأحياء أن الطبيعة زودتها بهما؟ سبحان الله! وتبارك الله! عجيب وغريب منطق هؤلاء، يتسترون وراء كلمات جوفاء كالطبيعة والتطور والصدفة، كلما وقفوا أمام بديع صنع الله وإعجازه في الخلق فأنى يؤفكون! وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14]. أفتستر الشمس المضيئة بالسها أم هل يقاس البحر بالخلجان سبحان الله! لله في كل شيءٍ آية، وتعمى عنها عيون أو تتعامى.فقل للعيون الرُّمد إياكِ أن تري سنا الشمس واستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قِطْعٌ من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تُهْدى إلى امرئٍ ضريرٍ وعِنِّين من الوجد خاليا النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ فلا تأكل إلا الطيبات. فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها!للنحلة عيون كثيرة، في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك.ولذا فالنحل يعيش في أماكن يعيش فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس كما هو معلوم ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام، كما هو في بعض البلدان.إنها لحقيقة مذهلة، تدل على حكمة الله، وقدرة الله، ووحدانية الله، وكمال تدبيره فتبارك الله أحسن الخالقين!أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزود بما يمكنه من أداء جميع الوظائف الحيوية، فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبعياً، ولا يتحرج من المواد المرة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه فسبحانه وبحمده لا شريك له!أما سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زودها به! وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله، سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى، عُبِدَ وَوُحِّدَ، وصُلِّيَ له وسُجِدَ له.هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية الجانيات للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواد منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، من علمها وأرشدها؟إنه الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو.تستطيع العاملة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين عشرات الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال، ولذا يقول أحد علماء الأحياء الكفار، وقد رصد النحل بمناظيره فترة طويلة، يقول: يا عجباً لها! تنطلق آلاف الأميال من شجرة إلى ثمرة إلى زهرة، ثم تعود ولا تخطئ طريقها، ربما أن لها ذبذبات مع الخلية، أو أنها تحمل لاسلكياً يربطها بالخلية، ربما.. ربما.ثم يقف حائراً بليداً تائهاً، أما نحن فلا، إنا نوقن أن الله ألهمها ذلك، وأوحى إليها، وعندنا سورة في كتاب الله تسمى سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:68-69].تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حراساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر فسبحان من ألهمه! سبحان من ألهمه معرفة صاحبه من غيره! سبحان ربك رب العِزِّ مِنْ مَلِكٍ من اهتدى بهدى رب العباد هُدِي الكل في النحل يعمل في الخلية لأجل الكل، لا حياة لفرد عند النحل بدون جماعة، ولذلك أذهل ذلك علماء النحل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت، ويتفقدها مرة أخرى، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن، قدها وقطعها نصفين، ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية.فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً، فتأكل من على رءوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية.أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادراً، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه فيطوف المروج والبساتين والرياض ساعة من نهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب، وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية.يذهب حتى يحط رحاله على رءوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصاً طويلة ويضع على رأسها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائداً إلى الخلية.تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعسوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتاً بيتاً وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين، فتخرج نحلاً صغاراً بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله.كل هذا من ثمرة الوحي الإلهيتبارك الله وجـل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت، كيف تخرجه؟ إن بقي أفسد العسل، ولوث أجواء الخلية، ولو اجتمع نحل الدنيا كله لإخراجه ما استطاع، فماذا يفعل، جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقي ألف عام، حتى يأتي صاحب الخلية فيخرجه، فسبحان من قدر فهدى وخلق فسوى.إن في ذلك لآية، وكم لله من آية مما يبصره العباد وما لا يبصرونه، وتفنى الأعمار دون الإحاطة بجميع تفاصيلها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ النمل:62].
