اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صور وعبر للشيخ : علي عبد الخالق القرني


صور وعبر - (للشيخ : علي عبد الخالق القرني)
عمر بن الخطاب الذي زلزل عروش الظالمين، ودك قلاع الأكاسرة والقياصرة. عمر نور أضاء سطور التاريخ، وهو غرة في جبين الزمان.أمة في رجل.. إمام همام.. مميت الفتن.. ومحيي السنن.في هذا الدرس وقفات من حياة عمر.. زهده.. جهاده.. تفقده لرعيته ونصحه لهم.. أدب الخلاف عنده.. حزمه مع من يرفض حكم رسول الله، وفي الأخير قصة وفاته رضي الله عنه وأرضاه.
فضل الصحابة رضي الله عنهم
الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفو الواسع والعقاب الشديد، من هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفَّقه فهو الرشيد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفي وما علن، وما هَجُن وما حَسُن، وهو أقرب إلى الكل من حبل الوريد. قسَّم الخلْق قسمين، وجعل لهم منزلتين، فريق في الجنة وفريق في السعير، إنَّ ربك فعال لما يريد: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]. أحمده وهو أهل الحمد والتحميد، وأشكره والشكر لديه من أسباب المزيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، والبطش الشديد، شهادة تكْفُل لي عنده أعلى درجات أهل التوحيد، في دار القرار والتأييد.وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، أشرف من أظلَّت السَّماء، وأقلَّت البِيدُ، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا وعلى آله وأصحابه أولي العون على الطاعة والتأييد، صلاةً دائمةً في كل حين تنمو وتزيد، ولا تنفد ما دامت الدنيا والآخرة ولا تبيد.روحي الفداء لمن أخلاقه شهدت بأنَّه خير مبعوثٍ من البشرِ عمَّت فضائله كل البلاد كما عمَّ البرية ضوء الشمس والقمرِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذا الاجتماع ذخرًا لي ولكم في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار. اللهم اكتب لنا به أجرًا، وارفع به ذكرًا، واجعله لنا ذخرًا. اللهم اجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا خيرًا من أقوالنا .. اللهم أنِرْ بصائرنا، وثبتنا على الحق حتى نلقاك، واجعل حديثنا حديث قلب لقلوب، أنت أكرم مسئول على الدوام، وأحق من يُرْتَجَى منه حسن الختام. صور وعبر الحلقة الثانية: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يفْتَرَى [يوسف:111].أحبتي في الله: إن الصحابة الأبرار -كما تعلمون- هم حملة الإسلام وحفظته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه، ونشر رسالته من بعده .. عدَّلهم وزكَّاهم، ووصفهم بأوصاف الكمال في غير ما آية من كتابه، رضي الله عنهم ورضوا عنه .. نوعٌ فريد من الرجال، عدول ثقات صالحون، حازوا قَصبَ السبق في كل شيء، لم تعرف البشرية لهم نظيرًا .. قمة في التقوى والورع .. آية في التجرد والإخلاص .. مِشْعَل في العلم والعمل .. نِبْرَاس في الدعوة إلى الله. تالله لقد وردوا الماء عذبًا زلالاً، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحدٍ مقالاً .. فتحوا القلوب بالقرآن، وفتحوا القرى والمدائن به وبالسنان .. هم أنصار الدين في مبتدأ نشأته، بذلوا المُهج يوم بخل أهل الدراهم بدراهمهم .. رجال المغارم يوم يندس المغرورون في ثيابهم، هم لله -عز وجل- قلوبًا وأبدانًا ودماءً وأموالاً.لم يجعلوا همَّهم حشو البطون ولا لبس الحرير ولا الإغراق في النعم حفظوا الشرع من أهواء الزائغين، وحموا الملة من زحف المناوئين .. شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل .. حملوا الوحْيَين، وحضروا البيعتين، وصلَّوا أو أغلبهم صلى إلى القبلتين. كلهم له همٌّ، وهمهم رفعة لا إله إلا الله، وكلهم له قصد، وقصدهم الجليل في علاه .. خرجوا من أموالهم لله ولرسوله، فما شفا ذلك لهم غليلاً، فأبوا إلا أن يقدموا الجماجم، ويسيلوا الدماء، ويستعذبوا العذاب في ذات ربهم .. فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأكرم في جنات الخلد مثواهم:بيضُ الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِم تندى إذا اعتذر الزمانُ الممحلُ من كان متأسيًا فليتأس بهم؛ فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، وأقومها هَدْيًا، وأحسنها حالاً.همُ الرجال بأفياء الجهاد نَمَوْا وتحت سقفِ المعالي والنَّدى وُلِدُوا جباهُهم ما انحنت إلا لخالقها وغير من أبدع الأكوان ما عبدوا الخاطبون من الغايات أكرمها والسابقون وغير الله ما قَصَدُوا
 

مقدمة عن عمر بن الخطاب
ومن هنا؛ فإن الكلام عن هؤلاء العظماء، وكشف الستار عن الصفحات الناصعة التي سطروها، واجب محتم علينا في هذا العصر الذي نعيش فيه معمعة الأفكار، واضطراب الموازين، وموالاة الكفار، والوقوع في الصحابة الأبرار.. واجب لردع أهل الهوى من الزنادقة والملاحدة، وأهل الكفر والابتداع الذين انتقصوا وسبُّوا خير جيل وطائفة وُجِدَت على وجه الأرض؛ لا لشيءٍ إلا لأنهم حَمَلة الإسلام، ورواة الأحاديث التي تهدم بِدَعهم، وتُظهر ضلالهم، وتُبْرز خُبْث طويتهم، قاتلهم الله! وقاتل كل من حادَ عن كتاب الله وسُنَّة مصطفاه، واتَّبع غير سبيل المؤمنين! فهَلُمَّ هلم، وحيهلا بكم -أيها الأحبة- لنعيش الليلة معكم في ظلال محطة صور، ومائدة عبر، من حياة عَلَم آخر في سلسلة أعلام هذه الأمة المباركة .. علم يجب على الأمة أن تجعله وصحبه حديث شيوخها في السمر، وقصص أطفالها الذين لطالما أشغلوا بالقصص الهابط، والرسوم المتحركة، وحديث شبابها في منتدياتهم ونواديهم التي لطالما شُغلت بالحديث عن اللاعبين والفنانين والساقطين والساقطات.إنه من أظهر إسلامه يوم كانوا يخفونه .. إنه من تقلَّد سيفه وتنكب قوسه، وأخرج أسهمه، وأتى الكعبة وأشراف قريش في فنائها، فطاف سبعًا رغم أنوفهم، وصلى ركعتين، وأتى حلقهم واحدة واحدة يقول: [[شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي]] فما تبعه أحد. إنَّه مرقع القميص، وبين يديه الغالي والنفيس، إنَّه من يسلك الشيطان فجًا غير فجه، إنَّه الوقَّاف عند كتاب الله، المجاهد في سبيل الله، إنَّه القِيَم والمُثُل بعينها، وما أروع المثل يوم تكون رجالاً فتكون الأخلاق فِعالاً!إنَّه العادل إنْ ذكر العادلون، هو من سهر لينام الناس، وجاع ليشبع الناس، هو من جعل كبير المسلمين أبًا، وأوسطهم أخًا وأصغرهم ولدًا.هو من لا تأخذه في الله لومة لائم، هو قائل الحق ولو كان مرًّا، إنَّه من اشترى أعراض المسلمين من أحد الشعراء بثلاثة آلاف درهم، حتى قال ذلك الشاعر: وأخذت أطراف الكلام فلم تدعْ شَتْمًا يضر ولا مديحًا ينفعُ ومنعتني عِرض البخيل فلم يَخَفْ شتمي وأصبح آمنا لا يفزعُ زلزل عروش الظالمين، ودكَّ قلاع الأكاسرة والقياصرة، وخضعت لعدالته الجبابرة والأباطرة، وهَوَت عناكب الظلم أمام رايات عدله الخفَّاقة وفتوحاته المظفرة، فَأَرْغَم أنوف الروم، وحطم كبرياء الفرس، وأخرج المغضوب عليهم -اليهود- من جزيرة العرب ؛ لغدرهم ونقضهم العهود، أخرجهم أذلةً صاغرين.إنَّه الزاهد العالم العابد الغيور الخائف من الله وكفى. أظنكم قد عرفتموه، إنَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ولعنة الله على من أبغضه وعاداه.