آيات الله في النبات
ومن عجائب النبات، ما ذكره صاحب كتاب نوادر الكتب : من أن شجرة غريبة في جنوب الصين ، تكون أوراقها في الأحوال الجوية العادية خضراء كأوراق الأشجار، وقبل حدوث الفيضانات أو هطول الأمطار تتغير فتصبح حمراء، فأصبحت عند سكان تلك المنطقة كمراقبة للأحوال الجوية، وبلا تعليق إنها بلسان حالها تقول: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام:102].عجباً ثم عجباً ثم عجباً، لا ينقضي العجب ولو كنا في شهر رجب، كل الكون بكائناته يوحد ويسلم ويستسلم وينقاد لله رب العالمين ثم يبقى هذا الإنسان في هذا الكون، إنه لظلوم مبين: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران:83].الكون كله بكائناته يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وتدهش وتعجب لكثير من الإنس والجن يوم تعمى أبصارهم عن الحق فيكذبون بالرسالة ويكذبون الرسول صلوات الله وسلامه عليه، في قمة بلاهة وبلادة، فهم نشاز في هذا الكون، ثبت في الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال: ( أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دفعنا إلى حائط في بني النجار، فإذا فيه جَمَل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه فجاء واضعاً مشفره على الأرض حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هاتوا خطاماً فخطمه ودفعه إلى صاحبه، ثم التفت فقال -واسمعوا إلى ما قال صلوات الله وسلامه عليه-: إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا ويعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس ) فسبحان من هدى هذه الكائنات للإيمان يوم ضل بعض بني الإنسان والجان! لا إله إلا الله، كم من مركوب هو خير من راكبه!يا قوم هذا صراط الله فاتبعوا لا تسلكوا سبلاً تفضي إلى النار
 آيات الله في النحل
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله وما فيها من العبر والآيات الباهرات، ألم تر أقراص شمعها السداسية في دقتها الحسابية وإتقان بنائها وإحكام صنعها، الذي أدهش وما زال يدهش علماء النحل والحساب؟ما هي آلات الحساب والمقاييس التي سمحت لهذا المخلوق بالوصول إلى هذا العمل الهندسي الدقيق؟ هل هذا بواسطة قرنين استشعار والفكين الذين يدعي علماء الأحياء أن الطبيعة زودتها بهما؟ سبحان الله! وتبارك الله! عجيب وغريب منطق هؤلاء، يتسترون وراء كلمات جوفاء كالطبيعة والتطور والصدفة، كلما وقفوا أمام بديع صنع الله وإعجازه في الخلق فأنى يؤفكون! وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14]. أفتستر الشمس المضيئة بالسها أم هل يقاس البحر بالخلجان سبحان الله! لله في كل شيءٍ آية، وتعمى عنها عيون أو تتعامى.فقل للعيون الرُّمد إياكِ أن تري سنا الشمس واستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قِطْعٌ من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تُهْدى إلى امرئٍ ضريرٍ وعِنِّين من الوجد خاليا النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ فلا تأكل إلا الطيبات. فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها!للنحلة عيون كثيرة، في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك.ولذا فالنحل يعيش في أماكن يعيش فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس كما هو معلوم ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام، كما هو في بعض البلدان.إنها لحقيقة مذهلة، تدل على حكمة الله، وقدرة الله، ووحدانية الله، وكمال تدبيره فتبارك الله أحسن الخالقين!أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزود بما يمكنه من أداء جميع الوظائف الحيوية، فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبعياً، ولا يتحرج من المواد المرة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه فسبحانه وبحمده لا شريك له!أما سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زودها به! وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله، سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى، عُبِدَ وَوُحِّدَ، وصُلِّيَ له وسُجِدَ له.هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية الجانيات للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواد منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، من علمها وأرشدها؟إنه الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو.تستطيع العاملة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين عشرات الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال، ولذا يقول أحد علماء الأحياء الكفار، وقد رصد النحل بمناظيره فترة طويلة، يقول: يا عجباً لها! تنطلق آلاف الأميال من شجرة إلى ثمرة إلى زهرة، ثم تعود ولا تخطئ طريقها، ربما أن لها ذبذبات مع الخلية، أو أنها تحمل لاسلكياً يربطها بالخلية، ربما.. ربما.ثم يقف حائراً بليداً تائهاً، أما نحن فلا، إنا نوقن أن الله ألهمها ذلك، وأوحى إليها، وعندنا سورة في كتاب الله تسمى سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:68-69].تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حراساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر فسبحان من ألهمه! سبحان من ألهمه معرفة صاحبه من غيره! سبحان ربك رب العِزِّ مِنْ مَلِكٍ من اهتدى بهدى رب العباد هُدِي الكل في النحل يعمل في الخلية لأجل الكل، لا حياة لفرد عند النحل بدون جماعة، ولذلك أذهل ذلك علماء النحل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت، ويتفقدها مرة أخرى، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن، قدها وقطعها نصفين، ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية.فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً، فتأكل من على رءوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية.أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادراً، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه فيطوف المروج والبساتين والرياض ساعة من نهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب، وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية.يذهب حتى يحط رحاله على رءوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصاً طويلة ويضع على رأسها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائداً إلى الخلية.تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعسوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتاً بيتاً وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين، فتخرج نحلاً صغاراً بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله.كل هذا من ثمرة الوحي الإلهيتبارك الله وجـل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت، كيف تخرجه؟ إن بقي أفسد العسل، ولوث أجواء الخلية، ولو اجتمع نحل الدنيا كله لإخراجه ما استطاع، فماذا يفعل، جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقي ألف عام، حتى يأتي صاحب الخلية فيخرجه، فسبحان من قدر فهدى وخلق فسوى.إن في ذلك لآية، وكم لله من آية مما يبصره العباد وما لا يبصرونه، وتفنى الأعمار دون الإحاطة بجميع تفاصيلها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ النمل:62].
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
إن الكون بكائناته جميعاً يسبح الله، ويثني على الله، ويمجد الله تسبيحاً وثناءً لا نفهمه، الله سبحانه وتعالى يعلمه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء:44] سبحت الكائنات بحمده فملأ الكون تسبيحها، سبحه النبات جمعه وفريده، والشجر عتيقه وجديده، أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، سبحته الحيتان في البحار الزاخرات، سبحته الوحوش في الفلوات، تسبحه نغمات الطيور، يسبحه الظل تحت الشجر، يسبحه النبع بين المروج، يسبحه النَور بين الغصون، وسحر المساء وضوء القمر، فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.في الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما تستقل الشمس، فيبقى شيء من خلق الله إلا سبح الله بحمده، إلا ما كان من الشياطين وأغبياء بني آدم) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، غباء وأي غباء أن يسخر الله لك كل ما حولك بمنه وكرمه، ثم يسبحه كل مسخر لك وأنت غافل غبي أخرس أحمق. سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا وسل هذه الأنسام والأرض والسما وسل كل شيءٍ تسمع الحمد ساريا فلو جم هذا الليل وامتد سرمداً فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا سبحان الله وبحمده، وسبحان الله العظيم، ليس شيءٍ إلا وهو أضرع لله من بني آدم، الكون كله بكائناته يسجد لله ويخضع ويذل وتبقى فئة من الناس صادةٌ نادةٌ نشازٌ في هذا الكون لا تستحق الحياة، فانظر إلى تلك الحشود -كما يقول سيد قطب رحمه الله- حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك، وحشد من الأفلاك مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم، حشد من الملائكة، حشد من الجبال والشجر والدواب، حشد من خلق الله كلها في موكب خاشع ذليل تسجد لله وتتجه إليه لا إلى سواه في تناسق ونظام عجيب؛ إلا هذا الإنسان يتفرق فجزء منه يتنكب الموكب نشاز لا يستحق الحياة أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18].فانظر إلى قهره، وانظر إلى ذل خلقه، كل ما في الكون يأتي خاضعاً ذليلاً ساجداً لله.يدين له النجم في أفقه يدين له الفلك الدائر يدين له الفرخ في عشه ونسر السما الجارح الكاسر تدين البحار وحيتانها وماء سحاباتها القاطر تدين له الأُسْدُ في غابها وظبي الفلا الشارد النافر يدين له الذر في سعيه يدين له الزاحف والناشر تدين النجاد تدين الوهاد يدين له البَرُّ والفاجر يدين الجلي يدين الخفي يدين له الجهر والخاطر تدين الحياة يدين الوجود يدين المقدر والحاضر وكل العباد إليه رجوع وفوق العباد هو القاهر الشجر والحجر والمدر يلبي ويوحد الله مع الحاج الملبي، ثبت في الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ملبٍ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا).تفاعل الكون كله مع توحيد الله عز وجل.كل كنى عن شوقه بلغاته ولربما أبكى الفصيح الأعجم بل إن الشجر ليشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى الدارمي بإسنادٍ صحيح كما قال صاحب المشكاة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأقبل أعرابيٌ فلما دنا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السلمة -حِجرة السلمة- فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في شاطئ الوادي فأقبلت تهز الأرض حتى قامت بين يديه، فاستشهدها صلى الله عليه وسلم فشهدت ثلاثاً أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، ثم رجعت إلى منبتها) إن في ذلك لآية.وروى الترمذي أيضاً كما في الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! بم أعرف أنك نبي؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن دعوت هذا العذق شهد أني رسول الله، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل العذق من النخلة حتى سقط إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شهد، ثم قال صلى الله عليه وسلم له: ارجع، فرجع إلى مكانه، فقال الأعرابي: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ودخل في دين الله).ألم يمر بذهنك وأنت تعلم عبودية الشجر لله ما روى البخاري عن سهل بن سعد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها) فاشتاقت نفسك لظل هذه الشجرة فأحسنت التعامل مع الله لتكون من أهلها بإذن الله.