نور أضاء سطور التاريخ، وغرة في جبين الزمان، أُمَّة في رجل، إمام همام، مميت الفتن، ومحيي السُّنَنَ. عمر الذي لا يجهله أحد، وفي نفس اللحظة قلَّ أن يعرفه أحد في هذا العصر. يعرف بعضهم بعض أخباره، ونتفًا من نسبه وأعماله ، أما روح تلك الأخبار فلا يدركها إلا من تأملها من الأخيار، وإني لأرجو الله أن نكون وإياكم من أولئك الأبرار. مراكبُ أهل الهوى أتخمت نزولاً ومركبنا صاعدُ إذا عدد الناس أربابهم فنحن لنا ربنا الواحدُ إلى صور ذات عبر من حياته، وعذرًا لن نفيه حقه في هذه العُجالة: فأعلامُه في كل أرض خوافقُ يدين بها شرقٌ ويخضع مغربُ لكن حسبنا أن نقف عند بعض صور من حياته؛ وقفة عظة وتدبر واقتداء، ولأهل الهوى ردع وزجر.هاهي محطتنا الليلة محطة عُمَريَّة ، فهل أنتم نازلون؟ وهذه مائدتنا فهل أنتم إليها مائلون؛ أم أنكم لا ترغبون؟ معذرة لأصحاب البطون؛ أعني: من لأجل رفع مستواهم المعيشي يكدون ويقلقون وفي الكلام عن المسكن والسيارة والأثاث والراتب لا يملون، وعلى هامش الحياة بلا رسالة يعيشون، بهائم في مسالخ البشر وهم لا يشعرون، هتافهم دائماً وأبداً: أين الصُحُون؟ مائدتنا تعتذرهم ثم تعتذرهم وتقول: إلي إليَّ أيها المتيقظون العاقلون المتدبرون، ومن بِسَلَف الأمة يقتدون، ومن عن التُرَّهات يترفَّعون، أنتم جميعًا مدعوون، وأنتم -إن شاء الله- رابحون: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]يارب:أنت العليم بظاهري وبباطني بالسر بل أخفى وبالإعلانِ أنت السميع لمنطقي وحروفه أنت الخبير بموقفي ومكاني إن لم أكن أهلاً لتوفيقٍ فمُن فلأنت أهل المَنِّ والإحسانِ يا رب أنت المُرتجى والمُبتَغَى وأنا الفقير بذلتي وهواني اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحَزنَ إذا شئت سهلاً.
 

عمر وتفقده للرعية

 عمر وتفقده لامرأة عمياء
أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر- رضي الله عنه وأرضاه- يذكر الأوزاعي أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة. فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة ، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا. إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله! لا تنساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى.فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه ومن يحاول للفاروقِ تشبيها ومن رآه أمام القدر منبطحًا والنارُ تأخذ منه وهو يُذكيها وقد تخلل في أثناء لحيته منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا رأى هناك أمير المؤمنين على حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها
صور من تواضع عمر
صورة أخرى: كان -رضي الله عنه- عظيم التواضع للخلق والحق، وكل الصور تدل على ذلك. رفعه الله بتواضعه درجات في الجنة. [[ فعن الفضل بن عميرة أن الأحنف بن قيس قدم على عمر في وفد من العراق في يومٍ صائفٍ شديد الحر وهو محتجز بعباءة، يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة، فقال: يا أحنف ! ضع ثيابك، وهلم فَأَعِنْ أمير المؤمنين على هذا البعير؛ فإنه من إبل الصدقة، فيه حق لليتيم والمسكين والأرملة، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! هلا أمرت عبدًا من عبيد الصدقة ليكفيك هذا. قال عمر : ثكلتك أمك، وأُيُ عبدٍ هو أعبد مني ومن الأحنف؛ إنه من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين، يجب عليه ما يجب على العبد لسيده من النصيحة وأداء الأمانة ]].فيا لله! ورب عمر إن مشهدًا كهذا خير من الدنيا وما فيها. يقول عبد الله بن عمر بن حفص : إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يحمل القِرْبَة على عنقه، فيقال له في ذلك فيقول: إن نفسي أعجبتني فأردتُ أن أذلها. بل إنه لربما أخذ بيد الصبي يلقاه، فيقول له: ادْعُ لي؛ فإنك لم تذنب قط. بل إن ابن عباس -رضي الله عنه- دخل عليه يوم طُعِنَ فقال: [[أبشر يا أمير المؤمنين! أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفيَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان. فقال عمر : أعد، أعد. فأعاد. فقال عمر : المغرور مَنْ غُرَّ. ولو أن لي ما على ظهرها من بيضاءَ وصفراءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطلع، وددتُ أني أنجو كَفافًا لا أجر لي ولا وزر]]. تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]. وكان متواضعًا للحق يقبله في السر والعلن، لقد كان بينه وبين رجل كلام في شيءٍ - كما أورد ابن الجوزي في تاريخه - فقال له الرجل: [[اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟! فقال له عمر على الفور: دعه، فليقلها لي، نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم]].يا ليت هذه الكلمة تكون عنواناً ولجامًا يلجم به نفسه كل من ولي من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر؛ إذًا لصلح الحال، وتغيرت الأحوال، وكسدت سوق النفاق،ولكن أشد عيوبنا أنَّا إذا ما نُصِحْنَا خَدَّرتْنَا الكبرياء.
 عمر وتفقده لامرأة عمياء
أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر- رضي الله عنه وأرضاه- يذكر الأوزاعي أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة. فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة ، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا. إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله! لا تنساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى.فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه ومن يحاول للفاروقِ تشبيها ومن رآه أمام القدر منبطحًا والنارُ تأخذ منه وهو يُذكيها وقد تخلل في أثناء لحيته منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا رأى هناك أمير المؤمنين على حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها
شدة خوف عمر من الله
كان خوفه من الله عظيمًا، بل ما قاده وحداه لتلك الأعمال المُشْرِقَة الخالدة إلا خوفه من الله - عز وجل - كان يمر بالآية فيغلبه البكاء وهو يصلي بالناس، حتى يقول ابنه عبد الله : [[إني لأسمع حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وإنَّه لينشج حتى أقول: اختلفت أضلاعه]]. بل ذُكِر أنَّه خرج يعس ليلة من الليالي فمر بدار رجل من الأنصار، فوافقه قائمًا يصلي -يوم كانت دور المسلمين تعمر بالقرآن لها دوي كدوي النحل- وقف يستمع لقراءته فقرأ: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ [الطور:1-2] حتى بلغ: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:7-8] فقال عمر: قسم حق ورب الكعبة، ثم نزل عن حماره، واستند إلى حائط فمكث مليًا به ما به، ثم رجع إلى منزله فعاده الناس، لا يدرون ما مرضه.هذه حاله مع آية من آيات القرآن. فما حالنا مع كتاب الله؟عُمْيٌ عن الذكر والآيات تَنْدُبُنَا لو كلَّم الذِّكْر جُلْمُودًا لأبكاهُ كان شديد المحاسبة لنفسه، يقول أنس : [[خرجت مع عمر فدخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ .. والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله]]. فهلا خلا أحدٌ منَّا بنفسه يعاتبها ويحاسبها، علها أن تذكر الله فتسيل دمعة يستحق بها أن يكون ممن يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله. نشكو إلى الله قسوة قلوبنا وغفلتنا، ونسأله بعزته وقدرته أن يلين قلوبنا فيه حتى تكون ألين من الزبد. هو ولي ذلك والقادر عليه.