 آيات الله في النحل
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله وما فيها من العبر والآيات الباهرات، ألم تر أقراص شمعها السداسية في دقتها الحسابية وإتقان بنائها وإحكام صنعها، الذي أدهش وما زال يدهش علماء النحل والحساب؟ما هي آلات الحساب والمقاييس التي سمحت لهذا المخلوق بالوصول إلى هذا العمل الهندسي الدقيق؟ هل هذا بواسطة قرنين استشعار والفكين الذين يدعي علماء الأحياء أن الطبيعة زودتها بهما؟ سبحان الله! وتبارك الله! عجيب وغريب منطق هؤلاء، يتسترون وراء كلمات جوفاء كالطبيعة والتطور والصدفة، كلما وقفوا أمام بديع صنع الله وإعجازه في الخلق فأنى يؤفكون! وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14]. أفتستر الشمس المضيئة بالسها أم هل يقاس البحر بالخلجان سبحان الله! لله في كل شيءٍ آية، وتعمى عنها عيون أو تتعامى.فقل للعيون الرُّمد إياكِ أن تري سنا الشمس واستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قِطْعٌ من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تُهْدى إلى امرئٍ ضريرٍ وعِنِّين من الوجد خاليا النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ فلا تأكل إلا الطيبات. فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها!للنحلة عيون كثيرة، في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك.ولذا فالنحل يعيش في أماكن يعيش فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس كما هو معلوم ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام، كما هو في بعض البلدان.إنها لحقيقة مذهلة، تدل على حكمة الله، وقدرة الله، ووحدانية الله، وكمال تدبيره فتبارك الله أحسن الخالقين!أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزود بما يمكنه من أداء جميع الوظائف الحيوية، فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبعياً، ولا يتحرج من المواد المرة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه فسبحانه وبحمده لا شريك له!أما سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زودها به! وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله، سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى، عُبِدَ وَوُحِّدَ، وصُلِّيَ له وسُجِدَ له.هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية الجانيات للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواد منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، من علمها وأرشدها؟إنه الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو.تستطيع العاملة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين عشرات الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال، ولذا يقول أحد علماء الأحياء الكفار، وقد رصد النحل بمناظيره فترة طويلة، يقول: يا عجباً لها! تنطلق آلاف الأميال من شجرة إلى ثمرة إلى زهرة، ثم تعود ولا تخطئ طريقها، ربما أن لها ذبذبات مع الخلية، أو أنها تحمل لاسلكياً يربطها بالخلية، ربما.. ربما.ثم يقف حائراً بليداً تائهاً، أما نحن فلا، إنا نوقن أن الله ألهمها ذلك، وأوحى إليها، وعندنا سورة في كتاب الله تسمى سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:68-69].تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حراساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر فسبحان من ألهمه! سبحان من ألهمه معرفة صاحبه من غيره! سبحان ربك رب العِزِّ مِنْ مَلِكٍ من اهتدى بهدى رب العباد هُدِي الكل في النحل يعمل في الخلية لأجل الكل، لا حياة لفرد عند النحل بدون جماعة، ولذلك أذهل ذلك علماء النحل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت، ويتفقدها مرة أخرى، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن، قدها وقطعها نصفين، ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية.فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً، فتأكل من على رءوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية.أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادراً، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه فيطوف المروج والبساتين والرياض ساعة من نهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب، وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية.يذهب حتى يحط رحاله على رءوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصاً طويلة ويضع على رأسها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائداً إلى الخلية.تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعسوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتاً بيتاً وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين، فتخرج نحلاً صغاراً بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله.كل هذا من ثمرة الوحي الإلهيتبارك الله وجـل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت، كيف تخرجه؟ إن بقي أفسد العسل، ولوث أجواء الخلية، ولو اجتمع نحل الدنيا كله لإخراجه ما استطاع، فماذا يفعل، جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقي ألف عام، حتى يأتي صاحب الخلية فيخرجه، فسبحان من قدر فهدى وخلق فسوى.إن في ذلك لآية، وكم لله من آية مما يبصره العباد وما لا يبصرونه، وتفنى الأعمار دون الإحاطة بجميع تفاصيلها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ النمل:62].