 عمر وتفقده لامرأة عمياء
أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر- رضي الله عنه وأرضاه- يذكر الأوزاعي أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة. فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة ، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا. إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله! لا تنساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى.فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه ومن يحاول للفاروقِ تشبيها ومن رآه أمام القدر منبطحًا والنارُ تأخذ منه وهو يُذكيها وقد تخلل في أثناء لحيته منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا رأى هناك أمير المؤمنين على حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها
زهد عمر بن الخطاب
صورة أخرى أيها الأحبة: إن الزهد في الدنيا، والإعراض عن طلب زينتها، والعزوف عن شهواتها، من كمال الإيمان، ورجاحة العقول. إذ الدنيا حقيرة، وزينتها خداع وسراب، شهواتها آلام تدفع بآلام، عرف ذلك الفاروق فركلها وقد أناخت عند قدميه. وذلك -والله- هو الزهد بعينه. ذكر السيوطي في كتابه: تاريخ الخلفاء أن ابن سعد أخرج [[ أن حفصة وعبد الله -ابني عمر - كلما عمر فقالا له: لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمت نصحكم لي، ولكني تركته، لقد تركني صاحباي على جادة -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل ]]: له أمنياتٌ قَدَّسَ الله سِرَّها لتحقيقها في الأرض يرسو ويبحرُ يَكِلُّ جناح النسر دون بلوغها وفي دربها الخيل الأصيلة تعثرُ يذكر القرطبي في تفسيره عن قتادة أنه قال : [[ذُكِرَ لنا أن عمر-رضي الله عنه-قال : لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكني أستبقى طيباتي للآخرة. قال: ولما قدم الشام صُنِعَ له طعامٌ لم يُرَ مثله، قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير، فقال خالد بن الوليد : لهم الجنة. فاغرورقت عينا عمر بالدموع، وقال: لئن كان حظنا من هذه الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً]] ثم أجهش بالبكاء: يهفو إليهم لعل العيش يهنأ له ما بين صحب وأرحام وإخوان.
 بعض أقوال عمر في الزهد
بمثل هذا الدرس النبوي الشريف تشبعت روح عمر بمعاني الكمال، وأصبح في ذلك نعم المثال. يدخل بيته ذات يوم وقد أصابه الجوع، فقال: [[أعندكم شيء؟ فقالت امرأته: نعم. ما تحت السرير، فتناول وعاءً من تحت السرير فيه تمر فأكل ثم شرب من الماء ثم مسح على بطنه، وقال: الحمد لله، ويل لمن أدخله بطنه النار! ويل لمن أدخله بطنه النار!]] ونهدي هذه المقالة للذين لا يتورعون أأكلوا من حلال أو حرام؟ ويل لمن أدخله بطنه النار!هاهو عمر والرهط المؤمنون معه أمام غنائم كسرى من الفرس؛ بساط كسرى وسواريه وجواهره وحلله وأمواله، وبينما هو كذلك إذ بعينه تذرف الدموع حَرَّى يكفكفها بطرف ثوبه؛ ويدهش الصحابة، ويقولون: [[ ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فينهد باكياً قائلاً: فدت نفسي رسول الله هو الأحب إلى الله منا، فدت نفسي أبا بكر وهو عند الله خير منا، والَهْفَ نفسي! مَضَوا إلى الله وخلفونا، ولم يَرَوا من زهرة الدنيا شيئًا، ثم فُتِحَ علينا من الدنيا ما ترون، وأخشى أن تكون طيبات عجلت لنا ]]. فضج المسجد بالبكاء فما تسمع إلا النشيج والحنين والأنين. إيه يا عمر! قد عشت عمرك زاهداً في كل ما جمع البشر أتعبت من سيجيء بعدك في الإمارة يا عمر
عمر ونيل مصر
صورة أخرى: أورد ابن كثير في تاريخه عن قيس بن الحجاج قال: [[ لما فُتِحَت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل (بؤنة) -شهر من أشهر العجم- فقالوا له: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّةٌ لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كانت ثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمرو -رضي الله عنه-: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، ومنعهم فأقاموا ثلاثة أشهر والنيل لا يجري منه قليل ولا كثير؛ فتنة وابتلاء من الله حتى هموا بالجلاء عن مصر ، فلما رأى عمرو بن العاص ذلك الأمر وما حل بهم، كتب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بذلك، فكتب إليه عمر : لقد أصبت بالذي فعلت، والإسلام يهدم ما قبله، ثم كتب بطاقة داخل كتابه، وقال لـعمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل إذا أتاك الكتاب.فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو أخذ البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد:فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأله أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النيل، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنها لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة ]] فقطع الله عادة السوء تلك عن أهل مصر إلى اليوم. الله أكبر! من أطاع الله وصدق وأخلص مع الله طَوَّعَ الله له كل شيءٍ، طَوَّع له الجبال والأنهار والقلوب والأرواح وأتته الدنيا راغمة:فتقوى الله خير الزاد ذخرًا وعند الله للأتقى مزيدُ
 بعض أقوال عمر في الزهد
بمثل هذا الدرس النبوي الشريف تشبعت روح عمر بمعاني الكمال، وأصبح في ذلك نعم المثال. يدخل بيته ذات يوم وقد أصابه الجوع، فقال: [[أعندكم شيء؟ فقالت امرأته: نعم. ما تحت السرير، فتناول وعاءً من تحت السرير فيه تمر فأكل ثم شرب من الماء ثم مسح على بطنه، وقال: الحمد لله، ويل لمن أدخله بطنه النار! ويل لمن أدخله بطنه النار!]] ونهدي هذه المقالة للذين لا يتورعون أأكلوا من حلال أو حرام؟ ويل لمن أدخله بطنه النار!هاهو عمر والرهط المؤمنون معه أمام غنائم كسرى من الفرس؛ بساط كسرى وسواريه وجواهره وحلله وأمواله، وبينما هو كذلك إذ بعينه تذرف الدموع حَرَّى يكفكفها بطرف ثوبه؛ ويدهش الصحابة، ويقولون: [[ ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فينهد باكياً قائلاً: فدت نفسي رسول الله هو الأحب إلى الله منا، فدت نفسي أبا بكر وهو عند الله خير منا، والَهْفَ نفسي! مَضَوا إلى الله وخلفونا، ولم يَرَوا من زهرة الدنيا شيئًا، ثم فُتِحَ علينا من الدنيا ما ترون، وأخشى أن تكون طيبات عجلت لنا ]]. فضج المسجد بالبكاء فما تسمع إلا النشيج والحنين والأنين. إيه يا عمر! قد عشت عمرك زاهداً في كل ما جمع البشر أتعبت من سيجيء بعدك في الإمارة يا عمر
أدب الخلاف عند عمر بن الخطاب
صورة أخرى: لقد كان عمر -رضي الله عنه- فقيهًا متأدبًا بأدب الخلاف، وكذلك كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم، فالخلاف عندهم لا يفسد الود. لِمَ ؟ لأن الهدف عندهم هو إحقاق حق وإبطال باطل، فليظهر الحق على أي لسان.
 نصيحة عمر للأمة بحسن الظن
صورة أخرى: أورد ابن الجوزي في مناقب عمر خطبة عظيمة، وأوردها ابن سعد في طبقاته، قال فيها: [[أيها الناس! ألا إنما كنا نعرفكم إذ بين أظهرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- وينزل الوحي وينبئنا الله من أخباركم، ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما تقولون، مَن أظهر خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه، ومن أظهر شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا وإنه قد أتى عليَّ حين وإنما أنا أحسب أن مَن قرأ القرآن يريد الله وما عنده، ثم خُيِّل إليَّ بآخرة أن رجالاً قد قرءوه يريدون ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، ألا وإني -والله- ما أرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلتهم ليعلِّموكم دينكم وسننكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنَّه -أي: لأجرين عليه حكم القصاص- فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! أفرأيت إن كان رجل من المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، أكنت مقصُّه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده؛ لأقصنه، كيف لا أقصه وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم المهالك فتضيعوهم، فإن رجلاً من المسلمين أحب إليَّ من مائة ألف دينار]]. يا للكلام! كلام ذوي الألباب أهوى وأشتهي كما يشتهي الماءَ المبردَ شاربُه الله أكبر! إنه الحق والسكينة ينطقان على لسان عمر -رضي الله عنه وأرضاه-. هذه رسالة من عمر موزَّعة إلى ثلاثة أصناف: أما الأولى: فإلى من وليَ من أمر المسلمين شيئًا صَغُر، أو كَبُر تُبَيِّن أن مهمتهم تعليم الدين والسنن، لا إذلال المسلمين، ومنعهم حقوقهم، وضربهم، وإنزالهم المهالك. وهي كذلك رسالة إلى حملة كتاب الله أن يريدوا الله بقراءته. فليسائل حملة كتاب الله أنفسهم: ماذا زرع القرآن في قلوبهم ونفوسهم؟ وهي أولاً الرسالة إلى من يحكم على النيَّات بالفساد، فيظن بكلمات المسلمين شرًا وهو يجد لها في الخير محملاً:تعمى بصائرهم عن كل منحرف ويرصدون ذوي التقوى بمرصاد والرسالة الأخيرة هذه تذكر برسالة أخرى، وبصفحة أخرى مضيئة في تاريخ هذه الأمة. يوم يدخل الربيع بن سليمان على الشافعي وهو مريض يعوده، فيقول من ضمن دعائه له: قوَّى الله ضعفك يا إمام! فقال الشافعي : يا ربيع ! لو قوى ضعفي لقتلني، قال الربيع على الفور: والله -الذي لا إله إلا هو- ما قصدت ذلك يا إمام! فقال الشافعي : يا ربيع! والذي لا إله إلا هو لو شتمتني صراحًا لعلمت وتيقنت أنك لم تقصد ذلك. يا لله ! نهدي هذا الكلام مع التحية لبعض الذين يقفون على عبارة لها في الخير ألف محمل وفي الشر محمل، ثم يحملونها على الشر. والله! إن الحسرة والألم ليعتريان المسلم يوم يرى الفُرْقَة بين من ينتسبون لعقيدة واحدة، ومنهج واحد إلى عقيدة أهل السنة والجماعة ومنهجهم، ويحزن أخرى يوم يرى الشيطان وحضور النفس تؤزُّ المسلم أزًّا للفرقة والتنازع والتباغض، وعدوهم واحد يحارب الإسلام وأهله أيًّا كانوا.أهل السنة لا ننكر أنهم قد يختلفون، فقد يقع بينهم الاختلاف حول بعض المسائل التي يجوز فيها الاختلاف، لكن هذا لا يؤدي إلى اختلاف القلوب أبداً. يا طلاب العلم المخلصين! يا دعاة الحق المبين! ألا من رجعة صادقة إلى الله نرتفع بها على ذواتنا وأشخاصنا وأغراضنا الدنيوية؟! ألا من رجل رشيد يفكر بعمق المأساة وخطرها على الأمة الإسلامية بأسرها؟! والله! إن لم نسعَ لرَأْبِ الصَّدْع، وبذل الولاء والمحبة لكل مؤمن فإن هناك فتنة وفسادًا كبيرًا سيحل بنا إن لم يتداركنا الله برحمة من عنده، يجمع الله بها شتات القلوب وتتوحد بها كلمات دعاته المخلصين: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ [الأنفال:73] فأي خير إن صدر من أخيك ما لم يمكن حمله على الخير فليُتَعذَّر عنه. ولن يعدم قاصد الخير أن يجد لإخوانه ما يبقي صدره سليمًا، ونفسه رَضِيَّه، فإن لم يكن ولم تستطع ذلك فما كافأ عبد من عصى الله فيه بمثل أن يطيع الله فيه:فوالله ما مال الفتى بذخيرة ولكن إخوانَ الثقات الذخائرُ صورة أخرى: أورد ابن الجوزي في مناقبه عن سعيد بن أبي بردة قال: [[ كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري قائلا: أما بعد:فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته، إياك أن تزيغ فيزيغ عمالك فيكون مثلك في ذلك مثل البهيمة: نظرت إلى خضرة الأرض فرعت فيها ترجو بذلك السمن وإنما حسبها في سمنها -بمعنى: أنها إذا سمنت ذبحت- والسلام عليك ]].يا للكلام المزين بالفعال .قولوا لمن ملأ الزمان تشدقاً بالعدل أين العدل يا متشدق؟! نصيحة توجه إلى من ولي ولاية صغيرة أو كبيرة فهو الناصح رضي الله عنه. والمؤمنون من طبعهم النصح والمنافقون من طبعهم الغش {وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته، وما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة}.
الجهاد في عهد عمر
صورة أخرى: أتمَّ عمر الشوط الكبير الذي بدأه أبو بكر ، فأخذ يعدُّ العدَّة لفتح العراق وبلاد فارس بعد أن اطمأن على سلامة الجيش الإسلامي في بلاد الشام ، وعرف أن الروم ارتدوا على أعقابهم بعد اليرموك . والمسلمون في عهده من نصر إلى نصر. رغب عمر أن يقود الجيوش بنفسه، وتَاقَت نفسه إلى الجهاد في سبيل الله، لكن جمهرة المسلمين أشاروا عليه بـسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه فوافقهم على ذلك، فكانت وقعة القادسية التي ظهرت فيها عزة المسلمين، وذل وهزيمة الكافرين، وقُتل عشرات الآلاف من عُبَّاد النار من المجوس، وأيَّد الله دينه ورفع كلمته، وهاب الكفرُ الإسلامَ، فانتشر الإسلام، وتقلَّص الظلام، وفُتِحت المدائن، وعُبِرت الأنهار بفضل الله الواحد القهار. أكرمهم الله بأن يسيروا على الأنهار كما نسير على البيداء، وحاز المسلمون كنوز كسرى وقيصر، ولبس سراقة سواري كسري، وتحققت نبوءة الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في ذلك. كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا أرواحنا يا رب فوق أكُفِّنا نبغي ثوابك مَغْنَمًا وجوارا ندعو جهارًا لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدَّر الأقدارا ومن القادسية إلى نهاوند .فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نَظْمٌ من الشعر أو نثر من الخطب
 معركة القادسية من الداخل
ونحن في ثنايا انتصارات عمر علينا أن ندرس بعض الصور فيها من داخلها. ففي القادسية صور مضيئة جديرة بأن نقف عندها وقفة تأمل واعتبار واقتداء.ومنها: أنها ضمت في صفوفها ما يربو على ثلاثمائة صحابي، منهم تسعون بدرياً، فهي تتميز بذلك عن غيرها من المعارك. ثم انظر بعين بصيرتك إلى عمر يوم يقول لـسعد موصيًا ومودعًا -وتأمل الوصية وانظر وتفكر- [[يا سعد بن وهيب لا يغرنَّك إن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس بين الله وبين أحد نسب إلا بالتقوى]] وتأملوا الميزان والمعيار التي قد تختلف عليه الأشكال، لكن الحقيقة واحدة، في اليرموك وفي بدر وأحد وفي زمن قتيبة ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.النسب واحد؛ هو التقوى، والمعيار والميزان هو التقوى، عَضُّوا عليها. وإن كان سعد خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سعد مبشراً بالجنة، وإن كان ممن جمع له الرسول صلى الله عليه وسلم أبويه، وإن كان من قال فيه: {هذا خالي فليرني امرؤ خاله} نعم. حذار يا سعد ! من الاغترار، توجيه عمريٌ، لا تغتر بكلام الناس، والتقوى فالزم فهي المؤهَّل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].كيف لو أن عمر -يا أيها الأحبة- يرى وينظر إلى وسائلنا -وسائل الأمة المسلمة- هذه الأيام لرأى عجبًا وهي تدمر المسئولين في الأمة المسلمة، وتحوِّلهم من بشر يصيب ويخطئ ويُحاسَب إلى أناس لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، بل لا يسألون عما يفعلون. ويُرْفع شأن مختلس وغاو ويُجْفى كل ذي عقل رزين والله! أيها الأحبة: يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها، يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك -غالبًا- بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام علج من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي -غالباً- على الجيش وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين -يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة!كان في جيش المسلمين شيخ كبير قد بلغ ما يربو على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلاً قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله يقول:أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَداَ فإمَّا حياة تسرُّ الصديق وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا ويصاول ذلك العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمناً طويلاً، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارسي بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.هذا هو الإيمان درب نجاتنا فما بالنا عن دربنا نتنكَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا وسهامهم نحو الصدور تُصَوَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا والله للإنسان منهم أقرب صعب طريق الموت مرٌّ طَعْمُه حقًا ولكن الدَّنيَّة أصعب أين تربى ذلك الشيخ -أيها الأحبة- الذي عمره فوق ثمانين؟ إنه -ولا شك- في رياض كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تربى عليهما عرف مهمته في الحياة، وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله. بذل كل شئ في حياته لتحقيق هذه المهمة، وهكذا كان الواحد من سلفنا، عنده بصيرة يتحرك بها على الأرض، ويعرف كيف ينصر دينه، ويفكر كيف ينصر دينه، وبالتالي نُصِرُوا.من يتق الله وينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنْصَرُ هذه صفحة في ثنايا القادسية التي ما هي -والله الذي لا إله إلا هو- إلا جزء من جهاد في ثنايا جهاد عمر وصحبه رضوان الله عليهم الذين أرهبوا أعداء الله، ومكنوا لدين الله في الأرض، فما الحال، وما الواقع اليوم والأمة تدَّعي الصلة بذلك الجيل وتلك الطائفة؟
وقفة مع الأقصى
إن الواقع مرير، ويجب أن نعلم مرارته، لعلنا نرفع هذه المرارة، وإن الأمة ممزقة، وإن التكالب على المسلمين ورميهم عن قوس واحدة حاصل، وإن الغفلة عظيمة، وما أشبه ليلة القدس بـأندلس البارحة:أين اللواء وخيل الله يبعثها عمرو ويصرخ في آثارها عمر هذا هو الأقصى يُهَوَّدُ جهرةً وببؤسه تتحدث الأخبار هذا هو الأقصى يهود جهرة وجموعنا يا مسلمون نثار أليس لكم قلب يفيء لربه أليس لكم عين أليس لكم فم المال مقتسم والعرض منتهك والقَدْرُ محتقر والدم طوفان لا راية لبني الإسلام ظاهرة إذا تداعى خنازير وصُلْبَان أين الجيوش التي تزهو بقوتها؟ كأنها في نهار العَرْضِ بركان أين الملايين من أموال أمتنا؟ فما لها في مجال الفعل برهان هل عندكم نبأ مما يُعَدُّ لكم أم خدَّر القومَ لعَّابٌ وفنَّانُ؟ هل عندكم نبأ من أهل أندلس فقد سرى بحديث القوم رُكْبَان؟ واليوم مسرى نبي الله ضجَّ وقد غشاه مرٌ من التنكيل ألوان ذل وضعف وتمثيل ومَلْحَمَة ما ذاقها في مدار الدهر إنسان الخمر تُشْرب والأوتار صاخِبَة وللرياضة فينا القَدْرُ والشَّان أَمَا لنا في كتاب الله من عظة فقد دعانا لنصر الحق قرآنُ أَمَا لنا في طلوع الفجر من أملٍ أما تبدد عنا الشك والرَّانُ يا أمتي مزقي الأغلال وانتفضي فالمجدُ لا يمتطيه اليومَ وَسْنَانُ عودي إلى الله فالأبواب مُشْرَعةٌ وعزَّة الله للأوَّابِ عُنْوانُ واستبشري فشعاع الفجر منتشرٌ وإن تجاهل نورَ الفجرِ عُمْيَانُ وإن تراكم غَيْمُ الظلم واحتجبت شمسُ النَّهار فللإشراق إبَّانُ أيها الأحبة: ألا نملك مثل هذه الطاقات التي كانت في صفوف القادسية من أبناء العشرين إلى الثمانين إلى المائة ؟ بلى والله! إنَّا لنملك بعضًا منها، والقصور عن السلف أمر لابد منه، لكننا لا نحسن التعامل معها. تهينها الأمة وتمتهنها وتقتلها ولا تنتفع بها وهي أحوج ما تكون إليها:كالعِيسُ في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها مَحْمُول والله الذي لا إله إلا هو لا نُنْصر ما دام هذا دَيْدَن الأمة مع طاقاتها. إنه حين تُدمَّر النفوس، ويُهَان المخلصون، ويرفع المجرمون إلى مرتبة الأتقياء، ولا يُسمع الناصحون، والله! لا تنفع عندها لا دبابات، ولا طائرات، ولا أساطيل، لأنه أمر الله بالتدمير، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم: من أين يرعى الله أمتنا التي ذل التقي بها وعز المُذْنب من أين يأتيها السلام وقلبها خاوٍ وفيها الغاشِم المستكلب ومع ذلك فوالله الذي لا إله إلا هو! إنَّا لمتفائلون كثيرًا، فلا يأس، ولا قنوط، ولا خشية من نصارى ولا مجوس ولا يهود، العهد من الله تعالى لنا بالنصر. ديننا الحق، والكفر ذا دينهم كل دين سوى ديننا باطل يا قدس مهما باعدوا بيننا ففي غدٍ جيش الهدى يزحف لابد من يوم يزول الخَنَا عهد من الله لا يُخْلف لابد من يومٍ لنطق الحجر وعْدٌ من الله لا يُكْذَب ولو أن كل مسلم بصق بصقة فقذف اليهود بها لغرقوا، أو نفخ نفخة مؤمن حقاً لطاروا. طريقنا واضح كالشمس تعرفه أجيالنا بابه عزم وإيمان آمالنا لم تزل خضراء يانعة في القلب مُنْتَجَع منها وبستان وللباطل مهما اشتط وطغى ساعة، وللحق وأهله زمان آخر لا ينتهي إلى قيام الساعة.شريعة الله رغم الكفر خالدة والزيف يفنى ويفنى من له عبد ولينا الله لا نرضى به بدلاً وكيف ييئس من مولاه رحمان
 معركة القادسية من الداخل
ونحن في ثنايا انتصارات عمر علينا أن ندرس بعض الصور فيها من داخلها. ففي القادسية صور مضيئة جديرة بأن نقف عندها وقفة تأمل واعتبار واقتداء.ومنها: أنها ضمت في صفوفها ما يربو على ثلاثمائة صحابي، منهم تسعون بدرياً، فهي تتميز بذلك عن غيرها من المعارك. ثم انظر بعين بصيرتك إلى عمر يوم يقول لـسعد موصيًا ومودعًا -وتأمل الوصية وانظر وتفكر- [[يا سعد بن وهيب لا يغرنَّك إن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس بين الله وبين أحد نسب إلا بالتقوى]] وتأملوا الميزان والمعيار التي قد تختلف عليه الأشكال، لكن الحقيقة واحدة، في اليرموك وفي بدر وأحد وفي زمن قتيبة ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.النسب واحد؛ هو التقوى، والمعيار والميزان هو التقوى، عَضُّوا عليها. وإن كان سعد خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سعد مبشراً بالجنة، وإن كان ممن جمع له الرسول صلى الله عليه وسلم أبويه، وإن كان من قال فيه: {هذا خالي فليرني امرؤ خاله} نعم. حذار يا سعد ! من الاغترار، توجيه عمريٌ، لا تغتر بكلام الناس، والتقوى فالزم فهي المؤهَّل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].كيف لو أن عمر -يا أيها الأحبة- يرى وينظر إلى وسائلنا -وسائل الأمة المسلمة- هذه الأيام لرأى عجبًا وهي تدمر المسئولين في الأمة المسلمة، وتحوِّلهم من بشر يصيب ويخطئ ويُحاسَب إلى أناس لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، بل لا يسألون عما يفعلون. ويُرْفع شأن مختلس وغاو ويُجْفى كل ذي عقل رزين والله! أيها الأحبة: يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها، يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك -غالبًا- بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام علج من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي -غالباً- على الجيش وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين -يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة!كان في جيش المسلمين شيخ كبير قد بلغ ما يربو على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلاً قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله يقول:أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَداَ فإمَّا حياة تسرُّ الصديق وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا ويصاول ذلك العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمناً طويلاً، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارسي بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.هذا هو الإيمان درب نجاتنا فما بالنا عن دربنا نتنكَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا وسهامهم نحو الصدور تُصَوَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا والله للإنسان منهم أقرب صعب طريق الموت مرٌّ طَعْمُه حقًا ولكن الدَّنيَّة أصعب أين تربى ذلك الشيخ -أيها الأحبة- الذي عمره فوق ثمانين؟ إنه -ولا شك- في رياض كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تربى عليهما عرف مهمته في الحياة، وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله. بذل كل شئ في حياته لتحقيق هذه المهمة، وهكذا كان الواحد من سلفنا، عنده بصيرة يتحرك بها على الأرض، ويعرف كيف ينصر دينه، ويفكر كيف ينصر دينه، وبالتالي نُصِرُوا.من يتق الله وينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنْصَرُ هذه صفحة في ثنايا القادسية التي ما هي -والله الذي لا إله إلا هو- إلا جزء من جهاد في ثنايا جهاد عمر وصحبه رضوان الله عليهم الذين أرهبوا أعداء الله، ومكنوا لدين الله في الأرض، فما الحال، وما الواقع اليوم والأمة تدَّعي الصلة بذلك الجيل وتلك الطائفة؟