الجبال والحجارة تخشى الله
وأرجو الله أن نكون جميعاً من أهلها، الجبال والحجارة تخشى الله، فأين الخشية والخوف من الله: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74].. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] يا عجباً! من مضغة لحمٍ أقسى من هذه الجبال، تسمع آيات الله تتلى فلا تلين ولا تخشع، من حكمة الله أن جعل لها ناراً إذا لم تلن بذكره ومواعظه فبها تلين، فمن لم يلن قلبه في هذه الدار ولم يتب إلى الله ويخشه فليتمتع قليلاً فإن المرد إلى عالم الغيب والشهادة.فنشكو إلى الله القلوب التي قست وران عليها كسب تلك المآثمِ من خشية المولى هوى الجبل الذي في الطور لانت قسوة الأحجار أو لم يئن وقت الخشوع فـلا تغرن الحياة سوى مغرار
 آيات الله في النحل
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله وما فيها من العبر والآيات الباهرات، ألم تر أقراص شمعها السداسية في دقتها الحسابية وإتقان بنائها وإحكام صنعها، الذي أدهش وما زال يدهش علماء النحل والحساب؟ما هي آلات الحساب والمقاييس التي سمحت لهذا المخلوق بالوصول إلى هذا العمل الهندسي الدقيق؟ هل هذا بواسطة قرنين استشعار والفكين الذين يدعي علماء الأحياء أن الطبيعة زودتها بهما؟ سبحان الله! وتبارك الله! عجيب وغريب منطق هؤلاء، يتسترون وراء كلمات جوفاء كالطبيعة والتطور والصدفة، كلما وقفوا أمام بديع صنع الله وإعجازه في الخلق فأنى يؤفكون! وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14]. أفتستر الشمس المضيئة بالسها أم هل يقاس البحر بالخلجان سبحان الله! لله في كل شيءٍ آية، وتعمى عنها عيون أو تتعامى.فقل للعيون الرُّمد إياكِ أن تري سنا الشمس واستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قِطْعٌ من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تُهْدى إلى امرئٍ ضريرٍ وعِنِّين من الوجد خاليا النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ فلا تأكل إلا الطيبات. فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها!للنحلة عيون كثيرة، في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك.ولذا فالنحل يعيش في أماكن يعيش فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس كما هو معلوم ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام، كما هو في بعض البلدان.إنها لحقيقة مذهلة، تدل على حكمة الله، وقدرة الله، ووحدانية الله، وكمال تدبيره فتبارك الله أحسن الخالقين!أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزود بما يمكنه من أداء جميع الوظائف الحيوية، فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبعياً، ولا يتحرج من المواد المرة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه فسبحانه وبحمده لا شريك له!أما سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زودها به! وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله، سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى، عُبِدَ وَوُحِّدَ، وصُلِّيَ له وسُجِدَ له.هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية الجانيات للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواد منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، من علمها وأرشدها؟إنه الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو.تستطيع العاملة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين عشرات الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال، ولذا يقول أحد علماء الأحياء الكفار، وقد رصد النحل بمناظيره فترة طويلة، يقول: يا عجباً لها! تنطلق آلاف الأميال من شجرة إلى ثمرة إلى زهرة، ثم تعود ولا تخطئ طريقها، ربما أن لها ذبذبات مع الخلية، أو أنها تحمل لاسلكياً يربطها بالخلية، ربما.. ربما.ثم يقف حائراً بليداً تائهاً، أما نحن فلا، إنا نوقن أن الله ألهمها ذلك، وأوحى إليها، وعندنا سورة في كتاب الله تسمى سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:68-69].تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حراساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر فسبحان من ألهمه! سبحان من ألهمه معرفة صاحبه من غيره! سبحان ربك رب العِزِّ مِنْ مَلِكٍ من اهتدى بهدى رب العباد هُدِي الكل في النحل يعمل في الخلية لأجل الكل، لا حياة لفرد عند النحل بدون جماعة، ولذلك أذهل ذلك علماء النحل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت، ويتفقدها مرة أخرى، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن، قدها وقطعها نصفين، ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية.فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً، فتأكل من على رءوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية.أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادراً، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه فيطوف المروج والبساتين والرياض ساعة من نهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب، وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية.يذهب حتى يحط رحاله على رءوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصاً طويلة ويضع على رأسها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائداً إلى الخلية.تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعسوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتاً بيتاً وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين، فتخرج نحلاً صغاراً بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله.كل هذا من ثمرة الوحي الإلهيتبارك الله وجـل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت، كيف تخرجه؟ إن بقي أفسد العسل، ولوث أجواء الخلية، ولو اجتمع نحل الدنيا كله لإخراجه ما استطاع، فماذا يفعل، جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقي ألف عام، حتى يأتي صاحب الخلية فيخرجه، فسبحان من قدر فهدى وخلق فسوى.إن في ذلك لآية، وكم لله من آية مما يبصره العباد وما لا يبصرونه، وتفنى الأعمار دون الإحاطة بجميع تفاصيلها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ النمل:62].