اشفاق عمر ونصحه لرعيته
صورة أخرى: روى ابن سعد في طبقاته أن عمر -رضي الله عنه- كان في سفر، فلما كان قريبًا من الروحاء سمع صوت راعٍ في جبل، فعدل إليه ونادى عمر : يا راعي الغنم! فقال له الراعي وقد عرفه: نعم يا راعيها! -يعني: يا راعي الأمة- قال عمر : لقد مررت بمكان هو أخصب من مكانك هذا، هو المكان الفلاني، وإن كل راع مسئول عن رعيته، ثم مضى عمر في طريقه. الله أكبر! يوم ترى خليفة المسلمين ينصح راعي غنم، ويدله على مكان هو أخصب من المكان الذي هو فيه، ويذكِّره بأن كل راع مسئول عن رعيته بأن يختار لها ما هو أنفع، وأن يؤثر مصالحها في كل موقف.عمر ينادي الراعي: يا راعي الغنم! والراعي يجيبه بقوله: نعم يا راعيها! أي: يا راعي الأمة، لا فرق في التزام المسئولية بين هذا وذاك. مسلمون حقًا، ومؤمنون صدقاً: (يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم).إن سيرة عمر -رضي الله عنه- شاهدُ صدقٍ على أن الوالي المسلم راع مشفق، وناصح أمين، ورائد لا يكذب أهله.عمر هو الذي كان يعالج البعير الأجرب ويقول للبعير: إني لخائف أن أسأل عما بك، ما أروعها من كلمات يستضيء بها كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين صغر الأمر أو كبر! فالمسئولية تحتِّم على كل من ائتمنه المسلمون على مصلحة من مصالحهم أن يتقي الله فيها، وأن يُحسن القيام بها؛ لينجو من العقاب غدًا. هكذا كان الراعي مشفقًا على الرعية، شديدًا على نفسه، لعله يلقى العيش الرخي في دار الخلود.من لي بجيل مستجدٍّ لم يرث إلا عن الجد القديم الأبْعَدِ يرث أبا حفص في أصالةِ رأيه أو خالداً في عزمه المتوقِّد جيل إذا سِيمَ الهوان أَبَى وإن يطلب إليه البذل لم يتردد يهوى الحياة عقيدة، ويعافها فوضى ويُدْعى للفداء فيفتدي
 معركة القادسية من الداخل
ونحن في ثنايا انتصارات عمر علينا أن ندرس بعض الصور فيها من داخلها. ففي القادسية صور مضيئة جديرة بأن نقف عندها وقفة تأمل واعتبار واقتداء.ومنها: أنها ضمت في صفوفها ما يربو على ثلاثمائة صحابي، منهم تسعون بدرياً، فهي تتميز بذلك عن غيرها من المعارك. ثم انظر بعين بصيرتك إلى عمر يوم يقول لـسعد موصيًا ومودعًا -وتأمل الوصية وانظر وتفكر- [[يا سعد بن وهيب لا يغرنَّك إن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس بين الله وبين أحد نسب إلا بالتقوى]] وتأملوا الميزان والمعيار التي قد تختلف عليه الأشكال، لكن الحقيقة واحدة، في اليرموك وفي بدر وأحد وفي زمن قتيبة ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.النسب واحد؛ هو التقوى، والمعيار والميزان هو التقوى، عَضُّوا عليها. وإن كان سعد خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سعد مبشراً بالجنة، وإن كان ممن جمع له الرسول صلى الله عليه وسلم أبويه، وإن كان من قال فيه: {هذا خالي فليرني امرؤ خاله} نعم. حذار يا سعد ! من الاغترار، توجيه عمريٌ، لا تغتر بكلام الناس، والتقوى فالزم فهي المؤهَّل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].كيف لو أن عمر -يا أيها الأحبة- يرى وينظر إلى وسائلنا -وسائل الأمة المسلمة- هذه الأيام لرأى عجبًا وهي تدمر المسئولين في الأمة المسلمة، وتحوِّلهم من بشر يصيب ويخطئ ويُحاسَب إلى أناس لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، بل لا يسألون عما يفعلون. ويُرْفع شأن مختلس وغاو ويُجْفى كل ذي عقل رزين والله! أيها الأحبة: يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها، يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك -غالبًا- بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام علج من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي -غالباً- على الجيش وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين -يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة!كان في جيش المسلمين شيخ كبير قد بلغ ما يربو على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلاً قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله يقول:أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَداَ فإمَّا حياة تسرُّ الصديق وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا ويصاول ذلك العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمناً طويلاً، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارسي بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.هذا هو الإيمان درب نجاتنا فما بالنا عن دربنا نتنكَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا وسهامهم نحو الصدور تُصَوَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا والله للإنسان منهم أقرب صعب طريق الموت مرٌّ طَعْمُه حقًا ولكن الدَّنيَّة أصعب أين تربى ذلك الشيخ -أيها الأحبة- الذي عمره فوق ثمانين؟ إنه -ولا شك- في رياض كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تربى عليهما عرف مهمته في الحياة، وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله. بذل كل شئ في حياته لتحقيق هذه المهمة، وهكذا كان الواحد من سلفنا، عنده بصيرة يتحرك بها على الأرض، ويعرف كيف ينصر دينه، ويفكر كيف ينصر دينه، وبالتالي نُصِرُوا.من يتق الله وينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنْصَرُ هذه صفحة في ثنايا القادسية التي ما هي -والله الذي لا إله إلا هو- إلا جزء من جهاد في ثنايا جهاد عمر وصحبه رضوان الله عليهم الذين أرهبوا أعداء الله، ومكنوا لدين الله في الأرض، فما الحال، وما الواقع اليوم والأمة تدَّعي الصلة بذلك الجيل وتلك الطائفة؟
عمر وحزمه مع المنافقين
صورة أخرى: أخرج ابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلا من المنافقين يقال له: بشر ؛ خاصم يهوديًا، فدعاه اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليحكم بينهما؛ لأن هذا اليهودي يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق، وأن ما جاء به هو الحق، ولكنهم قوم يستكبرون، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلم يرضَ المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب ، فذهبا إليه، وقال اليهودي لـعمر : لقد قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرضَ هذا بقضائه، وجئنا لتقضي بيننا، فقال عمر لهذا المنافق: أكذلك؟ قال: نعم. قال عمر : مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر ، واشتمل على سيفه، ثم خرج إليهما، فضرب عنق المنافق بالسيف حتى برز، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ما أحوج الأمة إلى ذلكم السيف العمريُ ليضرب ضربته فيمن يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به.ليضربها فيمن إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون.ليضربها فيمن إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون.ليضربها في الذين يرفضون التحاكم إلى شرع الله إذا كان الحق عليهم، ويرضون بالتحاكم إليه إذا كان الحق لهم.إلى أولئك جميعًا فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].
 معركة القادسية من الداخل
ونحن في ثنايا انتصارات عمر علينا أن ندرس بعض الصور فيها من داخلها. ففي القادسية صور مضيئة جديرة بأن نقف عندها وقفة تأمل واعتبار واقتداء.ومنها: أنها ضمت في صفوفها ما يربو على ثلاثمائة صحابي، منهم تسعون بدرياً، فهي تتميز بذلك عن غيرها من المعارك. ثم انظر بعين بصيرتك إلى عمر يوم يقول لـسعد موصيًا ومودعًا -وتأمل الوصية وانظر وتفكر- [[يا سعد بن وهيب لا يغرنَّك إن قيل: خال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه ليس بين الله وبين أحد نسب إلا بالتقوى]] وتأملوا الميزان والمعيار التي قد تختلف عليه الأشكال، لكن الحقيقة واحدة، في اليرموك وفي بدر وأحد وفي زمن قتيبة ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.النسب واحد؛ هو التقوى، والمعيار والميزان هو التقوى، عَضُّوا عليها. وإن كان سعد خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان سعد مبشراً بالجنة، وإن كان ممن جمع له الرسول صلى الله عليه وسلم أبويه، وإن كان من قال فيه: {هذا خالي فليرني امرؤ خاله} نعم. حذار يا سعد ! من الاغترار، توجيه عمريٌ، لا تغتر بكلام الناس، والتقوى فالزم فهي المؤهَّل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].كيف لو أن عمر -يا أيها الأحبة- يرى وينظر إلى وسائلنا -وسائل الأمة المسلمة- هذه الأيام لرأى عجبًا وهي تدمر المسئولين في الأمة المسلمة، وتحوِّلهم من بشر يصيب ويخطئ ويُحاسَب إلى أناس لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم، بل لا يسألون عما يفعلون. ويُرْفع شأن مختلس وغاو ويُجْفى كل ذي عقل رزين والله! أيها الأحبة: يوم يدخل المرء داخل معركة القادسية وغيرها، يعرف ماذا كان يجري في جيش المسلمين، وفي جيش الكافرين، يعرف حينها عوامل النصر، ومؤهلات العز، وعوامل الهزيمة. فادخل معي إلى المعركة، واسمع. كما تعلمون تبدأ المعارك -غالبًا- بالمبارزة، وبدأت المبارزة بين الصفين؛ بين صف يقول: لا إله إلا الله، وبين صفٍّ يعبد النار من دون الله، فقام علج من الفرس ما عرف الله لحظة من اللحظات، ودخل الساحة، فخرج إليه رجل من المسلمين، فتجاولا وتصاولا، فلم يلبث العلج الفارسي أن قتل المسلم. والمبارزة كما تعلمون لها تأثير نفسي -غالباً- على الجيش وعلى مستقبل المعركة، فخرج إليه رجل آخر من المسلمين وبدأت المبارزة مرة أخرى، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، ففتَّ ذلك في عَضُد المسلمين، ثم خرج ثالث من المسلمين -يتهاوون على الموت، يريدون ما عند الله- وتجاولا، فلم يلبث العلج أن قتل المسلم، فوهن ذلك في عزم المسلمين وهنًا شديدًا، كافر يقتل ثلاثة من المسلمين في تلك اللحظة الحرجة!كان في جيش المسلمين شيخ كبير قد بلغ ما يربو على ثمانين عامًا، لا يزال يجاهد والمؤمن في جهاد حتى يلقى الله ممتثلاً قول الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] خرج هذا الشيخ الكبير على فرسه لسان حاله يقول:أخي ظمئتْ للقتال السيوفُ فأورد شَبَاها الدمَ المُصْعَداَ فإمَّا حياة تسرُّ الصديق وإمَّا مماتٌ يغيظ العدا ويصاول ذلك العلج الذي انتفخ ريشه وتكبر؛ لأنه قتل ثلاثة من المسلمين، فتطاول معه زمناً طويلاً، لكن هذا الشيخ المسلم ما لبث أن قفز من خيله إلى خيل ذلك الفارسي فصارا على خيل واحدة، ثم حمل هذا الفارسي بيده وهو مدجج بالسلاح والدروع فرفعه بيديه، ثم أنزله على ركبتيه فكسر ظهره نصفين، ثم رمى به، وقال: هذا علج خبيث، لا يستحق أن يضرب بالسيف. فكبر المسلمون ودارت المعركة فكان النصر لمن ينصرون الله.هذا هو الإيمان درب نجاتنا فما بالنا عن دربنا نتنكَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا وسهامهم نحو الصدور تُصَوَّب ما بالنا نرنو إلى أعدائنا والله للإنسان منهم أقرب صعب طريق الموت مرٌّ طَعْمُه حقًا ولكن الدَّنيَّة أصعب أين تربى ذلك الشيخ -أيها الأحبة- الذي عمره فوق ثمانين؟ إنه -ولا شك- في رياض كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تربى عليهما عرف مهمته في الحياة، وهي إعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله. بذل كل شئ في حياته لتحقيق هذه المهمة، وهكذا كان الواحد من سلفنا، عنده بصيرة يتحرك بها على الأرض، ويعرف كيف ينصر دينه، ويفكر كيف ينصر دينه، وبالتالي نُصِرُوا.من يتق الله وينصر دينه لابد في ساح المعارك يُنْصَرُ هذه صفحة في ثنايا القادسية التي ما هي -والله الذي لا إله إلا هو- إلا جزء من جهاد في ثنايا جهاد عمر وصحبه رضوان الله عليهم الذين أرهبوا أعداء الله، ومكنوا لدين الله في الأرض، فما الحال، وما الواقع اليوم والأمة تدَّعي الصلة بذلك الجيل وتلك الطائفة؟
وفاة عمر بن الخطاب
الصورة الأخيرة: ويحج عمر -رضي الله عنه- فلم يضرب في طريقه فسطاطًا، وإنما كان يلقي الرداء على شجرة فيستظل بظل تلك الشجرة، وينتهي من حجِّه ولما نفر من منى رفع يديه قائلاً: [[اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مفرِّط ولا مضيع. اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك]] أخرجه البخاري . ويتقبل الله من المتقين. ويرجع إلى المدينة النبوية ، ويخطب يوم الجمعة، ويذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر -رضي الله عنه- تعلوه الكآبة والحزن، ثم يقول: رأيت كأن ديكًا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن قومًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين الستة الذي توفى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض. يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: فلم أر يومًا أكثر باكيًا ولا حزيناً من ذلك اليوم.