أهمية الصلاة في الحياة
الطير تصلي صلاةً لا ركوع فيهلا ولا سجود، الله يعلمها ونحن لا نعلمها.وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور:41] ما ميزان الصلاة عند الإنسان؟ إنها وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ختم بها حياته، ومع ذلك فرط فيها من فرط، وضاع فيها من ضاع، وذل بتركها من ذل بعد العز، فاسمع إلى ما يقول صاحب وحي الواقع ، بعد مجزرة الأقصى في رمضان المشهود التي راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى، تقابل مسلم ويهودي، فقال المسلم: مهما طال بكم الزمن يا أحفاد القردة والخنازير لنخرجنكم منها أذلة وأنتم صاغرون، وسيكون معنا الشجر والحجر في حربكم، قال اليهودي: نعم. وهذا صحيح، نقرأه في كتبنا ويعلمه عالمنا وجاهلنا، ولكن لستم أنتم، قال المسلم: فمن هم؟ قال: هم الذين يكون عدد مصليهم في صلاة الفجر بقدر عدد المصلين في صلاة الظهر.وصدق فإنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة وضيعها، إن الصلاة لتدعو الله لحافظها: حفظك الله كما حفظتني، وعلى مضيعها: ضيعك الله كما ضيعتني، فلا إله إلا الله كم من ضائع ساقط لا قيمة له بتضييع الصلاة ودعائها عليه!إن الديك ليوقظ للصلاة ويدعو لها ويؤذن، بل أمرنا إذا سمعنا صوته أن نسأل الله من فضله لأنه رأى ملكاً، فلا إله إلا الله، كم من ديك هو خير من إنسان عند الله، وهو يأكله، فكم من مأكول هو خير من آكله! وأنت تعلم هذا، أقبل ببصيرتك لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما ثبت في صحيح الجامع يوم قال: (إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه مثنية تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظمك، سبحانك ما أعظمك) فهلا عظمَّت الله وقدَّرته حق قدره فانقدت واستسلمت وأخلصت وأنبت وانسجمت مع هذا الكون صغيره وكبيره فكان حالك ومقالك: سبحانك ما أعظمك!سبحان من لو سجدنا بالعيون له على شبا الشوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته ولا العشير ولا عشراً من العشر أحبتي في الله: الأدلة على وحدانية الله،وأنه المستحق للعبادة لا شريك له كثيرة لا تعد ولا تحصى ولعل فيما تقدم ما يكفي لأولي الأحلام والنهى.
 آيات الله في النحل
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله وما فيها من العبر والآيات الباهرات، ألم تر أقراص شمعها السداسية في دقتها الحسابية وإتقان بنائها وإحكام صنعها، الذي أدهش وما زال يدهش علماء النحل والحساب؟ما هي آلات الحساب والمقاييس التي سمحت لهذا المخلوق بالوصول إلى هذا العمل الهندسي الدقيق؟ هل هذا بواسطة قرنين استشعار والفكين الذين يدعي علماء الأحياء أن الطبيعة زودتها بهما؟ سبحان الله! وتبارك الله! عجيب وغريب منطق هؤلاء، يتسترون وراء كلمات جوفاء كالطبيعة والتطور والصدفة، كلما وقفوا أمام بديع صنع الله وإعجازه في الخلق فأنى يؤفكون! وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا [النمل:14]. أفتستر الشمس المضيئة بالسها أم هل يقاس البحر بالخلجان سبحان الله! لله في كل شيءٍ آية، وتعمى عنها عيون أو تتعامى.فقل للعيون الرُّمد إياكِ أن تري سنا الشمس واستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ولاءمها قِطْعٌ من الليل باديا فجالت وصالت فيه حتى إذا النهار بدا استخفت وأعطت تواريا فيا محنة الحسناء تُهْدى إلى امرئٍ ضريرٍ وعِنِّين من الوجد خاليا النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل من التبغ فلا تأكل إلا الطيبات. فهل يعتبر بذلك أهل الغفلات؟زودها الله بقرنين استشعار، وجعل فيهما شعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها!للنحلة عيون كثيرة، في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس وتحتهما عين ثالثة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك.ولذا فالنحل يعيش في أماكن يعيش فيها السحاب معظم شهور السنة، مع أن رؤية الشمس كما هو معلوم ضرورية لمعرفة مكان الحقول التي فيها غذاء النحل، وهنا تكمن الحكمة في قوة رؤية النحل، فبإمكانها رؤية الشمس من خلال السحب، كل ذلك لئلا يموت جوعاً في حالة اختفاء الشمس خلف الغمام، كما هو في بعض البلدان.