 دفن عمر جوار رسول الله
يحدث الإمام البخاري عن عمرو بن ميمون أن عمر -رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر انطلق إلى عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم عبد الله على عائشة واستأذن ودخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فجهشت بالبكاء، وقالت: كنت أريد ذلك المكان لنفسي، ولأوثرنَّ به عمر اليوم على نفسي، ورجع عبد الله ، فلما أقبل على عمر قيل له: هذا عبد الله قد جاء، قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه فقال لـعبد الله ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين! قد أذنت لك، وتهلل وجهه، لسان حاله: وافرحاه واطرباه : الآن ألقى الأحبَّة محمدًا وحزبه أما لسان مقاله: فالحمد لله ما كان من شيء أهم إليّ من ذلك المضجع.ثم قال: يا عبد الله ! إذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلِّم على عائشة أخرى وقل: يستأذن عمر ، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن لم تأذن فردني إلى مقابر المسلمين. وأسلم عمر الروح إلى بارئها. وحمل فكأن المسلمين لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، فما أصابهم حزن مثل حزنهم إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر . ودفن حيث أكرمه الله مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.تقول عائشة رضي الله عنها بعد ذلك: [[كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي وأضع ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله! ما دخلته إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي؛ حياءً من عمر]].فإلى السَّافرات، إلى الكاسيات العاريات نهدي هذا الكلام. دفن عمر ولم تدفن سيرته ولا أعماله، وإنما هي باقية بقاء هذا الدين لكل مقتد من المسلمين: فلقاه ربي في الجنان تحية ومن كسوة الفردوس ما لم يمزق نِلْتَ الشهادة فاهنأ أيها الـعمر بمثل عدلك تبنى مجدها الدول أمامك الجنة الخضراء فاهنأ بها لا يُرْتَجَى العمر يومًا إن دنا الأجل انْعَم بخلدك في أبهائها فرحاً إنَّ الخلود جزاء أيها البطل فالآن تنعم يا عمر بجوار من أهدى البشر فسقى رفاتك وَابـِلٌ من ماء غيث مُنْهَمِر رحم الله عمر ، وجمعنا به في دار كرامته؛ فقد عظم شخصه، وقوي خطره على أعداء الدين، كان شديدًا في سبيل إعزاز ورفعة العقيدة والدين، وفي ذات الوقت كان رقيق المشاعر، مرهف الحواس، تُشْجِيه أنَّات طفل صغير، أو نَشِيج فقير بائس، أو زفرات مهموم مغموم مكروب. لقد كان بدرًا يستضاء بنوره فأضحى رهينًا في المقابر ثاويا تغمده الرب الكريم بفضله ولا زال هَطَّال من العفو هاميا على قبره يهمي عشياً وبكرة وبوَّأه قصراً من الخلد عاليا
السعي السعي للاقتداء بالصحابة
أحبتي في الله: هذه بعض صور من حياة السلف وأخلاقهم ومناهجهم وتوجيهم وتربيتهم وثقافتهم وجهادهم، فما أحوالنا؟ وما أخلاقنا؟ وما ثقافتنا؟ وما توجيهنا؟ وما تربيتنا؟ أين نحن من هذه الأخلاق السامية الجليلة؟ إن المتأمل لأحوال المسلمين اليوم يجد البَونَ شاسعاً بيننا وبين أولئك الصَّحْب، ولكن المحب لهم بحق يسعى للتأسِّي بهم، ويجاهد نفسه ليقترب من خيامهم. وعندما يعلم الله سبحانه وتعالى صدق التوجه في الوصول إلى هذه الأخلاق العظيمة، فإنه سبحانه يعين مَنْ هذه حَالُهُ، ويأخذ بيده ويهديه سبيله المستقيم: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].ومع أن القصور عن السلف الصالح ملازم لمن جاء بعدهم، ولكن حسبنا أننا نحبهم ونجلهم وإن قصرت أخلاقنا وأعمالنا عنهم، ونحتسب عند الله جلَّ وعلا الكريم أن يجعلنا معهم، ويحشرنا في زمرتهم كما جاء هذا الوعد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها، قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس : فما فرحنا بشيء فرحنا بذلك. ثم قال: فإني أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن أكون معهم بحبي لهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم).فاللهم إنَّا نشهدك على حبنا لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، والتابعين لهم بإحسان.اللهم ألحقنا بهم، اللهم احشرنا في زمرتهم وإن قصرت أعمالنا وأخلاقنا عنهم. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم ارحم هذه الأمة رحمة عامة، يُعزُّ فيها أولياؤك، ويُذَلُّ فيها أعداؤك. اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، وأفقر عبادك إليك. اللهم أغننا عمن أغنيته عنا، اللهم لا تجعل بيننا وبينك في رزقنا أحدًا سواك. يا ذا الجلال والإكرام! لك الحمد أولاً وآخراً، وظاهرًا وباطنًا، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله الذي من فضله ألقى علي السِّتْر ثم كساني وهدى فؤادي كي يصوغ حديثه صوراً تفيد الشِّيب والشُّبَّان يا رب فاجعلها لوجهك كلها متكرمًا ثقِّلْ بها ميزاني واغفر لكل المسلمين وآلهم يوم النشور ودورة الأجفان واشمل بفضلك والديَّ برحمة وأَجِرْهُمَا من حمأة النيران ثم الصلاة على النبي وآله ما صاح صدَّاح على الأفنان والصحب والأتباع من ساروا على سبل الهدى والخير في البلدان وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 دفن عمر جوار رسول الله
يحدث الإمام البخاري عن عمرو بن ميمون أن عمر -رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر انطلق إلى عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين؛ فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم عبد الله على عائشة واستأذن ودخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فجهشت بالبكاء، وقالت: كنت أريد ذلك المكان لنفسي، ولأوثرنَّ به عمر اليوم على نفسي، ورجع عبد الله ، فلما أقبل على عمر قيل له: هذا عبد الله قد جاء، قال: ارفعوني. فأسنده رجل إليه فقال لـعبد الله ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين! قد أذنت لك، وتهلل وجهه، لسان حاله: وافرحاه واطرباه : الآن ألقى الأحبَّة محمدًا وحزبه أما لسان مقاله: فالحمد لله ما كان من شيء أهم إليّ من ذلك المضجع.ثم قال: يا عبد الله ! إذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلِّم على عائشة أخرى وقل: يستأذن عمر ، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن لم تأذن فردني إلى مقابر المسلمين. وأسلم عمر الروح إلى بارئها. وحمل فكأن المسلمين لم تصبهم مصيبة إلا يومئذ، فما أصابهم حزن مثل حزنهم إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر . ودفن حيث أكرمه الله مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.تقول عائشة رضي الله عنها بعد ذلك: [[كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي وأضع ثوبي وأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله! ما دخلته إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي؛ حياءً من عمر]].فإلى السَّافرات، إلى الكاسيات العاريات نهدي هذا الكلام. دفن عمر ولم تدفن سيرته ولا أعماله، وإنما هي باقية بقاء هذا الدين لكل مقتد من المسلمين: فلقاه ربي في الجنان تحية ومن كسوة الفردوس ما لم يمزق نِلْتَ الشهادة فاهنأ أيها الـعمر بمثل عدلك تبنى مجدها الدول أمامك الجنة الخضراء فاهنأ بها لا يُرْتَجَى العمر يومًا إن دنا الأجل انْعَم بخلدك في أبهائها فرحاً إنَّ الخلود جزاء أيها البطل فالآن تنعم يا عمر بجوار من أهدى البشر فسقى رفاتك وَابـِلٌ من ماء غيث مُنْهَمِر رحم الله عمر ، وجمعنا به في دار كرامته؛ فقد عظم شخصه، وقوي خطره على أعداء الدين، كان شديدًا في سبيل إعزاز ورفعة العقيدة والدين، وفي ذات الوقت كان رقيق المشاعر، مرهف الحواس، تُشْجِيه أنَّات طفل صغير، أو نَشِيج فقير بائس، أو زفرات مهموم مغموم مكروب. لقد كان بدرًا يستضاء بنوره فأضحى رهينًا في المقابر ثاويا تغمده الرب الكريم بفضله ولا زال هَطَّال من العفو هاميا على قبره يهمي عشياً وبكرة وبوَّأه قصراً من الخلد عاليا

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , صور وعبر للشيخ : علي عبد الخالق القرني

http://audio.islamweb.net