إنها لحقيقة مذهلة، تدل على حكمة الله، وقدرة الله، ووحدانية الله، وكمال تدبيره فتبارك الله أحسن الخالقين!أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، إذ هو مزود بما يمكنه من أداء جميع الوظائف الحيوية، فهو يقضم ويلحس ويمضغ ويمتص، وهو مع هذا شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبعياً، ولا يتحرج من المواد المرة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه فسبحانه وبحمده لا شريك له!أما سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زودها به! وتحمل مع ذلك النحلة ضعفي وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة، فسبحان الله، سبحان من خلق فسوى وقدر فهدى، عُبِدَ وَوُحِّدَ، وصُلِّيَ له وسُجِدَ له.هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية الجانيات للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواد منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، من علمها وأرشدها؟إنه الله، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو.تستطيع العاملة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين عشرات الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال، ولذا يقول أحد علماء الأحياء الكفار، وقد رصد النحل بمناظيره فترة طويلة، يقول: يا عجباً لها! تنطلق آلاف الأميال من شجرة إلى ثمرة إلى زهرة، ثم تعود ولا تخطئ طريقها، ربما أن لها ذبذبات مع الخلية، أو أنها تحمل لاسلكياً يربطها بالخلية، ربما.. ربما.ثم يقف حائراً بليداً تائهاً، أما نحن فلا، إنا نوقن أن الله ألهمها ذلك، وأوحى إليها، وعندنا سورة في كتاب الله تسمى سورة النحل: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:68-69].تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حراساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر فسبحان من ألهمه! سبحان من ألهمه معرفة صاحبه من غيره! سبحان ربك رب العِزِّ مِنْ مَلِكٍ من اهتدى بهدى رب العباد هُدِي الكل في النحل يعمل في الخلية لأجل الكل، لا حياة لفرد عند النحل بدون جماعة، ولذلك أذهل ذلك علماء النحل: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل:88].والنحل من ألطف الحيوان وأنقاه وأنظفه، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بواب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول وعزلها إلى أن يدخل النحل كله، ثم يرجع إلى الممنوعات المعزولات فيتبين ويتثبت، ويتفقدها مرة أخرى، فمن وجدها وقعت على شيء نجس أو منتن، قدها وقطعها نصفين، ومن كانت جنايتها خفيفة، بها رائحة وليس عليها قَذَر، تركها خارج الخلية حتى يزول ما بها ثم يسمح لها بالدخول، وهذا دأب وطريقة البواب كل يوم في كل عشية.فتبارك الذي هداها أن تسلك سبل مراعيها، لا تضل عنها تسيح سهلاً وجبلاً خماصاً، فتأكل من على رءوس الأشجار والأزهار، فتجني أطيب ما فيها ثم تعود إلى بيوتها بطاناً، فتصب فيها شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية.أما ملكتها أو ملكها فلا يكثر الخروج، بل لا يخرج إلا نادراً، إذا اشتهى التنزه خرج بحاشيته وخدمه فيطوف المروج والبساتين والرياض ساعة من نهار ثم يعود إلى خليته، ومن عجيب أمره أنه إذا لحقه أذى من صاحب الخلية غضب، وغضبه يعرفه أصحاب النحل، ثم يخرج من الخلية، فيتبعه جميع النحل حتى تبقى الخلية خالية.يذهب حتى يحط رحاله على رءوس الشجر المرتفع، ويجتمع عليه النحل كله حتى يصير كالعنقود، عندها يضطر صاحب الخلية إلى الاحتيال عليه لاسترجاعه وطلب مرضاته، فيأخذ عصاً طويلة ويضع على رأسها حزمة من نبات طيب الرائحة، ويدنيه من هذا الكبير لها، من ملكها على الشجرة فلا يزال يحركه ويستجديه ويستعطفه إلى أن يرضى، فينزل على حزمة النبات الطيب الرائحة، فيحمله صاحب الخلية إلى الخلية، فينزل ويدخلها مع جنوده، ثم يتبعه جميع النحل عائداً إلى الخلية.تأمل نتاجها تجد عجبا، تنطلق إلى البساتين، فتأخذ تلك الأجزاء الصافية من على ورق الزهر والورد، فتمصه لتكون مادة العسل، ثم تكبس الأجزاء المنعقدة على وجه الورقة وتعقدها على رجلها ثم تذهب لتملأ بها المسدسات الفارغة، ثم يقوم يعسوبها على بيته فينفخ فيه، ثم يطوف على تلك البيوت بيتاً بيتاً وينفخ فيها كلها فتدب فيها الحياة بأمر الله بعد حين، فتخرج نحلاً صغاراً بإذن الله، وتلك آية قلما يتفطن الخلق لها كما قال ابن القيم رحمه الله.كل هذا من ثمرة الوحي الإلهيتبارك الله وجـل الله أعظم ما فاهت به الأفواه سبحان من ذلت له الأشراف أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى ومن يُخَاف جعل الله لكل مخلوق قوة وقدرة يدافع بها عن نفسه، ومن تلك المخلوقات النحل، كيف يدافع عن نفسه وعن نتاجه، يذكر أن ألد أعداء النحل هو الفأر، يهاجم الخلية فيأكل العسل ويلوث أجواء الخلية، فماذا تفعل تلك النحلة الصغيرة أمام هذا الفأر الذي هو لها كجبل عظيم، إنها تطلق عليه مجموعة من العاملات فتلدغه حتى يموت، كيف تخرجه؟ إن بقي أفسد العسل، ولوث أجواء الخلية، ولو اجتمع نحل الدنيا كله لإخراجه ما استطاع، فماذا يفعل، جعل الله عز وجل له مادة شمعية يفرزها ويغلف بها ذلك الفأر فلا ينتن ولا يتغير ولو بقي ألف عام، حتى يأتي صاحب الخلية فيخرجه، فسبحان من قدر فهدى وخلق فسوى.إن في ذلك لآية، وكم لله من آية مما يبصره العباد وما لا يبصرونه، وتفنى الأعمار دون الإحاطة بجميع تفاصيلها، ولكن أكثر الناس لا يفقهون: أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ النمل:62].
الحجب المانعة من معرفة الله
وبعد هذا كله أخي لعلك تقول: فما الذي يحول بين الناس وبين العلم بالله وأن يوحدوه، ويقدروه حق قدره لا إله إلا هو، فيعظموا حرماته ويحفظوا فرائضه، ويقفوا عند حدوده ويعظموا شعائره؟والجواب: أن هناك حجباً كثيفة، تحول بين البعض وبين العلم بالله، والإيمان به وتعظيمه وهي مما كسبت أيدي الناس ولا ريب.
 حجاب الشهوات والشبهات
ومن الحجب: الشهوات والشبهات والهوى والوساوس والخطرات وغيرها كثير وكثير عافنا الله وإياكم أيها المسلمون.أحبتي في الله: الوحي المعصوم، وصفحات الكون المنظوم، مقنعة لمن يريد أن يقتنع، هادية لمن يريد أن يهتدي، مذكية لمن يريد أن يرتقي، إنهما كتاب ميسور، وآخر منظور، من تدبرهما وجد فيهما إجابات جليلة، ترفع يقينه، وتشفي عليله، وتحيي فؤاده، وتروي غليله، وتجرد توحيده، وتوقظ ضميره، وتدحض شبهته، وتطفئ شهوته، وترد الشيطان إلى كيد الوسوسة. تأمل خطوب الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل تشير بإثبات الصفات لربها فصامتها يهدي ومن هو قائل ختاماً: فإنه لا يوصف بالعلم حقاً إلا من كان عالماً بالله، متلبساً بخشية الله، وعالماً بالطريق الموصل إلى الله، متعبداً إلى الله بمقتضى ذلك العلم، متعرفاً على ما يحب الله فيلزمه وعلى ما يبغض الله فيجتنبه، وحاله: ربنا أنت أحق من عبد، وأحق من ذكر، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، كل شيء دال عليك، ومرشد إليك، لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، نسألك بكل اسم هو لك، أن تلزمنا عتبة العبودية، وترزقنا السعادة الأبدية، وأن تكشف عنا وعن إخواننا كل كرب وبلية، اللهم يا من ذلت له جميع الرقاب، وجرى بأمره السحاب، كن لنا وامكر لنا، وانصرنا وثبتنا وإخواننا بالحال والمآل، وألهمنا التزود بالتقوى قبل حلول التراب، وأرشدنا عن السؤال إلى صحيح الجواب.وهب لشيبنا قوى الشباب، وارزقنا عمارة القلوب الخراب يا كريم يا وهاب.يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، اللهم كن للمستضعفين والمظلومين، اللهم كن للمستضعفين والمظلومين، اللهم أزل عنهم العناء، واكشف عنهم الضر والبلاء، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء.اللهم من كان من أمة محمد على غير الحق وهو يظن أنه على الحق، فرده إلى الحق رداً جميلاً حتى يكون من أهل الحق، آمين يا رب العالمين. والحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. حمداً لك اللهم أقولها في البؤس والإيسار والإعسار وعلى الرسول الهاشمي وآله ليلي أصلي دائباً ونهاري سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , دعوة للتأمل للشيخ : علي عبد الخالق القرني

http://audio.islamweb.net